متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

186- وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: بالإفراد [1] (مُوسَى بن إسماعيل) التَّبوذكيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ)؛ بالتَّصغير، ابن [2] خالدٍ، الباهليُّ، (عَنْ عَمْرٍو)؛ بفتح العَيْن، ابن يحيى بن عُمَارة، المازنيِّ، شيخ مالكٍ، (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمَارة بن أبي حسنٍ؛ بفتح الحاء أنَّه قال [3] : (شَهِدْتُ)؛ أي: حضرت (عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ [4] ) أخا عُمَارة، وعمَّ يحيى بن عُمَارة، وسمَّاه جدًّا [5] في الرِّواية السَّابقة في باب: «مسح الرَّأس كلِّه» [خ¦185] : مجازًا، وليس جدَّه لأمِّه؛ خلافًا لمن زعم ذلك؛ لأنَّ أمَّ عمرو بن يحيى ليست بنتًا لعمرو بن أبي حسنٍ [6] ، (سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ) الأنصاريَّ (عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَدَعَا بِتَوْرٍ)؛ بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، وسكون الواوِ، آخره راءٌ: إناءٌ يُشرَب فيه أو طستٌ أو قدحٌ، أو مثل القِدْرِ من صفرٍ أو حجارةٍ، (مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ)؛ أي: لأجل السَّائل وأصحابه (وُضُوءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: مثل وضوئه، وأطلق عليه وضوءه؛ مُبالَغَةً، (فَأَكْفَأَ)؛ بهمزتين؛ أي: أفرغ الماء (عَلَى يَدِهِ مِنَ التَّوْرِ) المذكور (فَغَسَلَ يَدَيْهِ)؛ بالتَّثنية قبل أن يدخلهما في التَّوْر، وفي روايةٍ: ((فغسل يده))؛ بالإفراد على إرادة الجنس، (ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاث مرَّاتٍ، (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ) أيضًا المذكور [7] ، (فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ)، وفي رواية الأَصيليِّ: ((بثلاث)) (غَرَفَاتٍ)؛ بفتح الغَيْن والرَّاء، ويجوز ضمُّهما، وضمُّ الغين مع إسكان الرَّاء وفتحها، يمضمض [8] من كلِّ واحدةٍ مِنَ الثَّلاث ثمَّ يستنشق، وصحَّحه النَّوويُّ، أو بثلاث غرفاتٍ يتمضمض بها، وثلاثٍ يستنشق بها، وهي أضعف الصُّور الخمس المتقدِّمة التي ذكروها، والثَّالثة: بغرفةٍ بلا خلطٍ، والرَّابعة: بغرفةٍ مع الخلط، والخامسة: الفصل بغرفتين، والسُّنَّة تحصل بالوصل والفصل، قاله في «المجموع»، وعطفُ «استنثر» على سابقه يدلُّ على تغايرهما، كما [9] قاله البرماويُّ كالكرمانيِّ، [/ج1ص268/] وتُعقِّب: بأنَّ ابن الأعرابيِّ وابن قتيبة جعلاهما [10] واحدًا، فلا تغاير، وحينئذٍ فيكون عطف تفسيرٍ، (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ)؛ بالإفراد، في التَّوْر، (فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا)، وليس فيه ذكر اشتراط نيَّة الاغتراف من الماء القليل، (ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ) كلَّ واحدةٍ (مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ)؛ بكسر الميم وفتح الفاء: العظم النَّاتئ في الذِّراع، و«إلى» بمعنى: «مع»؛ أي: معَ المرفقين ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر وأبي الوقت: ((ثمَّ أدخل يديه)) بالتَّثنية ((مرَّتين إلى المرفقين)) [11] ، (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ)؛ بالإفراد، في الإناء، (فَمَسَحَ رَأْسَهُ) كلَّه _ندبًا_ بيديه، (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)؛ أي: معهما، وهما العظمان النَّاتئان عند مُلتقَى السَّاق والقدم، وقال مالكٌ: الملتصقان [12] بالسَّاق، المحاذيان للعقب [13] .

