متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

183- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ الأصبحيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد؛ إمام دار الهجرة (مَالِكٌ) وهو خال إسماعيل هذا، (عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ) بفتح الميم، وسكون الخاء المُعجَمَة، وفتح الرَّاء، الوالبيِّ [1] المدنيِّ، (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف، وفتح الرَّاء، آخره مُوحَّدةٌ (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ): (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهِيَ خَالَتُهُ) رضي الله عنها، (فَاضْطَجَعْتُ)؛ أي: وضعت جنبي بالأرض، وكان أسلوب الكلام أن يقول: «اضطجع»؛ مناسبةً لقوله: «بات»، أو يقول: «بتُّ» مناسبةً لقوله: «اضطجعت»، لكنَّه سلك مسلك التَّفنُّن الذي هو نوعٌ من الالتفات، أو يُقدَّر: «قال: فاضطجعت» (فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ) بفتح العَيْن، كما في «الفرع»، وهو المشهور، وقال النَّوويُّ: هو الصَّحيح، وبالضَّمِّ، كما حكاه البرماويُّ والعينيُّ وابن حجرٍ، وأنكره أبو الوليد الباجيُّ نقلًا ومعنًى؛ لأنَّ العُرض: _بالضَّمِّ_ الجانب، وهو لفظٌ مُشترَكٌ، وأُجيب: بأنَّه لمَّا قال: «في طولها»؛ تعيَّن المُراد، وقد صحَّت به الرِّواية عن جماعةٍ؛ منهمُ: الدَّاوديُّ والأَصيليُّ، فلا وجه لإنكاره، (وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَهْلُهُ): زوجته أمُّ المؤمنين ميمونة، (فِي طُولِهَا)؛ أي: الوسادة (فَنَامَ [2] رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى انْتَصَفَ) كذا للأَصيليِّ [3] ، ولغيره: ((حتَّى إذا انتصف)) (اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ)؛ أي: قبل انتصافه (بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ)؛ بعد انتصافه (بِقَلِيلٍ؛ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) إن جُعِلت «إذا» ظرفيَّةً؛ فـ: «قبله»: ظرفٌ لـ: «استيقظ»؛ أي: استيقظ وقت الانتصاف أو قبله، وإن جُعِلتْ شرطيَّةً؛ فمتعلِّقٌ بفعلٍ مُقدَّرٍ، و«استيقظ»: جواب الشَّرط؛ أي: حتَّى إذا انتصف اللَّيل أو كان قبل الانتصاف؛ استيقظ، (فَجَلَسَ) حال كونه (يَمْسَحُ [4] النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ) الشَّريف (بِيَدِهِ) بالإفراد؛ أي: يمسح بيده [5] عينيه، من باب: إطلاق اسم الحالِّ على المحلِّ؛ لأنَّ المسح لا يقع إلَّا على العَيْن، والنَّوم لا يُمسَح، أوِ المُراد: مسح أثر النَّوم، من باب: إطلاق السَّبب على المُسبَّب، قاله ابن حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ أثر النَّوم مِنَ النَّوم؛ لأنَّه [6] نفسه، وأُجِيب: بأنَّ الأثر غير المؤثِّر، فالمُراد هنا: ارتخاء الجفون من النَّوم ونحوه، (ثُمَّ قَرَأَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (الْعَشْرَ الآيَاتِ) من إضافة الصِّفة للموصوف، واللَّام تدخل [7] في العدد المُضاف؛ نحو: الثَّلاثة الأثواب، (الْخَوَاتِيمَ [8] مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) التي أوَّلها: {إنَّ في خلق السَّماوات والأرض} [آل عمران: 190] إلى آخر السُّورة، و«الخواتيمَ» [9] : نصب صفةٍ لـ: «عشرَ» المنصوب بـ: «قرأ»، (ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ) بفتح الشِّين المُعجَمَة وتشديد النُّون، القربة الخَلِقة من أدمٍ، وجمعه: شِنانٌ؛ بكسر أوَّله، وذكَّره؛ باعتبار لفظه، أوِ الأدم أوِ الجلد، وأَنَّث الوصف؛ باعتبار القربة، (فَتَوَضَّأَ) عليه الصلاة والسلام (مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ)؛ أي: أتمَّه؛ بأن أتى بمندوباته، ولا يعارض هذا قوله في باب «تخفيف الوضوء»: «وضوءًا خفيفًا» [خ¦138] ؛ لأنَّه يحتمل أن يكون أتى بجميع مندوباته مع التَّخفيف، أو كان كلٌّ منهما في وقتٍ، (ثُمَّ قَامَ) عليه الصلاة والسلام (يُصَلِّي. قَالَ [/ج1ص264/]

ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما: (فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ) صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ) الأيسر، (فَوَضَعَ) صلى الله عليه وسلم (يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي)؛ أي: فأدارني على يمينه، (وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى) بضمِّ الهمزة والمُعجَمَة، حال كونه (يَفْتِلُهَا)؛ أي: يدلِّكها؛ تنبيهًا على الغفلة عن أدب الائتمام، وهو القيام على يمين [10] الإمام إذا كان الإمام وحده، أو تأنيسًا له؛ لكون ذلك كان ليلًا، (فَصَلَّى) عليه الصلاة والسلام (رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ) المجموع اثنتا عشرة، وهو تقييدٌ للمُطلَق [11] في قوله في باب «التَّخفيف»: «فصلَّى ما شاء الله» [خ¦138] ، (ثُمَّ أَوْتَرَ) بواحدةٍ أو بثلاثٍ، وفيه بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى، (ثُمَّ اضْطَجَعَ) عليه الصلاة والسلام (حَتَّى [12] أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ) من الحجرة إلى المسجد، (فَصَلَّى الصُّبْحَ) بأصحابه رضي الله عنهم. قِيلَ: ويُؤخَذ من قراءته عليه الصلاة والسلام العشر الآيات المذكورة بعد قيامه مِنَ النَّوم قبل أن يتوضَّأ جوازُ قراءة القرآن للمحدث، وعُورِض: بأنَّه عليه الصلاة والسلام تنام عينه ولا ينام قلبه، فلا ينتقض وضوءه به، وأمَّا وضوءه؛ فللتَّجديد، أو لحدثٍ آخر، وأُجيب: بأنَّ الأصل عدم التَّجديد وغيره، وعُورِض: بأنَّ هذا عند قيام الدَّليل على ذلك، وههنا قام الدَّليل بأنَّ وضوءه لم يكن لأجل الحدث، وهو قوله: «تنام عينايَ ولا ينام قلبي»، وحينئذٍ يكون تجديد وضوئه لأجل طلب [13] زيادة النُّور؛ حيث قال: «الوضوء على الوضوء [14] نورٌ على نورٍ»، فإن قلت: ما وجه المُناسَبَة بين التَّرجمة والحديث؟ أُجِيب: من جهة أنَّ مضاجعة الأهل في الفراش لا تخلو عنِ المُلامَسة غالبًا، وعُورِض: بأنَّه صلى الله عليه وسلم كان يقبِّل بعض أزواجه ثمَّ يصلِّي ولا يتوضَّأ، رواه أبو داود والنَّسائيُّ، وأُجيب: بأنَّ المذهبَ الجزمُ بانتقاضه به، كما قاله الأستاذ النَّوويُّ رحمه الله، ورضي عنه، ولم يُرِدِ المؤلِّفُ أنَّ مُجرَّد نومه ينقض؛ لأنَّ في آخر هذا [15] الحديث عنده [16] في باب «التَّخفيف في الوضوء» [خ¦138] : ثمَّ اضطجع فنام حتَّى نفخ، ثمَّ صلَّى، ويحتمل أن يكون المؤلِّف احتجَّ بفعل ابن عبَّاسٍ المُعبَّر عنه بقوله: «فصنعت مثل ما صنع» [17] بحضرته صلى الله عليه وسلم.

واستُنبِط من هذا الحديث: استحباب التَّهجُّد، وقراءة العشر الآيات عند الانتباه مِنَ النَّوم، وأنَّ صلاة اللَّيل مَثْنى. وهو من خماسيَّاته، ورجاله مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بصيغة الإفراد، والجمع، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦859] ، وفي «الوتر» [خ¦992] ، و«التَّفسير» [خ¦4570] ، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وأبو داود، وأخرجه ابن ماجه في «الطَّهارة».

[1] في (د): «الوائليِّ»، وهو تحريفٌ.
[2] في (د) و(ص): «فقام».
[3] في (د): «للكشميهنيِّ»، وليس بصحيحٍ.
[4] في (ص): «مسح».
[5] في (ص) و(م): «بيديه».
[6] في (د) و(م): «لا أنَّه»، وهو تحريفٌ.
[7] في (د): «يدخل».
[8] في (س) و(ص): «الخواتم».
[9] في (د) و(س): «الخواتم».
[10] في (م): «يمنة».
[11] في غير (ص) و(م): «يقيِّد المُطلَق».
[12] في (د): «ثمَّ».
[13] في (س): «طلبه».
[14] «على الوضوء»: سقط من (س).
[15] «هذا»: سقط من (د).
[16] في (د): «عنه».
[17] قوله: «المُعبَّر عنه بقوله: «فصنعت مثل ما صنع»»، سقط من (د).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

183-. حدَّثنا إِسْماعِيلُ، قالَ: حدَّثني مالِكٌ، عن مَخْرَمَةَ بنِ سُلَيْمانَ، عن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ:

أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ أخبَرَه: أَنَّهُ باتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ خالَتُهُ، فاضْطَجَعْتُ في عَرْضِ الوِسادَةِ، واضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُهُ في طُولِها، فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّىَ إِذا [1] انْتَصَفَ اللَّيْلُ _أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ_ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَلَسَ [2] يَمْسَحُ النَّوْمَ عن وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآياتِ الخَواتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، ثُمَّ قامَ إلىَ شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ منها فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قامَ يُصَلِّي. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ ما صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُمْتُ إلىَ جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَىَ علىَ رَأسِي، وَأَخَذَ [/ج1ص47/] بِأُذُنِي اليُمْنَىَ يَفْتِلُها، فَصَلَّىَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ [3] ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّىَ أَتاهُ المُؤَذِّنُ، فَقامَ فَصَلَّىَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.

[1] لفظة: «إذا» ليست في رواية ابن عساكر، وعزا في (ب، ص) نسبة عدم وجودها إلىَ رواية الأصيلي بدل رواية ابن عساكر
[2] في نسخة: «فَجَعَلَ» (ب)، وعكس في (ص) فجعل ما في المتن هامشًا مُصححًا عليه، وما في الهامش متنًا.
[3] بهامش (ن): «ستة» يعني عدد مرات تكرار لفظ: «ركعتين».





183- ( فَاضْطَجَعْتُ فِي عُرْضِ الْوِسَادَةِ ) بضم العين بمعنى الجانب، وبالفتح ضد الطول، ونازعه الإسماعيلي في الاستدلال بالحديث على أنَّ الوضوء للحدَث، فإن نوم النبي صلى الله عليه وسلم لا ينقض وضوءه.

( الشَّنَ ): بفتح الشين المعجمة، سبق في أوائل الباب.


183# (فَاضْطَجَعْتُ فِي عُرْضِ الْوِسَادَةِ) بضم العين بمعنى الجانب، وبالفتح: ضد الطول.

ونازعه الإسماعيليُّ في الاستدلال بالحديث على أنَّ الوضوء للحدث؛ فإن نوم النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا ينقض وضوءَه، وتبعه ابن المنيِّر.

