متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

185- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا)، وفي رواية الأَصيليِّ [1] : ((حدَّثنا)) (مَالِكٌ) إمام الأئمَّة، (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بن عُمَارة؛ بضمِّ العَيْن وتخفيف الميم (الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمارة بن أبي حسن، (أَنَّ رَجُلًا) هو عمرو بن أبي حسنٍ، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ في الحديث الآتي من طريق وُهَيبٍ [خ¦186] ، (قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريِّ، (وَهُوَ)؛ أي: الرَّجل المُفسَّر بعمرو بن أبي حسنٍ، (جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) المازنيِّ المذكور مجازًا لا حقيقةً؛ لأنَّه عمُّ أبيه، وإنَّما أطلق عليه الجدودة؛ لكونه في منزلته: (أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي)؛ أي: هل تستطيع الإراءة إيَّايَ (كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ)؟ كأنَّه أراد أن يريَه بالفعل؛ ليكون أبلغ في التَّعليم، (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) أي: الأنصاريُّ: (نَعَمْ) أستطيع أن أُرِيَك، (فَدَعَا بِمَاءٍ) عقب قوله ذلك، (فَأَفْرَغَ)؛ أي: صبَّ من الماء (عَلَى [/ج1ص266/] يَدَيْهِ)؛ بالتَّثنية، وفي رواية الأربعة: ((على يده))؛ بالإفراد على إرادة الجنس، (فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ)، وفي رواية الأربعة: ((فغسل يده [2] مرَّتين))، كذا في رواية مالكٍ، وعند غيره من الحفَّاظ: ((ثلاثًا))، فهي مُقدَّمةٌ على رواية الحافظ الواحد، لا يُقال: إنَّهما واقعتان لاتِّحاد مخرجهما، والأصل عدم التَّعدُّد؛ لأنَّ في رواية مسلمٍ من طريق حَبَّان بن واسعٍ عن عبد الله بن زيدٍ: أنَّه رأى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم توضَّأ، وفيه: «وغسل يده اليُمنى ثلاثًا [3] ، ثمَّ الأخرى ثلاثًا»، فيُحمَل على أنَّه وضوءٌ آخرُ؛ لكون [4] مخرج الحديثين غير متَّحدٍ، (ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا)؛ أي: بثلاث غرفاتٍ، كما في رواية وُهَيبٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((واستنشق ثلاثًا))، والرِّواية الأولى تستلزم الثَّانية من غير عكسٍ، قاله ابن حجرٍ، وعُورِض: بأنَّ ابن [5] الأعرابيِّ وابن قتيبة جعلاهما واحدًا، وقد مرَّ في «المضمضة والاستنشاق» [خ¦164] ، (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) بالتَّكرار (إِلَى)؛ أي: معَ (الْمَرْفِقَيْنِ)؛ بالتَّثنية مع فتح الميم وكسر الفاء، وفي رواية الأَصيليِّ: بكسر الميم وفتح الفاء [6] ، وفي رواية المُستملي والحَمُّوييِّ: ((إلى المرفق))؛ بالإفراد كذا قاله ابن حجرٍ، وفي «اليونينيَّة»: ((إلى المرفقين))؛ بالتَّثنية للأربعة، وبالإفراد لأبي ذَرٍّ وحده، وهو [7] على إرادة الجنس، وهو مفصل الذِّراع والعضد، وسُمِّي به؛ لأنَّه يرتفق به في الاتِّكاء، ويدخل في غسل اليدين؛ خلافًا لزُفَرَ؛ لأنَّ {إلى} في قوله تعالى: {إلى المرافق} [8] بمعنى: مع، كالحديث [9] ؛ كقوله تعالى: {ويزدكم قوَّةً إلى قوَّتكم} [هود: 52] ، أو متعلِّقةٌ بمحذوفٍ تقديره: وأيديَكم مُضافَةً إلى المرافق، قال البيضاويُّ: ولو كان كذلك؛ لم يبقَ معنًى للتَّحديد [10] ، ولا لذكره مزيد فائدةٍ؛ لأنَّ مُطلَق اليد يشتمل عليها، وقِيلَ: {إلى} تفيد الغاية مُطلقًا، وأمَّا دخولها في الحكم أو خروجها منه؛ فلا دلالة لها عليه، وإنَّما يُعلَم من خارجٍ، ولم يكن في الآية، وكأنَّ الأيديَ متناولةٌ لها، فحُكِم بدخولها احتياطًا، وقِيلَ: {إلى} من حيث إنَّها تفيد الغاية تقتضي خروجها، وإلَّا؛ لم تكن [11] غاية؛ كقوله: {فنظرةٌ إلى ميسرةٍ} [البقرة: 280] ، وقوله: {ثمَّ أتمُّوا الصِّيام إلى اللَّيل} [البقرة: 187] ، لكن لمَّا لم تتميَّز الغاية ههنا من ذي الغاية؛ وجب دخولها احتياطًا، انتهى. ووقف زُفَرُ مع المُتيَّقن، وقال إسحاق بن راهويه: يحتمل أن تكون [12] بمعنى: الغاية، وبمعنى «مع»، فبيَّنت السُّنَّة أنَّها بمعنى: «مع»، وقال الإمام الشَّافعيُّ في «الأُمِّ»: لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، قال ابن حجرٍ: فعلى هذا فزفرُ محجوجٌ بالإجماع، (ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) زاد ابن الطَّبَّاع في روايته: «كلَّه»؛ كما في حديثه المرويِّ عند ابن خزيمة في «صحيحه» (بِيَدَيْهِ) بالتَّثنية (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) بهما، ولـ: «مسلمٍ»: مسح رأسه كلَّه وما أقبل وما أدبر وصدغيه، (بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ)؛ بفتح الدَّال المُشدَّدة من «بمُقدَّم»؛ بأن وضع يديه عليه، وألصق مسبحته بالأخرى وإبهاميه على صدغيه (حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ) ليستوعب جهتيِ الشَّعر بالمسح، وعلى هذا يختصُّ ذلك بمن له شعرٌ ينقلب إلى أن ينتهيَ إلى مُقدَّمه؛ لظاهر قوله: «أقبل بهما وأدبر»، ويدلُّ عليه أنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، وسيأتي عند المصنِّف قريبًا في رواية سليمان بن بلالٍ: «بيديه فأدبر وأقبل» [خ¦199] ، فلم يكن في ظاهره حجَّةً؛ لأنَّ الإقبال والإدبار من الأمور الإضافيَّة، ولم يعيِّن ما أقبل إليه ولا ما أدبر عنه، ومخرج الطَّريقين متَّحدٌ، فهما بمعنًى واحدٍ، وعَيَّنت رواية مالكٍ البُداءة بالمُقدَّم، فيُحمَل قوله: «أقبل» على أنَّه من تسمية الفعل بابتدائه؛ أي: بدأ به قبل الرَّأس [13] ؛ وإِلَّا؛ فلا حاجة إلى الرَّدِّ، فلو ردَّ؛ لم يُحسَب [14] ثانيةً؛ لأنَّ الماء صار مُستعمَلًا، وهذا التَّعليل يقتضي أنَّه لو ردَّ ماء المرَّة الثَّانية؛ حُسِب ثالثةً [15] ؛ بناءً على الأصحِّ من أنَّ المُستعمَل في النَّفل طهورٌ، إلَّا أن يقال: السُّنَّة كون كلِّ مرَّةٍ بماءٍ جديدٍ، والجملة من قوله: «بدأ» عطف بيانٍ لقوله: «فأقبل بهما وأدبر»، ومن ثمَّ لم تدخلِ الواو على قوله: «بدأ»، والظَّاهر أنَّه ليس مُدرَجًا من كلام مالكٍ، بل هو من الحديث، وفيه حجَّةٌ على من قال: السُّنَّة أن يبدأ بالمُؤخَّر [16] ، ولا يُقال: هو بيانٌ للمسح الواجب، كما قال به مالكٌ وابن عيينة [17] وأحمد في روايةٍ وأصحاب مالكٍ غير أشهب، فبيانه واجبٌ؛ لأنَّه يلزم منه وجوب الرَّدِّ إلى المكان الذي بدأ منه، ولا قائلَ بوجوبه، ويلزم أن يكون تثليث الغَسل وتثنيته واجبين؛ لأنَّهما بيانٌ أيضًا، فالحديث ورد في الكمال، ولا نزاعَ فيه؛ بدليل أنَّ الإقبال والإدبار لم يُذكَرا في غير هذا الحديث، وقد وقع في رواية خالد بن عبد الله الآتية قريبًا في باب: «من مضمض» [18] واستنشق من غَرْفةٍ واحدةٍ، ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر [خ¦191] ؛ كآية «المائدة» بالباء، واختُلِف فيها؛ فقِيلَ: زائدةٌ؛ للتَّعدية، وتمسَّك به من أوجب الاستيعاب، وقِيلَ: للتَّبعيض، وعُورِض: بأنَّ بعض أهل العربيَّة أنكر كونها للتَّبعيض، قال ابن برهانٍ [19] : من زعم أنَّ الباء تفيد التَّبعيض؛ فقد جاء عن [20] أهل اللَّغة بما لا يعرفونه، وأُجيب: بأنَّ ابن هشامٍ نقل التَّبعيض عنِ الأصمعيِّ والفارسيِّ والقتيبيِّ [21] وابن مالكٍ والكوفيِّين وجعلوا منه: {عينًا يشرب بها عباد الله} [الإنسان: 6] ، انتهى. وقال [/ج1ص267/] بعضهم: الحكم في الآية مُجمَلٌ في حقِّ المقدار فقط؛ لأنَّ «الباء» للإلصاق؛ باعتبار أصل الوضع، فإذا قُرِنت بآلة المسح؛ يتعدَّى الفعل بها إلى محلِّ المسح، فيتناول جميعه، كما تقول: مسحت الحائط بيدي، ومسحت رأس اليتيم بيدي [22] ، فيتناول مسح الحائط [23] كلِّه، وإذا قُرِنت بمحلِّ المسح؛ يتعدَّى الفعل بها إلى الآلة، فلا تقتضي الاستيعاب، وإنَّما تقتضي التصاق الآلة بالمحلِّ، وذلك لا يستوعب الكلَّ عادةً، فمعنى التَّبعيض إنَّما ثبت بهذا الطَّريق، وقال الشَّافعيُّ: احتمل قوله: {وامسحوا برؤوسكم} جميع الرَّأس أو بعضه، فدلَّتِ السُّنَّة أنَّ بعضه يجزئ، وروى الشَّافعيُّ أيضًا من حديث عطاءٍ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توضَّأ فحسر العمامة عن رأسه، قال ابن حجرٍ: وهو مُرسَلٌ، لكنَّه اعتُضِد من وجهٍ آخرَ موصولًا أخرجه أبو داود من حديث أنسٍ، وفي إسناده [24] أبو معقلٍ لا يُعرَف حاله، فقد اعتضد كلٌّ من المُرسَل والموصول بالآخر، وحصلت القوَّة من الصُّورة [25] المجموعة، وهذا مثالٌ لِما ذكره الشَّافعيُّ: من أنَّ المُرسِل يعتضد بمرسلٍ آخرَ أو مُسنَدٍ، وصحَّ عنِ ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرَّأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصحَّ عن أحدٍ مِنَ الصَّحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزمٍ، وهذا كلُّه ممَّا يُقوَّى به المُرسَل، انتهى. وقد روى مسلمٌ من حديث [26] المغيرة بن شعبة: أنَّه صلى الله عليه وسلم توضَّأ فمسح بناصيته وعلى العمامة [27] ، فلو وجب الكلُّ؛ لمَا اقتصر على النَّاصية، وأمَّا استدلال الحنفيَّة على إيجاب مسح ربع الرَّأس بمسحه عليه الصلاة والسلام بالنَّاصية، وأنَّه بيانٌ للإجمال في الآية؛ لأنَّ النَّاصية ربع الرَّأس؛ فأُجِيب عنه: بأنَّه لا يكون بيانًا إلَّا إذا كان أوَّل مسحه كذلك بعد الآية، وبأنَّ قوله: «بناصيته» يحتمل بعضها، كما سبق نظيره في «برؤوسكم»، وقد ثبت وجوب أصل المسح، فجاحده كافرٌ؛ لأنَّه قطعيٌّ، واختُلِف في مقداره، فجاحده لا يُكفَّر؛ لأنَّه ظنِّيٌّ، (ثُمَّ غَسَلَ) عليه الصلاة والسلام (رِجْلَيْهِ)، أطلق الغَسل فيهما، ولم يذكر فيه تثليثًا ولا تثنيةً، كما سبق في بعض الأعضاء؛ إشعارًا بأنَّ الوضوء الواحد يكون بعضه [28] بمرَّةٍ، وبعضه بمرَّتين، وبعضه بثلاثٍ وإن كان الأكمل التَّثليث في الكلِّ ففعله بيانًا للجواز، والبيان بالفعل أوقع في النُّفوس منه بالقول، وأبعد من التَّأويل.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخ البخاريِّ، وقد دخلها، وفيه: رواية الابن عن الأب، والتَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة» [خ¦191] ، ومسلمٌ فيها، والتِّرمذيُّ مُختصَرًا، والنَّسائيُّ، وابن ماجه.