[1] «ولأبي ذَرٍّ: بالإفراد»: مثبتٌ من (م).
[2] «ابن»: سقط من (د).
[3] «أنَّه قال»: سقط من (س).
[4] في (د): «حسين»، وهو تحريفٌ.
[5] في (د): «جدَّه».
[6] في (د): «حسين»، وهو تحريفٌ.
[7] «المذكور»: مثبتٌ من (م).
[8] في (د): «يتمضمض».
[9] «كما»: سقط من (د).
[10] في (ص): «جعلاها».
[11] قوله: «ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر وأبي الوقت... بالتَّثنية «مرَّتين إلى المرفقين»»، مثبتٌ من (م).
[12] في غير (ب) و(س): «الملصقان».
[13] في (د): «للعسقب»، وهو تحريفٌ.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

186-. حدَّثنا [1] مُوسَىَ: حدَّثنا [2] وُهَيْبٌ، عن عَمْرٍو، عن أَبِيهِ: شَهِدْتُ عَمْرَو بنَ أَبِي حَسَنٍ:

سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ زَيْدٍ عن وُضُوءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَعا بِتَوْرٍ مِنْ ماءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [/ج1ص48/] فَأَكْفَأَ علىَ يَدِهِ مِنَ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ [3] ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ في التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ، ثَلَاثَ [4] غَرَفاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمُّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ [5] إلى المِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إلى الكَعْبَيْنِ.

[1] في رواية أبي ذر: «حدَّثني».
[2] في (ب، ص): «قالَ: حدَّثنا».
[3] في رواية [عط] : «يَدَهُ» بالإفراد.
[4] في رواية الأصيلي: «بثَلاثِ».
[5] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «ثم أَدْخَلَ يديه مرتين» بدون ذكر الغَسل، وفي رواية الأصيلي: «ثم أدخل يده فغسل يديه مرتين». قارن بما في السلطانية.





186- ( التَّوْرِ ) بالمثناة: شبه الطست. [/ج1ص97/]

( فَأَكْفَأَ ) كفأتُ الإناء: قلبته، وأكفأته لغة.


186# (فَدَعَا بِتَوْرٍ) بالمثناة من فوق: إناءٌ يُشرب فيه، قاله [1] الجوهري.

وحكى ابن سِيْده خلافاً في كونه عربياً أو دخيلاً.

(فَأكفَأَ عَلَى يَدِهِ) كفأتُ الإناء: قَلَبْتُه، وأكفَأْتُه لغةٌ، قاله الجوهري، واستشكله في «شرح الإلمام» لأنَّ الإكفاء للإناء لا للماء، والمفرَغُ الذي يُفيضه من الإناء على يده هو الماء، ولا يكفأ [2] .

[1] في (د): ((قال)).
[2] في (ق): ((يكفي)).





186- قوله: (حَدَّثَنَا مُوسَى): وفي نسخة: (ابن إِسْمَاعِيل التَّبُوْذَكيُّ) ، وهو هو، وقد تقدَّم بعض ترجمته، وعلى النِّسبة إلى تَبُوْذَك، وما هي، وأنَّها بفتح المثنَّاة فوقُ، ثُمَّ موحَّدة مضمومة، ثُمَّ واو ساكنة، ثُمَّ ذال معجمة مفتوحة، ثُمَّ كاف، ثُمَّ ياء النِّسبة إلى دار له بتبوذك اشتراها، وقيل: نزل داره [1] قومٌ منها، وقيل: إنَّه نُسِب إلى بيع السَّماد، وقيل: إنَّه نُسِب إلى بيع ما في بطون الدَّجاج من الكبد، والقانصة، والقلب، والله أعلم.

قوله: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ): هو تصغير وَهْب، وهو ابن خالد الباهليُّ مولاهم، الكرابيسيُّ الحافظ، تقدَّم.

قوله: (عن عَمْرٍو): هو عَمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازنيُّ، عن أبيه، وعبَّاد بن تميم، وغيرهما، وعنه: مالك، ووهيب، وخلق، ثقةٌ، وقال ابن معين: (ليس بقويٍّ، صويلح) ، توفِّي سنة (140 هـ ) ، وله ترجمة في «الميزان»، أخرج له الجماعة.

قوله: (عَنْ أَبِيهِ): تقدَّم أنَّ أباه: يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازنيُّ، عن عَبْد الله بن زيد بن عاصم، وأبي [2] سعيد، وعنه: الزُّهْرِيُّ، ومحمَّد بن يحيى [بن حَبَّان [3] ، ثقةٌ، وثَّقه النَّسائيُّ وابن خِراش، أخرج له الجماعة] [4] .