قلت: في [1] هذا الحديث: (وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَهْلُهُ فِي طُولهَا) ومضاجعته [2] لأهله في فراشٍ واحدٍ مَظِنَّةٌ [3] لجوَلان اليدِ والمباشرة، فالظاهر [4] أنه كان [5] ثَمَّ منه لمسٌ لأهله، فلعل البخاري اعتمدَ على أن الناقض حصلَ من هذه الحيثية بناءً على ظاهر الحال، لا على أن نومه حَدَث.

[1] في (د) و(ج): ((وفي)).
[2] في (ج): ((وبضاجعته)).
[3] في (ق): ((مطية)).
[4] في (ق): ((والظاهر)).
[5] في (ق) زيادة: ((صلى الله عليه وسلم)).





183- قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل): تقدَّم غيرمرَّة أنَّه ابن أبي أويس عَبْدِ الله، ابن أخت مالك الإمام المجتهد صاحبِ المذهب.

قوله: (في عَرْضِ الوِسَادَةِ): هو بفتح العين، وكذا في أصلنا بالقلم، قال ابن قُرقُول: (بفتح العين عند أكثر شيوخنا، وهو ضدُّ الطُّول، ووقع عند بعضهم -منهم: الدَّاوديُّ، وحاتم الأطرابُلسيُّ، والأصيليُّ- في موضع من «البخاريِّ»: بضمِّ العين؛ وهو النَّاحية والجانب، والفتح [1] أظهر) .

قوله: (إلى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ): تقدَّم أنَّ الشَّنَّ -بفتح الشِّين المعجمة، وتشديد النُّون-: القربة البالية.

قوله: (وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمْنَى يَفْتِلُهَا): تقدَّم أنَّ الذين حَوَّلهُم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من الشَّمال إلى اليمين أربعة [2] من الصَّحابة: ابن عَبَّاس في «البخاريِّ» و«مسلم»، وجَابر بن عَبْد الله في «مُسلم»، وجبَّار بن صخر في «مُسند أحمد»، (وحذيفة بن اليماني في «زوائد المعجمين» [3] ) [4] .

[1] (والفتح): ليس في (ب) .
[2] في (ج): (ثلاثة) ، وكذا كانت في (أ) قبل الإصلاح.
[3] في (ب): (رواية المعجم) .
[4] ما بين معقوفين ليس في (ج) .





183- (أَوْ قَبْلَهُ): ظرفٌ لقوله: (اسْتَيْقَظَ) إنْ قلنا: (إِذَا) ظرفيَّةٌ؛ أي: حتَّى استيقظ وقتَ انتصافِ اللَّيل [أو قبلَ انتصافه] ، أو متعلِّقٌ بفعلٍ مقدَّرٍ إِنْ قلنا: إنَّها شرطيَّةٌ، و (استيقظ) جزاؤها؛ أي: حتَّى إذا انتصف أو كان قبل الانتصاف؛ استيقظ.

(الْعَشْرَ الْآيَاتِ): مضافٌ إلى[/ص34/] (الْآيَاتِ)، وجاز دخولُ لام التَّعريف على العدد عند الإضافة؛ نحو: (الثَّلاثة الأثواب)، وهو مِن إضافة الصِّفة إلى الموصوف.


183- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ الأصبحيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد؛ إمام دار الهجرة (مَالِكٌ) وهو خال إسماعيل هذا، (عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ) بفتح الميم، وسكون الخاء المُعجَمَة، وفتح الرَّاء، الوالبيِّ [1] المدنيِّ، (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف، وفتح الرَّاء، آخره مُوحَّدةٌ (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ): (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهِيَ خَالَتُهُ) رضي الله عنها، (فَاضْطَجَعْتُ)؛ أي: وضعت جنبي بالأرض، وكان أسلوب الكلام أن يقول: «اضطجع»؛ مناسبةً لقوله: «بات»، أو يقول: «بتُّ» مناسبةً لقوله: «اضطجعت»، لكنَّه سلك مسلك التَّفنُّن الذي هو نوعٌ من الالتفات، أو يُقدَّر: «قال: فاضطجعت» (فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ) بفتح العَيْن، كما في «الفرع»، وهو المشهور، وقال النَّوويُّ: هو الصَّحيح، وبالضَّمِّ، كما حكاه البرماويُّ والعينيُّ وابن حجرٍ، وأنكره أبو الوليد الباجيُّ نقلًا ومعنًى؛ لأنَّ العُرض: _بالضَّمِّ_ الجانب، وهو لفظٌ مُشترَكٌ، وأُجيب: بأنَّه لمَّا قال: «في طولها»؛ تعيَّن المُراد، وقد صحَّت به الرِّواية عن جماعةٍ؛ منهمُ: الدَّاوديُّ والأَصيليُّ، فلا وجه لإنكاره، (وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَهْلُهُ): زوجته أمُّ المؤمنين ميمونة، (فِي طُولِهَا)؛ أي: الوسادة (فَنَامَ [2] رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى انْتَصَفَ) كذا للأَصيليِّ [3] ، ولغيره: ((حتَّى إذا انتصف)) (اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ)؛ أي: قبل انتصافه (بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ)؛ بعد انتصافه (بِقَلِيلٍ؛ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) إن جُعِلت «إذا» ظرفيَّةً؛ فـ: «قبله»: ظرفٌ لـ: «استيقظ»؛ أي: استيقظ وقت الانتصاف أو قبله، وإن جُعِلتْ شرطيَّةً؛ فمتعلِّقٌ بفعلٍ مُقدَّرٍ، و«استيقظ»: جواب الشَّرط؛ أي: حتَّى إذا انتصف اللَّيل أو كان قبل الانتصاف؛ استيقظ، (فَجَلَسَ) حال كونه (يَمْسَحُ [4] النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ) الشَّريف (بِيَدِهِ) بالإفراد؛ أي: يمسح بيده [5] عينيه، من باب: إطلاق اسم الحالِّ على المحلِّ؛ لأنَّ المسح لا يقع إلَّا على العَيْن، والنَّوم لا يُمسَح، أوِ المُراد: مسح أثر النَّوم، من باب: إطلاق السَّبب على المُسبَّب، قاله ابن حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ أثر النَّوم مِنَ النَّوم؛ لأنَّه [6] نفسه، وأُجِيب: بأنَّ الأثر غير المؤثِّر، فالمُراد هنا: ارتخاء الجفون من النَّوم ونحوه، (ثُمَّ قَرَأَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (الْعَشْرَ الآيَاتِ) من إضافة الصِّفة للموصوف، واللَّام تدخل [7] في العدد المُضاف؛ نحو: الثَّلاثة الأثواب، (الْخَوَاتِيمَ [8] مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) التي أوَّلها: {إنَّ في خلق السَّماوات والأرض} [آل عمران: 190] إلى آخر السُّورة، و«الخواتيمَ» [9] : نصب صفةٍ لـ: «عشرَ» المنصوب بـ: «قرأ»، (ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ) بفتح الشِّين المُعجَمَة وتشديد النُّون، القربة الخَلِقة من أدمٍ، وجمعه: شِنانٌ؛ بكسر أوَّله، وذكَّره؛ باعتبار لفظه، أوِ الأدم أوِ الجلد، وأَنَّث الوصف؛ باعتبار القربة، (فَتَوَضَّأَ) عليه الصلاة والسلام (مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ)؛ أي: أتمَّه؛ بأن أتى بمندوباته، ولا يعارض هذا قوله في باب «تخفيف الوضوء»: «وضوءًا خفيفًا» [خ¦138] ؛ لأنَّه يحتمل أن يكون أتى بجميع مندوباته مع التَّخفيف، أو كان كلٌّ منهما في وقتٍ، (ثُمَّ قَامَ) عليه الصلاة والسلام (يُصَلِّي. قَالَ [/ج1ص264/]

ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما: (فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ) صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ) الأيسر، (فَوَضَعَ) صلى الله عليه وسلم (يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي)؛ أي: فأدارني على يمينه، (وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى) بضمِّ الهمزة والمُعجَمَة، حال كونه (يَفْتِلُهَا)؛ أي: يدلِّكها؛ تنبيهًا على الغفلة عن أدب الائتمام، وهو القيام على يمين [10] الإمام إذا كان الإمام وحده، أو تأنيسًا له؛ لكون ذلك كان ليلًا، (فَصَلَّى) عليه الصلاة والسلام (رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ) المجموع اثنتا عشرة، وهو تقييدٌ للمُطلَق [11] في قوله في باب «التَّخفيف»: «فصلَّى ما شاء الله» [خ¦138] ، (ثُمَّ أَوْتَرَ) بواحدةٍ أو بثلاثٍ، وفيه بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى، (ثُمَّ اضْطَجَعَ) عليه الصلاة والسلام (حَتَّى [12] أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ) من الحجرة إلى المسجد، (فَصَلَّى الصُّبْحَ) بأصحابه رضي الله عنهم. قِيلَ: ويُؤخَذ من قراءته عليه الصلاة والسلام العشر الآيات المذكورة بعد قيامه مِنَ النَّوم قبل أن يتوضَّأ جوازُ قراءة القرآن للمحدث، وعُورِض: بأنَّه عليه الصلاة والسلام تنام عينه ولا ينام قلبه، فلا ينتقض وضوءه به، وأمَّا وضوءه؛ فللتَّجديد، أو لحدثٍ آخر، وأُجيب: بأنَّ الأصل عدم التَّجديد وغيره، وعُورِض: بأنَّ هذا عند قيام الدَّليل على ذلك، وههنا قام الدَّليل بأنَّ وضوءه لم يكن لأجل الحدث، وهو قوله: «تنام عينايَ ولا ينام قلبي»، وحينئذٍ يكون تجديد وضوئه لأجل طلب [13] زيادة النُّور؛ حيث قال: «الوضوء على الوضوء [14] نورٌ على نورٍ»، فإن قلت: ما وجه المُناسَبَة بين التَّرجمة والحديث؟ أُجِيب: من جهة أنَّ مضاجعة الأهل في الفراش لا تخلو عنِ المُلامَسة غالبًا، وعُورِض: بأنَّه صلى الله عليه وسلم كان يقبِّل بعض أزواجه ثمَّ يصلِّي ولا يتوضَّأ، رواه أبو داود والنَّسائيُّ، وأُجيب: بأنَّ المذهبَ الجزمُ بانتقاضه به، كما قاله الأستاذ النَّوويُّ رحمه الله، ورضي عنه، ولم يُرِدِ المؤلِّفُ أنَّ مُجرَّد نومه ينقض؛ لأنَّ في آخر هذا [15] الحديث عنده [16] في باب «التَّخفيف في الوضوء» [خ¦138] : ثمَّ اضطجع فنام حتَّى نفخ، ثمَّ صلَّى، ويحتمل أن يكون المؤلِّف احتجَّ بفعل ابن عبَّاسٍ المُعبَّر عنه بقوله: «فصنعت مثل ما صنع» [17] بحضرته صلى الله عليه وسلم.

واستُنبِط من هذا الحديث: استحباب التَّهجُّد، وقراءة العشر الآيات عند الانتباه مِنَ النَّوم، وأنَّ صلاة اللَّيل مَثْنى. وهو من خماسيَّاته، ورجاله مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بصيغة الإفراد، والجمع، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦859] ، وفي «الوتر» [خ¦992] ، و«التَّفسير» [خ¦4570] ، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وأبو داود، وأخرجه ابن ماجه في «الطَّهارة».

