متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

192- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء المُهمَلة، وسكون الرَّاء (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) هو ابن خالدٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العَيْن (عَنْ أَبِيهِ) يحيى، (قَالَ: شَهِدْتُ) بكسر الهاء (عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ) بفتح العَيْن (سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ) الأنصاريَّ (عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((عن وضوء رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم، فَدَعَا بِتَوْرٍ)؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة؛ أي: إناءٍ (مِنْ مَاءٍ)، لم يذكرِ «التَّوْر» في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ، بل قال: ((فدعا بماءٍ)) (فَتَوَضَّأَ لَهُمْ، فَكَفَأَ)؛ أي: الإناء؛ أي [1] : أماله، وفي نسخةٍ: ((فكفأه))؛ بالهاء، وللأَصيليِّ: ((فأكفأ)) [2] ؛ بهمزةٍ في أوَّله، (عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاث مرَّاتٍ، (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ) هذه إحدى الكيفيَّات الخمس، (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ) وفي رواية الأَصيليِّ: ((ثمَّ أدخل يده في الإناء فغسل)) (وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى)؛ أي: معَ (الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ)؛ بالتَّكرار، (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدِهِ)؛ بالتَّوحيد، على إرادة الجنس، (وَأَدْبَرَ بِهِا)، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فأقبل بيديه وأدبر بهما))؛ أي: كلاهما مسحةً واحدةً، (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ)، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((يده في الإناء فغسل)) (رِجْلَيْهِ).

192- وبه قال: (حَدَّثَنَا)، وفي روايةٍ: ((وحدَّثنا)) (مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) _بالتَّصغير_ ابن خالدٍ، الباهليُّ، وتمام هذا الإسناد _كما سبق في باب: «غسل الرِّجلين»_ عن عمرو بن يحيى عن أبيه [3] قال: «شهدت عمرو بن أبي حسنٍ سأل عبد الله بن زيدٍ عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم...» الحديث [خ¦186] ، إلى أن قال: (قَالَ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ: ((وقال)): (مَسَحَ رَأْسَهُ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((برأسه)) (مَرَّةً) واحدةً، وأحاديث «الصَّحيحين» ليس فيها ذكر عدد المسح، وبه قال أكثر العلماء. نعم؛ روى أبو داود وابن ماجه [4] من وجهين _ صحَّح أحدهما ابن خزيمة وغيره من حديث عثمان_ تثليث مسح الرَّأس، والزِّيادة من الثَّقة مقبولةٌ، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأبي حنيفة، كما صرح به صاحب «الهداية»، لكنَّه بماءٍ واحدٍ، وعبارته: والذي يُروَى مِنَ التَّثليث محمولٌ على أنَّه [5] بماءٍ واحدٍ، وهو مشروعٌ على ما رُوِيَ عن أبي حنيفة، وحينئذٍ فليس في رواية [6] «مسح مرَّةً» حجَّةٌ على منع التَّعدُّد، لكنِ المُفتَى به عند الحنفيَّة عدم التَّثليث أيضًا [7] ، ويُحتَجُّ [8] للتَّعدُّد أيضًا بظاهر رواية مسلمٍ: «أنَّه صلى الله عليه وسلم توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا»، وبالقياس على المغسول [9] ؛ لأنَّ الوضوء طهارةٌ حكميَّةُ، ولا فرق في الطَّهارة الحكميَّة بين الغسل والمسح، وأُجيب: بأنَّ قوله: «توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا» مُجمَلٌ، قد بيَّن في الرِّوايات الصَّحيحة أنَّ المسح [/ج1ص272/] لم [10] يتكرَّر، فيُحمَل على الغالب ويختصُّ [11] بالمغسول، وبأنَّ المسح مبنيٌّ على التَّخفيف، فلا يُقاس على الغسل الذي المُراد منه: المُبالَغة في الإسباغ، وأُجيب: بأنَّ الخفَّة تقتضي عدم الاستيعاب، وهو مشروعٌ بالاتِّفاق، فليكنِ العدد كذلك، والله أعلم.