قوله: (شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ): تقدَّم الكلام عليه أعلاه في كلام الدِّمياطيِّ، وهو عَمرو بن أبي حسن الأنصاريُّ، ذكره الحافظ أبو موسى في الصَّحابة [5] .

قوله: (سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ [6] ): تقدَّم أنَّه عَبْد الله بن زيد بن عاصم المازنيُّ، وتقدَّم بعض ترجمته، وأنَّه قتل يوم الحرَّة سنة (63 هـ ) .

[قوله: (وُضُوءِ): هو بضمِّ الواو، ويجوز فتحها، وقد تقدَّم، وكذا قوله: (وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ [7] صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَسَلَّمَ)] [8] .

قوله: (بِتَوْرٍ): هو بالمثنَّاة فوق؛ مثل: قدح من حجارة.

قوله: (فَأَكْفَأَ): هو رباعيٌّ مهموز الآخر؛ أي: قلب وأمال، قال الجوهريُّ: (كفأت الإناء: كببته، وزعم ابن الأعرابيِّ أنَّ أكفأته لغة) انتهى، فعلى هذا: الأفصح فيه الثُّلاثي، وهو مهموز أيضًا. [/ج1ص90/]

قوله: (وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ): تقدَّم الكلام على الاستنشاق والاستنثار، وأنَّ الصَّحيح: أنَّه غيران؛ كهذا الحديث، لأنَّه غاير بينهما.

قوله: (إلى المِرْفَقَيْنِ): تقدَّم مرَّات أنَّ المِرفَق؛ بكسر الميم، وفتح الفاء، وبالعكس؛ لغتان.

[1] في (ج): (دار) .
[2] في (ج): (وابن) ، وهو تحريفٌ.
[3] في (أ): (حيان) .
[4] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[5] زيد في (ج): (وثقه النَّسائي وابن خراش) .
[6] في هامش (ق): (عم أبيه) .
[7] كذا في النسخ و (ق) ، وفي هامش (ق) مصحَّحة و«اليونينيَّة»: (وضوء النبي) .
[8] ما بين معقوفين جاء في (ب) بعد قوله: (قدح من حجارة) .