[1] في (د): «الوائليِّ»، وهو تحريفٌ.
[2] في (د) و(ص): «فقام».
[3] في (د): «للكشميهنيِّ»، وليس بصحيحٍ.
[4] في (ص): «مسح».
[5] في (ص) و(م): «بيديه».
[6] في (د) و(م): «لا أنَّه»، وهو تحريفٌ.
[7] في (د): «يدخل».
[8] في (س) و(ص): «الخواتم».
[9] في (د) و(س): «الخواتم».
[10] في (م): «يمنة».
[11] في غير (ص) و(م): «يقيِّد المُطلَق».
[12] في (د): «ثمَّ».
[13] في (س): «طلبه».
[14] «على الوضوء»: سقط من (س).
[15] «هذا»: سقط من (د).
[16] في (د): «عنه».
[17] قوله: «المُعبَّر عنه بقوله: «فصنعت مثل ما صنع»»، سقط من (د).





( مَخْرَمَةَ ): بفتح الميم وسكون المعجمة.

( عَرْضِ الْوِسَادَةِ ): بفتح العين لقوله: ( فِي طُولِهَا )، وجوَّز بعضهم الضَّمَّ، أي: جانبها.

( يَمْسَحُ النَّوْمَ ) أي: أثرَه.

( الْعَشْرَ الآيَاتِ ) أوَّلها: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ... } [آل عمران:190] إلى آخر السُّورة. [/ج1ص326/]


36/183# قال أبو عبد الله: وحدَّثنا إسماعيل: حدَّثني مالكٌ، عن مُخْرَمَة بن سُليمان، عن كُريب، عن ابن عبَّاس. وذكر الحديث، وقال: ثمَّ قام إلى شَنٍّ مُعلَّقةٍ فتوضَّأ منها، قال: ثمَّ ذهبتُ فقمتُ إلى جنبه، فوضع يدَه اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها... الحديث [1] .

الشَّنُّ: القربة التي تبدَّت للبلى، وقوله في الرواية الأولى: «مِن شَنٍّ مُعَلَّقٍ» بلفظ التذكير إنَّما قال ذلك؛ لأنَّه أراد الجِلدَ، وفي الرواية الأخرى: «ثمَّ قام إلى شنٍّ مُعلَّقةٍ فتوضَّأ منها»؛ لأنَّه أرادَ القِرْبة، فأنَّث [2] .

وفي قوله: (فحوَّلني فجعلني عن يمينه) إيجابُ [3] مُراعاة موقف الإمامة؛ كي [4] يكون المأمومُ متأخِّراً عن الإمام.

وفيه أنَّ من الأدب أن يمشي الصغير عن يمين الكبير، والمفضُولَ عن يمين الفاضل.

وفيه إباحةُ العمل اليسير في الصلاة.

وقوله: (فأخذ بأذني اليمنى يفتلها) قد يحتمل أن يكون معنى الفتل هاهنا الجذبُ؛ ليدورَ فيتحوَّل إلى يمينه، ويحتمل أن يكون أراد به فتل التأديب والتقويم؛ ليكون ذلك أبلغ لما يُريد منه، وليكون أذكر له فيما يستأنفه من الزمان، ويُقال: إنَّ المتعلِّم إذا تُعهِّدَ بفتل أذنه كان أذكى [5] لفهمه، وأوعى لما يسمعُه من القول.

وأخبرني أحمد بن الحسين الآبِرِيُّ [6] قال: أخبرني عبد الرحمن بن الحسن [7] الشافعيُّ، قال: قال الربيع: ركبَ الشافعيُّ يوماً فَلَصِقتُ بسَرْجِه وهو على الدابَّة، فجعل يَفتلُ شحمة أذني بيده، فأعظمتُ ذلك منه حتَّى وجَدْته عن ابن عبَّاس

@%ص56%

أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتل شحمة أُذُنِه [8] ، فعلمتُ أنَّه إنَّما [9] فعل ذلك عن أصل.

وأمَّا نوم النبيِّ صلى الله عليه وسلم مضطجعاً حتَّى نفخ، وقيامه إلى الصلاة من غير إحداث وضوء فإنَّ ذلك من خصائصه التي ليس للأمَّة أن يأتسُوا به فيها؛ والعلَّة في ذلك مذكور في الحديث، وهي قوله صلى الله عليه وسلم : «تنامُ عيناي ولا ينام قلبي» [10] . فأخبر أنَّ يقظة قلبه تعصمه من الحَدَث.

وفي حديث سفيان الذي رويناه أوَّلاً أنَّه قال عمرو بن دينار: سمعت عُبيد بن عمير يقول: «رُؤيا الأنبياء وَحيٌ». ثمَّ قرأ: { إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ } ثمَّ قال: { يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ } [الصافات: 102] يريد بهذا القول أنَّه إنَّما مُنِعَ [11] النومَ قلبُهُ ليعي الوحي، إذا أُوحي إليه في منامه.

وفي الحديث دَلالةُ أنَّ النومَ [12] عَينَه [13] ليس بحدث، وإنمَّا هو مَظِنَّةٌ للحدَث، فإذا كان نومُ النائم على حالٍ يأمنُ معه الحَدَث غالباً، كالنوم قاعداً وهو مُتماسكٌ ونحو ذلك من الأحوال لم ينتقض وُضوءُه به [14] .