[1] «أي»: سقط من (م).
[2] في (ب): «فأكفأه».
[3] «عن أبيه»: سقط من (م).
[4] «وابن ماجه»: سقط من غير (ب) و(س).
[5] في (ص): «عليه».
[6] في (د): «روايته».
[7] «أيضًا»: سقط من غير (ب) و(س).
[8] في (ص): «محتجٌّ».
[9] في (ص): «المفعول»، وهو تحريفٌ.
[10] في (ب) و(س): «لا».
[11] في (ص) و(م): «يُخصُّ».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

192-. حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، قالَ: حدَّثنا وُهَيْبٌ، قالَ: حدَّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَىَ، عن أَبِيهِ، قالَ:

شَهِدْتُ عَمْرَو بنَ أَبِي حَسَنٍ، سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ زَيْدٍ عن وُضُوءِ النَّبِيِّ [1] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَعا بِتَوْرٍ [/ج1ص49/] مِنْ ماءٍ [2] فَتوَضَّأَ لَهُمْ [3] ، فَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، بِثَلَاثِ غَرَفاتٍ مِنْ ماءٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ [4] ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ في الإِناءِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ في الإِناءِ فَمَسَحَ بِرَأسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدِهِ [5] وَأَدْبَرَ بِهِما [6] ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ في الإِناءِ [7] فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ.

حدَّثنا [8] مُوسَىَ، قالَ: حدَّثنا وُهَيْبٌ، قالَ [9] : مَسَحَ رَأسَهُ [10] مَرَّةً. [11]

[1] رواية الأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «رسولِ اللهِ».
[2] هكذا في رواية أبي ذر والحَمُّويي والمُستملي وروايةٍ عن ابن عساكر أيضًا، وفي رواية كريمة وأخرىَ عن ابن عساكر: «فدعا بماءٍ»، وزاد في (ب، ص) نسبتَها إلى الكُشْمِيْهَنِيِّ والأصيلي.
[3] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «فَكَفَأَ [في روايةٍ عن الأصيلي: «فَأَكْفَأَ»، وفي أخرىَ عنه: «فَكَفَأَهُ»] علىَ يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ في الإِنَاءِ»، كتبت بالحمرة، وهي مثبتة كذلك في متن (ب، ص).
[4] في رواية الأصيلي زيادة: «في الإناء».
[5] هكذا في رواية ابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت وروايةٍ للأصيلي أيضًا (ب، ص)، وفي روايةٍ للأصيلي: «بيديه» كتبت بالحمرة.
[6] هكذا في رواية الأصيلي أيضًا، وفي رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت و [عط] : «بها».
[7] قوله: «في الإناء» ثابت في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا، وزاد في (ب، ص) نسبتها إلىَ رواية أبي ذر.
[8] في رواية ابن عساكر: «وحدَّثنا».
[9] في رواية أبي ذر وابن عساكر والأصيلي: «وقال»، وعزاها في (و) إلىَ رواية السَّمعاني عن أبي الوقت بدل الأصيلي.
[10] في رواية أبي ذر و [عط] : «برأسِهِ».
[11] بهامش (ن) بخط النويري رَحِمَهُ اللهُ: بلغت مقابلة بأصل السَّماع فصحَّ صحته والحمد لله.





192- ( فكفأ ) ويروى: «فأكفأ»، وَهُمَا لُغَتَانِ. [ب:17] [/ج1ص98/]


لا تتوفر معاينة

192- قوله: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ): تقدَّم في الباب قبله أنَّه ابن خالد؛ فانظره.

قوله: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى): تقدَّم الكلام عليه في الباب قبله.

[قوله: (عَنْ أَبِيهِ): تقدَّم الكلام على أبيه في الباب قبله] [1] .

قوله: (عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ): تقدَّم الكلام عليه في الباب قبله، وأنَّه صحابيٌّ.

قوله: (عَبْدَ الله بْنَ زَيْدٍ): تقدَّم أنَّه ابن عاصم المازنيُّ، وتقدَّم بعض ترجمته، وأنَّه قتل في الحرَّة رضي الله عنه في الباب قبله.

قوله: (عَنْ وُضُوءِ): هو بضمِّ الواو: الفعل، ويجوز فتحها، تقدَّم مرارًا.

قوله: (وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ): تقدَّم الكلام على ذلك، وأنَّ الصَّحيح: أنَّهما متغايران.

قوله: (إِلَى المِرْفَقَيْنِ): تقدَّم أنَّ المِرفَق؛ بكسر الميم، وفتح الفاء، والعكس مرَّات.

