متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

184- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية ابن عساكر [1] : ((حدَّثنا)) (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير بنِ العوَّام، القرشيِّ (عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بنِ الزُّبير بنِ العوَّام (عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق، وهي زوجة الزُّبير بنِ العوَّام، وفي بعض النُّسخ: ((عن جدَّته))؛ بتذكير الضَّمير، وهو صحيحٌ؛ لأنَّ أسماء جدَّةٌ لهشامٍ ولفاطمة [2] كليهما؛ لأنَّها أمُّ أبيه عروة، كما أنَّها أمُّ المنذر أبي فاطمة، (أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين [3] ؛ أي: ذهب ضوءها كلُّه أو بعضه، (فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ)؛ أي: عائشة رضي الله عنها (قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ) عائشة (بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((فقالت)): (سُبْحَانَ اللهِ! فَقُلْتُ: آيَةٌ) هي؟ أي: علامةٌ لعذاب النَّاس؟ (فَأَشَارَتْ) عائشة برأسها؛ (أَنْ) ولكريمة: ((أي))؛ (نَعَمْ)، وهي الرِّواية المتقدِّمة في باب: «من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرَّأس [4] » [خ¦86] ، وهما حرفا تفسيرٍ، قالت أسماءُ: (فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي)؛ بالجيم؛ أي: غطَّاني (الْغَشْيُ) من طول تعب الوقوف (وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً) مُدافَعةً للغشي، وهذا يدلُّ على أنَّ حواسَّها كانت مدركةً، وإِلَّا؛ فالإغماء الشَّديد المستغرق ينقض الوضوء بالإجماع، (فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم) [/ج1ص265/] مِنَ الصَّلاة، أو من المسجد [5] ؛ (حَمِدَ اللهَ) تعالى، (وَأَثْنَى عَلَيْهِ)؛ من باب: عطف العامِّ على الخاصِّ، (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ شَيْءٍ) من الأشياء (كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ) رؤية عينٍ حقيقةً حال كوني (فِي مَقَامِي هَذَا) بفتح الميم (حَتَّى الْجَنَّة وَالنَّار) برفعهما ونصبهما وجرِّهما، وتقدَّم توجيهها مع استشكال البدرِ الدَّمامينيِّ وجهَ الجرِّ، فليُراجَع، (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ) وفي رواية الأَصيليِّ: ((في قبوركم)) (مِثْلَ) فتنة المسيح الدَّجال (أَوْ قَرِيبًا)، وفي رواية الأربعة: ((قريب)) [6] (مِنْ فِتْنَةِ) المسيح (الدَّجَّالِ. لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) رضي الله عنها (يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ له: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ)؟ أي: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ) بنبوَّته صلى الله عليه وسلم، قالت فاطمة بنت المنذر: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ) المؤمن أو الموقن (قَالَتْ أَسْمَاءُ، فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) الدَّالَّة على نبوَّته (وَالْهُدَى)؛ أي: الموصل للمُراد (فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا) بحذف ضمير المفعول في الثَّلاثة، (فَيُقَالُ: نَمْ) وفي رواية الحَمُّوييِّ والأَصيليِّ: ((فيُقال له: نَمْ)) حال كونك (صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤمنًا [7] ) به [8] ، وفي همزة «إِنْ»: الكسر والفتح، ورجَّحه البدر الدَّمامينيُّ، بل قال: إنَّه المتعيِّن، كما سبق تقريره في باب: «من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرَّأس» من كتاب «العلم» [خ¦86] ، (وَأَمَّا الْمُنَافِقُ) غير المصدِّق بقلبه لنبوَّته [9] عليه الصلاة والسلام، (أَوِ الْمُرْتَابُ) الشَّاكُّ، قالت فاطمة: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) رضي الله عنها (فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ)، ومحلُّ استدلال المؤلِّف للتَّرجمة من هذا الحديث فعلُ أسماءَ؛ من جهة أنَّها كانت تصلِّي خلف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فكان يرى الذين خلفه وهو في الصَّلاة، ولم يُنقَل أنَّه أنكر عليها، وقد تقدَّم شيءٌ من مباحث هذا الحديث في باب «العلم» [خ¦86] ، ويأتي مزيدٌ لذلك _إن شاء الله تعالى_ في كتاب «صلاة الخسوف» [خ¦1053] .

ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه رواية الأقران: هشامٍ وزوجته فاطمة، وفيه التَّحديث بالإفراد، والجمع، والعنعنة، والقول، وأخرجه المؤلِّف في «العلم» [خ¦86] و«الطَّهارة» [خ¦922] و«الكسوف» [خ¦1053] و«الاعتصام» [خ¦7287] و«الاجتهاد» [خ¦7287] و«السَّهو» [خ¦1235] ، ومسلمٌ في «الصَّلاة».

[1] «ابن عساكر»: سقط من (ص).
[2] في (م): «وفاطمة».
[3] في (م): «الشِّين».
[4] في (ص): «أو».
[5] «أو من المسجد»: سقط من (م).
[6] قوله: «وفي رواية الأربعة: «قريب»»، سقط من (ص).
[7] في (ب) و(س): «لموقنًا».
[8] «به»: سقط من (ب).
[9] في (ب) و(س): «بنبوَّته»





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

184-. حدَّثنا إِسْماعِيلُ، قالَ: حدَّثني [1] مالِكٌ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ [2] ، عن امْرَأَتِهِ فاطِمَةَ:

عن جَدَّتِها أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّها قالتْ: أَتَيْتُ عائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذا النَّاسُ قِيامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذا هِيَ قائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: ما لِلنَّاسِ؟ فَأَشارَتْ بِيَدِها نَحْوَ السَّماءِ، وقالتْ [3] : سُبْحانَ اللَّهِ. فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشارَتْ أَيْ: نَعَمْ [4] . فَقُمْتُ حَتَّىَ تَجَلَّانِي الغَشْيُ، وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأسِي ماءً، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَىَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: «ما مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ في مَقامِي هَذا، حَتَّى الجَنَّةَ والنَّارَ [5] ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ في القُبُورِ [6] مِثْلَ _أَوْ قَرِيبَ [7] مِنْ_ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ _لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قالتْ أَسْماءُ_ يؤتَىَ أَحَدُكُمْ فَيُقالُ [8] : ما عِلْمُكَ بِهَذا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ _أَوِ المُوْقِنُ، لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قالتْ أَسْماءُ_ فَيَقُولُ: هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جاءَنا بِالْبَيِّناتِ وَالْهُدَىَ، فَأَجَبْنا وَآمَنَّا واتَّبَعْنا. فَيُقالُ [9] : نَمْ صالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا. وَأَمَّا المُنافِقُ _أَوِ المُرْتَابُ، لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قالتْ أَسْماءُ_ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا، فَقُلْتُهُ».

[1] في رواية الأصيلي: «حدَّثنا»، قارن بما في الإرشاد.
[2] قوله: «بن عروة» ليس في رواية [عط] .
[3] في رواية أبي ذر: «فقالتْ».
[4] في رواية ابن عساكر والأصيلي ورواية أبي ذر عن الحَمُّويي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «أَنْ نَعَمْ».
[5] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و« الجَنَّةِ والنَّارِ».
[6] في رواية الأصيلي: «في قبوركم».
[7] ضُبطت في متن (ب): «قريبً» بالتنوين، لعله للتنبيه على كلا الضبطين، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «أو قريبًا».
[8] في رواية الأصيلي زيادة: «له».
[9] في رواية الحَمُّويي والأصيلي زيادة: «له».





184- ( حَتَّى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ) بالنصب والجر والرفع.

( مثل أو قريب ) سبق في العلم.


184# (فَأَشَارَتْ؟ أن [1] : نعَمْ) بالنون، وفي بعض النسخ: <أَيْ> بآخر الحروف.

[1] في المتن: ((أي)).





184- [قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ): هذا [1] هو ابن أبي أويس، تقدَّم، ومالك خاله، تقدَّم] [2] .