لا تتوفر معاينة

186- وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: بالإفراد [1] (مُوسَى بن إسماعيل) التَّبوذكيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ)؛ بالتَّصغير، ابن [2] خالدٍ، الباهليُّ، (عَنْ عَمْرٍو)؛ بفتح العَيْن، ابن يحيى بن عُمَارة، المازنيِّ، شيخ مالكٍ، (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمَارة بن أبي حسنٍ؛ بفتح الحاء أنَّه قال [3] : (شَهِدْتُ)؛ أي: حضرت (عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ [4] ) أخا عُمَارة، وعمَّ يحيى بن عُمَارة، وسمَّاه جدًّا [5] في الرِّواية السَّابقة في باب: «مسح الرَّأس كلِّه» [خ¦185] : مجازًا، وليس جدَّه لأمِّه؛ خلافًا لمن زعم ذلك؛ لأنَّ أمَّ عمرو بن يحيى ليست بنتًا لعمرو بن أبي حسنٍ [6] ، (سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ) الأنصاريَّ (عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَدَعَا بِتَوْرٍ)؛ بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، وسكون الواوِ، آخره راءٌ: إناءٌ يُشرَب فيه أو طستٌ أو قدحٌ، أو مثل القِدْرِ من صفرٍ أو حجارةٍ، (مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ)؛ أي: لأجل السَّائل وأصحابه (وُضُوءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: مثل وضوئه، وأطلق عليه وضوءه؛ مُبالَغَةً، (فَأَكْفَأَ)؛ بهمزتين؛ أي: أفرغ الماء (عَلَى يَدِهِ مِنَ التَّوْرِ) المذكور (فَغَسَلَ يَدَيْهِ)؛ بالتَّثنية قبل أن يدخلهما في التَّوْر، وفي روايةٍ: ((فغسل يده))؛ بالإفراد على إرادة الجنس، (ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاث مرَّاتٍ، (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ) أيضًا المذكور [7] ، (فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ)، وفي رواية الأَصيليِّ: ((بثلاث)) (غَرَفَاتٍ)؛ بفتح الغَيْن والرَّاء، ويجوز ضمُّهما، وضمُّ الغين مع إسكان الرَّاء وفتحها، يمضمض [8] من كلِّ واحدةٍ مِنَ الثَّلاث ثمَّ يستنشق، وصحَّحه النَّوويُّ، أو بثلاث غرفاتٍ يتمضمض بها، وثلاثٍ يستنشق بها، وهي أضعف الصُّور الخمس المتقدِّمة التي ذكروها، والثَّالثة: بغرفةٍ بلا خلطٍ، والرَّابعة: بغرفةٍ مع الخلط، والخامسة: الفصل بغرفتين، والسُّنَّة تحصل بالوصل والفصل، قاله في «المجموع»، وعطفُ «استنثر» على سابقه يدلُّ على تغايرهما، كما [9] قاله البرماويُّ كالكرمانيِّ، [/ج1ص268/] وتُعقِّب: بأنَّ ابن الأعرابيِّ وابن قتيبة جعلاهما [10] واحدًا، فلا تغاير، وحينئذٍ فيكون عطف تفسيرٍ، (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ)؛ بالإفراد، في التَّوْر، (فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا)، وليس فيه ذكر اشتراط نيَّة الاغتراف من الماء القليل، (ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ) كلَّ واحدةٍ (مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ)؛ بكسر الميم وفتح الفاء: العظم النَّاتئ في الذِّراع، و«إلى» بمعنى: «مع»؛ أي: معَ المرفقين ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر وأبي الوقت: ((ثمَّ أدخل يديه)) بالتَّثنية ((مرَّتين إلى المرفقين)) [11] ، (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ)؛ بالإفراد، في الإناء، (فَمَسَحَ رَأْسَهُ) كلَّه _ندبًا_ بيديه، (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)؛ أي: معهما، وهما العظمان النَّاتئان عند مُلتقَى السَّاق والقدم، وقال مالكٌ: الملتصقان [12] بالسَّاق، المحاذيان للعقب [13] .

[1] «ولأبي ذَرٍّ: بالإفراد»: مثبتٌ من (م).
[2] «ابن»: سقط من (د).
[3] «أنَّه قال»: سقط من (س).
[4] في (د): «حسين»، وهو تحريفٌ.
[5] في (د): «جدَّه».
[6] في (د): «حسين»، وهو تحريفٌ.
[7] «المذكور»: مثبتٌ من (م).
[8] في (د): «يتمضمض».
[9] «كما»: سقط من (د).
[10] في (ص): «جعلاها».
[11] قوله: «ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر وأبي الوقت... بالتَّثنية «مرَّتين إلى المرفقين»»، مثبتٌ من (م).
[12] في غير (ب) و(س): «الملصقان».
[13] في (د): «للعسقب»، وهو تحريفٌ.





186- ( بِتَوْرٍ ): بفتح المثنَّاة: قدح، وقال الجوهريُّ: إناء يشرب منه، وقيل: هو الطِّست، وقيل: شبه الطِّست.

( لَهُمْ ) أي: لأجلهم.

( وُضُوءَ ) أي: مثل وضوء.

( فَأَكْفَأَ ) بهمزتين: أمال وأفرغ.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

186- وبالسند قال: ((حدثنا موسى بن إسماعيل)) أي: التبوذكي ((قال: حدثنا وهيب)) ؛ بالتصغير، ابن خالد الباهلي، ((عن عَمرو)) ؛ بفتح العين؛ أي: ابن يحيى السابق، ((عن أبيه)) ؛ أي: يحيى بن عمارة بن أبي حَسن _بفتح الحاء_ أنه قال: ((شهدت)) أي: حضرت ((عمرو بن أبي حَسن)) بفتح الحاء، هذا جدُّ

[/ص158/] عمرو بن يحيى، وتقدَّم أن السائل هو جده، وهذا يدل على أنه أخو جده، ولا منافاة في كونه جدًّا له من جهة الأم عمًّا لأبيه، كذا قاله الكرماني، قال ابن حجر: (وهذا غريب) ، وقدَّمنا أن أم عمرو بن يحيى ليست بنتًا لعمرو بن أبي حسن، واعترضه في «عمدة القاري» بأن هذا ليس بغريب؛ فإن صاحب «الكمال» قال ذلك، وقد مضى الكلام فيه؛ فافهم، انتهى.

