متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

190- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ) البغداديُّ، المُستملي لسفيان بن عُيَيْنَةَ وغيره، وهو أحد الحفَّاظ، المُتوفَّى فجأةً سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ)؛ بالحاء المُهمَلة، والمُثنَّاة الفوقيَّة، الكوفيُّ، نزيل المدينة، المُتوفَّى بها سنة ستٍّ وثمانين ومئةٍ في خلافة هارون، (عَنِ الْجَعْدِ)؛ بفتح الجيم، وسكون العَيْن المُهمَلة، وللأكثر [1] : ((الْجُعيد))؛ بالتَّصغير، وهو المشهور، ابن عبد الرَّحمن [/ج1ص270/] ابن أوسٍ، المدنيُّ الكنديُّ (قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ)؛ بالسِّين المُهمَلة، والمُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره مُوحَّدةٌ، والثَّاني: مِنَ الزِّيادة، الكنديَّ، من صغار الصَّحابة، كان مع أبيه في حجَّة الوداع وهو ابن سبع سنين، ووُلِد في السَّنة الثَّانية من الهجرة، وخرج مع الصِّبيان إلى ثنيَّة الوداع لتلقِّي [2] النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مقدمه من تبوك، وتُوفِّي بالمدينة سنة إحدى وتسعين، له في «البخاريِّ» ستَّة أحاديث رضي الله عنه، (يَقُولُ: ذَهَبَتْ)؛ أي: مضت (بِي خَالَتِي) لم تُسمَّ (إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي) عُلْبة [3] ؛ بالعين المُهمَلة [4] المضمومة، واللَّام السَّاكنة، والمُوحَّدة، بنت شُرَيْحٍ، (وَقِعٌ)، بفتح الواو، كسر القاف، والتَّنوين؛ أي: أصابه وجعٌ في قدميه، أو يشتكي لحم رجليه من الحفاء؛ لغلظ الأرض والحجارة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((وَقْعَ))؛ بفتح القاف، بلفظ الماضي؛ أي: وقع في المرض، وفي «الفرع» لأبي ذَرٍّ وكريمة وأبي الوقت: ((وَجِعٌ))؛ بفتح الواو، وكسر الجيم، والتَّنوين، وعليه الأكثرون، والعرب تسمِّي كلَّ مرضٍ وجعًا، قال السَّائب: (فَمَسَحَ) عليه الصلاة والسلام (رَأْسِي) بيده الشَّريفة، (وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ)؛ بفتح الواو؛ أي: مِنَ الماء المتقاطر من أعضائه الشَّريفة، وبهذا التَّفسير تقع المُطابَقة بين التَّرجمة والحديث؛ إذ فيه: دلالةٌ على طهارة الماء المُستعمَل، (ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ) عليه الصلاة والسلام، (فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ)؛ بكسر تاء «خاتم»؛ أي: فاعل الختم؛ وهو الإتمام والبلوغ إلى الآخر، وبفتحها بمعنى: الطَّابع، ومعناه: الشَّيء الذي هو دليلٌ على أنَّه لا نبيَّ بعده، وفيه: صيانةٌ لنبوَّته عليه الصلاة والسلام عن تطرُّق القدح إليها، صيانة الشَّيء المستوثق بالختم، وفي رواية أحمد من حديث عبد الله بن سَرْجِس [5] : في نغْض كتفه اليسرى؛ بضمِّ النُّون وفتحها، وسكون الغَيْن المُعجَمة، آخره ضادٌ مُعجَمةٌ، أعلى الكتف أو العظم [6] الدَّقيق [7] الذي على طرفه (مِثْلَ)؛ بكسر الميم، وفتح اللَّام، مفعول «نظرت»، وللأَصيليِّ: ((مثلِ)) بكسرها بدلٌ من المجرور، (زِرِّ الْحَجَلَةِ)؛ بكسر الزَّاي، وتشديد الرَّاء، واحد: الأزرار، و«الحَجَلة»: بفتح المُهمَلَة والجيم، واحدة الحجال؛ وهي بيوتٌ تُزيَّن بالثِّياب والسُّتور والأسِرَّة، لها عُرًى وأزرارٌ، وفي رواية أحمد من حديث أبي رمثة [8] التَّيميِّ قال: خرجت مع أبي حتَّى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت على كتفه مثل التُّفَّاحة، فقال أبي: إنِّي طبيبٌ، ألا أبُطُّها [9] لك؟ قال: «طبيبُها [10] الذي خلقها»، فإن قلت: هل وضع الخاتم بعد مولده عليه الصلاة والسلام أو وُلِدَ وهو به؟ أُجيب: بأنَّ في «الدَّلائل» لأبي نُعيمٍ: «أنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا وُلِدَ ذكرت أمُّه أنَّ الملَك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمساتٍ، ثمَّ أخرج صرَّةً من حريرٍ أبيض فإذا فيها خاتمٌ، فضرب به على كتفه؛ كالبيضة المكنونة تضيء كالزَّهرة»، فهذا صريحٌ في وضعه بعد مولده، وقِيلَ: وُلِدَ به، والله أعلم، وفي كتابي [11] «المواهب» مزيدٌ لذلك، ويأتي _إن شاء الله تعالى_ في «صفته عليه الصلاة والسلام» مزيدُ بحثٍ لذلك.

ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين بغداديٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث، والعنعنة، والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف في «صفته عليه الصلاة والسلام» [خ¦3541] ، وفي «الطِّبِّ» [خ ¦5670] ، و«الدَّعوات» [خ¦6352] ، ومسلمٌ في «صفته عليه الصلاة والسلام»، والتِّرمذيُّ في «المناقب» وقال: حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه، والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ».