قوله: (حَدَّثَنَا مُوسَى): تقدَّم أنَّه ابن إِسْمَاعِيل التَّبُوْذَكيُّ، وتقدَّم الكلام على تَبُوْذَك ما هي، وبعض ترجمته.

قوله: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ وقَالَ: مَسَحَ برَأْسِهِ مرَّة): تقدَّم أنَّه ابن خالد، وأشار بذلك إلى أنَّه رواه كذلك عن موسى عن وهيب، وهو المذكور في السَّند قبله، عن عَمرو، عن أبيه، عن عَبْد الله بن زيد باللَّفظ، غير أنَّه خالف موسى بنُ إِسْمَاعِيل التَّبُوْذَكيُّ سُلَيْمَانَ بن حرب في قوله: (مَرَّةً واحدةً) ، فإنَّ سُلَيْمَان [2] في روايته ذلك: (فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ بِهِمَا) ، ولم يقل: مرَّة واحدة، فزاد موسى عن وهيب: (مرَّة واحدة) ، وهو صريح فيما بوَّب له، وإنْ كان الأوَّل مقتضاه ذلك، والله أعلم.

[1] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[2] (فإنَّ سليمان): ليس في (ب) .





لا تتوفر معاينة

192- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء المُهمَلة، وسكون الرَّاء (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) هو ابن خالدٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العَيْن (عَنْ أَبِيهِ) يحيى، (قَالَ: شَهِدْتُ) بكسر الهاء (عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ) بفتح العَيْن (سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ) الأنصاريَّ (عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((عن وضوء رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم، فَدَعَا بِتَوْرٍ)؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة؛ أي: إناءٍ (مِنْ مَاءٍ)، لم يذكرِ «التَّوْر» في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ، بل قال: ((فدعا بماءٍ)) (فَتَوَضَّأَ لَهُمْ، فَكَفَأَ)؛ أي: الإناء؛ أي [1] : أماله، وفي نسخةٍ: ((فكفأه))؛ بالهاء، وللأَصيليِّ: ((فأكفأ)) [2] ؛ بهمزةٍ في أوَّله، (عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاث مرَّاتٍ، (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ) هذه إحدى الكيفيَّات الخمس، (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ) وفي رواية الأَصيليِّ: ((ثمَّ أدخل يده في الإناء فغسل)) (وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى)؛ أي: معَ (الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ)؛ بالتَّكرار، (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدِهِ)؛ بالتَّوحيد، على إرادة الجنس، (وَأَدْبَرَ بِهِا)، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فأقبل بيديه وأدبر بهما))؛ أي: كلاهما مسحةً واحدةً، (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ)، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((يده في الإناء فغسل)) (رِجْلَيْهِ).

192- وبه قال: (حَدَّثَنَا)، وفي روايةٍ: ((وحدَّثنا)) (مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) _بالتَّصغير_ ابن خالدٍ، الباهليُّ، وتمام هذا الإسناد _كما سبق في باب: «غسل الرِّجلين»_ عن عمرو بن يحيى عن أبيه [3] قال: «شهدت عمرو بن أبي حسنٍ سأل عبد الله بن زيدٍ عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم...» الحديث [خ¦186] ، إلى أن قال: (قَالَ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ: ((وقال)): (مَسَحَ رَأْسَهُ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((برأسه)) (مَرَّةً) واحدةً، وأحاديث «الصَّحيحين» ليس فيها ذكر عدد المسح، وبه قال أكثر العلماء. نعم؛ روى أبو داود وابن ماجه [4] من وجهين _ صحَّح أحدهما ابن خزيمة وغيره من حديث عثمان_ تثليث مسح الرَّأس، والزِّيادة من الثَّقة مقبولةٌ، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأبي حنيفة، كما صرح به صاحب «الهداية»، لكنَّه بماءٍ واحدٍ، وعبارته: والذي يُروَى مِنَ التَّثليث محمولٌ على أنَّه [5] بماءٍ واحدٍ، وهو مشروعٌ على ما رُوِيَ عن أبي حنيفة، وحينئذٍ فليس في رواية [6] «مسح مرَّةً» حجَّةٌ على منع التَّعدُّد، لكنِ المُفتَى به عند الحنفيَّة عدم التَّثليث أيضًا [7] ، ويُحتَجُّ [8] للتَّعدُّد أيضًا بظاهر رواية مسلمٍ: «أنَّه صلى الله عليه وسلم توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا»، وبالقياس على المغسول [9] ؛ لأنَّ الوضوء طهارةٌ حكميَّةُ، ولا فرق في الطَّهارة الحكميَّة بين الغسل والمسح، وأُجيب: بأنَّ قوله: «توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا» مُجمَلٌ، قد بيَّن في الرِّوايات الصَّحيحة أنَّ المسح [/ج1ص272/] لم [10] يتكرَّر، فيُحمَل على الغالب ويختصُّ [11] بالمغسول، وبأنَّ المسح مبنيٌّ على التَّخفيف، فلا يُقاس على الغسل الذي المُراد منه: المُبالَغة في الإسباغ، وأُجيب: بأنَّ الخفَّة تقتضي عدم الاستيعاب، وهو مشروعٌ بالاتِّفاق، فليكنِ العدد كذلك، والله أعلم.