قوله: (عن امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ): تقدَّم أنَّها فاطمة بنت المنذر بن الزُّبير بن العوَّام، زوج هشام، وتقدَّم بعض ترجمتها، وتكلَّمتُ في رواية ابن إسحاق عنها، وأنَّه قد تُكلِّم فيه بسبب ذلك، انتهى [3] ، ولا يقدح ذلك فيه، والله أعلم.

قوله: (خَسَفَتِ الشَّمْسُ): اعلم أنَّه يقال: الكسوف والخسوف جميعًا في الشَّمس والقمر، وفي القرآن: {وَخَسَفَ القَمَرُ} [القيامة: 8] ، وقال بعض أهل اللُّغة: لا يقال في الشَّمس إلَّا خُسِفت، وفي القمر إلَّا كُسِف) ، وقد انفرد عروة به، والقرآن يردُّه، ولعلَّه [4] خطأ من النَّاقلين عنه، وقال اللَّيث بن سعد: (يقال الخسوف فيهما، والكسوف في الشَّمس فقط) ، وقال ابن دريد: (يقال [5] : خسف القمر، وانكسفت الشَّمس) ، وقال يعقوب: (لا يقال: انكسفت الشَّمس، وقال بعضهم: لا يقال: انكسف القمر أصلًا، ولا يقال إلَّا: خُسِف القمر، وكُسِفتِ الشَّمس، وكسفها الله؛ فهي مكسوفة، وأكسفها الله إكسافًا، والخسوف: المغيب، والكسوف: التَّغيُّر [6] ، والأحاديث تدلُّ على أنَّهما سواء) ، وقال الشَّيخ النَّوويُّ: (خسف القمر، وخسفت الشَّمس، وكسفا، وانكسفا، وانخسف، وانخسفتْ، وانكسف، وانكسفتْ، وخسفا، وكُسِفا، كلُّها لغات صحيحة، وثبتت [7] كلُّها في «البخاريِّ» و«مسلم» من لفظ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم) ، وقال الأزهريُّ: (قال أَبُو زيد: يقال: خسفتِ الشَّمس، وكسفت، وخسفت بمعنًى واحد) ، وقد عقد لذلك البخاريُّ بابًا يأتي.

فائدة: روى عنه عليه الصَّلاة والسَّلام الكسوف نيِّفٌ وعشرون صحابيًّا، عدَّ منهم التِّرمذيُّ سبعة عشر نفرًا، وسيأتي الكلام على حين كسوفها، وما قاله الأئمَّة في ذلك، وأنَّ الصَّحيح: أنَّ الشَّمس لَمْ تنكسف في عهده عليه الصَّلاة والسَّلام إلَّا مرَّة، كذا قاله المحقِّقون؛ كالشَّافعيِّ، وأحمد، وغيرهما، وأنَّه لَمْ يُصلِّ لها إلَّا مرَّة إنْ شاء الله تَعَالَى في بابه.

[تنبيه: كسفتِ الشَّمس في السَّنة السَّادسة في رمضان، وسيأتي مُطوَّلًا في بابه وما فيه] [8] . [/ج1ص89/]

قوله: (حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ [9] ): قال ابن قُرقُول: (هكذا هو في «الموطَّأ»، ولم أجد لهذه اللَّفظة في شيء من كتب اللُّغة ولا من كتب الشُّروح بيانًا، ومعناها عندي -والله أعلم: غشيني وغطَّاني، وأصله: يجَلِّلُنِي، وجُلُّ الشَّيء وجلالُه: ما غُطِّي به، ومنه: جلال السُّتور والحجال وجُلُّ الدابَّة، فيكون تجلَّى وتجلَّل بمعنًى واحد؛ كما يقال: غطَّى...) إلى أنْ قال: (وقد يكون «تجلَّاني»: ذهب بقوَّتي وصبري، من الجلاء، وقد قيل في قوله تعالى: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا} [الشمس: 3] : جلَّى ظلمتها عنِ الدُّنيا، وقيل: {جَلَّاهَا}: أظهر شمسها، فيكون معنى [10] «تجلَّاني»: ظهر بي، وبان عليَّ، وأصله: الظُّهور، وقد ذكر البخاريُّ في هذا الحديث: «حتَّى علاني الغشي»، فيكون «تجلَّاني» بمعنى: علاني) انتهى.