[1] في (ب) و(س): «وللأكثرين»، وفي (م): «والأكثر».
[2] في (م): «ليلقى».
[3] في (د): «علية»، وهو تصحيفٌ.
[4] «المُهمَلَة»: سقط من غير (ب) و(س).
[5] في (د): «جرجس»، وليس بصحيحٍ.
[6] «أو العظم»: سقط من (م).
[7] في (ص) و(م): «الرقيق».
[8] في (م): «رمية»، وفي سائر النُّسخ: «رميمة»، والتَّصحيح من «مسند أحمد» وكتب التَّراجم.
[9] في (ص): «أطيِّبها»، وفي غير (م): «أطبُّها».
[10] في (م): «طيَّبها».
[11] في (ص): «كتاب».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

190-. حدَّثنا [1] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ يُونُسَ، قالَ: حدَّثنا حاتِمُ بنُ إِسْماعِيلَ، عن الجَعْدِ، قالَ:

سَمِعْتُ السَّائِبَ بنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خالَتِي إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ [2] . فَمَسَحَ رَأسِي، وَدَعا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إلىَ خاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ [3] زِرِّ الحَجَلَةِ.

[1] في رواية المُستملي وأبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «بابٌ: حدَّثنا»، وهي مثبتة في متن (ب، ص).
[2] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «وَقِعٌ»؛ بكسر القاف، وفي رواية أبي ذر ونسخة السميساطي: «وَقَعَ» بفتح القاف.
[3] بالنصب؛ مفعولُ «نَظَرتُ»، وفي رواية الأصيلي: «مِثْلِ» بالجر؛ بدلًا من «خاتَم».





190- ( وَجِعٌ ) كذا لأكثر الرواة، وفي رواية ابن السكن: «وقع» بالقاف، وذكرها البخاري في المناقب، أي: به وجع في القدمين.

( مِثْلِ زِرِّ ) بجر ( مثل ) على النعت لـ( خاتم )، وبنصبه على الحال، أي: مشبهًا زر الحَجَلة، وهي التي تُشدُّ على حجال العرائس من الكلل والستور، ووَهِم من ظنها بيضة حجل الطائر.


190# (وَجِعٌ) كذا لأكثر الرواة [1] بالجيم المكسورة، وذكرها البخاري في: المناقب؛ أي: به [2] وجعٌ في رجليه، وفي رواية ابن السكن: <وَقِعٌ> بالقاف، وهو بمعنى الأول؟

@%ج1ص130%

أي: مُشتكٍ مريضٌ.

(مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ) قال الزركشي: بجرِّ ((مثل)) على النعت لـ ((خاتم النبوة)).

قلتُ: مثل لا يتعرَّفُ بالإضافة. وبالنصب على الحال؛ أي: مشبهاً [3] لزرِّ الحجلة، وهي التي تُشد على حِجال العرائس من الكِلَل والستور، ووهِمَ مَنْ ظنَّها بيضة حَجَلِ الطير.

[1] في (ق): ((الروايات)).
[2] ((به)): ليست في (د).
[3] في (ق): ((مشتبهاً)).





190- قوله: (عَنِ الجَعْدِ): هو ابن عَبْد الرَّحمن، ويقال له: الجُعَيْد؛ بالتَّصغير، عنِ السَّائب بن يزيد وجماعة، وعنه: يحيى القطَّان ومكِّيٌّ، وهو ثقةٌ، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.

قوله: (السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ): هو السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ بن سعيد أبو يزيد، المعروف بابن أخت نمر، قيل: إنَّه ليثيٌّ كنانيٌّ، وقيل: أزديٌّ، وقيل: كنديٌّ، وقيل: هذليٌّ، حليف بني أميَّة، ولد في السَّنة الثَّانية من الهجرة، وخرج في الصبيان إلى ثنيَّة الوداع يتلقَّى النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مقدمه من تبوك، وشهد حجَّة الوداع، وذهبت به خالته -و لا أعرف اسمها، [ورأيت في كلام بعض حفَّاظ العصر: أنَّ اسمها فاطمة، انتهى، قد رأيت في «تجريد» الذَّهبيِّ: (فاطمة بنت شريح) ، قال: ذكرها أبو عبيدة في الزوجات، كذا قال ابن [1] بشكوال، انتهى] [2] ، وأمُّه اسمها عليَّة بنت شريح- إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فدعا له ومسح برأسه، وقال: (نظرت إلى خاتم النُّبوَّة) ، أخرج له الجماعة، وأحمد في «المُسند»، توفِّي سنة (91 هـ ) ، وقيل: سنة (86 هـ ) .

قوله: (ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي): تقدَّم أعلاه أنِّي لا أعرف اسمها، [وتقدَّم ما رأيته عن بعض حفَّاظ العصر من أنَّ اسمها فاطمة] [3] وهي مذكورة في الصَّحابيَّات بخالة السَّائب [4] ، وتقدَّم أعلاه أنَّ أمَّه اسمها عليَّة بنت شريح، وهي صحابيَّة مشهورة رضي الله عنها وعن خالته وعنه [5] .

قوله: (وَجِعٌ): هو بفتح الواو، وكسر الجيم، كذا في النُّسخة التي سمعت منها على شيخنا العراقيِّ، قال ابن قُرقُول: («وجع»: كذا لأكثرهم، وعند ابن السَّكن في باب «استعمال وضوء النَّاس»: «وَقِعٌ»، وهو بمعنى: وجع؛ أي: مشتكٍ مريضٌ) ، وقال شيخنا الشَّارح: (كذا رواه ابن السَّكن، وقال الإِسْمَاعِيليُّ: كذا هو في «البخاريِّ»، والأكثرون يقولون: «وجِع»، وفي رواية أبي ذرٍّ: «وقع» على لفظ الماضي، وقال ابن بطَّال: «وقع»: معناه في المرض) ، قال: (وإنْ كان روي بكسر القاف؛ فأهل اللُّغة يقولون: وقِعَ الرَّجلُ؛ إذا اشتكى لحم قدمه...) إلى أنْ قال: (والمعروف عندنا: «وقَعَ»؛ بفتح القاف والعين، وقوَّاه شيخنا الشَّارح بما هو مذكور في «ابن سيده»؛ فذكره [6] ) انتهى.