ورواه المؤلف في باب (من مضمض واستنشق من غَرْفة واحدة) ؛ بإسقاط عمرو بن أبي حسن؛ فاعرفه.

((سأل)) أي: عمرُو بن أبي حسن ((عبد الله بن زيد)) الأنصاري السابق في الباب قبله ((عن وضوء النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم، فدعا)) أي: عبد الله بن زيد ((بتَوْر)) ؛ بفتح المثناة الفوقية، وسكون الواو، آخره راء، هو الطشت، وقال الجوهري: (إناء يشرب منه) ، وقال الدراوردي: قدح، وقيل: يشبه الطشت، وقيل: مثل القدر من صُفْر أو حجارة، والصُفْر _بضم الصَّاد المهملة وسكون الفاء_: صنف من جيِّد النحاس، سمي به؛ لأنَّه يشبه الذهب، ويسمَّى أيضًا الشَّبَه؛ بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة، كذا في «عمدة القاري».

وقوله: ((من ماء)) ؛ بيان؛ لقوله: (بتَوْر) ؛ فالمراد: الماء الذي فيه، ((فتوضأ لهم)) ؛ أي: لأجلهم، فاللام للتعليل، وهم السائل وأصحابه ((وضوء النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم))؛ أي: مثل وضوئه، وأطلق عليه وضوءه؛ لأجل المبالغة، ((فأكفأ)) ؛ بهمزتين لغة في (كفأته) ؛ أي: قلبته وصببته، حكاهما ابن الأعرابي، وقال الكسائي: (كفأته: قلبته، وأكفأته: أملته) ، والمراد: أنه أفرغ الماء ((على يده)) بالإفراد ((من التور)) ؛ أي: من ماء التور المذكور، ((فغسل يديه)) ؛ بالتثنية قبل أن يُدْخِلَها في التَّوْر، وفي رواية: (فغسل يده) بالإفراد، على إرادة الجنس، ((ثلاثًا)) ؛ أي: ثلاث مرات، ((ثم أدخل يده)) بالإفراد ((في التَوْر)) أيضًا؛ أي: فأخرج ماء منه، ((فمضمض، واستنشق، واستنثر)) ، وعطف (استنثر) على سابقه عطف تفسير؛ لأنَّ الاستنشاق والاستنثار واحد، كما قاله ابن الأعرابي وابن قتيبة، وهو الصواب، ((ثلاث)) ، وفي رواية: (بثلاث) ((غرفات)) ؛ بفتحتين، أو بضم أوله وثانيه، أو بفتح الثاني، أو سكونه، و (الثلاث) يحتمل أن تكون لهما معًا، ويحتمل أن تكون المضمضة ثلاثًا والاستنشاق ثلاثًا، وهو الظاهر، يدلُّ عليه أنه قد ثبت فيما رواه الترمذي وغيره: (أنه تمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا) ، وروى البويطي عن الشافعي: أنه يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة، وثلاث غرفات للاستنشاق، وكل ما روي من خلاف هذا، فهو محمول على بيان الجواز؛ فافهم، ومع وجود النص لا مجال للرأي والاستظهار؛ فافهم.

((ثم أدخل يده)) ؛ بالإفراد، يدل على أنه اغترف بإحدى يديه، هكذا هو في باقي الروايات وفي «مسلم» وغيره، لكن وقع في رواية ابن عساكر وأبي الوقت من طريق سليمان بن بلال الآتية: (ثم أدخل يديه) ؛ بالتثنية، وليس ذلك في رواية أبي ذر ولا الأصيلي، ولا في شيء من الروايات خارج «الصحيح»، كذا في «عمدة القاري».

قلت: ولعلَّه كان الإناء صغيرًا، فاغترف بإحدى يديه، ثم أضافها إلى الأخرى، كما تقدم نظيره في حديث ابن عباس؛ ليكون ذلك أسهل عليه وأقرب للتناول؛ فافهم.

