إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث عبد الله بن زيد في مسح الرأس كله

185- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية الأَصيليِّ [1]: ((حدَّثنا)) (مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بن عُمَارة؛ بضمِّ العَيْن وتخفيف الميم (الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمارة بن أبي حسن (أَنَّ رَجُلًا) هو عمرو بن أبي حسنٍ، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ في الحديث الآتي من طريق وُهَيبٍ [خ¦186] (قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريِّ (وَهُوَ) أي: الرَّجل المُفسَّر بعمرو بن أبي حسنٍ (جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) المازنيِّ المذكور مجازًا لا حقيقةً؛ لأنَّه عمُّ أبيه، وإنَّما أطلق عليه الجدودة لكونه في منزلته: (أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي) أي: هل تستطيع الإراءة إيَّايَ (كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَتَوَضَّأُ؟) كأنَّه أراد أن يريَه بالفعل ليكون أبلغ في التَّعليم (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) أي: الأنصاريُّ: (نَعَمْ) أستطيع أن أُرِيَك (فَدَعَا بِمَاءٍ) عقب قوله ذلك (فَأَفْرَغَ) أي: صبَّ من الماء (عَلَى
ج1ص266
يَدَيْهِ) بالتَّثنية، وفي رواية الأربعة: ((على يده)) بالإفراد على إرادة الجنس (فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ) وفي رواية الأربعة: ((فغسل يده [2] مرَّتين)) كذا في رواية مالكٍ، وعند غيره من الحفَّاظ: ((ثلاثًا)) فهي مُقدَّمةٌ على رواية الحافظ الواحد، لا يُقال: إنَّهما واقعتان لاتِّحاد مخرجهما، والأصل عدم التَّعدُّد لأنَّ في رواية مسلمٍ من طريق حَبَّان بن واسعٍ عن عبد الله بن زيدٍ: أنَّه رأى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم توضَّأ، وفيه: «وغسل يده اليُمنى ثلاثًا [3]، ثمَّ الأخرى ثلاثًا» فيُحمَل على أنَّه وضوءٌ آخرُ لكون [4] مخرج الحديثين غير متَّحدٍ (ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا) أي: بثلاث غرفاتٍ كما في رواية وُهَيبٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((واستنشق ثلاثًا))، والرِّواية الأولى تستلزم الثَّانية من غير عكسٍ، قاله ابن حجرٍ، وعُورِض بأنَّ ابن [5] الأعرابيِّ وابن قتيبة جعلاهما واحدًا، وقد مرَّ في «المضمضة والاستنشاق» [خ¦164] (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) بالتَّكرار (إِلَى) أي: معَ (الْمَرْفِقَيْنِ) بالتَّثنية مع فتح الميم وكسر الفاء، وفي رواية الأَصيليِّ: بكسر الميم وفتح الفاء [6]، وفي رواية المُستملي والحَمُّويي: ((إلى المرفق)) بالإفراد كذا قاله ابن حجرٍ، وفي «اليونينيَّة»: ((إلى المرفقين)) بالتَّثنية للأربعة، وبالإفراد لأبي ذَرٍّ وحده، وهو [7] على إرادة الجنس، وهو مفصل الذِّراع والعضد، وسُمِّي به لأنَّه يرتفق به في الاتِّكاء، ويدخل في غسل اليدين خلافًا لزُفَرَ لأنَّ {إِلَى} في قوله تعالى: {إِلَى المَرَافِقِ} [8] بمعنى: «مع» كالحديث [9] كقوله تعالى: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52] أو متعلِّقةٌ بمحذوفٍ تقديره: وأيديَكم مُضافَةً إلى المرافق، قال البيضاويُّ: ولو كان كذلك لم يبقَ معنًى للتَّحديد [10]، ولا لذكره مزيد فائدةٍ لأنَّ مُطلَق اليد يشتمل عليها، وقِيلَ: {إِلَى} تفيد الغاية مُطلقًا، وأمَّا دخولها في الحكم أو خروجها منه فلا دلالة لها عليه، وإنَّما يُعلَم من خارجٍ، ولم يكن في الآية، وكأنَّ الأيديَ متناولةٌ لها، فحُكِم بدخولها احتياطًا، وقِيلَ: {إِلَى} من حيث إنَّها تفيد الغاية تقتضي خروجها، وإلَّا لم تكن [11] غاية كقوله: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] وقوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] لكن