[1] «أي»: سقط من (م).
[2] في (ب): «فأكفأه».
[3] «عن أبيه»: سقط من (م).
[4] «وابن ماجه»: سقط من غير (ب) و(س).
[5] في (ص): «عليه».
[6] في (د): «روايته».
[7] «أيضًا»: سقط من غير (ب) و(س).
[8] في (ص): «محتجٌّ».
[9] في (ص): «المفعول»، وهو تحريفٌ.
[10] في (ب) و(س): «لا».
[11] في (ص) و(م): «يُخصُّ».





192- ( فَدَعَا بِتَوْرٍ ) للكُشْمِيهنيِّ: «بماء».

( فَكَفَأَه ) أي: أماله، وللأَصِيلي: «فأكفأه» لغتان.

( فَأَقْبَلَ بِيْدِهِ ) للكُشْمِيهنيِّ: «بيديه».


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

192- وبه قال: ((حدثنا سليمان)) بالتحتية مصغرًا ((بن حَرْب)) ؛ بفتح الحاء المهملة وسكون الرَّاء وبالموحدة ((قال: حدثنا وهيب)) ؛ بالتصغير: هو ابن خالد ((قال: حدثنا عَمرو بن يحيى)) ؛ بفتح العين المهملة، ((عن أبيه)) : يحيى المذكور ابن عمارة المازني الأنصاري ((قال: شهِدت)) بكسر الهاء من المشاهدة ((عَمرو بن أبي حَسن)) ؛ بفتح أولهما، ويدل لذلك أنه في الباب السابق أسقط عمرو بن أبي حسن؛ فافهم ((سأل)) أي: عمرُو بن أبي حسن ((عبدَ الله بن زيد)) أي: الأنصاري ((عن وُضوء)) بضم الواو ((النبي)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: عن صفته، ((فدعا)) ؛ أي: عبد الله بن زيد ((بتَوْر)) ؛ بموحدة أوله، وبعدها مثناة فوقية مفتوحة، وسكون الواو: إناء يُشْرَب فيه، أو إناء من صفر أو حجر كالإجانة، والمراد: ما فيه؛ بدليل بيانه بقوله: ((من ماء)) ، وفي رواية: (فدعا بماء) ؛ بإسقاط لفظ: (بِتَوْر) ، ((فتوضأ)) ؛ أي: عبد الله ((لهم)) اللام للتعليل؛ أي: لأجل السائل ومن معه، ((فكفأ)) ؛ بهمز آخره؛ أي: عبدُ الله الإناءَ؛ أي: أماله، وفي رواية: (فكفأه) ؛ بزيادة هاء المفعول، وفي أخرى: (فأكفأه) ؛ بهمز أوله وآخره وهاء المفعول ((على يديه)) بالتثنية ((فغسلهما)) أي: اليدين إلى الرسغين ((ثلاثًا)) ؛ أي: ثلاث مرات، والمراد: تكرار الغسلات لا الغرفات، ((ثم أدخل يده)) بالإفراد ((في الإناء)) الذي فيه الماء، فأخذ منه ماء،