[1] «الأصيليِّ»: سقط من (د).
[2] في (د) و(س): «يديه».
[3] في (د): «يده؛ أي: وغسل يده».
[4] في (ص): «لكن».
[5] «ابن»: سقط من (د).
[6] قوله: «وفي رواية الأَصيليِّ: بكسر الميم وفتح الفاء»، سقط من (م).
[7] قوله: «كذا قاله ابن حجرٍ، وفي «اليونينيَّة»... وبالإفراد لأبي ذَرٍّ وحده، وهو»، مثبت من (م).
[8] في غير (ب): «المرفقين»، وهو خطأٌ.
[9] «كالحديث»: سقط من (د).
[10] في (ص): «لمعنى التجديد»، وفي (م): «معنى التجديد».
[11] في (د): «يكن».
[12] في (د): «يكون».
[13] قوله: «إلى أن ينتهيَ إلى مُقدَّمه... الفعل بابتدائه؛ أي: بدأ به قبل الرَّأس»، مثبتٌ من (م).
[14] في غير (ص) و(م): «تحسب».
[15] في (د): «له».
[16] قوله: «وفيه حجَّةٌ على من قال: السُّنَّة أن يبدأ بالمُؤخَّر»، مثبتٌ من (م).
[17] في غير (د) و(م): «عليَّة»، وهو تحريفٌ.
[18] في غير (م): «من باب تمضمض».
[19] في (د): «ابن خروفٍ»، وليس بصحيحٍ.
[20] «عن»: سقط من غير (ب) و(س).
[21] في (د): «القعبنيِّ»، وهو تحريفٌ.
[22] «بيدي»: سقط من (ب) و(د).
[23] «مسح الحائط»: سقط من غير (ب) و(س).
[24] في (م): «سنده».
[25] في (ص): «الصور».
[26] في (م): «طريق».
[27] في (م): «عمامته».
[28] «بعضه»: سقط من (د).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

185-. حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرَنا [1] مالِكٌ، عن عَمْرِو بنِ يَحْيَى المازِنِيِّ، عن أبِيهِ:

أنَّ رَجُلًا قالَ لِعَبْدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ _وَهْوَ جَدُّ عَمْرِو بنِ يَحْيَىَ_: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ؟ فقالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ: نَعَمْ. فَدَعا بِمَاءٍ، فَأَفْرَغَ علىَ يَدَيْهِ [2] فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ [3] ، ثُمَّ مَضْمَضَ واسْتَنْثَرَ [4] ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ [5] إلى المِرْفَقَيْنِ [6] ، ثُمَّ مَسَحَ رَأسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِما وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأسِهِ حَتَّىَ ذَهَبَ بِهِما إلىَ قَفاهُ، ثُمَّ رَدَّهُما إلى المَكانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ.

[1] في رواية الأصيلي: «حدَّثنا».
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «عَلَىَ يَدِهِ» بالإفراد.
[3] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فَغَسَل يَدَهُ مرتين».
[4] في رواية ابن عساكر: «واستنشقَ».
[5] اختُلف في ضبط رواية الأصيلي: ففي (ن، و، ق) أن روايته: «ثم غسل يديه إلى المرفقين»؛ بسقوط ذكر العدد، وفي (ب، ص) أنها: «ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين»؛ بتأخير العدد عن المرفقين، وأشار في (ب، ص) إلىَ أنَّ روايته قد ضبطت في بعض النسخ: «ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين».
[6] هكذا بتثنية المرفق في رواية الأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت وروايةٍ لأبي ذر أيضًا، وهي روايته عن الحَمُّويي والمُستملي كما في (ك)، وفي روايةٍ أخرىَ لأبي ذر: «إلى المرفق» بالإفراد، كتبت بالحمرة، وهي روايته عن الكُشْمِيْهَنِيِّ كما في (ك)، قارن بما في الإرشاد.





لا تتوفر معاينة

185# (أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ، وَهْوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) الضمير في ((وهو جد عمرو بن يحيى)) عائد [1] على الرجل القائل.

قال الدِّمياطي: وكونُه جدَّ عمرِو بنِ يحيى ليس بصحيح، بل هو عَمُّ أبيه [2] .

وقد وهم في ذلك بأن [3] الضمير عائد على عبد الله بن زيد، وهو جدُّ عمرِو بنِ يحيى لأمه، قاله في «تهذيب الكمال».

[1] في (ق): ((الضمري عامل على)).
[2] في (ق): ((أمه)).
[3] في (د): ((أن)).





185- قوله: (أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ الله بن زَيْدٍ): قال الدِّمياطيذُ: (هذا الرَّجل السَّائل هو عَمرو بن أبي حسن تميم بن عَبْد عَمرو، وأبو حسن له صحبة، وليس بجدٍّ لعمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن، وإنَّما هو عمُّ أبيه يحيى بن عُمارة، وقد جاء مبيَّنًا في الباب بعده، وجاء أيضًا في الباب الثَّامن من هذا الباب، وهو باب «الوضوء من التَّور»: «حَدَّثَنَا خالد عن سُلَيْمَان [1] ، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه قال: كان عمِّي يكثر الوضوء...) ، وعُمارة، وعمرو، وعمر أولاد أبي حسن تميم بن عَبْد عَمرو) انتهى.