قوله: (مِثْل زِرِّ الحَجَلَةِ [7] ): هو بجرِّ (مثل) صفة لـ (خاتم) ، ونصبها على الحال؛ أي: مشبهًا زرَّ الحجلة.

قوله: (زِرِّ الحَجَلَةِ): هو ما يدخل في عراها، قال ابن قُرقُول: (كذا في «مسلم»، وفي «البخاريِّ» مثله في «باب خاتم النُّبوَّة»، وجاء للقابسيِّ في موضع [8] آخر: بسكون الجيم، فقال البخاريُّ في تفسيره: «الحُجْلة: من حُجَل الفرس الذي بين عينيه»، كذا قيَّده بعضهم بضمِّ الحاء وسكون الجيم في الأوَّل، وبضَمِّها وفتح الجيم من الثَّاني، وبعضهم: بكسر الحاء، وبفتح الجيم أيضًا، فإنْ كان البخاريُّ سمَّى البياض بين عيني الفرس: حُجْلة؛ لكونه بياضًا، كما سُمِّي بياض القوائم [تحجيلًا] ؛ فما معنى ذكر (الزر) مع هذا؟ لا يتَّجه لي فيه وجه، وفسَّر التِّرمذيُّ في كتابه (الزرَّ) بالبيض، فقال: (زرُّ [9] الحُجْلة: بيضها) ، فـ(الحُجْلة) عنده: الطائر الذي يُسمَّى القَبْج، وقال الخطَّابيُّ بتقديم الرَّاء على الزاي، كأنَّه [10] أخذه من رَزِّ الجراد؛ وهو بيضها، فاستعاره للطَّائر، وأمَّا تسمية البيض بـ«زرٍّ»؛ فلا أعرف له وجهًا، وإنَّما الزِّرُّ واحدُ الأزرار التي تدخل في العُرى؛ كأزرار القميص، و«الحَجَلَة»: إحدى الحجال؛ وهي سُتُور، وهذا أولى ما قيل، وكأنَّ من فسَّر الزرَّ بالبيض؛ نظر إلى ما ورد في بعض طرق هذا الحديث: «مثل بيضة الحمامة»، ثُمَّ رأى: «زِرَّ الحجلة»؛ ففسَّره ببيضها؛ اعتمادًا على ما وجد من ذكر بيضة الحمامة) [11] انتهى، وسيأتي الكلام فيه أيضًا إنْ شاء الله تَعَالَى مع زيادة إبراهيم بن حمزة كيف النُّطق بها في (باب خاتم النُّبوَّة) إنْ شاء الله تَعَالَى وقدَّره.

مسألة: سئلت عن خاتم النُّبوَّة: هل هو من خصائصه أو أنَّ كلَّ نبيٍّ مختوم بخاتم النُّبوَّة؟

فأجبت: بأنِّي لا أستحضر في ذلك شيئًا، ولكن الذي يظهر لي أنَّه من خواصِّه؛ لأنَّه خُتِم به لمعانٍ؛ أحدها: أنَّه إشارة إلى أنَّه خاتم النَّبيِّين، وليس كذلك غيره، ولأنَّ باب النُّبوَّة قد خُتِم به، فلا يُفتَح بعده.

وممَّا يسأل عنه أيضًا: أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام ولد من بطن أمِّه مختومًا بخاتم النُّبوَّة، أو جُعِل الخاتم بين كتفيه بعدما ولد عندما شُقَّ صدره عند ظئره حليمة أو حين نبِّئ؟

وجوابه: أنَّه روى ابن أبي الدُّنيا وغيره بإسناد يرفعه إلى أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: (قلت: يا نبيَّ الله؛ كيف علمت أنَّك نبيٌّ وبِم علمت حتَّى استيقنت؟ قال: «يا أبا ذرٍّ؛ أتاني مَلَكان وأنا ببطحاء مكَّة، فوقع أحدهما بالأرض»؛ فذكر قصَّة، وأنَّه وُزِن برجل، ثُمَّ بعشرة، ثُمَّ بمئة، ثُمَّ بألف... إلى أنْ قال: «وجُعِل الخاتم بين كتفيَّ كما هُوَ الآن، ووَلَّيا عنِّي، فكأَنِّي أعاين الأمر معاينة»، وفي «سيرة مغلطاي الصُّغرى»: (وقيل: وُلد وهو به) ، وسيأتي في (باب خاتم النُّبوَّة) الرِّوايات في صفة هذا الخاتم والمسألة والسُّؤال [12] إنْ شاء الله تَعَالَى وقدَّره. [/ج1ص92/]

[1] (ابن): ليس في (ب) .
[2] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[3] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[4] زيد في (ج): (وليتثبت من اسمها) ، وضرب عليها في (أ) .
[5] (وعن خالته وعنه): ليس في (ب) .
[6] (فذكره): ليس في (ج) .
[7] في هامش (ق): (الحجلة: طائر معروف، والزر: موضع الأزرار؛ وهو طوقه) .
[8] في (ج): (مواضع) .
[9] في (ب): (زرا) ، وفي (ج): (وزر) .
[10] في (ج): (فكأنَّه) .
[11] «مطالع الأنوار» (*) .
[12] (والمسألة والسؤال): ليس في (ج) .





190- (مِثْل زِرِّ): بجرِّ (مِثْلِ) على النَّعت لـ (خَاتَمِ)، وبنصبِه على الحال؛ أي: مُشْبِهًا زِرَّ الحَجَلَةِ [1] .

[1] رواية الأصيلي: (مِثْلِ) بالجرِّ، ورواية غيرِه: (مِثْلَ) بالنصب.





190- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ) البغداديُّ، المُستملي لسفيان بن عُيَيْنَةَ وغيره، وهو أحد الحفَّاظ، المُتوفَّى فجأةً سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ)؛ بالحاء المُهمَلة، والمُثنَّاة الفوقيَّة، الكوفيُّ، نزيل المدينة، المُتوفَّى بها سنة ستٍّ وثمانين ومئةٍ في خلافة هارون، (عَنِ الْجَعْدِ)؛ بفتح الجيم، وسكون العَيْن المُهمَلة، وللأكثر [1] : ((الْجُعيد))؛ بالتَّصغير، وهو المشهور، ابن عبد الرَّحمن [/ج1ص270/] ابن أوسٍ، المدنيُّ الكنديُّ (قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ)؛ بالسِّين المُهمَلة، والمُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره مُوحَّدةٌ، والثَّاني: مِنَ الزِّيادة، الكنديَّ، من صغار الصَّحابة، كان مع أبيه في حجَّة الوداع وهو ابن سبع سنين، ووُلِد في السَّنة الثَّانية من الهجرة، وخرج مع الصِّبيان إلى ثنيَّة الوداع لتلقِّي [2] النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مقدمه من تبوك، وتُوفِّي بالمدينة سنة إحدى وتسعين، له في «البخاريِّ» ستَّة أحاديث رضي الله عنه، (يَقُولُ: ذَهَبَتْ)؛ أي: مضت (بِي خَالَتِي) لم تُسمَّ (إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي) عُلْبة [3] ؛ بالعين المُهمَلة [4] المضمومة، واللَّام السَّاكنة، والمُوحَّدة، بنت شُرَيْحٍ، (وَقِعٌ)، بفتح الواو، كسر القاف، والتَّنوين؛ أي: أصابه وجعٌ في قدميه، أو يشتكي لحم رجليه من الحفاء؛ لغلظ الأرض والحجارة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((وَقْعَ))؛ بفتح القاف، بلفظ الماضي؛ أي: وقع في المرض، وفي «الفرع» لأبي ذَرٍّ وكريمة وأبي الوقت: ((وَجِعٌ))؛ بفتح الواو، وكسر الجيم، والتَّنوين، وعليه الأكثرون، والعرب تسمِّي كلَّ مرضٍ وجعًا، قال السَّائب: (فَمَسَحَ) عليه الصلاة والسلام (رَأْسِي) بيده الشَّريفة، (وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ)؛ بفتح الواو؛ أي: مِنَ الماء المتقاطر من أعضائه الشَّريفة، وبهذا التَّفسير تقع المُطابَقة بين التَّرجمة والحديث؛ إذ فيه: دلالةٌ على طهارة الماء المُستعمَل، (ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ) عليه الصلاة والسلام، (فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ)؛ بكسر تاء «خاتم»؛ أي: فاعل الختم؛ وهو الإتمام والبلوغ إلى الآخر، وبفتحها بمعنى: الطَّابع، ومعناه: الشَّيء الذي هو دليلٌ على أنَّه لا نبيَّ بعده، وفيه: صيانةٌ لنبوَّته عليه الصلاة والسلام عن تطرُّق القدح إليها، صيانة الشَّيء المستوثق بالختم، وفي رواية أحمد من حديث عبد الله بن سَرْجِس [5] : في نغْض كتفه اليسرى؛ بضمِّ النُّون وفتحها، وسكون الغَيْن المُعجَمة، آخره ضادٌ مُعجَمةٌ، أعلى الكتف أو العظم [6] الدَّقيق [7] الذي على طرفه (مِثْلَ)؛ بكسر الميم، وفتح اللَّام، مفعول «نظرت»، وللأَصيليِّ: ((مثلِ)) بكسرها بدلٌ من المجرور، (زِرِّ الْحَجَلَةِ)؛ بكسر الزَّاي، وتشديد الرَّاء، واحد: الأزرار، و«الحَجَلة»: بفتح المُهمَلَة والجيم، واحدة الحجال؛ وهي بيوتٌ تُزيَّن بالثِّياب والسُّتور والأسِرَّة، لها عُرًى وأزرارٌ، وفي رواية أحمد من حديث أبي رمثة [8] التَّيميِّ قال: خرجت مع أبي حتَّى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت على كتفه مثل التُّفَّاحة، فقال أبي: إنِّي طبيبٌ، ألا أبُطُّها [9] لك؟ قال: «طبيبُها [10] الذي خلقها»، فإن قلت: هل وضع الخاتم بعد مولده عليه الصلاة والسلام أو وُلِدَ وهو به؟ أُجيب: بأنَّ في «الدَّلائل» لأبي نُعيمٍ: «أنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا وُلِدَ ذكرت أمُّه أنَّ الملَك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمساتٍ، ثمَّ أخرج صرَّةً من حريرٍ أبيض فإذا فيها خاتمٌ، فضرب به على كتفه؛ كالبيضة المكنونة تضيء كالزَّهرة»، فهذا صريحٌ في وضعه بعد مولده، وقِيلَ: وُلِدَ به، والله أعلم، وفي كتابي [11] «المواهب» مزيدٌ لذلك، ويأتي _إن شاء الله تعالى_ في «صفته عليه الصلاة والسلام» مزيدُ بحثٍ لذلك.

ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين بغداديٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث، والعنعنة، والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف في «صفته عليه الصلاة والسلام» [خ¦3541] ، وفي «الطِّبِّ» [خ ¦5670] ، و«الدَّعوات» [خ¦6352] ، ومسلمٌ في «صفته عليه الصلاة والسلام»، والتِّرمذيُّ في «المناقب» وقال: حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه، والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ».

[1] في (ب) و(س): «وللأكثرين»، وفي (م): «والأكثر».
[2] في (م): «ليلقى».
[3] في (د): «علية»، وهو تصحيفٌ.
[4] «المُهمَلَة»: سقط من غير (ب) و(س).
[5] في (د): «جرجس»، وليس بصحيحٍ.
[6] «أو العظم»: سقط من (م).
[7] في (ص) و(م): «الرقيق».
[8] في (م): «رمية»، وفي سائر النُّسخ: «رميمة»، والتَّصحيح من «مسند أحمد» وكتب التَّراجم.
[9] في (ص): «أطيِّبها»، وفي غير (م): «أطبُّها».
[10] في (م): «طيَّبها».
[11] في (ص): «كتاب».