قوله: (الغَشِيُّ): تقدَّم الكلام عليه قريبًا بلغتيه، وقال ابن قُرقُول: (بكسر الشِّين، وشدِّ [11] الياء، كذا قيَّده الأصيليُّ، ورواه بعضهم: «الغشْي»، وهما بمعنًى واحد؛ يريد: الغشاوة؛ وهو الغطاء، ورُوِّيناه عنِ الفقيه أبي محمَّد عنِ الطَّبريِّ: «العشي»؛ بعين مهملة، وليس بشيء، وقد ذكرت ذلك في باب «من أجاب الفتيا بإشارة [12] اليد والرَّأس») .

قوله: (حَتَّى الجَنَّة وَالنَّار): يجوز فيهما ثلاثة أوجه: الجرُّ، والنَّصب، والرفع [13] ، والله أعلم، وقد تقدَّم في الباب المذكور أعلاه.

قوله: (أُوحِيَ إِليَّ): (أُوحِي): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

قوله: (تُفْتَنُونَ في القُبُورِ): تقدَّم الكلام على فتنة القبر، هي شائعة في جميع الخلق مؤمنهم، وكافرهم، ومنافقهم، أو هي مختصَّة بالمؤمنين والمنافقين؟ في الباب المشار إليه أعلاه، وتقدَّم فيه: أنَّ الصِّغار هل يُسألون، وتقدَّم الكلام فيه [14] على الأمم قبلنا أيضًا من كلام ابن قيِّم الجوزيَّة، وكذا تقدَّم كلام في رفيعي الخلق مقامًا، والله أعلم [15] .

قوله: (مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ): تقدَّم الكلام على الدَّجال، (وكلام القرطبيِّ في «تذكرته») [16] في الباب المذكور أعلاه، وسيأتي في (الفتن) الكلام عليه أيضًا بزيادات.

قوله: (أَيَّ ذَلِكَ؟): هو بنصب (أيَّ) ، ويجوز في لغة ضمُّها مطلقًا.

قوله: (إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا): (إِنْ) -بكسر الهمزة من (إِنْ) ، وتخفيف النُّون-: مخفَّفة من الثَّقيلة، تقدَّم الكلام فيه في الباب المذكور أعلاه.

[1] (هذا): ليس في (ب) .
[2] ما بين معقوفين سقط في (ج) .
[3] (انتهى): ليس في (ج) .
[4] في (ب): (ونقله) .
[5] (يقال): ليس في (ج) .
[6] في (ب): (البعير) .
[7] في (ب): (وبينت) .
[8] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[9] في هامش (ق): (أي: تجللني؛ أي: جعله جُلًّا؛ أي: غطَّاني، من باب تقضِّي البازي) .
[10] في (ج): (بمعنى) .
[11] في (ج): (وتشديد) .
[12] (بإشارة): سقط من (ج) .
[13] في (ب): (والرفع والنصب) .
[14] (فيه): ليس في (ب) و (ج) .
[15] (والله أعلم): ليس في (ج) .
[16] ما بين معقوفين ليس في (ج) .





184- (حَتَّى الْجَنَّة وَالنَّار): يجوزُ فيهما الجرُّ، والنَّصبُ، والرَّفعُ.


184- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية ابن عساكر [1] : ((حدَّثنا)) (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير بنِ العوَّام، القرشيِّ (عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بنِ الزُّبير بنِ العوَّام (عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق، وهي زوجة الزُّبير بنِ العوَّام، وفي بعض النُّسخ: ((عن جدَّته))؛ بتذكير الضَّمير، وهو صحيحٌ؛ لأنَّ أسماء جدَّةٌ لهشامٍ ولفاطمة [2] كليهما؛ لأنَّها أمُّ أبيه عروة، كما أنَّها أمُّ المنذر أبي فاطمة، (أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين [3] ؛ أي: ذهب ضوءها كلُّه أو بعضه، (فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ)؛ أي: عائشة رضي الله عنها (قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ) عائشة (بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((فقالت)): (سُبْحَانَ اللهِ! فَقُلْتُ: آيَةٌ) هي؟ أي: علامةٌ لعذاب النَّاس؟ (فَأَشَارَتْ) عائشة برأسها؛ (أَنْ) ولكريمة: ((أي))؛ (نَعَمْ)، وهي الرِّواية المتقدِّمة في باب: «من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرَّأس [4] » [خ¦86] ، وهما حرفا تفسيرٍ، قالت أسماءُ: (فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي)؛ بالجيم؛ أي: غطَّاني (الْغَشْيُ) من طول تعب الوقوف (وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً) مُدافَعةً للغشي، وهذا يدلُّ على أنَّ حواسَّها كانت مدركةً، وإِلَّا؛ فالإغماء الشَّديد المستغرق ينقض الوضوء بالإجماع، (فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم) [/ج1ص265/] مِنَ الصَّلاة، أو من المسجد [5] ؛ (حَمِدَ اللهَ) تعالى، (وَأَثْنَى عَلَيْهِ)؛ من باب: عطف العامِّ على الخاصِّ، (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ شَيْءٍ) من الأشياء (كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ) رؤية عينٍ حقيقةً حال كوني (فِي مَقَامِي هَذَا) بفتح الميم (حَتَّى الْجَنَّة وَالنَّار) برفعهما ونصبهما وجرِّهما، وتقدَّم توجيهها مع استشكال البدرِ الدَّمامينيِّ وجهَ الجرِّ، فليُراجَع، (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ) وفي رواية الأَصيليِّ: ((في قبوركم)) (مِثْلَ) فتنة المسيح الدَّجال (أَوْ قَرِيبًا)، وفي رواية الأربعة: ((قريب)) [6] (مِنْ فِتْنَةِ) المسيح (الدَّجَّالِ. لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) رضي الله عنها (يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ له: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ)؟ أي: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ) بنبوَّته صلى الله عليه وسلم، قالت فاطمة بنت المنذر: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ) المؤمن أو الموقن (قَالَتْ أَسْمَاءُ، فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) الدَّالَّة على نبوَّته (وَالْهُدَى)؛ أي: الموصل للمُراد (فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا) بحذف ضمير المفعول في الثَّلاثة، (فَيُقَالُ: نَمْ) وفي رواية الحَمُّوييِّ والأَصيليِّ: ((فيُقال له: نَمْ)) حال كونك (صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤمنًا [7] ) به [8] ، وفي همزة «إِنْ»: الكسر والفتح، ورجَّحه البدر الدَّمامينيُّ، بل قال: إنَّه المتعيِّن، كما سبق تقريره في باب: «من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرَّأس» من كتاب «العلم» [خ¦86] ، (وَأَمَّا الْمُنَافِقُ) غير المصدِّق بقلبه لنبوَّته [9] عليه الصلاة والسلام، (أَوِ الْمُرْتَابُ) الشَّاكُّ، قالت فاطمة: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) رضي الله عنها (فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ)، ومحلُّ استدلال المؤلِّف للتَّرجمة من هذا الحديث فعلُ أسماءَ؛ من جهة أنَّها كانت تصلِّي خلف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فكان يرى الذين خلفه وهو في الصَّلاة، ولم يُنقَل أنَّه أنكر عليها، وقد تقدَّم شيءٌ من مباحث هذا الحديث في باب «العلم» [خ¦86] ، ويأتي مزيدٌ لذلك _إن شاء الله تعالى_ في كتاب «صلاة الخسوف» [خ¦1053] .

ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه رواية الأقران: هشامٍ وزوجته فاطمة، وفيه التَّحديث بالإفراد، والجمع، والعنعنة، والقول، وأخرجه المؤلِّف في «العلم» [خ¦86] و«الطَّهارة» [خ¦922] و«الكسوف» [خ¦1053] و«الاعتصام» [خ¦7287] و«الاجتهاد» [خ¦7287] و«السَّهو» [خ¦1235] ، ومسلمٌ في «الصَّلاة».