[/ص166/] ((فمضمض واستنشق)) ، وقوله: ((واستنثر)) عطف تفسير للاستنشاق؛ لأنَّ الاستنشاق والاستنثار واحد، كما قاله ابن الأعرابي، وابن قتيبة، كما تقدم، ((ثلاثًا)) ؛ أي: ثلاث مرات، ((بثلاث غَرفات)) ؛ بفتح الغين المعجمة أو بضمها ((من ماء)) ؛ أي: بكل غرفة يتمضمض ويستنشق مرة واحدة، ثم ثانية، ثم ثالثة كذلك، ((ثم أدخل يده)) ؛ بالإفراد، وفي رواية: (ثم أدخل يده في الإناء) ((فغسل وجهه ثلاثًا)) ؛ أي: ثلاث مرات، والمراد: تكرار الغسلات لا الغرفات، وإن كان الظاهر أن قوله: (ثلاثًا) قيد في (أدخل) و (غسل) ، لكن المراد: تكرار الغسلات؛ ليشمل ما إذا طمس وجهه في الماء ثلاث مرات، كما اعتاده طلبة زماننا، فإنه كافٍ، لكن يحتاج للتحريك في الماء حتى يكون غسلًا مسنونًا؛ فافهم.

((ثم أدخل يده)) بالإفراد ((في الإناء)) ؛ أي: فأخذ منه ماء، ((فغسل يديه)) بالتثنية ((إلى)) أي: مع ((المِرْفقين)) ؛ بميم مكسورة، تثنية مِرفق؛ بكسرها أيضًا، ((مرتين مرتين)) ؛ بالتكرار؛ أي: غسل كل واحدة منهما مرتين، ولعل عبد الله فعل الغسلة الثالثة في كل منهما، والراوي لم يَشْهَدْها، فعبر بما شاهد؛ لأنَّ في رواية مسلم من طريق حبان بن واسع عن عبد الله بن زيد، وفيه: (ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويده اليمنى ثلاثًا، والأخرى ثلاثًا) ، وقد يقال: إنه وضوء آخر؛ لأنَّ مخرج الحديثين غير متَّحد؛ فتأمل.

((ثم أدخل يده)) بالإفراد ((في الإناء)) ؛ أي: فأخذ منه ماء، ((فمسح برأسه فأقبل بيده)) ؛ بالإفراد على إرادة الجنس، ((وأدبر بها)) ، وفي رواية: (فأقبل بيديه) ؛ بالتثنية، (وأدبر بهما) ؛ أي: كلاهما مسحة واحدة، ((ثم أدخل يده)) ؛ أي: في الإناء؛ كما صرَّح به في رواية، ((فغسل رجليه)) ؛ أي: إلى الكعبين.

وبه قال: ((حدثنا)) ، وفي رواية: (وحدثنا) بالواو ((موسى)) أي: ابن إسماعيل التبوذكي ((قال: حدثنا وهيب)) ؛ بالتصغير: هو ابن خالد الباهلي، وتمام هذا الإسناد كما ذكر أول الباب، وفي باب (غسل الرجلين إلى الكعبين) ، وذكر الحديث إلى أن قال: ((وقال)) ؛ بالواو، وفي رواية: (قال) بدون الواو: ((مسح رأسه)) ، وفي رواية: (برأسه) ((مرة)) ؛ أي: واحدة، كما تقدم التصريح بها في باب (غسل الرجلين) ، والتفاوت بين حديثي البابين أنه كرَّر لفظ: (مرتين) ههنا، وزاد الباء في (برأسه) على رواية، ولفظ (الإناء) ، لكن هناك ذكر (التور) في أحد الروايتين، ونقص هنا (واحدة) في الآخر، ونقص فيما قبله (مرة واحدة) ولفظ: (إلى الكعبين) ، والمذكور من حديث الجماعة: هو مسح الرأس مرة واحدة؛ ولهذا قال أبو داود في «سننه» [1] : (أحاديث عثمان بن عفان الصحاحتدل على مسح الرأس أنَّه مرة واحدة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثًا، وقالوا فيها: مسح رأسه، ولم يذكروا عددًا كما ذكروا في غيره) ، ووصف عبد الله بن زيد وضوءَه عليه السلام قال: (مسح برأسه مرة واحدة) ، متفق عليه، وحديث علي رضي الله عنه، وفيه: (مسح رأسه مرة واحدة) ، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) ، وكذا وصف عبد الله بن أبي أوفى، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، والربيع كلهم قالوا: (ومسح برأسه مرة واحدة) ، ولم يصح في أحاديثهم شيء صريح في تكرار المسح، وبها أخذ الإمام الأعظم والجمهور من الصحابة والتابعين، فالمسح على الرأس مرة واحدة سنة مؤكدة، كما في أكثر الكتب، وما ذكره الإمام القدوري من أنَّه مستحب ضعيف، والصحيح الأول.