190- ( وَقِعٌ ): بكسر القاف والتَّنوين، وللكُشْمِيهنيِّ بلفظ الماضي، ولكريمة: «وَجِع» بالجيم والتَّنوين، والوقع: وجع في القدمين.

( مِثْلِ ): بالجرِّ نعتًا، والنَّصب حالًا.

( زِرِّ الْحَجَلَةِ ): بكسر الزَّاي وتشديد الرَّاء، والحَجلة بفتح المهملة والجيم: البشخاناه، وزِرُّها واحد أزرارها، وقيل: المراد بها الطَّير المعروف، وزِرُّها: بيضها. [/ج1ص330/]


49/190# قال أبو عبد الله: حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ يُونُسَ، قالَ: حدَّثنا حاتِمُ بنُ إِسْماعِيلَ، عن الجَعْدِ، قالَ:

سَمِعْتُ السَّائبَ بنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خالَتِي إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ... فَمَسَحَ رَاسِي [1] وَدَعا لِي بِالْبَرَكَةِ... ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إلىَ خاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ.

(زِرُّ الحَجَلَة): يريد: الإزارَ [2] التي تُشَدُّ على ما يكون في حجال العرائس من الكلال [3] والسُّتور ونحوها، وقد جاء في بعض الروايات: «رأيت خاتم النبوة كبيضة الحمامة» [4] .

وقد سمعت من يقول: زِرُّ الحَجَلة بيضة حَجَل الطير، وهو اليعقوب [5] . ويُقال للأنثى منها الحجلة، وهذا شيء لا أَحُقُّه.

[1] من أول الحديث إلى قوله (رأسي) سقط من (ر).
[2] في النسخ الفروع: (واحد الإزرار).
[3] في النسخ الفروع: (الكلل)، و (الكِلاَل) جمع الكَلَّة، وهي: الستر الرقيق يُخاط كالبيت يتوقى به من الحشرات (التاج _ كلل_)
[4] أخرجه الترمذي عن جابر بن سمرة (3644).
[5] قوله: (وهو اليعقوب) زيادة من النسح الفروع.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

190- وبه قال: ((حدثنا عبد الرحمن بن يونس بن هاشم)) ؛ هو أبو مسلم البغدادي، المستملي لسفيان بن عيينة وغيره، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين فجأة ((قال: حدثنا حاتِم)) بالحاء المهملة وكسر المثناة الفوقية ((بن إسماعيل)) الكوفي، نزيل المدينة، المتوفى بها سنة ست وثمانين ومئة في خلافة هارون، ((عن الجَعْد)) ؛ بفتح الجيم وسكون العين المهملة، وللأكثر وهو المشهور: (الجعيد) ؛ بالتصغير، ابن عبد الرحمن بن أوس، الكندي المدني الثقة ((قال: سمعت السائب)) اسم فاعل _بالمهملة والهمز_ من السيب؛ بالمهملة والتحتية والموحدة، ((بن يزيد)) من الزيادة، الكندي، ويقال: الهذلي، أو الليثي، أو الأسدي، وأبوه صحابي، قال: (حجَّ بي أبي مع النبي عيه السلام حجة الوداع، وأنا ابن سبع سنين) ، ولد في السنة الثانية من الهجرة، فهو ندب ابن الزبير والنعمان بن بشير في قول بعضهم، وخرج مع الصبيان إلى ثنية الوداع؛ لتلقِّي النبي عليه السلام مَقْدمه من تبوك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة سنة إحدى وتسعين أو ثمانين أو ست وثمانين، قيل: هو الصحيح، وقيل: سنة ثمان وثمانين، وهو ابن أربع أو ست وتسعين سنة، قال جعيد: (رأيت السائب ابن أربع وتسعين جلدًا معتدلًا، قال: قد علمت ما مُتِّعْتُ به من سمعي وبصري إلا بدعاء النبي الأعظم عليه السلام) ، وكان عاملًا لعمر على سوق المدينة مع عبد الله بن عتبة بن مسعود، روي له خمسة أحاديث؛ ذكرها كلها المؤلف، لا ستة، كما زعمه القسطلاني؛ فافهم.

((يقول: ذهبَتْ)) أي: مضتْ ((بي خالتي)) ؛ لم أقف على اسمها، قال في «عمدة القاري»: (والفرق بين «ذهب به» و«أذهبه»: أن معنى: «أذهبه» أزاله وجعله ذاهبًا، ومعنى: «ذهب به»: استصحبه، ومضى به معه) انتهى، قلت: هذا مذهب المبرد، ولعلَّه الأصح، وقال سيبويه: (الباء في مثله كالهمزة والتضعيف، فمتى ذهبتَ به؛ أذهبته، وتجوز المصاحبة وعدمها) ؛ كذا نصَّ عليه سعد الدين في «شرح التقريب»، وعلى مذهب المبرد؛ فيحتاج أن يقال: هو أغلبي، وإلا؛ فقد ورد في التنزيل: {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] ، وقد يقال: هذا محله فيمن له اختيار؛ نحو: ذهبت بزيد، وقيل: على تضمين (أذهب) ، فلا ترد الآية؛ فتأمل ((إلى النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله؛ إن ابن أختي)) ؛ أي: عُلبَة -بضم العين المهملة، وسكون اللام وفتح الموحدة- بنت شريح ((وَقِعٌ)) ؛ بفتح الواو وكسر القاف وبالتنوين، وفي رواية: بفتح القاف على لفظ الماضي، وفي أخرى: (وَجِعٌ) ؛ بفتح الواو وكسر الجيم، وعليه الأكثر، ومعنى: (وَقِعٌ) ؛ بكسر القاف: أصابه وجع في قدميه، وزعم ابن سيده: أنه يقال: وقع الرجل والفرس وقعًا؛ فهو وَقِعٌ: إذا حَفِيَ من الحجارة والشوك، وقد وقعه الحجر، وحافرٌ وقيعٌ: وقعته الحجارة فقصت منه، ثم استعير للمشتكي المريض، يبينه قولها: (وجع) ، والعرب تسمي كل مرضٍ وجعًا، وفي «الجامع»: (وقع الرجل موقع: إذا حفي من مَشْيِهِ على الحجارة، وقيل: هو أن يشتكي لحم رجليه من الحفى) ، وقال ابن بطال: (ومعناه: أنه وقع في المرض) ، وقال الجوهري: (وقع؛ أي: سقط، والوقع أيضًا: الحفى) ، كذا في «عمدة القاري».