[1] «ابن عساكر»: سقط من (ص).
[2] في (م): «وفاطمة».
[3] في (م): «الشِّين».
[4] في (ص): «أو».
[5] «أو من المسجد»: سقط من (م).
[6] قوله: «وفي رواية الأربعة: «قريب»»، سقط من (ص).
[7] في (ب) و(س): «لموقنًا».
[8] «به»: سقط من (ب).
[9] في (ب) و(س): «بنبوَّته»





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

184- وبه قال: ((حدثنا إسماعيل)) ؛ أي: ابن أبي أويس ((قال: حدثني)) ؛ بالإفراد، وفي رواية: بالجمع ((مالك)) ؛ أي: ابن أنس الأصبحي خال إسماعيل المذكور، ((عن هِشام بن عُروة)) ؛ بكسر الهاء، وضم العين المهملة؛ أي: ابن الزبير بن العوَّام _بتشديد الواو_ القرشي، ((عن امرأته)) أي: هشام ((فاطمة)) ؛ أي: بنت المنذر بن العوام، ((عن جدتها أسماء)) على وزن (حمراء) ((بنت أبي بكر)) ؛ أي: الصديق الأكبر، وزوجة الزبير بن العوام، وفي رواية: (عن جدته) ؛ بتذكير الضمير، وكلاهما صحيحان بلا تفاوت في المعنى؛ لأنَّ أسماء جدة لهشام ولفاطمة كليهما؛ لأنَّها أم عروة والد هشام وأم المنذر أبي فاطمة: ((أنها)) أي: أسماء ((قالت: أتيت عائشة)) ؛ أي: أختها الصديقة ((زوج النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ورضي عنها ((حين)) ظرف لـ (أتيت) ((خَسَفَتِ الشمس)) ؛ بالبناء للفاعل، وأطلقت على الكسوف خسوفًا، إمَّا حقيقة أو مجازًا، قيل: يقال أيضًا: كسفت، ويقالان للقمر أيضًا، ويقال أيضًا: خُسفا وكُسفا؛ بضم أولهما، وانخسفا وانكسفا، قال ثعلب: والأجود: كسفت الشمس وخسف القمر، وهو ذهاب ضوئهما كله أو بعضه، وقيل: الخسوف في الكل، والكسوف في البعض، وقيل: الخسوف ذهاب لونهما، والكسوف تغيره، ((فإذا الناس قيام يُصَلَّون)) ؛ أي: صلاة الكسوف ركعتين، ((وإذا هي)) ؛ أي: عائشة رضي الله عنها ((قائمة تصلي)) ؛ أي: صلاة الكسوف.

((فقلت)) أي: قالت أسماء لعائشة: ((ما للناس؟)) ؛ أي: قائمين يصلون، ((فأشارت)) أي: عائشة ((بيدها نحو السماء)) ؛ أي: رفعتها تريد إعلامها بذلك، وهو غير مفسد ولا مكروه للصلاة، لكنه ينافي الخشوع، ((وقالت)) ؛ أي: عائشة، وفي رواية: (فقالت) ؛ بالفاء: ((سبحان الله!)) ، وقولها ذلك أيضًا غير مفسد ولا مكروه؛ لأنَّه من أعمال الصلاة، وجملة: ((فقلت: آية؟)) ؛ أي: أهي علامة لعذاب الناس؟ من القول، ومقوله من كلام أسماء، ((فأشارت)) ؛ أي: عائشة برأسها كما في الرواية السابقة في كتاب (العلم) ((أن)) ، وفي رواية: (أي) ، وهما حرفا تفسير، ((نعم)) آية للعذاب، قالت أسماء [1] : ((فقمت)) ؛ أي: وقفت في الصلاة ((حتى)) أي: إلى أن ((تجلَّاني)) ؛ بالجيم؛ أي: غطَّاني، ((الغَشِيُّ)) ؛ بفتح الغين المعجمة، وكسر الشين المعجمة، وتشديد التحتية، أو بفتح، فسكون، قال ابن بطال: (الغشي: مرض يَعْرِض من طول التعب والوقوف، وهو ضرب من الإغماء، إلا أنَّه دونه) انتهى، قلت: وقد يكون من نحو مرض الصفراء تصعد إلى رأس الشخص، فمن شدة بخارها وغلظه يحصل ذلك، وفي قوله: (ضرب من الإغماء) مع قوله: (إلا أنه دونه) نوع تدافع؛ فتأمل، ويطلق الغشي على ذهاب العقل، كما قاله صاحب «العين»، كما سبق.