قال في «فتح القدير»: (إنَّه إذا داوم على ترك الاستيعاب بلا عذر؛ يَأْثَمُ لظهور رغبته عن السنة) انتهى، ويسن أن يكون الاستيعاب بماء واحد؛ لما قدمناه من أن أكثر الأحاديث لم يذكروا عددًا، ولأن التثليث في المسح لا يُفيد؛ لأنَّ تكراره في الغسل لأجل المبالغة في التنظيف، ولا يحصل ذلك بالمسح، فلا يفيد التكرار، وكذا في مسح الخف والجبيرة والتيمم، فلو ثلَّث المسح بماء واحد، فالأوجه أنَّه مكروه، كما في «شرح المنية»، و«المحيط»، و«البدائع»، وفي «الخانية»: (لا يُكْرَهُ، ولا يُسَنُّ، ولا يكون أدبًا) انتهى، لكن المعتمد الأول، وقال الشافعي: (المسنون ثلاث مسحات) ، قال ابن بطال: (والحجة عليه أنَّ المسنون يحتاج إلى شرع) ، وأجاب الكرماني بأنَّ الشرع الذي دل على تثليث المسح ما رواه أبو داود عن شقيق بن سلمة قال: رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثًا ومسح رأسه ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله عليه السلام فعل هذا.

قلت: وهذا لا يدل على ما قاله؛ لأنَّ البيهقي قال: (وروي من أوجه غريبة عن عثمان ذكر التكرار في مسح الرأس إلا أنها مع خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة، وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها) انتهى.

وقال العجلوني: ويدل للتعدد ظاهر رواية مسلم: (أنه عليه السلام توضأ ثلاثًا ثلاثًا) .

قلت: وهو لا يدل على التعدد، كما زعم؛ لأنَّ قوله: (توضأ ثلاثًا ثلاثًا) ؛ أي: في الأعضاء المغسولة لا في مسح الرأس، كما بيَّنَتْها الروايات الأُخَر، فإنها مقيدة بأنَّ المسح مرة واحدة، فيجب حمل المطلق على المقيد، كما لا يخفى.

وروى الدارقطني في «سننه»: عن محمد بن محمود الواسطي، عن شعيب بن أيوب، عن أبي يحيى الحماني، عن أبي حنيفة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي رضي الله عنه: (أنه توضأ...) ؛ الحديث، وفيه: (ومسح برأسه ثلاثًا) ، ثم قال: (هكذا رواه أبو حنيفة عن خالد بن علقمة، وخالفه جماعة من الحفاظ الثقات عن خالد بن علقمة، فقالوا فيه: «ومسح رأسه مرة واحدة»، ومع خلافه إياهم قال: «إن السنة في الوضوء مسح الرأس مرة واحدة») .

قال في «عمدة القاري»: (قلت: الزيادة عن الثقة مقبولة، ولا سيما من مثل الإمام الأعظم التابعي الجليل، وأمَّا قوله: «فقد خالف في حكم المسح»؛ غير صحيح؛ لأنَّ تكرار المسح مسنون عند الإمام الأعظم أيضًا، صرَّح بذلك في «الهداية»، ولكن بماء واحد) انتهى، قلت: هذه رواية الإمام الحسن عن الإمام الأعظم، وهي رواية ضعيفة، كما يدل لذلك عبارة «الهداية».

وقال في «فتح القدير»: (وروى الحسن عن الإمام الأعظم في «المجرد»: «إذا مسح ثلاثًا بماء واحد؛ كان مسنونًا») انتهى؛ أي: وأن المعتمد ما قدمناه، لا يقال: إن الزيادة تَرِدُ على الإمام الأعظم في قوله: (لا يسنُّ التثليث بماء واحد) ؛ لأنَّا نقول: هذا لا يرد عليه أصلًا، وإن كان رواه؛ لما ترجح عنده أن رواية المسح مرة أرجح.

ويدل لذلك ما قاله الدارقطني: (وخالفه جماعة من الحفاظ الثقات عن خالد، وقالوا: ومسح برأسه مرة واحدة) ، فهو دليل على أرجحية رواية: المسح مرة علىالمسح ثلاثًا.