((فمسح)) أي: النبي الأعظم عليه السلام ((رأسي)) ؛ أي: بيده الشريفة المباركة، ((ودعا لي بالبركة)) ؛ أي: بأن قال: اللهم بارك فيه، أو اللهم اجعل فيه البركة، وهي شاملة لصحة حواسه، وحسن ماله، ووجود أولاده، وطول عمره؛ لقول جعيد: (رأيت السائب ابن أربع وتسعين جلدًا معتدلًا، قال: قد علمت ما مُتِّعْتُ به من سمعي وبصري إلا بدعائه عليه السلام) ، ففيه أنه يطلب الدعاء بالبركة للصغير ومسح رأسه.

((ثم)) دعا بماء و ((توضأ)) وضوءه للصلاة؛ أي: الوضوء الشرعي يدل عليه قوله: (قمت خلف ظهره) ؛ فافهم، ((فشربت من وَضوئه)) ؛ بفتح الواو؛ أي: بأن النبي الأعظم عليه السلام أمره بشربه؛ لأجل الشفاء من المرض، أو هو شرب وقصد الشفاء من غير أن يأمره؛ يحتمل الأمرين، لكن الظاهر الثاني، يدل عليه إسناده الشرب لنفسه، ولو كان الأول؛ لقال: وأمرني أن أشرب من وضوئه، فقوله: (من وضوئه) يحتمل أن المراد به: الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة، فيدل على طهارة الماء المستعمل، ويحتمل أن المراد به: الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء، فيدل على نجاسة الماء المستعمل، وزاد في الطنبور نغمة ابن حجر حيث قال: (هذه الأحاديث[/ص163/] التي في هذا الباب ترد على أبي حنيفة؛ لأنَّ النجس لا يُتَبَرَّكُ به) ، وردَّه في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: قصد هذا القائل التشنيع على الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وسيدهم بهذا الرد البعيد؛ لأنَّه ليس في الأحاديث المذكورة ما يدل صريحًا على أنَّ المراد من فضل وضوئه: هو الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة، وكذا في قوله: «كانوا يقتتلون على وضوئه»، وكذا في قوله: «فشربت من وضوئه»، بل اللفظ يدل على أنَّه الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء، والمعنيان محتملان، لكن يتعين الثاني بكون ظاهر اللفظ يدل عليه، وهي القرينة، والأول لا دليل يدل عليه، ولئن سلَّمنا أن المراد: هو الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة؛ فإمامنا المعظم الإمام الأعظم لا يُنْكِرُ هذا، ولا يقول بنجاسة ذلك حاشاه رضي الله تعالى عنه، وكيف يتصور أن يقول بهذا، وهو يقول بطهارة بوله الشريف، وسائر فضلاته الشريفة؟! ومع هذا قد قلنا: لم يصح عن الإمام الأعظم تنجيس الماء المستعمل، ولا فتوى الأئمة الحنفية عليه، فانقطع شغب المعاند) انتهى بزيادة من العبد الضعيف.

وقد زاد في الشطرنج جملًا ابن المنذر حيث قال: (وفي إجماع أهل العلم على أنَّ البلل الباقي على أعضاء المتوضِّئ وما قطر منه على ثيابه دليل قوي على طهارة الماء المستعمل) ، وردَّه في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: المثل: «حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء»، والماء الباقي على أعضاء المتوضئ لا خلاف لأحد في طهارته؛ لأنَّ من يقول بعدم طهارته إنَّما يقول بالانفصال عن العضو، بل عند بعضهم: الانفصال والاستقرار في مكان، وأمَّا الذي قطر منه على ثيابه؛ فإنما سقط حكمه؛ للضرورة؛ لتعذر الاحتراز عنه) ؛ فافهم، والله أعلم.

ثم قال ابن حجر في «الانتقاض» معترضًا على اعتراض صاحب «عمدة القاري» عليه حيث قال: (الرجوع إلى الحقِّ خير من التمادي في الباطل، والبخاري لم يُعيِّنْ من قال بذلك، فردُّهُ متوجهٌ على من قال به كائنًا من كان) انتهى.

قلت: انظروا وتعجبوا من كلام هذا القائل، فإن قوله: (الرجوع إلى الحق...) إلخ؛ دليل على أنه قد تمادى في الباطل، ولم يرجع إلى الحقِّ، وقد قال في التنزيل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44] ، وقوله: (والبخاري...) إلخ، نعم؛ بل هذا القائل قد عين من قال بذلك، ولم يُعْهَد سوء أدب من البخاريِّ على أحد فضلًا على الإمام الأعظم رئيس المجتهدين التابعي الجليل الذي هو أفضل من مالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، وقد عهدنا سوء الأدب من هذا القائل كثيرًا حتى مع النبي عليه السلام، حيث قالت الشافعية: (إن شعره عليه السلام نجس) حاشاه عليه السلام من ذلك الافتراء والجرأة على الله ورسوله، ولا ريب أنهم قد دخلوا في عموم الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ}...؛ الآية [الأحزاب: 57] ، ولا ريب أن النقي لا يغيره مقل الذباب، وأن البحر لا يفسده ولوغ الكلاب، ولله درُّ القائل:

~يَا نَاطِحَ الْجَبَلِ الْعَالِي لِيكْلِمَهُ أَشْفِقْ عَلَى الرَّأْسِ لَا تُشْفِقْ عَلَى الْجَبَلِ

والمرء لا يرجع عن طبعه ولو طرش الدم من حلقه، وإنما منشأ هذا التعصب، والتعنت، وعدم الحياء، وعدم الأدب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