وفي قولها: ((وجعلت أصُبُّ)) بضمِّ الصَّاد المهملة ((فوق رأسي ماء)) كان بقربها؛ إشارةٌ إلى أنَّه لم يكن مثقلًا، وأنَّ حواسها بقيت مُدْرِكة، وإلَّا فالإغماء المستغرق ينقض الوضوء إجماعًا، وكان صبُّها الماء فوق رأسها؛ ليزول عنها الغشي بحركة أو حركتين أو حركات لا تبطل الصلاة، والظَّاهر: أنَّ المراد: أخذ الماء بيدها وبلها ووضعها على رأسها، لا أنَّه تأخذه بإناء وتصبُّه؛ لأنَّ ذلك ممَّا يتلف ثيابها، وهذا فيه منفعة عظيمة لأرباب الصفراء في زوال ألم الرأس منها، ووجه الاستدلال بفعلها: من جهة أنَّها كانت تصلي خلف النبي الأعظم عليه السلام، وكان يرى من خلفه كما يرى من أمامه وهو في الصلاة، ولم يُنْقَل أنَّه أنكر ذلك عليها وأمرها بالوضوء، وفيه تحصل المطابقة للترجمة، كذا قاله الشارحان، وفيه نظر، فإنَّ الذي رآه عليه السلام منها هو صبُّ الماء فوق رأسها، وأمَّا الغشي؛ فإنَّه أمر باطني خفي لا يدرك بالنظر، على أنَّه هي كانت في حجرتها، والنبي عليه السلام يصلي في المسجد، وهو يرى من خلفه من أصحابه لا من في الحجر.

والوجه الصحيح أن يقال: فوجه المطابقة للترجمة في قولها: (حتى تجلاني الغشي) ؛ لأنَّه لو كان مثقلًا؛ لكان ينتقض الوضوء منها؛ لأنَّه كالإغماء، والدليل على أنَّه لم يكن مثقلًا أنَّها صبَّت الماء على رأسها؛ ليزول الغشي، وذلك يدلُّ على أنَّ حواسها كانت حاضرة، وهو يدلُّ على عدم انتقاض وضوئها، فأخبرت بذلك النبي الأعظم عليه السلام، فأقرَّها ولم يُنْكِر عليها؛ فليحفظ.

((فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: من الصلاة لا من المسجد وإن جرى [عليه] كثير من الشراح؛ لأنَّه يبعده قوله: ((حمد الله وأثنى عليه)) ... إلى آخره؛ لأنَّ ذلك لا يكون إلا عقب الصلاة، وهو في المسجد، وهذا من باب عطف العام على الخاص، ((ثم قال)) عليه السلام: ((ما من شيء)) أي: من الأشياء ((كنت لم أره إلا قد رأيته)) ؛ أي: رؤية عين حقيقة، وتقدَّم بيان المراد من (الشيء) ، وأنَّه عام أو خاص مع بقية المباحث، وقوله: ((في مَقامي هذا)) ؛ بفتح الميم، حال من فاعل (رأيته) ((حتى الجنةَُِ والنارَُِ)) ؛ برفعهما ونصبهما وجرهما، ((ولقد أُوحي)) ؛ بضم الهمزة، ((إليَّ)) أي: في هذا المقام ((أَنكم تفتنون)) ؛ بفتح [همزة] (أن) ؛ لأنَّها مع ما بعدها نائب فاعل (أوحي) ؛ أي: تمتحنون وتختبرون ((في القبور)) وللأصيلي: (في قبوركم) ((مثل)) فتنة المسيح الدجال ((أو قريبًا)) ؛ بالتنوين، وفي رواية: (قريبَ) ؛ بتركه، وفي أخرى بإثبات [2] التنوين فيهما ((من فتنة)) المسيح ((الدجال)) ؛ أي: الكذاب، من الدجل؛ وهو الكذب، والمسيح: بالحاء المهملة، وقيل: هو بالخاء المعجمة؛ فرقًا بينه وبين عيسى عليه السلام.