[1] في النسخ الفروع: (وذكر الحديث).
[2] انظر تذكير (الشّن) وتأنيثه في كتاب التذكير والتأنيب لابن الأنباري (1/418) والتاج: (شنن)
[3] في (ط): (لإيجاب).
[4] في النسخ الفروع: (حتى).
[5] في (أ) و (م): (أدعى).
[6] في (أ) و (م): (الآجري).
[7] في النسخ الفروع: (بن العباس).
[8] (فأعظمت.. أذني) سقط من (ط).
[9] (إنما) سقطت من (ط).
[10] رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها : (3569).
[11] في (م: (مع) مصحفاً.
[12] في (ر): (نوم).
[13] في (ط) و (أ) و (م): (بعينه)
[14] (به) سقطت من (ط)





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

183- وبه قال: ((حدثنا إسماعيل)) : هو ابن [أبي] أويس الأصبحي ((قال: حدثني)) بالإفراد ((مالك)) ؛ أي: ابن أنس الأصبحي، خال إسماعيل، ((عن مَخْرَمة)) بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الرَّاء ((بن سليمان)) الوالبي المدني، ((عن كُرَيب)) بضم الكاف، وفتح الرَّاء، آخره موحدة ((مولى ابن عباس)) التابعي: ((أن عبد الله بن عباس)) رضي الله عنهما، والإسناد كله مدنيون ((أخبره)) ؛ أي: أخبر ابنُ عباس كريبًا: ((أنَّه)) أي: ابن عباس ((بات ليلة عند ميمونة زوج النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ، وجملة قوله: ((وهي)) أي: ميمونة ((خالته)) ؛ أي: خالة ابن عباس أخت أمه؛ حالية، والظاهر: أنها من كلام كريب، ((فاضطجعت)) ؛ أي: وضعت جنبي على الأرض، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: (اضطجع) بصورة الماضي الغائب، كما قال: (بات) ، أو قال: (بتُّ) ، كما قال: (فاضطجعت) بصورة المتكلم فيهما، ولكنَّه قصد بذلك التفنن في الكلام، وهو نوع من أنواع الالتفات، والقاصد لذلك كريب؛ لأنَّه الذي نقل كلام ابن عباس، والظاهر: أن اختلاف العبارتين من ابن عباس ومن كريب؛ لأنَّ كريبًا أخبر أولًا عن ابن عباس: (أنه بات...) إلخ، ثم أضمر لفظة: (قال) قبل (فاضطجعت) ، فيكون الكلام على أسلوب واحد، كذا في «عمدة القاري»، ((في عَرْض)) ؛ بفتح العين المهملة وسكون الرَّاء، كما في«الفرع»، وهو المشهور، وقال السفاقسي: (ضمُّ العين غير صحيح، ورويناه بفتحها عن جماعة) ، وفي «المطالع»: (الفتح عند أكثر مشايخنا، ووقع عند جماعة؛ منهم: الداودي والطرابلسي والأصيلي: بضم العين) ، قال في «عمدة القاري»: والأول أظهر، وقال النووي: هو الصحيح، وأنكر الباجي الضم، وهو مردود؛ لثبوت الرواية به عن جماعة، كما علمت، ((الوسادة)) : المخدة، وهو ما يتوسَّد به عند النوم، وهو المتكأ، كما في «الصحاح» و«المجمل» وغيرهما، وزعم ابن التين أنَّ (الوساد) : الفراش الذي ينام عليه، وهو باطل؛ كما قاله في «عمدة القاري» عن النووي.

((واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله)) أي: زوجته أم المؤمنين ميمونة ((في طولها)) ؛ أي: الوسادة، وهذا يقتضي: أن يكون عرض الوسادة محلًّا لاضطجاع ابن عباس؛ فتأمل.

((فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى)) ؛ للغاية؛ أي: إلى أن ((انتصف)) ، وفي رواية: (حتى إذا انتصف) ((الليل أو قبله)) أي: قبل انتصافه ((بقليل أو بعده)) ؛ أي: بعد انتصافه، ((بقليل استيقظ)) ؛ أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في رواية، فإن جعلت (إذا) ظرفية؛ فقوله: (أو قبله) ظرف لقوله: (استيقظ) ؛ أي: استيقظ وقت انتصاف الليل أو قبل انتصافه، و (أو) للتشكيك، وإن جعلت (إذا) شرطية؛ فيكون (قبله) متعلقًا بفعل مقدر، و (استيقظ) : جواب الشرط، والتقدير: حتى إذا انتصف الليل أو كان قبل الانتصاف؛ استيقظ، كذا في «عمدة القاري».

((فجلس)) عليه السلام، وفي رواية: (فجعل) ((يمسح النوم)) ففي الأول: يكون (يمسح) التي هي جملة من الفعل والفاعل محلها النصب على الحال من الضمير في (فجلس) ، وفي الثاني: تكون الجملة خبرًا لقوله: (فجعل) ؛ لأنَّه من أفعال المقاربة، ومسح النوم من العينين من باب إطلاق اسم الحال على المحلِّ؛ لأنَّ المسح لا يقع إلا على العينين، والنوم لا يمسح، كذا في «عمدة القاري»، ((عن وجهه بيده)) ؛ بالإفراد، والمراد: الجس؛ أي: يمسح بيديه، وزعم ابن حجر أن المراد: يمسح أثر النوم من باب إطلاق اسم السبب على المسبب، قال في «عمدة القاري»: أثر النوم من النوم؛ لأنَّه نفسه، فكيف يكون من هذا الباب؟! انتهى، وأجاب القسطلاني وتبعه العجلوني: بأن الأثر: ارتخاء الجفون من النوم، انتهى، قلت: وما أجابا به هو عين الاعتراض، فإنَّ ارتخاء الجفون لا ريب أنَّه من النوم؛ لأنَّه نفسه، فقد أثبتا الاعتراض المذكور، على أنَّ ارتخاء الجفون لا يقال له: أثر؛ لأنَّ النوم فترة طبيعية لا أثر لها، وأمَّا ارتخاء الجفون والاضطجاع ونحوه؛ إنَّما هي هيئات وصفات لحصول تلك الفترة، ألا ترى أن بعض الناس ينامون وأعينهم مفتوحة، وبعض البهائم كذلك؛ فافهم.

ثم قال العجلوني معترضًا على صاحب «عمدة القاري»: (بأنه إذا كان النوم من العينين؛ كيف يلتئم مع قوله «عن وجهه»؟!) .

قلت: وهو ظاهر الالتئام، فإنَّ العينين في الوجه، وهو كالظرف لهما، فهو من إطلاق الكل وإرادة البعض؛ لأنَّ النوم غالبًا لا يظهر إلا من العينين، فما قاله العجلوني مردود عليه؛ فافهم.