((ثم قمت خلف ظهره)) عليه السلام؛ أي: في الصلاة، ولعلها كانت صلاة الوضوء النافلة، وإنما تَرَكَهُ عليه السلام خلف ظهره، ولم يجذبه إلى يمينه كما فعل في ابن عباس، ولعله إنَّما تركه؛ لبيان الجواز، أولحكمة أخرى، وهي رؤياه الخاتم الشريف، ولذا قال: ((فنظرت إلى خاتِم النبوة)) ؛ بكسر التاء؛ أي: فاعل الختم، وهو الإتمام والبلوغ إلى الآخر، وبفتح التاء؛ بمعنى: الطابَع؛ أي: آلة الطبع، ومعناه: الشيء الذي هو دليل على أنَّه لا نبي بعده عليه السلام، وقال البيضاوي: (خاتم النبوة: أثر ناتئ بين كتفيه، نُعِت به في الكتب المتقدمة، وكان علامة يُعْلَمُ بها أنَّه النبي عليه السلام، وصيانة لنبوته عن تَطَرُّقِ القدح إليها صيانة الشيء المستوثق بالختم) انتهى، واعترض: بأنَّ ما ذكره أولًا تفسير لحقيقة الخاتم، لكن يحتاج إلى الفرق بين فاعل الختم والطابع من حيث الماصدق، وفرقه المذكور ينافيه قول أهل اللغة: (الفتح والكسر في الخاتم كالطابع لغتان بمعنًى واحد) ؛ فتأمل.

((بين كتفيه)) ؛ تثنية كتف، فيه لغات (فخذ) سوى الإِتْباع، وفي رواية أحمد من حديث عبد الله بن سرجس: (ورأيت خاتم النبوة في نُغْضِ كتفه اليسرى، كأنه جُمْع، فيه خِيْلان سود، كأنها التآليل)) ، و (النغْض) ؛ بضم النُّون وفتحها، وسكون الغين المعجمة، آخره ضاد معجمة؛ وهو أعلى الكتف، أو هو العظم الرقيق الذي على طرفه، وقوله: (جُمْع) ؛ بضم الجيم وسكون الميم معناه: مثل جمع الكف، وهو أن يجمعَ الأصابع ويضمَّها، و (الخِيْلان) ؛ بكسر الخاء المعجمة وسكون الياء: جمع خال، و (التآليل) جمع تؤلول، وهو الحبة التي تظهر في الجلد كالحمصة فما دونها، ولا ينافي هذا ما هنا من أنه بين كتفيه؛ لجواز أنه أقرب إلى الجانب الأيسر، وحكمة جعله على نغضه؛ لأنَّه يقال: هو الموضع الذي يدخل منه الشيطان إلى باطن الإنسان، فكان هذا عصمة له عليه السلام من الشيطان، وقال القاضي عياض: (هذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه) ، واعترضه النووي: (بأن هذا باطل؛ لأنَّ شق الملكين إنَّما كان في صدره) ، وأجيب: بأن قوله: (بين كتفيه) ليس متعلقًا بالشق، كما زعمه النووي، بل متعلق بأثر الختم، وعليه فليس ما قاله القاضي بباطل، وذلك لأنَّه لما وقع الشق وخيط حتى التأم، ووقع الختم بين كتفيه؛ كان ذلك أثر الختم؛ فتأمل.

واختلف في الخاتم هل وُلِد به أم لا؟ فقيل: وُلِد به، كما في حديث ... [1] ، وقيل: إنه وُضِع بعد ميلاده، ويدل له ما في «الدلائل» لأبي نعيم: (أنه عليه السلام لما وُلِد؛ ذكرت أمه: أن الملَك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمسات، ثم أخرج خرقة من حرير أبيض، فإذا فيها خاتم، فضرب به على كتفه كالبيضة المكنونة تُضيء كالزهرة)) ، فهذا صريح في وضعه بعد ولادته؛ فافهم.

((مِثلَ)) ؛ بكسر الميم وفتح اللام؛ منصوب على الحال، وقول القسطلاني: (مفعول «نظرت») فيه نظر، كما لا يخفى، وفي روايةٍ بالجرِّ على أنَّه نعت أو بدل من المجرور؛ لأنَّه اسم فاعل بحسب الأصل، فلا يتعرف بالإضافة لـ (مِثل) بخلافه على فتحها، فإنه يتعرف، فلا يصح نعته بـ (مثل) ، ولذا اعترض الدماميني على الزركشي، في كون الجر نعتًا لـ (خاتم) ، لكن إطلاقه الاعتراض ليس على ما ينبغي، وفي روايةٍ بالرفع على تقدير مبتدأ؛ أي: هو مثلُ ((زِرٍّ)) ؛ بكسر الزاي المعجمة وتشديد الرَّاء المهملة: واحد أزرار القميص، ويقال للرجل الحسن الرعية للإبل: إنه لزر من أزرارها، كذا في «الصحاح»، وفي «القاموس»: (الزر؛ بالكسر: الذي يوضع في القميص، والجمع: أزرار، وزرور، وعظمٌ تحت القلب وقوامه، والنقرةُتدور [2] فيها وابلة الكتف، وطرفُ الورك في النقرة، وخشبةٌ من أخشاب الخباء، وحدُّ السيف، وزر الدين: قوامه، وبالفتح: شد الأزرار، والطرد، والطعن، والنتف، والعض، وتضييق العينين، والجمع الشديد، ونفض المتاع، وزُرزُر [3] بن صهيب؛ بالضم، مُحَدِّث) انتهى.

قال في «عمدة القاري»كـ«الكرماني»: (روي أيضًا بتقديم الرَّاء على الزاي، ويكون المراد منه: البيض، يقال: أرَزَّت الجرادة؛ بفتح الرَّاء وتشديد الزاي: إذا كبست ذنبها في الأرض؛ فباضت) انتهى؛ فافهم.

