إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث ابن عباس: أنه بات ليلة عند ميمونة

183- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ الأصبحيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد؛ إمام دار الهجرة (مَالِكٌ) وهو خال إسماعيل هذا (عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ) بفتح الميم وسكون الخاء المُعجَمَة وفتح الرَّاء، الوالبيِّ [1] المدنيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف وفتح الرَّاء آخره مُوحَّدةٌ (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم، وَهِيَ خَالَتُهُ) رضي الله عنها (فَاضْطَجَعْتُ) أي: وضعت جنبي بالأرض، وكان أسلوب الكلام أن يقول: «اضطجع» مناسبةً لقوله: «بات»، أو يقول: «بتُّ» مناسبةً لقوله: «اضطجعت»، لكنَّه سلك مسلك التَّفنُّن الذي هو نوعٌ من الالتفات، أو يُقدَّر: «قال: فاضطجعت» (فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ) بفتح العَيْن كما في الفرع وهو المشهور، وقال النَّوويُّ: هو الصَّحيح، وبالضَّمِّ كما حكاه البرماويُّ والعينيُّ وابن حجرٍ، وأنكره أبو الوليد الباجيُّ نقلًا ومعنًى؛ لأنَّ العُرض: _بالضَّمِّ_ الجانب، وهو لفظٌ مُشترَكٌ، وأُجيب: بأنَّه لمَّا قال: «في طولها» تعيَّن المُراد، وقد صحَّت به الرِّواية عن جماعةٍ؛ منهمُ: الدَّاوديُّ والأَصيليُّ، فلا وجه لإنكاره (وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم وَأَهْلُهُ): زوجته أمُّ المؤمنين ميمونة (فِي طُولِهَا) أي: الوسادة (فَنَامَ [2] رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم حَتَّى انْتَصَفَ) كذا للأَصيليِّ [3]، ولغيره: ((حتَّى إذا انتصف)) (اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ) أي: قبل انتصافه (بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ) بعد انتصافه (بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) إن جُعِلت «إذا» ظرفيَّةً فـ «قبله» ظرفٌ لـ «استيقظ» أي: استيقظ وقت الانتصاف أو قبله، وإن جُعِلتْ شرطيَّةً فمتعلِّقٌ بفعلٍ مُقدَّرٍ، و«استيقظ»: جواب الشَّرط، أي: حتَّى إذا انتصف اللَّيل أو كان قبل الانتصاف استيقظ (فَجَلَسَ) حال كونه (يَمْسَحُ [4] النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ) الشَّريف (بِيَدِهِ) بالإفراد، أي: يمسح بيده [5] عينيه، من باب إطلاق اسم الحالِّ على المحلِّ؛ لأنَّ المسح لا يقع إلَّا على العَيْن، والنَّوم لا يُمسَح، أوِ المُراد: مسح أثر النَّوم، من باب إطلاق السَّبب على المُسبَّب، قاله ابن حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ أثر النَّوم مِنَ النَّوم لأنَّه [6] نفسه، وأُجِيب بأنَّ الأثر غير المؤثِّر، فالمُراد هنا: ارتخاء الجفون من النَّوم ونحوه (ثُمَّ قَرَأَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (الْعَشْرَ الآيَاتِ) من إضافة الصِّفة للموصوف، واللَّام تدخل [7] في العدد المُضاف؛ نحو: الثَّلاثة الأثواب (الْخَوَاتِيمَ [8] مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) التي أوَّلها: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [آل عمران: 190] إلى آخر السُّورة، و«الخواتيمَ» [9]: نصب صفةٍ لـ «عشرَ» المنصوب بـ «قرأ» (ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ) بفتح الشِّين المُعجَمَة وتشديد النُّون، القربة الخَلِقة من أدمٍ، وجمعه: شِنانٌ؛ بكسر أوَّله، وذكَّره باعتبار لفظه، أوِ الأدم أوِ الجلد، وأَنَّث الوصف باعتبار القربة (فَتَوَضَّأَ) عليه الصلاة والسلام (مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ) أي: أتمَّه بأن أتى بمندوباته، ولا يعارض هذا قوله في «باب تخفيف الوضوء»: «وضوءًا خفيفًا» [خ¦138] لأنَّه يحتمل أن يكون أتى بجميع مندوباته مع التَّخفيف، أو كان كلٌّ منهما في وقتٍ (ثُمَّ قَامَ) عليه الصلاة والسلام (يُصَلِّي. قَالَ