قال القسطلاني كابن حجر: وروى أبو داود من طريقين صحح أحدهما ابن خزيمة من حديث عثمانبتثليث مسح الرأس،[/ص167/]

والزيادة من الثقة مقبولة، قال العجلوني: (فيُحْمَلُ قول أبي داود أيضًا: «الروايات الصحيحة عن عثمان ليس فيها عدد لمسح الرأس»؛ أي: في غير هذين الطريقين [2] ) انتهى.

قلت: وهذا تخصيص بلا مخصص، فإنَّ قولَ أبي داود: (الروايات...) إلخ لفظٌ عام في جميع الروايات، والحمل لا بدَّ له من تقييد وقرينة تدل عليه ولم يوجد، فالحمل غير صحيح.

وقال الكرماني: الدليل على التعدد القياس على سائر الأعضاء، انتهى.

وأجيب: بأن المسح مبني على التخفيف بخلاف الغسل، ولو شرع التكرار؛ لصار بصورة المغسول، وقد ثبت الإجماع على كراهة غسل الرأس بدلًا عن المسح، وإن كان مجزئًا؛ لمخالفته النص.

وأجيب: بأنَّ الخفة تقتضي عدم الاستيعاب، وهو مشروع بالاتفاق، فليكن العدد كذلك، قاله القسطلاني والعجلوني، ورده ابن حجر في «الفتح» بالحديث المشهور الذي رواه ابن خزيمة وغيره وصححوه من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص في صفة الوضوء؛ حيث قال النبي عليه السلام بعد أن فرغ من الوضوء: «من زاد على هذا؛ فقد أساء وظلم»؛ فإن في رواية سعيد بن منصور التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، فدل ذلك على أن الزيادة في مسح الرأس على المرة الواحدة غير مستحبة، ويُحْمَلُ ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح _إن صحَّت_ على إرادة الاستيعاب بالمسح لا أنَّها مسحات مستقلة لجميع الرأس؛ جمعًا بين هذه الأدلة، انتهى، ويفهم من قوله: (إن صحت) على أنها ضعيفة، وهو كذلك، كما قاله الحفاظ الثقات، وقال في «عمدة القاري»: (وفيه نظر؛ لأنَّ الاستيعاب بالمسح لا يتوقَّف على العدد؛ أي: بل إنه يحصل بمرة واحدة، ولو لم يحصل بها؛ لما ورد في الأحاديث الصحاح، وإن كان نص في بعض الروايات على التثليث، لكنه قد أنكرها الحفاظ الثقات، ولئن سُلِّم؛ فهي ضعيفة لا يعوَّل عليها) ، ثم قال: (والصواب أن يقال: الحديث الذي فيه المسح ثلاثًا لا يقاوم الأحاديث التي فيها المسح مرة واحدة) انتهى؛ أي: لقوتها وأرجحيتها وضعف الحديث، ولا ريب أن الصحيح لا يقاوم الضعيف، ولهذا قال الترمذي: (والعمل على أن المسح مرة واحدة عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله عليه السلام ومن بعدهم) .

وقال أبو عمر [3] بن عبد البر: (كلهم يقول: مسح الرأس مسحة واحدة) ، وقال الكرماني: (ودلالة الحديث على الترجمة من حيث إنه أطلق «مسح برأسه» من غير تقييد بعدد، ومن حيث حمله على الرواية السابقة، وعلى الأخيرة المصرَّح فيها بـ«مرة»، وهي ظاهرة في الوحدة، ولعل اختيار المؤلف رواية سليمان؛ لأنَّه ساق الكلام فيها لهذا الغرض دون رواية وهيب) انتهى.

قال العجلوني: (وفيه تأمل، ولم يذكر وجهه) ، قلت: ولعل وجهه أنه لم يَظْهَرْ فرقٌ بين الروايتين من حيث السند إلا أن الرواية الأولى عن موسى وهنا عن سليمان، وكل واحد منهما شيخ للمؤلف من غير فرق بينهما، وسياق الكلام هنا عن سليمان لا يدل على اختيار المؤلف لها؛ لأنَّ عادة المؤلف تكرار الحديث؛ لأجل التراجم بروايات مختلفة؛ للتنبيه على كثرة أشياخه لا أنه اختار رواية سليمان على رواية وهيب؛ فافهم، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (ستة)، ولعله تحريف عن المثبت.
[2] في الأصل: (الطريق) .
[3] في الأصل: (عمرو)، وليس بصحيح.