قوله: (وهو جَدُّ عَمْرِو بنْ يَحيَى): الضَّمير يعود على عَبْد الله بن زيد، و (عبد الله بن زيد): هو جدُّ عَمرو بن يحيى المازنيِّ، أبو أمِّه، ويجوز أنَّ يعود على المبهم -السَّائل الذي قدَّمت اسمه- ويكون مجازًا، والله أعلم.

قوله: (وَاسْتَنْثَرَ): تقدَّم أنَّه إخراج الماء من الأنف بالنفس، وأنَّه غير الاستنشاق؛ ذاك [2] عكس ما فسَّرته، وقد تقدَّم قول من قال: هما واحد.

قوله: (إلى المِرْفَقَيْنِ): تقدَّم أنَّ المِرفَق؛ بكسر الميم، وفتح الفاء، وبالعكس، لغتان مشهورتان.

قوله: (بَدَأَ): هو بالهمز من الابتداء، وكذا الثَّانية.

[1] في (ج): (سلمان) ، وليس بصحيح.
[2] في (ب): (وذاك) .





لا تتوفر معاينة

185- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا)، وفي رواية الأَصيليِّ [1] : ((حدَّثنا)) (مَالِكٌ) إمام الأئمَّة، (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بن عُمَارة؛ بضمِّ العَيْن وتخفيف الميم (الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمارة بن أبي حسن، (أَنَّ رَجُلًا) هو عمرو بن أبي حسنٍ، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ في الحديث الآتي من طريق وُهَيبٍ [خ¦186] ، (قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريِّ، (وَهُوَ)؛ أي: الرَّجل المُفسَّر بعمرو بن أبي حسنٍ، (جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) المازنيِّ المذكور مجازًا لا حقيقةً؛ لأنَّه عمُّ أبيه، وإنَّما أطلق عليه الجدودة؛ لكونه في منزلته: (أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي)؛ أي: هل تستطيع الإراءة إيَّايَ (كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ)؟ كأنَّه أراد أن يريَه بالفعل؛ ليكون أبلغ في التَّعليم، (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) أي: الأنصاريُّ: (نَعَمْ) أستطيع أن أُرِيَك، (فَدَعَا بِمَاءٍ) عقب قوله ذلك، (فَأَفْرَغَ)؛ أي: صبَّ من الماء (عَلَى [/ج1ص266/] يَدَيْهِ)؛ بالتَّثنية، وفي رواية الأربعة: ((على يده))؛ بالإفراد على إرادة الجنس، (فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ)، وفي رواية الأربعة: ((فغسل يده [2] مرَّتين))، كذا في رواية مالكٍ، وعند غيره من الحفَّاظ: ((ثلاثًا))، فهي مُقدَّمةٌ على رواية الحافظ الواحد، لا يُقال: إنَّهما واقعتان لاتِّحاد مخرجهما، والأصل عدم التَّعدُّد؛ لأنَّ في رواية مسلمٍ من طريق حَبَّان بن واسعٍ عن عبد الله بن زيدٍ: أنَّه رأى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم توضَّأ، وفيه: «وغسل يده اليُمنى ثلاثًا [3] ، ثمَّ الأخرى ثلاثًا»، فيُحمَل على أنَّه وضوءٌ آخرُ؛ لكون [4] مخرج الحديثين غير متَّحدٍ، (ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا)؛ أي: بثلاث غرفاتٍ، كما في رواية وُهَيبٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((واستنشق ثلاثًا))، والرِّواية الأولى تستلزم الثَّانية من غير عكسٍ، قاله ابن حجرٍ، وعُورِض: بأنَّ ابن [5] الأعرابيِّ وابن قتيبة جعلاهما واحدًا، وقد مرَّ في «المضمضة والاستنشاق» [خ¦164] ، (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) بالتَّكرار (إِلَى)؛ أي: معَ (الْمَرْفِقَيْنِ)؛ بالتَّثنية مع فتح الميم وكسر الفاء، وفي رواية الأَصيليِّ: بكسر الميم وفتح الفاء [6] ، وفي رواية المُستملي والحَمُّوييِّ: ((إلى المرفق))؛ بالإفراد كذا قاله ابن حجرٍ، وفي «اليونينيَّة»: ((إلى المرفقين))؛ بالتَّثنية للأربعة، وبالإفراد لأبي ذَرٍّ وحده، وهو [7] على إرادة الجنس، وهو مفصل الذِّراع والعضد، وسُمِّي به؛ لأنَّه يرتفق به في الاتِّكاء، ويدخل في غسل اليدين؛ خلافًا لزُفَرَ؛ لأنَّ {إلى} في قوله تعالى: {إلى المرافق} [8] بمعنى: مع، كالحديث [9] ؛ كقوله تعالى: {ويزدكم قوَّةً إلى قوَّتكم} [هود: 52] ، أو متعلِّقةٌ بمحذوفٍ تقديره: وأيديَكم مُضافَةً إلى المرافق، قال البيضاويُّ: ولو كان كذلك؛ لم يبقَ معنًى للتَّحديد [10] ، ولا لذكره مزيد فائدةٍ؛ لأنَّ مُطلَق اليد يشتمل عليها، وقِيلَ: {إلى} تفيد الغاية مُطلقًا، وأمَّا دخولها في الحكم أو خروجها منه؛ فلا دلالة لها عليه، وإنَّما يُعلَم من خارجٍ، ولم يكن في الآية، وكأنَّ الأيديَ متناولةٌ لها، فحُكِم بدخولها احتياطًا، وقِيلَ: {إلى} من حيث إنَّها تفيد الغاية تقتضي خروجها، وإلَّا؛ لم تكن [11] غاية؛ كقوله: {فنظرةٌ إلى ميسرةٍ} [البقرة: 280] ، وقوله: {ثمَّ أتمُّوا الصِّيام إلى اللَّيل} [البقرة: 187] ، لكن لمَّا لم تتميَّز الغاية ههنا من ذي الغاية؛ وجب دخولها احتياطًا، انتهى. ووقف زُفَرُ مع المُتيَّقن، وقال إسحاق بن راهويه: يحتمل أن تكون [12] بمعنى: الغاية، وبمعنى «مع»، فبيَّنت السُّنَّة أنَّها بمعنى: «مع»، وقال الإمام الشَّافعيُّ في «الأُمِّ»: لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، قال ابن حجرٍ: فعلى هذا فزفرُ محجوجٌ بالإجماع، (ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) زاد ابن الطَّبَّاع في روايته: «كلَّه»؛ كما في حديثه المرويِّ عند ابن خزيمة في «صحيحه» (بِيَدَيْهِ) بالتَّثنية (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) بهما، ولـ: «مسلمٍ»: مسح رأسه كلَّه وما أقبل وما أدبر وصدغيه، (بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ)؛ بفتح الدَّال المُشدَّدة من «بمُقدَّم»؛ بأن وضع يديه عليه، وألصق مسبحته بالأخرى وإبهاميه على صدغيه (حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ) ليستوعب جهتيِ الشَّعر بالمسح، وعلى هذا يختصُّ ذلك بمن له شعرٌ ينقلب إلى أن ينتهيَ إلى مُقدَّمه؛ لظاهر قوله: «أقبل بهما وأدبر»، ويدلُّ عليه أنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، وسيأتي عند المصنِّف قريبًا في رواية سليمان بن بلالٍ: «بيديه فأدبر وأقبل» [خ¦199] ، فلم يكن في ظاهره حجَّةً؛ لأنَّ الإقبال والإدبار من الأمور الإضافيَّة، ولم يعيِّن ما أقبل إليه ولا ما أدبر عنه، ومخرج الطَّريقين متَّحدٌ، فهما بمعنًى واحدٍ، وعَيَّنت رواية مالكٍ البُداءة بالمُقدَّم، فيُحمَل قوله: «أقبل» على أنَّه من تسمية الفعل بابتدائه؛ أي: بدأ به قبل الرَّأس [13] ؛ وإِلَّا؛ فلا حاجة إلى الرَّدِّ، فلو ردَّ؛ لم يُحسَب [14] ثانيةً؛ لأنَّ الماء صار مُستعمَلًا، وهذا التَّعليل يقتضي أنَّه لو ردَّ ماء المرَّة الثَّانية؛ حُسِب ثالثةً [15] ؛ بناءً على الأصحِّ من أنَّ المُستعمَل في النَّفل طهورٌ، إلَّا أن يقال: السُّنَّة كون كلِّ مرَّةٍ بماءٍ جديدٍ، والجملة من قوله: «بدأ» عطف بيانٍ لقوله: «فأقبل بهما وأدبر»، ومن ثمَّ لم تدخلِ الواو على قوله: «بدأ»، والظَّاهر أنَّه ليس مُدرَجًا من كلام مالكٍ، بل هو من الحديث، وفيه حجَّةٌ على من قال: السُّنَّة أن يبدأ بالمُؤخَّر [16] ، ولا يُقال: هو بيانٌ للمسح الواجب، كما قال به مالكٌ وابن عيينة [17] وأحمد في روايةٍ وأصحاب مالكٍ غير أشهب، فبيانه واجبٌ؛ لأنَّه يلزم منه وجوب الرَّدِّ إلى المكان الذي بدأ منه، ولا قائلَ بوجوبه، ويلزم أن يكون تثليث الغَسل وتثنيته واجبين؛ لأنَّهما بيانٌ أيضًا، فالحديث ورد في الكمال، ولا نزاعَ فيه؛ بدليل أنَّ الإقبال والإدبار لم يُذكَرا في غير هذا الحديث، وقد وقع في رواية خالد بن عبد الله الآتية قريبًا في باب: «من مضمض» [18] واستنشق من غَرْفةٍ واحدةٍ، ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر [خ¦191] ؛ كآية «المائدة» بالباء، واختُلِف فيها؛ فقِيلَ: زائدةٌ؛ للتَّعدية، وتمسَّك به من أوجب الاستيعاب، وقِيلَ: للتَّبعيض، وعُورِض: بأنَّ بعض أهل العربيَّة أنكر كونها للتَّبعيض، قال ابن برهانٍ [19] : من زعم أنَّ الباء تفيد التَّبعيض؛ فقد جاء عن [20] أهل اللَّغة بما لا يعرفونه، وأُجيب: بأنَّ ابن هشامٍ نقل التَّبعيض عنِ الأصمعيِّ والفارسيِّ والقتيبيِّ [21] وابن مالكٍ والكوفيِّين وجعلوا منه: {عينًا يشرب بها عباد الله} [الإنسان: 6] ، انتهى. وقال [/ج1ص267/] بعضهم: الحكم في الآية مُجمَلٌ في حقِّ المقدار فقط؛ لأنَّ «الباء» للإلصاق؛ باعتبار أصل الوضع، فإذا قُرِنت بآلة المسح؛ يتعدَّى الفعل بها إلى محلِّ المسح، فيتناول جميعه، كما تقول: مسحت الحائط بيدي، ومسحت رأس اليتيم بيدي [22] ، فيتناول مسح الحائط [23] كلِّه، وإذا قُرِنت بمحلِّ المسح؛ يتعدَّى الفعل بها إلى الآلة، فلا تقتضي الاستيعاب، وإنَّما تقتضي التصاق الآلة بالمحلِّ، وذلك لا يستوعب الكلَّ عادةً، فمعنى التَّبعيض إنَّما ثبت بهذا الطَّريق، وقال الشَّافعيُّ: احتمل قوله: {وامسحوا برؤوسكم} جميع الرَّأس أو بعضه، فدلَّتِ السُّنَّة أنَّ بعضه يجزئ، وروى الشَّافعيُّ أيضًا من حديث عطاءٍ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توضَّأ فحسر العمامة عن رأسه، قال ابن حجرٍ: وهو مُرسَلٌ، لكنَّه اعتُضِد من وجهٍ آخرَ موصولًا أخرجه أبو داود من حديث أنسٍ، وفي إسناده [24] أبو معقلٍ لا يُعرَف حاله، فقد اعتضد كلٌّ من المُرسَل والموصول بالآخر، وحصلت القوَّة من الصُّورة [25] المجموعة، وهذا مثالٌ لِما ذكره الشَّافعيُّ: من أنَّ المُرسِل يعتضد بمرسلٍ آخرَ أو مُسنَدٍ، وصحَّ عنِ ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرَّأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصحَّ عن أحدٍ مِنَ الصَّحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزمٍ، وهذا كلُّه ممَّا يُقوَّى به المُرسَل، انتهى. وقد روى مسلمٌ من حديث [26] المغيرة بن شعبة: أنَّه صلى الله عليه وسلم توضَّأ فمسح بناصيته وعلى العمامة [27] ، فلو وجب الكلُّ؛ لمَا اقتصر على النَّاصية، وأمَّا استدلال الحنفيَّة على إيجاب مسح ربع الرَّأس بمسحه عليه الصلاة والسلام بالنَّاصية، وأنَّه بيانٌ للإجمال في الآية؛ لأنَّ النَّاصية ربع الرَّأس؛ فأُجِيب عنه: بأنَّه لا يكون بيانًا إلَّا إذا كان أوَّل مسحه كذلك بعد الآية، وبأنَّ قوله: «بناصيته» يحتمل بعضها، كما سبق نظيره في «برؤوسكم»، وقد ثبت وجوب أصل المسح، فجاحده كافرٌ؛ لأنَّه قطعيٌّ، واختُلِف في مقداره، فجاحده لا يُكفَّر؛ لأنَّه ظنِّيٌّ، (ثُمَّ غَسَلَ) عليه الصلاة والسلام (رِجْلَيْهِ)، أطلق الغَسل فيهما، ولم يذكر فيه تثليثًا ولا تثنيةً، كما سبق في بعض الأعضاء؛ إشعارًا بأنَّ الوضوء الواحد يكون بعضه [28] بمرَّةٍ، وبعضه بمرَّتين، وبعضه بثلاثٍ وإن كان الأكمل التَّثليث في الكلِّ ففعله بيانًا للجواز، والبيان بالفعل أوقع في النُّفوس منه بالقول، وأبعد من التَّأويل.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخ البخاريِّ، وقد دخلها، وفيه: رواية الابن عن الأب، والتَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة» [خ¦191] ، ومسلمٌ فيها، والتِّرمذيُّ مُختصَرًا، والنَّسائيُّ، وابن ماجه.