((فغسل وجهه ثلاثًا)) ؛ أي: ثلاث مرات، ويدخل فيه غسل جميع اللحية، فإنَّه فرض عملًا لا اعتقادًا على المذهب المصحَّح المفتى به المرجوع إليه، وفي رواية عن الإمام الأعظم: (أنه يُفْتَرَضُ مسح جميع اللحية) ، ويدل لذلك ما في «كتاب ابن السكن» عن النبي الأعظم عليه السلام وفيه: (فمسح باطن لحيته وقفاه) ، ويدلُّ للأول أحاديث مشهورة لا نطيل بها لشهرتها؛ فافهم.

((ثم أدخل يديه)) ؛ بالتثنية؛ أي: في الإناء فأخرج ماء، ((فغسل يديه)) ؛ بالتثنية، ((إلى المِرْفَقين)) ؛ بكسر الميم، وسكون الرَّاء، وفتح الفاء، تثنية مرفق، وهو العظم الناتئ في الذراع، و (إلى) ؛ بمعنى: مع؛ أي: مع المرفقين، ((مرتين)) ؛ أي: كل يد مرتين، لا أنهما لهما لكل يد مرة، كما قد يُتَوَهَّم بدليل رواية مالك: (ثم غسل يديه مرتين مرتين) ، فليس المراد: توزيع المرتين على اليدين لكل يد مرة واحدة؛ فافهم.

((ثم أدخل يده)) ؛ بالإفراد؛ أي: في الإناء ((فمسح رأسه)) ؛ أي: جميعه، كما هو ظاهر اللفظ، لكنَّه ليس على طريق الوجوب، بل على طريق السنية المؤكَّدة على الصحيح من المذهب، وفي رواية عن الإمام الأعظم وهو قول الشافعي: أنَّه مستحب، وعند مالك وأحمد: أنَّه فرض، ((فأقبل بهما)) أي: بيديه ((وأدبر)) أي: بهما أيضًا ((مرة واحدة)) ، واقتصاره على المرة الواحدة دليل ظاهر على عدم سنية التثليث، ويدلُّ لذلك ما رواه أصحاب «السنن» الأربعة عن علي الصديق الأصغر في حكاية وضوء النبي الأعظم عليه السلام: أنَّه مسح على رأسه مرة واحدة، وأحاديث عثمان بن عفان الصحاح تدلُّ على ذلك أيضًا؛ فافهم، فإنَّهم ذكروا الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، وقالوا: (ومسح برأسه) ، ولم يذكروا عددًا، فدلَّ على الاقتصار على المرة الواحدة، ولأنَّ التثليث في المسح لا يفيد؛ لأنَّ التكرار في الغسل لأجل المبالغة في التنظيف، ولا يحصل ذلك بالمسح، فلا يفيد التكرار، ومثله: مسح الخف، والجبيرة، والتيمم، وما روي من الأحاديث ممَّا يدل ظاهره على التثليث؛ فهو محمول على أنه بماء واحد؛ جمعًا بين الأحاديث، وهل يُكْرَهُ التثليث بماء واحد أو لا؟ فقال في «المحيط» و«البدائع»: إنَّه مكروه؛ للأحاديث التي ذكرناها، وقال في «الخانية»: (لا يُكْرَهُ، ولا يُسَنُّ، ولا يكون أدبًا) انتهى، وقال في «شرح المنية»: إنه مكروه على الأوجه؛ لأنَّ الأحاديث التي فيها ذكر المسح مرة واحدة أقوى وأرجح، لا تقاوم ما ظاهره التثليث، على أن أحاديث التثليث قد تٌكلِّم في سندها، ولا ريب أن الصحيح لا يقاوم الضعيف، فالأخذ بالصحيح متعين، كما لا يخفى على أولي الألباب.

وكيفية المسح والاستيعاب: أن يبلَّ كفيه بالماء وأصابعه ثم يلصق الأصابع؛ أي: يضمها، ويضعها على مُقَدَّم رأسه من كل يد ثلاثة أصابع؛ أي: الخنصر والبنصر والوسطى، ويمسك إبهاميه وسبابتيه مرفوعات، ويجافي بطن كفيه عن رأسه، ويمدهما -أي يديه- إلى القفا، ثم يضع كفيه على جانبي الرأس، ويمسحهما -أي: جانبي الرأس- بكفيه، ويمسح ظاهر أذنيه بباطن إبهاميه وباطن أذنيه بباطن مسبحته؛ كذا ذكره في «المحيط»؛ تحرُّزًا عن الاستعمال.