لمَّا لم تتميَّز الغاية ههنا من ذي الغاية وجب دخولها احتياطًا. انتهى. ووقف زُفَرُ مع المُتيَّقن، وقال إسحاق بن رَاهُوْيَه: يحتمل أن تكون [12] بمعنى الغاية، وبمعنى «مع»، فبيَّنت السُّنَّة أنَّها بمعنى «مع»، وقال الإمام الشَّافعيُّ في «الأُمِّ»: لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، قال ابن حجرٍ: فعلى هذا فزفرُ محجوجٌ بالإجماع (ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) زاد ابن الطَّبَّاع في روايته: «كلَّه» كما في حديثه المرويِّ عند ابن خزيمة في «صحيحه» (بِيَدَيْهِ) بالتَّثنية (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) بهما، ولـ «مسلمٍ»: «مسح رأسه كلَّه وما أقبل وما أدبر وصدغيه» (بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ) بفتح الدَّال المُشدَّدة من «بمُقدَّم» بأن وضع يديه عليه، وألصق مسبحته بالأخرى وإبهاميه على صدغيه (حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ) ليستوعب جهتيِ الشَّعر بالمسح، وعلى هذا يختصُّ ذلك بمن له شعرٌ ينقلب إلى أن ينتهيَ إلى مُقدَّمه؛ لظاهر قوله: «أقبل بهما وأدبر»، ويدلُّ عليه أنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، وسيأتي عند المصنِّف قريبًا في رواية سليمان بن بلالٍ: «بيديه فأدبر وأقبل» [خ¦199] فلم يكن في ظاهره حجَّةً لأنَّ الإقبال والإدبار من الأمور الإضافيَّة، ولم يعيِّن ما أقبل إليه ولا ما أدبر عنه، ومخرج الطَّريقين متَّحدٌ، فهما بمعنًى واحدٍ، وعَيَّنت رواية مالكٍ البُداءة بالمُقدَّم، فيُحمَل قوله: «أقبل» على أنَّه من تسمية الفعل بابتدائه، أي: بدأ به قبل الرَّأس [13]، وإِلَّا فلا حاجة إلى الرَّدِّ فلو ردَّ؛ لم يُحسَب [14] ثانيةً لأنَّ الماء صار مُستعمَلًا، وهذا التَّعليل يقتضي أنَّه لو ردَّ ماء المرَّة الثَّانية حُسِب ثالثةً [15] بناءً على الأصحِّ من أنَّ المُستعمَل في النَّفل طهورٌ، إلَّا أن يقال: السُّنَّة كون كلِّ مرَّةٍ بماءٍ جديدٍ، والجملة من قوله: «بدأ» عطف بيانٍ لقوله: «فأقبل بهما وأدبر»، ومن ثمَّ لم تدخلِ الواو على قوله: «بدأ»، والظَّاهر أنَّه ليس مُدرَجًا من كلام مالكٍ، بل هو من الحديث، وفيه حجَّةٌ على من قال: السُّنَّة أن يبدأ بالمُؤخَّر [16]، ولا يُقال: هو بيانٌ للمسح الواجب، كما قال به مالكٌ وابن عيينة [17] وأحمد في روايةٍ وأصحاب مالكٍ غير أشهب، فبيانه واجبٌ لأنَّه يلزم منه وجوب الرَّدِّ إلى المكان الذي بدأ منه، ولا قائلَ بوجوبه، ويلزم أن يكون تثليث الغَسل وتثنيته واجبين لأنَّهما بيانٌ أيضًا، فالحديث ورد في الكمال، ولا نزاعَ فيه بدليل أنَّ الإقبال والإدبار لم يُذكَرا في غير هذا الحديث، وقد وقع في رواية خالد بن عبد الله الآتية قريبًا في «باب من مضمض [18] واستنشق من غَرْفةٍ واحدةٍ»: «ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر» [خ¦191] كآية «المائدة» بالباء، واختُلِف فيها؛ فقِيلَ: زائدةٌ للتَّعدية، وتمسَّك به من أوجب الاستيعاب، وقِيلَ: للتَّبعيض، وعُورِض بأنَّ بعض أهل العربيَّة أنكر كونها للتَّبعيض، قال ابن برهانٍ [19]: من زعم أنَّ الباء تفيد التَّبعيض فقد جاء عن [20] أهل اللَّغة بما لا يعرفونه، وأُجيب بأنَّ ابن هشامٍ نقل التَّبعيض عنِ الأصمعيِّ والفارسيِّ والقتيبيِّ [21] وابن مالكٍ والكوفيِّين وجعلوا منه: {عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ} [الإنسان: 6]. انتهى. وقال
ج1ص267