[1] «الأصيليِّ»: سقط من (د).
[2] في (د) و(س): «يديه».
[3] في (د): «يده؛ أي: وغسل يده».
[4] في (ص): «لكن».
[5] «ابن»: سقط من (د).
[6] قوله: «وفي رواية الأَصيليِّ: بكسر الميم وفتح الفاء»، سقط من (م).
[7] قوله: «كذا قاله ابن حجرٍ، وفي «اليونينيَّة»... وبالإفراد لأبي ذَرٍّ وحده، وهو»، مثبت من (م).
[8] في غير (ب): «المرفقين»، وهو خطأٌ.
[9] «كالحديث»: سقط من (د).
[10] في (ص): «لمعنى التجديد»، وفي (م): «معنى التجديد».
[11] في (د): «يكن».
[12] في (د): «يكون».
[13] قوله: «إلى أن ينتهيَ إلى مُقدَّمه... الفعل بابتدائه؛ أي: بدأ به قبل الرَّأس»، مثبتٌ من (م).
[14] في غير (ص) و(م): «تحسب».
[15] في (د): «له».
[16] قوله: «وفيه حجَّةٌ على من قال: السُّنَّة أن يبدأ بالمُؤخَّر»، مثبتٌ من (م).
[17] في غير (د) و(م): «عليَّة»، وهو تحريفٌ.
[18] في غير (م): «من باب تمضمض».
[19] في (د): «ابن خروفٍ»، وليس بصحيحٍ.
[20] «عن»: سقط من غير (ب) و(س).
[21] في (د): «القعبنيِّ»، وهو تحريفٌ.
[22] «بيدي»: سقط من (ب) و(د).
[23] «مسح الحائط»: سقط من غير (ب) و(س).
[24] في (م): «سنده».
[25] في (ص): «الصور».
[26] في (م): «طريق».
[27] في (م): «عمامته».
[28] «بعضه»: سقط من (د).





185- ( أَنَّ رَجُلًا ): هو عمرو بن أبي حسن.

( وهو ) أي: الرَّجل القائل لعبد الله لا عبد الله.

( جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ) فيه تجوُّز؛ لأنَّه عمُّ أبيه.

( وَاسْتَنْثَرَ ) للكُشْمِيهنيِّ بدله «واستنشق».

( ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ) مكرَّر، ولمسلم من طريق آخر عن عبد الله بن زيد: «أنَّه رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم توضأ وغسل يديه ثلاثًا»، فيُحمَل على أنَّه وضوء آخر لتعدُّد المخرج.

( إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ) للمُسْتملي: «المرفق».