((الحَجَلَة)) ؛ بالحاء المهملة والجيم واللام مفتوحات، بعدها تاء، واحدة الحجال؛ وهي بيوت تُزَيَّنُ بالثياب والأسرة والستور، لها عرًى وأزرار، وقال ابن الأثير: (الحجلة؛ بالتحريك: بيت كالقبة يُسْتَر بالثياب، ويكون له أزرار كبار، ويجمع على حجال، وقيل: المراد بالحجلة: الطير، وهي التي تسمى القبجة، وتسمى الأنثى حجلة، والذكر يعقوب، وزرها بيضها، ويؤيد هذا أن في حديث آخر: «مثل بيضة الحمامة»، وجمع الحجلة: حَجَل؛ بفتحتين، وحِجْلى؛ بكسر الحاء وسكون الجيم، ولم يجئ على «فِعلى» _بالكسر_ إلا هذا وظِربى) ، وقال في «عمدة القاري» نقلًا عن محمد بن عبد الله شيخ المؤلف: (إنَّ الحجلة من حجل الفرس الذي بين عينيه، وفي بعض نسخ المغاربة: «الحُجْلة» بضم الحاء المهملة وسكون الجيم) انتهى.

ثم قال في «عمدة القاري»: (وجاءت في صفة خاتم

[/ص164/] النبوة روايات كثيرة، ففي «مسلم» عن جابر بن سمرة: (ورأيت الخاتم عند كتفيه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده) ، وفي رواية لأحمد من حديث أبي رمثة التميمي [4] قال: (خرجت مع أبي حتى أتيت رسول الله عليه السلام، فرأيت برأسه رَدْع حناء، ورأيت على كتفه مثل التفاحة، فقال أبي: إني طبيب، ألا أبطها لك؟ قال: «طيَّبها الذي خلقها») ، وقوله: (رَدْع حناء) ؛ بفتح الرَّاء وسكون الدَّال آخره عين مهملة؛ أي: لطخ حناء، والحِنَّاء؛ بالكسر والتشديد وبالمد معروف، والحناه: أخص منه، وقوله: (ألا أبطها) من البط، وهو شق الدمَّل والخرَّاج، وفي «صحيح الحاكم»: (شعر مجتمع) ، وفي «كتاب البيهقي»: (مثل السلعة) ، وفي «الشامل»: (بَضعة ناشزة) ، والبضعة؛ بفتح الموحدة: هي القطعة من اللحم، و (ناشزة) ؛ بالنُّون والشين والزاي المعجمتين؛ أي: مرتفعة عن الجسم، وفي حديث عمرو بن أحطب: (كشيء يختم به) ، وفي «تاريخ ابن عساكر»: (مثل البندقة) ، وفي «الترمذي»: (كالتفاحة) ، وفي «الروض»: (كأثر المحجم القابض على اللحم) ، وفي «تاريخ ابن أبي خيثمة»: (شامة خضراء محتفرة في اللحم) ؛ أي: غائصة فيه، وأصله من حفر الأرض، وفيه أيضًا: (شامة سوداء تضرب إلى الصفرة، حولها شعرات متراكبات كأنها عُرْفُ الفرس) ، وفي «تاريخ القضاعي»: (ثلاث مجتمعات) ، وفي كتاب «المولد» لابن عابد: (كأن نورًا يتلألأ) ، وفي «سيرة ابن أبي عاصم»: (عذرة كعذرة الحمامة) ، قال أبو أيوب: (يعنى: قرطمة الحمامة) ، وفي «تاريخ نيسابور»: (مثل البندقة من لحم، مكتوب فيه باللحم: محمد رسول الله) ، وعن عائشة رضي الله عنها: (كتينة صغيرة تضرب إلى الدهمة، وكانت مما يلي القفا، قالت: فلمسته حين توفي، فوجدته قد رفع) ، وذكر أبو دحية الحافظ: (كان الخاتم الذي بين كتفي النبي عليه السلام كأنه بيضة حمامة مكتوب في باطنها: الله وحده، وفي ظاهرها: توجه حيث شئت؛ فإنك منصور) ، ثم قال: (حديث غريب مستنكر) ، ولا منافاة بين هذه الروايات؛ لاحتمال أنَّه عليه السلام متَّصف بجميعها، قال في «المواهب»: (واختلفت أقوال الرواة في خاتم النبوة، وليس ذلك باختلاف، بل كلٌّ شبَّه بما سنح له، وكلها ألفاظ مرادها واحد) ، وقال القاضي عياض: وهذه الروايات متقاربة متفقة على أنه شاخص في جسده الشريف.

وليس الخاتم مختصًا به عليه السلام، فقد أخرج الحاكم في «المستدرك» عن وهب بن منبه أنه قال: (لم يبعث الله نبيًّا إلا وقد كان عليه شامات النبوة في يده اليمنى إلا نبينا عليه السلام؛ فإن شامات النبوة كانت بين كتفيه بإزاء قلبه) ، وعلى هذا فيكون وَضْعُ الخاتم بين كتفيه بإزاء قلبه مما اختصَّ به على سائر الأنبياء عليهم السلام، والله تعالى أعلم.

وفي يوم الأربعاء السابع عشري محرم سنة سبع وسبعين قد أمر فؤاد باشا المحقق بشنق أربعة في كل شارع واحد، فشنقوا بعد الظهر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وفي ثاني يومٍ الخميس أمر بإخراج أرباب البيوت التي في زقاق القنوات من البوابة التي عند بيت جعفر آغا إلى قنطرة نهر قنوات، وهي تبلغ مئة ونيف وعشرين بيتًا، فأخرجوا في الحال، والظاهر: لأجل أن يسكن فيها النصارى التي في القلعة، ونسأل الله الحنَّان المنَّان أن يفرج عنَّا وعن المسلمين كلَّ غمٍّ وهمٍّ وكربٍ بجاه النبي الأعظم عليه السلام، وهو أرحم الراحمين.

[1] أخلى بياضًا في الأصل.
[2] في الأصل: (يزرر)، والمثبت من «القاموس».
[3] في الأصل: (وزر)، والمثبت من «القاموس».
[4] في الأصل: (أبي رمية التيمي)، وهو تحريف.