واعترضه في «فتح القدير» بأنَّ الاستعمال لا يثبت قبل الانفصال والأذنان من الرأس، وقال في «شرح المنية»: واتفقوا على أنَّ الماء ما دام على العضو لا يكون مستعملًا، فالأظهر في كيفية استيعاب مسح الرأس ما ذكره الإمام فخر الدين الزيلعي في «التبيين» أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم رأسه، ويمدُّهما إلى القفا على وجه يستوعب جميع الرأس، ثم يمسح أذنيه بإصبعيه قال: (ولا يكون الماء مستعملًا بهذا؛ لأنَّ الاستيعاب بماء واحد لا يكون إلا بهذا الطريق) انتهى، وأقرَّه في «البحر»، و«النهر»، و«شرح المنية»، وغيرها، فكان هو المذهب، وإلى غيره لا يُذهَب؛ لموافقته لحديث الباب وغيره من الأحاديث الصحاح.

ولا يُسَنُّ أخذ ماء جديد لمسح الأذنين، بل يمسحهما بماء الرأس؛ لأنَّه السنة؛ لأنَّ الأذنين من الرأس، كما في الحديث، وأمَّا إذا انعدمت البلة من اليدين وهما على الرأس؛ فلا بدَّ من أخذ ماء جديد لهما، وكذا إذا كانت البلة باقية بأن مسح رأسه بيديه، ثم رفعهما قبل مسح الأذنين؛ فلابد من أخذ ماء جديد، ولو كانت البلة باقية؛ لأنَّها مستعملة؛ كما مر، وكيفية مسحهما: أن يمسح بالسبابتين داخلهما وبالإبهام خارجهما، وهو المختار، كما في «المعراج»، وذكر شمس الأئمة الحلواني أنَّه يدخل الخنصرين في أذنيه ويحركهما، وهو قول شيخ الإسلام، كذا في «منهل الطلاب»، ولم يذكر في الحديث مسح الأذنين، وذكره في «سنن النسائي» عن عائشة وصفت وضوءَه عليه السلام، وفيه: (ثم مدَّت بيديها بأذنيها) ، وعند أبي داود: (ثم مسح برأسه وبأذنيه[/ص159/] كليهما) ، وفيه أحاديث أخر لا نطيل بذكرها.

((ثم غسل رجليه إلى الكعبين)) ؛ أي: معهما، وهما العظمان الناتئان عند ملتقى الساق والقدم، هكذا فسره أهل اللغة، والدليل عليه: قول النعمان بن بشير حين قال النبي الأعظم عليه السلام: «أقيموا صفوفكم»: لقد رأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه، وبهذا قال إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم وجميع أصحابه، وقال مالك: (الكعب: هو الملصق بالساق، والمحاذي للعقب) ، وما نسبه ابن حجر والعجلوني إلى الإمام الأعظم، من أنه الشاخص في ظهر القدم، فلا أصل له، وهو خطأ ظاهر، وافتراء على هذا الإمام، وإنما قال الإمام محمد الشيباني في المُحْرِم: (إذا لم يجد النعلين؛ فيلبس الخفين، ويقطعهما أسفل من الكعبين) ، وفسر الكعب في ذلك: (بأنه الذي في ظهر القدم عند مَعْقَدِ الشراك) ، فأخذ ذلك هشام تلميذ الإمام محمد ونقله إلى الوضوء على طريق الغلط والسهو، فتمسك بذلك المتعصبون المتعنتون، ونسبوه إلى الإمام الأعظم، وقد اتفق الشراح والمتون والفتاوى على أنَّ تفسير هشام لذلك خطأ من هشام، وليس ذلك بمراد للإمام محمد، كما صرَّح بذلك في كتبه؛ ظاهر الرواية الستة، فمن زعم ذلك ونسبه للإمام الأعظم؛ فهو مخطئ ومفترٍ، ويكفيه أنه كاذب فيما قاله؛ فافهم.

وفي المجيء بالغاية في الآية دليل لكونهما مغسولتين لا ممسوحتين؛ لأنَّ المسح لم تضرب له غاية في الشريعة، والخلاف في غسل الكعبين مع الرجلين كالخلاف في غسل المرفقين مع الذراعين، كما قدمناه؛ فافهم، والله أعلم.