( رَأْسَهُ ) في رواية: «برأسه»، وفي أخرى: «كلَّه». [/ج1ص328/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

185- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) أي: التِّنِّيسي ((قال: أخبرنا)) ، وفي رواية: (حدثنا) ((مالك)) ؛ أي: ابن أنس الأصبحي، ((عن عَمرو بن يحيى)) ؛ بفتح العين المهملة، ابن عُمَارة؛ بضمها وتخفيف الميم ((المازني)) الأنصاري، ((عن أبيه)) : يحيى المذكور بن عمارة بن أبي حسن واسمه تميم، وله صحبة، وكذا لعمارة ولده فيما جزم به ابن عبد البر، قال أبو نعيم فيه نظر، وقال الذهبي: عمارة بن أبي حسن المازني له صحبة، وقيل: أبوه بدري وعقبي، كذا في «عمدة القاري»: ((أن رجلًا)) : هو عمرو بن أبي حسن، كما سيأتي في الحديث الآتي من طريق وهيب ((قال لعبد الله بن زيد)) ؛ أي: ابن عاصم الأنصاري المازني، ووقع في رواية مسلم: (عن عبد الله بن زيد قال: قيل له: توضأ لنا) ...؛ فذكر الحديث، ((وهو)) ؛ أي: الرجل المفسَّر بعمرو بن أبي حسن ((جدُّ عمرو بن يحيى)) ؛ أي: المذكور، لكن مجازًا لا حقيقة؛ لأنَّه عم أبيه، وأطلق عليه (جدًّا) ؛ لكونه في منزلته، قال في «عمدة القاري»: ووهم من زعم أنَّ المراد بقوله: (وهو) عبد الله بن زيد؛ لأنَّه ليس جدًّا لعمرو بن يحيى لا حقيقة ولا مجازًا، وأما قول صاحب «الكمال»: (إن عمرو بن يحيى ابن بنت عبد الله بن زيد) ، فغلط توهَّمه من هذه الرواية، وذكر ابن سعد: (أن أمَّ عمرو بن يحيى هي حميدة بنت محمد بن إياس بن بكير) ، وقال غيره: (هي أم النعمان بنت أبي حبة) ، واختلف رواة «الموطأ» في تعيين السائل، فأبهمه أكثرهم، وقال معن بن عيسى، عن عمرو، عن أبيه يحيى: أنه سمع أبا حسن، وهو جد عمرو بن يحيى قال لعبد الله بن زيد وكان من الصحابة...؛ فذكر الحديث، وقال محمد بن الحسن الشيباني، عن مالك: حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه يحيى: أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد، وكذا ساقه سحنون في «المدونة»، وقال الشافعي في «الأم»: (عن مالك، عن عمرو، عن أبيه، قال لعبد الله بن زيد) ، قال في «عمدة القاري» أيضًا: فإن قلت: هل يمكن أن يجمع هذا الاختلاف؟قلت: يمكن أن يقال: اجتمع عند عبدِ الله بن زيد ابنُ أبي حسن الأنصاري وابنُه عمرو وابنُ ابنه يحيى بن عمارة بن أبي حسن، [فسألوه عن صفة وضوء النبي، وتولى السؤال منهم له عمرو [1] بن أبي حسن] [2] ، فحيث نُسِب إليه السؤال؛ كان على الحقيقة، ويؤيِّده رواية سليمان بن بلال عند المؤلف في باب (الوضوء من التور) قال: (حدثني عمرو بن يحيى عن أبيه قال: كان عمي _يعني: عمرو بن أبي حسن_ يُكْثِرُ الوضوء، فقال لعبد الله بن زيد: أخبرني...) ؛ فذكره، وحيث نُسِب السؤال إلى أبي حسن، فعلى المجاز؛ لكونه كان الأكبر، وكان حاضرًا، وحيث نُسِب السؤال ليحيى بن عمارة، فعلى المجاز أيضًا؛ لكونه ناقل الحديث، وقد حضر السؤال أيضًا، ويؤيِّد هذا الجمع ما في رواية الإسماعيلي من طريق وهب بن بقية عن خالد الواسطي بلفظ: (قلنا له) بلفظ الجمع الدَّال على أنَّهم كلهم اتفقوا على السؤال، غير أن السائل منهم كان عمرو بن أبي حسن، ويؤيده أيضًا ويوضِّحه ما رواه أبو نعيم في «المستخرج» من حديث الدراوردي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عمه عمرو بن أبي حسن قال: كنت كثير الوضوء، فقلت لعبد الله بن زيد...؛ فذكر الحديث، انتهى.

ومثله ذكره ابن حجر وتبعهما العجلوني، وأمَّا القسطلاني؛ فاقتصر، فلم يوضِّح هذا الإيضاح، فلله درُّ صاحب «عمدة القاري» ما أغزر

[/ص155/] علمه، وأوفر فهمه، والله يختصُّ برحمته من يشاء.

((أتستطيع)) ؛ الهمزة للاستفهام؛ أي: هل تستطيع ((أن تريني)) ؛ كلمة (أن) : مصدرية، والجملة محلها نصب على أنها مفعول (تستطيع) ، والتقدير: هل تستطيع الإراءة إياي ((كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟)) ، فجملة (يتوضأ) : محلها النصب على أنها خبر (كان) ، ويجوز أن تكون تامة، وتكون جملة (يتوضأ) : محلها نصب على الحال، وسبب استفهامه تجويزه أن يكون الصحابي نسي ذلك؛ لبعد عهده، وفيه ملاطفة الطالب للمعلم، وكأنَّه أراد أن يريه ذلك بالفعل؛ ليكون أبلغ في التعليم.

((فقال عبد الله بن زيد)) ؛ أي: الأنصاري المازني المتقدم: ((نعم)) : مقول القول، وهو يكون جملة، والتقدير: نعم أستطيع أن أريك كيفية وضوء النبي الأعظم عليه السلام؛ لأنَّي أحفظ ذلك، كما شاهدته، ((فدعا)) أي: عبد الله بن زيد ((بماء)) ؛ الفاء للتعقيب، وفي رواية وهيب الآتية في الباب بعده: (فدعا بتور من ماء) ، وسيأتي الخلاف في تفسير (التور) ، وللمؤلف في باب (الغسل) في أول هذا الحديث: (أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرجنا له ماء في تور من صفر) والتور المذكور يحتمل أن يكون هو الذي توضأ منه عبد الله بن زيد لمَّا سئل عن صفة وضوئه عليه السلام، فيكون أبلغ في حكاية صورة الحال على وجهها، ويحتمل غيره لكن ما قلناه؛ فافهم.

((فأفرغ)) ؛ الفاء للتعقيب أيضًا؛ أي: صبَّ من الماء ((على يديه)) ؛ بالتثنية، وفي رواية: (على يده) ؛ بالإفراد على إرادة الجنس، وفي رواية موسى عن وهيب: (فأكفأ) ؛ بهمزتين، وفي رواية سليمان بن حرب في باب (مسح الرأس) عن وهيب: (فكفأ) ؛ بهمز آخره فقط، وهما لغتان بمعنًى، يقال: كفأ الإناء وأكفأه؛ إذا أماله، وقال الكسائي: (كفأت الإناء: كببته، وأكفأته: أملته، والمراد في الموضعين: إفراغ الماء من الإناء على اليد) ، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((فغسل يده)) ؛ بالإفراد، وللأربعة: بالتثنية، والفاء للتعقيب، ((مرتين)) كذا في رواية مالك، لكن لغيره من الحفاظ: (ثلاثًا) ، كما عند مسلم وغيره، فهي مقدمة على رواية الحافظ الواحد، وإنما لم يُحْمَلْ هذا على واقعتين؛ لأنَّ المخرج واحد، والأصل عدم التعدد، كذا في «عمدة القاري»، ثم قال: (وغسل اليدين قبل شروعه في الوضوء فيه أقوال:

الأول: أنَّه سنة، وهو المشهور عندنا، كما في «المحيط» و«المبسوط»، ويدل عليه أنه عليه السلام لم يتوضأ قطٌّ إلا غَسَلَ يديه، وذكر في «النافع»تقديم غسلهما إلى الرسغين سنة تنوب عن الفرض؛ كالفاتحة تنوب عن الواجب وفرض القراءة، واختاره في «الكافي»، وقال شمس الأئمة السرخسي: «إنه سنة لا تنوب عن الفرض، فيعيد غَسْلهما ظاهرهما وباطنهما»، قال: «وهو الأصح»، والذي اختاره الجمهور: أنه فرض وتقديمه سنة، واختاره في «فتح القدير»، وفي الحواشي: تقديم غسل اليدين للمستيقظ؛ لأجل التبرِّك بالحديث، وإلا فسببه شامل له ولغيره، قال في «النهر»: «والأصح الذي عليه الأكثر: أنه سنة مطلقًا للمستيقظ وغيره، لكنه عند تَوَهِّم النجاسة سنة مؤكدة، كما إذا نام لا عن استنجاء، أو كان على بدنه نجاسة، وغير مؤكدة عند عدم توهمهما، كما إذا نام لا عن شيء من ذلك، أو لم يكن مستيقظًا عن نوم» انتهى.

الثاني: أنه مستحبٌّ للشاكِّ في طهارة يديه، وهو المروي عن مالك.

الثالث: أنه واجب على المنتبه من نوم الليل دون نوم النهار، قاله أحمد.

الرابع: أنه واجب فيما إذا شكَّ هل أصابته نجاسة أم لا؟ فيجب غسلهما في مشهور قول مالك.

الخامس: أنه واجب على المنتبه من النوم مطلقًا، وبه قال داود وأصحابه) .

((ثم تمضمض، واستنثر)) وفي رواية: (مضمض واستنشق) ((ثلاثًا)) ، ومعنى (استنثر) : إذا استنشق الماء ثم استخرجه بنَفَس الأنف، والنثرة: الخيشوم وما والاه، وتنشَّق واستنشق الماء في أنفه: صبَّه فيه، ويقال: نثر وانتثر واستنشق: إذا حرَّك النثرة، وهي طرف الأنف.