((ثم قرأ)) عليه السلام ((العشر الآيات)) ؛ بإضافة العشر إلى الآيات، ويجوز دخول لام التعريف على العدد عند الإضافة؛ نحو: (الثلاثة الأبواب) ، وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، كذا في «عمدة القاري» ((الخواتيمَ)) ؛ أي: الأواخر، بالنصب؛ لأنَّه صفة (العشر) ، وهو جمع خاتمة ((من سورة آل عمران)) ، وهي قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} أي: لذوي العقول {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًاوَعَلَى جُنُوبِهِمْ} ، والمراد به: الإكثار من ذكر الله عزَّ وجلَّ، ففي الحديث: «من أحبَّ أن يرتع في رياض الجنة؛ فليكثر ذكر الله»، وفي حديث آخر: «إذا مررتم برياض الجنة؛ فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر»، فلا دلالة فيه للشافعي في أنَّ المريض يصلي مضطجعًا؛ لأنَّ المراد من الآية: ذكر الله عزَّ وجلَّ، لا الصلاة، فإن قوله: {وَعَلَى جُنُوبِهِمْ}؛ أي في حال اضطجاعهم للنوم، ويدلُّ لذلك قوله: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}، والتفكُّر في ذلك لا يكون في حال الصلاة، وإنما يطلب فيها الخشوع والخضوع لله عزَّ وجلَّ، ويدل لذلك قوله: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، فهو دليلٌ ظاهر على أن المراد: التفكر خارج الصلاة حال الاضطجاع للنوم، فإنه يتفكر في النجوم التي في السماء، ويتفكَّر في ظلمة القبر، وعذاب النار، وغير ذلك، ويدلُّ له قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ} المراد به: النبي الأعظم عليه السلام {أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا [فِي الْبِلَادِ] مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ الله

[/ص152/] وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِله لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ الله ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ الله سَرِيعُ الْحِسَابِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواِ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواِ الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 190،200] ، وتفسير ذلك يطلب من «تفسير أبي السعود» و«الزمخشري»، والله تعالى أعلم.

((ثم قام)) عليه السلام ((إلى شِنٍّ)) ؛ بكسر الشين المعجمة وتشديد النُّون، وهو وعاء الماء إذا كان من أدم فأَخْلَق، وجمعه شِنان؛ بكسر المعجمة، ((معلقة)) ؛ بالجرِّ، صفة (شن) ، وقد سبق هذا الحديث في باب (التخفيف) ، وذكر فيه مالفظه: (فتوضَّأ من شنٍّ معلَّق وضوءًا خفيفًا) ؛ بتذكير وصف: (شن) وتوصيف الوضوء بالخفة، وهنا أنَّث الوصف؛ حيث قال: (معلقة) ، وقال: ((فتوضأ منها)) أي: من الشن، ((فأحسن وضوءه)) والمراد به: الإتمام والإتيان بجميع مندوباته، فما وجه الجمع بينهما؟أجاب في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: الشَّنُّ: يذكَّر ويؤنَّث، فالتذكير باعتبار لفظه أو باعتبار الأدم أو الجلد، والتأنيث باعتبار القربة، وإتمام الوضوء لا ينافي التخفيف؛ لأنَّه يجوز أن يكون أتم بجميع مندوباته مع التخفيف، أو هذا كان في وقت، وذاك في وقت) انتهى، فافهم.

((ثم قام يصلي)) عليه السلام ((قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع)) : النبي الأعظم عليه [السلام] ؛ أي: توضأت نحوًا مما توضأ، كما صرح به في باب (التخفيف) ، ويحتمل أن يريد به أعم من ذلك، فيشمل النوم حتى انتصاف الليل، ومسح العينين من النوم، وقراءة العشر الآيات، والقيام إلى الشن، والوضوء، وإحسانه، كذا في «عمدة القاري».

((ثم ذهبت فقمت إلى جنبه)) عليه السلام؛ أي: الأيسر، ((فوضع)) أي: النبي الأعظم عليه السلام ((يده اليمنى على رأسي؛ فأخذ)) أي: ثم أخذ ((بأُذْني)) ؛ بضم الهمزة وسكون الذال المعجمة ((اليمنى)) ؛ أي: بعد أن دارني، وجملة قوله: ((يفتلها)) ؛ أي: يدلكها ويعركها حال أو خبر (أخذ) ، ولم يكن فتله لأذنه إلا لأجل أنَّه لما وقف بجنبه اليسار؛ أخذ أذنه وعركها وأداره إلى يمينه، وما قاله القسطلاني والعجلوني: من أنَّه لأجل التأنيس له عليه السلام؛ لكون ذلك كان ليلًا؛ فيه نظر؛ لأنَّه عليه السلام لا يستوحش وحده؛ لكونه دائمًا بمراقبة ربه عز وجل، وإذا لم يكن ابن عباس موجودًا عنده؛ بمن كان يستأنس؟! فما قالاه مردود عليهما؛ فافهم.

((فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين)) ، فلفظ (ركعتين) مكرر ست مرات، فيكون المجموع اثنَتيْ عشرة ركعة، ففيه دليل للإمام أبي يوسف والإمام محمد، وهو رواية عن الإمام الأعظم: أن صلاة الليل مثنى مثنى، ((ثم أوتر)) ؛ أي: بثلاث ركعات لا بواحدة؛ لأنَّه قد ورد: النهي عن البتيراء؛ وهو التنفل بركعة واحدة، وهو حجة على الشافعي، كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى، وهذا تقييد وتفسير للمطلق الذي ذُكٍر في باب (التخفيف) حيث قال هناك: (فصلى ما شاء الله تعالى) ، ((ثم اضطجع)) عليه السلام؛ أي: نام حتى نفخ، كما صرح به في باب (التخفيف) ((حتى)) أي: إلى أن ((أتاه المؤذن)) ؛ أي: بلال رضي الله عنه؛ أي: فأيقظه وأعلمه بالصلاة، ((فقام)) عليه السلام ((فصلى ركعتين خفيفتين)) ، وهما سنة الصبح، ((ثم خرج)) ؛ أي: من الحجرة إلى المسجد، ((فصلى الصبح)) ؛ أي: فرضه بأصحابه رضي الله عنهم، ففيه: دليل على استحباب قيام الليل، والصلاة فيه وقراءة الآيات المذكورة بعد الانتباه من النوم، وعلى تخفيف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح مع مراعاة أدائها، وعلى جواز عرك أذن الصغير؛ لأجل التأديب، وعلى استحباب مجيء المؤذن إلى الإمام وإعلامه بإقامة الصلاة، وعلى جواز الاضطجاع عند المَحْرَم وإن كان زوجها عندها، وعلى استحباب إقامة المقتدي على يمين الإمام، وعلى استحباب أداء السنن في البيت والفرائض في المسجد، وقال ابن بطال: (فيه دليل على ردِّ من كره قراءة القرآن على غير طهارة لمن لم يكن جنبًا، وهي الحجة الكافية؛ لأنَّه عليه السلام قرأ العشر الآيات بعد قيامه من النوم قبل الوضوء) ، واعترضه الكرماني: (بأنه ليس ذلك حجَّة كافية؛ لأنَّ قلبه عليه السلام لا ينام ولا ينتقض وضوءه به) ، وتبعه ابن المنير، ثم قال: (وأمَّا كونه توضأ عقيب ذلك؛ فلعلَّه جدَّد الوضوء، أو أحدث بعد ذلك فتوضأ) ، واستحسن ابن حجر كلامه بالنسبة إلى كلام ابن بطال حيث قال: (بعد قيامه من النوم) ، ثم قال: (لأنَّه لم يتعين كونه أحدث في النوم، لكن لمَّا عقَّب ذلك بالوضوء؛ كان ظاهرًا في كونه أحدث، أو لا يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه ألَّا يقع منه حدث وهو نائم، نعم؛ إن وقع؛ شعر به، بخلاف غيره، وما ادَّعوه من التجديد وغيره؛ الأصل عدمه) انتهى.

واعترضه في «عمدة القاري» كما هي عادته في بيان ما هو الصواب؛ حيث قال: (قلت: وقوله: «لا يلزم من كون نومه...»إلى آخره: غير مسلَّم، وكيف يمنع عدم الملازمة؟! بل يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه ألَّا يقع حدثٌ في حالة النوم؛ لأنَّ هذا من خصائصه عليه السلام، فيلزم من قول هذا القائل ألَّا يفرَّق بين نوم النبي الأعظم عليه السلام ونوم غيره، وهو ممنوع) .

وقوله: «وما ادَّعوه من التجديد وغيره؛ الأصل عدمه» قال: (قلت: وهذا عند عدم قيام الدليل على ذلك، وههنا قام الدليل بأنَّ وضوءه عليه السَّلام لم يكن لأجل الحدث، وهو قوله عليه السلام: «تنام عيناي ولا ينام قلبي»، فحينئذ يكون تجديد وضوئه؛ لأجل طلب زيادة النور حيث قال: «الوضوء على الوضوء نور على نور») انتهى.

قلت: وهو كلام في غاية التحقيق:

~إذا قالت حزام فصدِّقوها فإن القول ما قالت حزام

فليحفظ.

واعلم أن مطابقة الحديث للترجمة في قراءة القرآن بعد الحدث؛ لأنَّه عليه السلام قرأ العشر الآيات بعد قيامه من النوم قبل وضوئه، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّه كيف يقال هذا ونومه عليه السلام لا ينقض وضوءه؟!

وزعم ابن حجر تبعًا للسبكي أنَّ مناسبة الحديث للترجمة من جهة أن مضاجعة الأهل في الفراش لا تخلو من الملامسة، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّ هذا بعيد؛ لأنَّا لا نسلِّم ذلك على التحقيق، ولئن سلَّمنا؛ فمراده من الملامسة: اللمس باليد أو الجماع، فإن كان الأول؛ فلا نقض للوضوء أصلًا سيما في حقه عليه السلام؛ لأنَّه قد ثبت عنه عليه السلام أنَّه كان يقبِّل بعض أزواجه ثمَّ يصلي، ولم يتوضأ، كما رواه أبو داود والنَّسائي وغيرهما، وإن كان الثاني؛ فيحتاج إلى الاغتسال، ولم يوجد هذا في هذه القصة، انتهى بزيادة.

وأجاب القسطلاني وتبعه العجلوني عن الأول بأنَّ المذهب الجزم بانتقاض الوضوء بالمس باليد، انتهى.

قلت: أي: في مذهب الشافعي، وهذا ليس بجواب، كما لا يخفى على أولي الألباب؛ لأنَّ المذهب لا يعارض الأحاديث الصحيحة المروية عن النبي الأعظم عليه السلام، ومهما اجتهد الشافعي لا يصل إلى مقام المعارضة للأحاديث، فإن أجابوا بأحاديث تدل [في] ظاهرها على أن المسَّ ينقض الوضوء؛ فأحاديث عدم النقض أصحُّ وأرجح من وجوه شتَّى، على أنَّ أحاديث النقض مثبتة، وعدم النقض نافية، والقاعدة عند المحققين: أن المثبِت مقدَّم على النافي، على أنَّ أحاديث عدم النقض أقوى وطرقها عديدة؛ فهي أولى، على أنَّ الشافعي استدلَّ بالنقض بالآية: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] ، وإجماع أهل اللغة _وهو المروي عن جميع الصحابة_ أن المراد بالمسِّ: الجماع؛ لأنَّه كناية، كما كنَّى عن قضاء الحاجة: بـ{الغائط}، فلا دليل يظهر له في ذلك، والله تعالى أعلم وأحكم.