بعضهم: الحكم في الآية مُجمَلٌ في حقِّ المقدار فقط لأنَّ «الباء» للإلصاق؛ باعتبار أصل الوضع، فإذا قُرِنت بآلة المسح يتعدَّى الفعل بها إلى محلِّ المسح، فيتناول جميعه، كما تقول: مسحت الحائط بيدي، ومسحت رأس اليتيم بيدي [22]، فيتناول مسح الحائط [23] كلِّه، وإذا قُرِنت بمحلِّ المسح يتعدَّى الفعل بها إلى الآلة، فلا تقتضي الاستيعاب، وإنَّما تقتضي التصاق الآلة بالمحلِّ، وذلك لا يستوعب الكلَّ عادةً، فمعنى التَّبعيض إنَّما ثبت بهذا الطَّريق، وقال الشَّافعيُّ: احتمل قوله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} جميع الرَّأس أو بعضه، فدلَّتِ السُّنَّة أنَّ بعضه يجزئ، وروى الشَّافعيُّ أيضًا من حديث عطاءٍ: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توضَّأ فحسر العمامة عن رأسه»، قال ابن حجرٍ: وهو مُرسَلٌ، لكنَّه اعتُضِد من وجهٍ آخرَ موصولًا أخرجه أبو داود من حديث أنسٍ، وفي إسناده [24] أبو معقلٍ لا يُعرَف حاله، فقد اعتضد كلٌّ من المُرسَل والموصول بالآخر، وحصلت القوَّة من الصُّورة [25] المجموعة، وهذا مثالٌ لِما ذكره الشَّافعيُّ من أنَّ المُرسِل يعتضد بمرسلٍ آخرَ أو مُسنَدٍ، وصحَّ عنِ ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرَّأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصحَّ عن أحدٍ مِنَ الصَّحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزمٍ، وهذا كلُّه ممَّا يُقوَّى به المُرسَل. انتهى. وقد روى مسلمٌ من حديث [26] المغيرة بن شعبة: «أنَّه صلى الله عليه وسلم توضَّأ فمسح بناصيته وعلى العمامة» [27]، فلو وجب الكلُّ لمَا اقتصر على النَّاصية، وأمَّا استدلال الحنفيَّة على إيجاب مسح ربع الرَّأس بمسحه عليه الصلاة والسلام بالنَّاصية، وأنَّه بيانٌ للإجمال في الآية لأنَّ النَّاصية ربع الرَّأس، فأُجِيب عنه: بأنَّه لا يكون بيانًا إلَّا إذا كان أوَّل مسحه كذلك بعد الآية، وبأنَّ قوله: «بناصيته» يحتمل بعضها، كما سبق نظيره في «برؤوسكم»، وقد ثبت وجوب أصل المسح، فجاحده كافرٌ لأنَّه قطعيٌّ، واختُلِف في مقداره، فجاحده لا يُكفَّر لأنَّه ظنِّيٌّ (ثُمَّ غَسَلَ) عليه الصلاة والسلام (رِجْلَيْهِ) أطلق الغَسل فيهما، ولم يذكر فيه تثليثًا ولا تثنيةً، كما سبق في بعض الأعضاء إشعارًا بأنَّ الوضوء الواحد يكون بعضه [28] بمرَّةٍ، وبعضه بمرَّتين، وبعضه بثلاثٍ وإن كان الأكمل التَّثليث في الكلِّ ففعله بيانًا للجواز، والبيان بالفعل أوقع في النُّفوس منه بالقول، وأبعد من التَّأويل.
ورواة هذا الحديث السِّتَّة كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخ البخاريِّ، وقد دخلها، وفيه: رواية الابن عن الأب، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة» [خ¦191]، ومسلمٌ فيها، والتِّرمذيُّ مُختصَرًا، والنَّسائيُّ، وابن ماجه.
ج1ص268


[1] «الأصيليِّ»: سقط من (د).
[2] في (د) و(س): «يديه».
[3] في (د): «يده، أي: وغسل يده».
[4] في (ص): «لكن».
[5] «ابن»: سقط من (د).
[6] قوله: «وفي رواية الأَصيليِّ: بكسر الميم وفتح الفاء» سقط من (م).
[7] قوله: «كذا قاله ابن حجرٍ، وفي اليونينيَّة... وبالإفراد لأبي ذَرٍّ وحده، وهو» مثبت من (م).
[8] في غير (ب): «المرفقين»، وهو خطأٌ.
[9] «كالحديث»: سقط من (د).
[10] في (ص): «لمعنى التجديد»، وفي (م): «معنى التجديد».
[11] في (د): «يكن».
[12] في (د): «يكون».
[13] قوله: «إلى أن ينتهيَ إلى مُقدَّمه... الفعل بابتدائه، أي: بدأ به قبل الرَّأس» مثبتٌ من (م).
[14] في غير (ص) و(م): «تحسب».
[15] في (د): «له».
[16] قوله: «وفيه حجَّةٌ على من قال: السُّنَّة أن يبدأ بالمُؤخَّر» مثبتٌ من (م).
[17] في غير (د) و(م): «عليَّة»، وهو تحريفٌ.
[18] في غير (م): «من باب تمضمض».
[19] في (د): «ابن خروفٍ»، وليس بصحيحٍ.
[20] «عن»: سقط من غير (ب) و(س).
[21] في (د): «القعبنيِّ»، وهو تحريفٌ.
[22] «بيدي»: سقط من (ب) و(د).
[23] «مسح الحائط»: سقط من غير (ب) و(س).
[24] في (م): «سنده».
[25] في (ص): «الصور».
[26] في (م): «طريق».
[27] في (م): «عمامته».
[28] «بعضه»: سقط من (د).