وزعم ابن حجر أن الاستنثار مستلزم للاستنشاق بلا عكس، وردَّه في «عمدة القاري» بقوله: (قلت: لا نسلِّم ذلك، فقد قال ابن الأعرابي وابن قتيبة وغيرهما: «الاستنشاق والاستنثار واحد») انتهى.

قلت: وقد قدَّمنا في باب (الوضوء ثلاثًا) : أن بعض أهل اللغة على عدم اتحادهما لغة، وأما اصطلاحًا؛ فلا خلاف في تغايرهما، فكأن ابن حجر اعتمد قول هذا البعض، وقدمنا أنه شاذٌّ لا يعوَّل عليه، وهذا دأبه في اعتماده على الأقوال الشاذة، ولعلَّه اختلط عليه ما قاله أهل اللغة بما قال أهل الاصطلاح، وتمامه في «كشف الحجاب عن العوام»، وقد تعرَّض لذلك أيضًا في «منهل العليل المطل» فافهم.

فالمضمضة والاستنشاق: سُنَّتان في الوضوء فرضان في الغُسْل، وبه قال الإمام الأعظم، وأصحابه، وسفيان الثوري، وغيرهم، وقال الشافعي: سُنَّتان فيهما، وعنه أنهما واجبتان فيهما، وهو قول ابن أبي ليلى، وحماد، وإسحاق، وقال أبو ثور: (الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل دون المضمضة) ، وبه قال أحمد في رواية،وأبو عبيد، وزاد في رواية وهيب بعد (ثلاث) : (بثلاث غَرفات) ، وهي تفيد: أنه تمضمض ثلاثًا بثلاث غَرفات، واستنشق ثلاثًا بثلاث غَرفات، ويدل له ما رواه الترمذي عن علي الصديق الأصغر رضي الله عنه، وفيه: مضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، وقال: (حديث حسن صحيح) ، ولم يُحْكَ فيه أن كل واحد من المضامض والاستنشاقات بماء واحد، لكن مضمونه ظاهر، وهو أنه أخذ لكل واحدة منهما ماء جديدًا، وكذا روى البويطي عن الشافعي: (أنه يأخذ ثلاث غَرفات للمضمضة، وثلاث غَرفات للاستنشاق) .

((ثم غسل وجهه ثلاثًا)) ؛ أي: ثلاث مرات، ولم تختلف الروايات في ذلك، وكلمة (ثم) في ستة مواضع في الحديث بمعنى: الواو، وليست على معناها الأصلي؛ وهو الإمهال، كذا قاله ابن بطال.

وقال في «عمدة القاري»: («ثم» في هذه المواضع؛ للترتيب؛ لأنَّها تُسْتَعمل لثلاثة معان؛ التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، مع أن في كل واحد منها فيه خلاف، والمراد من الترتيب: هو الترتيب في الإخبار، لا الترتيب في الحكم، مثل ما يقال: بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب؛ أي: ثم أخبرك؛ أي: الذي صنعته أمس أعجب) انتهى.

قلت: فلا دلالة في الحديث على وجوب الترتيب؛ لأنَّ المراد به: الإخبار، ويدل عليه الإتيان في الآية بالواو؛ وهي لمطلق الجمع اتفاقًا، لا تفيد الترتيب، فمن أوجب الترتيب؛ فقد زاد على النص، والزيادة عليه لا تجوز، على أنه لو ادَّعى أن الحديث يفيد وجوب الترتيب؛ يقال له: إن الحديث خبر الواحد، وهو يفيد السنية لا الوجوب، فثبت بذلك مذهب الإمام الأعظم والجمهور أنَّ الترتيب سنَّة لا واجب، وهو الحقُّ؛ فليحفظ.

((ثم غسل يديه)) ؛ بالتثنية، ((مرتين مرتين)) ؛ بتكرار (مرتين) ، ولم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين مرتين، وفي رواية مسلم من طريق حبان بن واسع عن عبد الله بن زيد: (أنه رأى رسول الله عليه السلام توضأ، فمضمض، ثم استنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويده اليمنى ثلاثًا، والأخرى ثلاثًا، ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وغسل رجليه حتى أنقاهما) ، قال في «عمدة القاري»: (فيحمل على أنه وضوء آخر، لكن مخرج الحديثين غير متحد) انتهى، وتبعه العجلوني، وذكر القسطلاني رواية مسلم المذكورة في شرح قوله: (فغسل يده مرتين) ، وهو غير مناسب؛ لأنَّه يوهم خلاف المراد؛ فافهم.

وهل يغسل يديه هنا من أول الأصابع أو يغسل الذراعين لا غير؛ لتقدم غسل اليدين إلى الرسغ؟ وفي «الذخيرة»: الأصح عندي: أنَّه يعيد غسل اليدين ظاهرهما وباطنهما؛ لأنَّ الأول كان سنة افتتاح الوضوء فلا ينوب عن فرض الوضوء، وهذا ما صحَّحه شمس الأئمة السرخسي، والذي اختاره الجمهور: أنَّ الغسل الأول فرض وتقديمه سنة، وسبق؛ فتأمل.

((إلى المَرفِقين)) ؛ بالتثنية، وبفتح الميم، وكسر الفاء، وفي رواية: (إلى المرفق) ؛ بالإفراد على إرادة الجنس، وهو مفصل الذراع والعضد، سمي بذلك؛ لأنَّه يُرْتَفَقُ به في الاتِّكاء، وهو يدخل في غسل اليدين عند الجمهور، خلافًا للإمام زفر وأبي بكر بن داود، وهو رواية عن مالك.

واستُدِل للجمهور: بأن {إلى} [المائدة: 6] في الآية بمعنى: (مع) كقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] ؛ أي: معها، ورُدَّ بأنه خلاف الظاهر، وأجيب: بأن القرينة دلَّت عليه، وهي كون ما بعدها من جنس ما قبلها، وقال ابن القصار: (اليد: تُطْلَقُ من رؤوس الأصابع إلى الإبط؛ لحديث عمار أنه تيمم إلى الإبط، وهو من أهل اللغة، ولفظ {إلى} حد للمتروك لا للمغسول، وردَّ بأن السياق ينافيه.

وقال العلَّامة جار الله الزمخشري: («إلى»: لمطلق الغاية، وأمَّا دخولها في الحكم وخروجها عنه؛ فيدوران

[/ص156/] مع الدليل كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] ، فيدل على عدم الدخول للنهي عن صوم الوصال، وقول القائل: «حفظت القرآن من أوله إلى آخره» يدل على الدخول؛ لكون الكلام مَسُوقًا لحفظ القرآن جميعِه، ولا دلالة في الآية على أحد الأمرين بخصوصه، فأخذ العلماء بالاحتياط، ووقف زفر مع المتيقن) انتهى.

قال في «عمدة القاري»: (ويمكن أن يُسْتَدَلَّ لدخولها بفعله عليه السلام، ففي «الدارقطني» بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة وضوئه عليه السلام: «فغسل يديه إلى المرفقين حتى مسَّ أطراف العضدين»، وفيه أيضًا من حديث جابر: «كان عليه السلام إذا توضأ؛ أدار الماء على مرفقيه»، وفي «البزار» و«الطبراني» من حديث وائل بن حجر وفيه: «وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق»، وفي «الحافظ الطحاوي» و«الطبراني» من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعًا: «ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه») انتهى.

قلت: فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا، وقال ابن راهويه: ({إلى} في الآية تحتمل الغاية ومعنى «مع»، فبيَّنت السنة أنَّها بمعنى «مع») .

وقال الشافعي في «الأم»: (لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء) ، قال ابن حجر: (فعلى هذا؛ فزفر محجوج بالإجماع قبله، وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحًا، وإنما حكى عنه أشهب كلامًا محتملًا) انتهى.

قلت: وقوله: (لا أعلم مخالفًا) : ليس حكاية منه للإجماع الذي يكون غيره محجوجًا به، ففي دعوى الإجماع نظر، ولذا قال العجلوني بعد كلام ابن حجر: (وأقول قول «الأم» لا ينافي وجود خلاف، فلا إجماع) انتهى، وقد نقل غير واحد عن أشهب عن مالك قولًا واحدًا: أن المِرْفق غير داخل في الوضوء، كما قاله الإمام زفر وداود، فقول ابن حجر: (ولم يثبت عن مالك) فيه نظر، وقد يقال: لم يثبت عن مالك في غير رواية أشهب، وأمَّا في رواية أشهب؛ فإنه يثبت القول بذلك؛ فافهم.

وقال في «شرح المنية»: (إنَّ غسل المرفقين والكعبين في الوضوء ليس بفرض قطعي، بل هو فرض عملي لا يكفر جاحده) ، قال في «النهر»: (فلهذا لا يحتاج إلى دعوى الإجماع؛ لأنَّ الفروض العملية لا يحتاج في إثباتها إلى القاطع، فيحتاج إلى الإجماع) انتهى.

قلت: ولهذا لم يتعرض في «عمدة القاري» إلى دعوى الإجماع، بل استدلَّ بالأحاديث التي أوردناها؛ فافهم.