((قالت فاطمة: لا أدري أي ذلك قالت أسماء)) ؛ أي: مثل أو قريبًا، و (ذا) : قد يشار بها إلى المثنى، كما هنا، ((يُؤتَى أحدكم)) ؛ أي: يأتيه منكر ونكير، وقيل: مبشر وبشير للمؤمنين، ومنكر ونكير للكافرين، ((فيقال له)) ؛ أي: فيقولان له، أو يقول أحدهما ويسكت الآخر، محتمل، والثاني: أظهر: ((ما علمك بهذا الرجل؟)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام، وظاهره: أنَّ السؤال يكون بهذه الجملة، ويحتمل أن يكون بغيرها لكن بكلام عربي، وقيل: إنَّ السؤال يكون بالسرياني، ولكنَّه غريب، ((فأما)) للتفصيل ((المؤمن أو الموقن)) ؛ أي: بنبوته عليه السلام، قالت فاطمة: ((لا أدري أي ذلك)) أي: (المؤمن) أو (الموقن) ((قالت أسماء)) فالمشار إليه المثنى، كما مر، ((فيقول)) ؛ أي: المسؤول في قبره: ((هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات)) ؛ أي: المعجزات الدَّالة على نبوته ((والهدى)) الموصِل للمراد، ((فأجبنا وآمنَّا واتَّبعنا)) ؛ بحذف الضمير في الأفعال الثلاثة، لكن بعد حذف الجار في ((آمنا)) ؛ لأنَّ الأصل: آمنا به؛ فافهم.

((فيقال: نم)) ؛ بالنُّون، من النوم؛ أي: فيقول له الملكان أو أحدهما على ما سبق، وللحمُّوي زيادة: (له) ((صالحًا)) ؛ بالنصب، حال من فاعل (نم) ؛ أي: فإنَّك موصوف بالصلاح وقد نجوت من العذاب، ((فقد علمنا إن كنت لموقنًا)) ؛ أي: لمصدَّقًا به، وتقدَّم جواز الكسر والفتح في همزة (أن) خلافًا للدماميني حيث أوجب الفتح، ((وأما المنافق)) ؛ أي: الغير المصدِّق بقلبه بنبوته عليه السلام، ((أو المرتاب)) ؛ أي: الشاك، وقوله: ((لا أدري أي ذلك)) أي: (المنافق) أو (المرتاب) ((قالت أسماء)) مقول فاطمة بنت المنذر: ((فيقول)) ؛ أي: المسؤول في قبره: ((لا أدري)) هذا الرجل، بل إني ((سمعت الناس يقولون شيئًا، فقلته)) على سبيل الموافقة لهم غير مصدِّق به، ففي الحديث: إثبات وجود عذاب القبر، وفيه: ثبوت سنية صلاة الكسوف، وأن الحركات القليلة لا تُبْطِلِ الصلاة، وكثرتها مفوض لرأي[/ص154/]

المبتلى به، أو ما يستكثره الناظر أو ثلاث فما دونها قليل، وأنَّ الكسوف آية من آيات الله يخوِّف الله بها عباده، وأنَّ رشَّ الماء على المصلي في الصلاة غير مُفْسِد ولا مكروه، وفيه: ثبوت خروج الدجال في آخر الزمان، وغير ذلك من الأحكام، والله أعلم.

[1] (قالت أسماء) جاء في الأصل سابقًا قبل قوله: (نعم).
[2] في الأصل: (بترك)، ولعل المثبت هو الصواب.