ج1ص264
ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما: (فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ) صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ) الأيسر (فَوَضَعَ) صلى الله عليه وسلم (يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي) أي: فأدارني على يمينه (وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى) بضمِّ الهمزة والمُعجَمَة، حال كونه (يَفْتِلُهَا) أي: يدلِّكها تنبيهًا على الغفلة عن أدب الائتمام، وهو القيام على يمين [10] الإمام إذا كان الإمام وحده، أو تأنيسًا له لكون ذلك كان ليلًا (فَصَلَّى) عليه الصلاة والسلام (رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ) المجموع اثنتا عشرة، وهو تقييدٌ للمُطلَق [11] في قوله في «باب التَّخفيف»: «فصلَّى ما شاء الله» [خ¦138] (ثُمَّ أَوْتَرَ) بواحدةٍ أو بثلاثٍ، وفيه بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى (ثُمَّ اضْطَجَعَ) عليه الصلاة والسلام (حَتَّى [12] أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ) من الحجرة إلى المسجد (فَصَلَّى الصُّبْحَ) بأصحابه رضي الله عنهم. قِيلَ: ويُؤخَذ من قراءته عليه الصلاة والسلام العشر الآيات المذكورة بعد قيامه مِنَ النَّوم قبل أن يتوضَّأ جوازُ قراءة القرآن للمحدث، وعُورِض بأنَّه عليه الصلاة والسلام تنام عينه ولا ينام قلبه، فلا ينتقض وضوءه به، وأمَّا وضوءه فللتَّجديد، أو لحدثٍ آخر، وأُجيب بأنَّ الأصل عدم التَّجديد وغيره، وعُورِض بأنَّ هذا عند قيام الدَّليل على ذلك، وههنا قام الدَّليل بأنَّ وضوءه لم يكن لأجل الحدث، وهو قوله: «تنام عينايَ ولا ينام قلبي» وحينئذٍ يكون تجديد وضوئه لأجل طلب [13] زيادة النُّور؛ حيث قال: «الوضوء على الوضوء [14] نورٌ على نورٍ»، فإن قلت: ما وجه المُناسَبَة بين التَّرجمة والحديث؟ أُجِيب: من جهة أنَّ مضاجعة الأهل في الفراش لا تخلو عنِ المُلامَسة غالبًا، وعُورِض بأنَّه صلى الله عليه وسلم «كان يقبِّل بعض أزواجه ثمَّ يصلِّي ولا يتوضَّأ» رواه أبو داود والنَّسائيُّ، وأُجيب بأنَّ المذهبَ الجزمُ بانتقاضه به، كما قاله الأستاذ النَّوويُّ رحمه الله ورضي عنه، ولم يُرِدِ المؤلِّفُ أنَّ مُجرَّد نومه ينقض لأنَّ في آخر هذا [15] الحديث عنده [16] في «باب التَّخفيف في الوضوء» [خ¦138]: «ثمَّ اضطجع فنام حتَّى نفخ، ثمَّ صلَّى»، ويحتمل أن يكون المؤلِّف احتجَّ بفعل ابن عبَّاسٍ المُعبَّر عنه بقوله: «فصنعت مثل ما صنع» [17] بحضرته صلى الله عليه وسلم.
واستُنبِط من هذا الحديث: استحباب التَّهجُّد، وقراءة العشر الآيات عند الانتباه مِنَ النَّوم، وأنَّ صلاة اللَّيل مَثْنى. وهو من خماسيَّاته، ورجاله مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بصيغة الإفراد والجمع والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦859] وفي «الوتر» [خ¦992] و«التَّفسير» [خ¦4570]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وأبو داود، وأخرجه ابن ماجه في «الطَّهارة».
ج1ص265


[1] في (د): «الوائليِّ»، وهو تحريفٌ.
[2] في (د) و(ص): «فقام».
[3] في (د): «للكشميهنيِّ»، وليس بصحيحٍ.
[4] في (ص): «مسح».
[5] في (ص) و(م): «بيديه».
[6] في (د) و(م): «لا أنَّه»، وهو تحريفٌ.
[7] في (د): «يدخل».
[8] في (س) و(ص): «الخواتم».
[9] في (د) و(س): «الخواتم».
[10] في (م): «يمنة».
[11] في غير (ص) و(م): «يقيِّد المُطلَق».
[12] في (د): «ثمَّ».
[13] في (س): «طلبه».
[14] «على الوضوء»: سقط من (س).
[15] «هذا»: سقط من (د).
[16] في (د): «عنه».
[17] قوله: «المُعبَّر عنه بقوله: فصنعت مثل ما صنع» سقط من (د).