((ثم مسح رأسه)) زاد ابن الصباغ في روايته: (كله) ، كما في حديثه المروي عند ابن خزيمة في «صحيحه»، وفي رواية خالد بن عبد الله: (مسح برأسه) ؛ بزيادة الباء الموحدة، ((بيديه)) ؛ بالتثنية، فاحتجَّ به مالك وأحمد في رواية على أنَّ مسح جميع الرأس فرض، واختلف أصحاب مالك؛ فقال أشهب: (يجوز مسح بعض الرأس) ، وقال غيره: (والثلث فصاعدًا) ، وعندنا وعند الشافعي: (الفرض مسح بعض الرأس) ، فقال أئمتنا: وذلك البعض هو ربع الرأس؛ لحديث المغيرة بن شعبة: (أنه مسح على ناصيته) ، والناصية: تبلغ ربع الرأس كما قاله أهل اللغة؛ لأنَّ الكتاب مجمل في حق المقدار فقط؛ لأنَّ الباء في {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} [المائدة: 6] ؛ للإلصاق عند المحققين باعتبار أصل الوضع، وجميع معانيها ترجع إلى الإلصاق، فإذا قُرِنت بآلة المسح؛ يتعدَّى الفعل بها إلى مسح المسح، فيتناول جميعه، كما تقول: مسحت الحائط بيدي، ومسحت رأس اليتيم بيدي، فيتناول كله، وإذا قُرِنَتْ بمحلِّ المسح؛ يتعدَّى الفعل بها إلى الآلة، وهو لا يقتضي الاستيعاب، وإنما يقتضي إلصاق الآلة بالمحل، وذلك لا يستوعب الكل عادة، بل يقتضي استيعاب اليد دون الرأس، واستيعابها ملصقة بالرأس لا تستغرق غالبًا سوى ربعه، فتعين الربع مرادًا في الآية، وهو المطلوب، فالآية مجملة محتاجة للبيان، وقد بيَّنتها السنة، ففي «صحيح مسلم» من حديث المغيرة: (أنه عليه السلام توضأ، ومسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين) .

فإن قلت: إنَّما استدللت بالحديث على أنَّ المقدار في المسح هو قدر الناصية، وتركت بقية الحديث وهو المسح على العمامة.

قلت: لو عملنا بكل الحديث؛ يلزم به الزيادة على النص؛ لأنَّ هذا خبر الواحد، والزيادة به على الكتاب نسخ؛ وهو لا يجوز، وأمَّا المسح على الرأس؛ فقد ثبت بالكتاب، فلا يلزم ذلك، وأمَّا مسحه على العمامة؛ فأوَّله البعض بأن المراد به ما تحتها [3] ، من قبيل إطلاق اسم الحال على المحل، وأوَّله البعض: بأن الراوي كان بعيدًا عن النبي الأعظم عليه السلام، فمسح على رأسه ولم يضع العمامة من رأسه، فظنَّ الراوي أنه مسح على العمامة.

وقال القاضي عياض: (وأحسن ما حَمَلَ عليه أصحابنا حديث المسح على العمامة: أنه عليه السلام لعلَّه كان به مرض في رأسه، فمنعه كشف رأسه، فصارت العمامة كالجبيرة التي يمسح عليها للضرورة) .

وقال ابن حجر: (فإن قيل: فلعلَّه اقتصر على مسح الناصية لعذر؛ لأنَّه كان في السفر، وهو مظنَّة العذر، ولهذا مسح على العمامة بعد مسح الناصية، كما هو ظاهر سياق مسلم من حديث المغيرة؛ قلنا: قد رُوِيَ عنه مسح مُقَدَّم الرأس من غير مسح العمامة، وهو ما رواه الشافعي من حديث عطاء: «أنه عليه السلام توضأ، فحَسَرَ العمامة عن رأسه، ومسح مقدَّم رأسه»، وهو مرسل، لكنه اعتضد من وجه آخر موصولًا أخرجه أبو داود من حديث أنس، وفي إسناده أبو معقل، لا يعرف حاله، فقد اعتضد كلٌّ من المرسل والموصول بالآخر، وحصلت القوة من الصورة المجموعة) انتهى، وتبعه القسطلاني.

واعترضهما في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: قول هذا القائل من أعجب العجائب؛ لأنَّه يدَّعي أن المرسل غير حجة عند إمامه، ثم يدَّعي أنه اعتضد بحديث موصول ضعيف باعترافه هو، ثم يقول: وحصلت القوة من الصورة المجموعة، فكيف تحصل القوة من شيء ليس بحجة، وشيء ضعيف؟! فإذا كان المرسل غير حجة؛ يكون في حكم العدم، ولا بقي إلا الحديث الضعيف وحده، فكيف تكون الصورة المجموعة قوية؟!) انتهى، وتمامه في «كشف الحجاب عن العوام».

وقول ابن حجر: (فلعلَّه اقتصر على مسح الناصية لعذر؛ لأنَّه كان في سفر) : ممنوع؛ لأنَّ حديث المغيرة صريح في أنه عليه السلام لم يكن في السفر، ولفظه: (أنه عليه السلام أتى سباطة قوم، فبال، وتوضأ، ومسح على ناصيته وخفَّيه) ، رواه ابن ماجه والنسائي، وروى أبو داود عن أنس قال: (رأيت النبي عليه السلام يتوضَّأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه) ، وروى البيهقي عن عطاء: (أنه عليه السلام توضأ، فحسر العمامة، ومسح مقدَّم رأسه، أو قال: ناصيته) ، وكل هذه الأحاديث تدل على بطلان ما زعمه ابن حجر، على أن دعوى العذر ممنوعة؛ لأنَّ حالة العذر حالة ضرورة، وفي حالة الضرورة تقدَّر بقدرها، فهي دعوى باطلة لا دليل عليها، وهي بعضها متصل وبعضها مرسل، وهو حجَّة عندنا لا سيما وقد اعتضد بالمتصل.

واعترض بأن الباء المتنازعة فيها موجودة في حديث مسلم، فيبقى النزاع، كما في الآية.

قلت: لا نزاع في الحديث أصلًا؛ لأنَّ رواية أبي داود، وابن ماجه، والنسائي، والبيهقي، وغيرهم: بدون الباء، وهي أحاديث متصلة، وحديث مسلم وإن كان في روايته زيادة الباء؛ فهي زيادة من الراوي زادها موافقة للفظ الآية، وإلا فلفظ الحديث بدون الباء كما رواه الجمهور، ولو سُلِّم وجودها؛ فما قيل في معنى الباء التي في الآية؛ يقال فيها أيضًا، وتعداد الرواة في حديث مسح الناصية وتعدُّد طرقه يدلُّ صريحًا على أنه عليه السلام من حين نزول الآية كان يمسح على الناصية، فهو بيان لإجمالٍ في الآية، وهو ما قرَّره المحققون.

وقال الشافعي: (الباء في الآية معناها: التبعيض، فيُطْلَقُ على أدنى ما يُطْلَقُ عليه المسح، وهو يتأدَّى بشعرة أو شعرتين) .

واعترض بأن أهل اللغة قد أنكروا كون الباء للتبعيض، وقال ابن برهان: (من زعم أن الباء تفيد التبعيض، فقد جاء أهلَ اللغة بما لا يعرفونه) ، وقد جعل المحقِّق الجرجاني معنى الإلصاق في الباء أصلًا، وإن كانت [4] تجيء لمعان كثيرة، فإنها ترجع إلى الإلصاق؛ لأنَّه

[/ص157/] معناها الأصلي عند المحققين.

وقال ابن هشام: أَثْبَتَ مجيء الباء للتبعيض الأصمعي، والفارسي، وابن مالك، وجعلوا منه قوله تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ} [الإنسان: 6] ، قيل: ومنه: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ}، والظاهر: أن الباء فيهما للإلصاق، ويدل لذلك قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ} [البقرة: 29] ، والطواف لا يصح بالبعض إجماعًا، فكذا هذا، وقيل: الباء في الآية للاستعانة، وأن في الكلام حذفًا وقلبًا، فإنَّ «مسح» يتعدى إلى المزال عنه بنفسه وإلى المزيل بالباء، فالأصل: امسحوا رؤوسكم؛ بالماء [5] .

فإن قلت: أليس في التيمم حكم المسح ثبت بقوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} [المائدة: 6] ، ثم الاستيعاب فيه شرط؟

قلت: عُرِف الاستيعاب فيه إما بإشارة الكتاب؛ وهو أن الله أقام التيمم في هذين العضوين مقام الغسل عند تعذره، والاستيعاب فرض بالنصِّ وكذا فيما قام مقامه، أو عُرشف ذلك بالسنة؛ وهو قوله عليه السلام لعمار رضي الله عنه: «يكفيك ضربتان: ضربة للوجه وضربة للذراعين»، وأما على رواية الحسن عن الإمام الأعظم: أنه لا يُشْتَرَطُ الاستيعاب، فلا يردشيء، وجاحدُ أصل المسحِ كافر؛ لأنَّه قطعي، وجاحدُ المقدار لا يُكفَّر؛ لأنَّه في حق المقدار ظنَّي، وتمامه فيما أوردناه في آية الوضوء؛ فافهم.

((فأقبل بهما)) أي: بيديه ((وأدبر)) ؛ أي: بهما، وقوله: ((بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما)) أي: بيديه ((إلى قفاه ثم ردَّهما)) أي: يديه ((إلى المكان الذي بدأ منه)) ؛ بيان لقوله: (فأقبل وأدبر) ، فلذا لم تدخل الواو عليه، وهذا من الحديث، وليس مُدْرَجًا من كلام مالك، كذا في «عمدة القاري»، ففيه: أنَّ السنة البداءة بمُقَدَّم الرأس حالة المسح، والذهاب بهما إلى القفا، وردهما إلى المقدَّم، وهذه الكيفية المسنونة شاملة لمن كان على رأسه شعر، أو محلوقه، أو غيره؛ لأنَّ لفظ الحديث عام لم يفصل بينهما، لا يقال: إن هذه الكيفية خاصَّة بمن على رأسه [6] شعر دون غيره ينقلب لطوله كما كان له عليه السلام،بخلاف غيره ممن ليس له شعر، فلا يسن ردُّ اليدين إلى المبدأ؛ لأنَّا نقول: لفظ الحديث عام لم يفصِّل بين ما كان على رأسه شعر أو لم يكن، وتخصيص هذه الكيفية بمن كان على رأسه شعر تخصيص بلا مخصِّص؛ لأنَّه لم يرد ذلك في الأحاديث، وكون النبي الأعظم عليه السلام فعل ذلك والحال أن على رأسه الشريف شعر لا يدل على التخصيص؛ لأنَّه عليه السلام قد ورد عنه أنَّه قال: «احلقوه كلَّه أو اتركوه كلَّه»، فخيَّر بين الحلق والترك، فكأنَّه عليه السلام بيَّن هذه الكيفية، وخيَّر في الحلق وعدمه، فدلَّ ذلك على العموم من غير تفصيل، ولا يقال: إن الماء صار مستعملًا حيث إنه ردَّ اليدين إلى المكان الذي بدأ به منه؛ لأنَّ الماء لا يُحْكَم عليه بالاستعمال إلَّا أن ينفصل عن العضو، وهنا لم ينفصل، فبقي على أصل الطهارة والطهورية؛ فافهم.

وزعم ابن حجر: (وهذه الكيفية حجة على من قال: السنة أن يبدأ بمُؤَخَّر الرأس إلى أن ينتهي إلى مُقَدَّمِه) .

وردَّه في «عمدة القاري» بأنه لا يقال: إن مثل هذا حجة عليه؛ لأنَّه ورد في هذا الباب أحاديث كثيرة، فعند النسائي من حديث عبد الله بن زيد: (ثم مسح رأسه بيده، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه) ، وعند ابن أبي شيبة من حديث الربيع: (بدأ بمؤخره ثم ردَّ يديه على ناصيته) ، وعند الطبراني: (بدأ بمؤخر رأسه، ثم جرَّه إلى قفاه، ثم جرَّه إلى مؤخره) ، وعند أبي داود: (يبدأ بمؤخره، ثم بمقدمه، وبأذنيه كليهما) ، وفي لفظ: (مسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحية لمنصب الشعر، لا يحرك الشعر عن هيئته) ، وفي لفظ: (مسح رأسه وما أقبل وما أدبر وصدغيه) ، وعند البزار من حديث أبي بكرة يرفعه: (توضأ ثلاثًا ثلاثًا) ، وفيه: (مسح برأسه يقبل بيده من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه) ، وعند ابن قانع من حديث أبي هريرة: (وضع يده على النصف من رأسه، ثم جرَّهما إلى مقدم رأسه، ثم أعادهما إلى المكان الذي بدأ منه وجرهما إلى صدغيه) ، وعند أبي داود من حديث أنس: (أدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه) ، وفي «كتاب ابن السكن»: (فمسح باطن لحيته وقفاه) ، وفي «معجم البغوي» و«ابن أبي خيثمة»: (مسح رأسه إلى ما سالفته) ، وعند النسائي عن عائشة وصفت وضوءه عليه السلام: (فوضعت يدها في مقدم رأسها، ثم مسحت إلى مؤخره، ثم مدت بيديها بأذنيها، ثم مدت على الخدين) ، فهذه أوجه كثيرة يختار المتوضئ أيها شاء، واختار أئمتنا الأعلام رواية عبد الله بن زيد، فالذي قال: (السنة أن يبدأ بمؤخر الرأس) اختار الوجه الذي فيه البداءة بمؤخر الرأس، وله أيضًا أن يقول: (هذا الوجه حجة عليك أيها المختار في البداءة بالمقدم) انتهى؛ فافهم.

قال الكرماني: (وفي الاستدلال بذلك على وجوب مسح الجميع نظر؛ إذ ليس كل ما ذكر واجبًا كالمضمضة والاستنشاق، ومن أوجبهما؛ فمحجوج بأمور بعضها سبق وبعضها يأتي، ولئن سلَّمنا؛ فالتثليث والتثنية في البعض مذكورات ولا يجبان اتفاقًا، ولا يقال: هو بيان للآية، وهو واجب، فبيانه واجب؛ لأنَّا نقول: كان يجب الرد إلى المكان الذي بدأ منه، ولا يجب اتفاقًا، ويلزم أن يكون التثنية والتثليث واجبين أيضًا؛ لأنَّهما بيان أيضًا؛ لقوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6] ، وأيضًا لو كان التعميم واجبًا؛ لما جاز الاكتفاء بمسح الناصية، وقد ثبت في الأحاديث الصحاح: أنه مسح على ناصيته، فالحق: أنه أمر بإيجاد ماهية المسح سواء كان في ضمن الجميع أو الناصية، وهذا الحديث إنَّما ورد في كمال الوضوء بدليل الأحاديث الأخر التي ليس فيها إقبال ولا إدبار) انتهى.

((ثم غسل رجليه)) أطلق الغسل فيهما، ولم يذكر تثليثًا ولا تثنية _كما مر_ إشارة إلى أن الوضوء الواحد يكون بعضه بمرة، وبعضه بمرتين، وبعضه بثلاث، وإن كان الأكمل التثليث في الكل؛ ففعله عليه السلام ذلك في بعض الأحيان دليل للجواز، فهو أفضل في حقه، وإن كان عدم التثليث في حقنا لغير عذر؛ مكروه، والبيان وإن أمكن بالقول لكن الفعل أوقع في النفس وأبعد من التأويل لبيان الحكم.

وفي رواية: (إلى الكعبين) ؛ تثنية كعب، وهو العظم الناشز عند ملتقى الساق والقدم، هذا تفسير أهل اللغة، وهو قول الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف، والإمام محمد، والإمام الحسن، والإمام زفر، والجمهور.

وروى ابن القاسم عن مالك: (أنَّه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك) ، ونسب جماعة من المتعصبين هذا القول إلى الإمام الأعظم، وهو خطأ ظاهر، وافتراء من مكابر، فإنه لم يقل به الإمام الأعظم ولا أصحابه أصلًا قطعًا، وإنما ذكر الإمام محمد في المُحْرِم: أنه إذا لم يجد النعلين؛ فليقطع الخفين إلى الكعبين، وفسَّر الكعب في ذلك، فأخذ تلميذه هشام ذلك، ونقله إلى الوضوء، وقد أجمع عامة أهل المذهب متونًا، وشروحًا، وفتاوًى على تخطئة هشام، وأن مراد الإمام محمد ذلك في المُحْرِم، كما هو مصرَّح به في كتابه «السير الكبير»، وكذا في «السير الصغير»، و«الجامع الكبير»، و«الجامع الصغير»، وغيرها المسماة بكتب ظاهر الرواية، فهؤلاء المتعصبون يتفقدوا قولًا إما شاذًّا أولا أصل له عن الإمام الأعظم، وينسبونه إليه، ويطيلون ألسنتهم الحداد عليه، ولا غروَ؛ فإنَّ مثل هذا الإمام الذي هو رئيس المجتهدين وسيِّدهم التابعي الجليل، بحر لا يفسده ولوغ الكلاب، ونقيٌّ لا يغيِّره مقل الذباب، وليس مثلهم إلا كمثل الذباب وقع تحت ذنب جواد في حالة كرِّه وفرِّه، ولله درُّ القائل:

~يَا نَاطِحَ الْجَبَلِ الْعَالِي لِيكْلِمَهُ أَشْفِقْ عَلَى الرَّأْسِ لَا تُشْفِقْ عَلَى الْجَبَلِ

وفي الحديث فوائد؛ منها: جواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة، وأن الاغتراف من الماء القليل لا يصيِّر الماء مستعملًا؛ لأنَّ في رواية وهيب وغيره: (ثم أدخل يده) ، وتمامه في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم الحليم.

[1] في «عمدة القاري»: (عمارة)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] ما بين معقوفين سقط منالأصل، وهو مستفاد من «عمدة القاري».
[3] في الأصل: (تحته).
[4] في الأصل: (كان) .
[5] في الأصل: (بالباء)، ولعله تحريف عن المثبت.
[6] في الأصل: (رأس).