متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

181- وبالسَّند قال: (حدَّثنا) وفي رواية الأربعة [1] : ((حَدَّثَنِي)) (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بالتَّخفيف على الصَّحيح، ولكريمةَ: ((حدَّثنا ابن سلامٍ)): (قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السُّلميُّ مولاهم، أبو خالدٍ الواسطيُّ [2] ، أحد الأعلام، (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ، الأنصاريِّ التَّابعيِّ، (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف، الأسديِّ المدنيِّ التَّابعيِّ، (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) التَّابعيِّ، (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَفَاضَ)؛ أي: رجع أو دفع (مِنْ) موقف (عَرَفَةَ عَدَلَ)؛ أي: توجَّه (إِلَى الشِّعْبِ) بكسر الشِّين: الطَّريق في الجبل، (فَقَضَى حَاجَتَهُ. قَالَ أُسَامَةُ)؛ أي: ابن زيدٍ، كما صرَّح به في رواية أبي الوقت [3] : (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ) الوضوء، (وَ) هو (يَتَوَضَّأُ) مُبتدَأٌ وخبرٌ، أو نصبٌ على الحال؛ أي: والحال [4] أنَّه يتوضَّأ، ويجوز وقوع الفعل المضارع المُثبَت حالًا، (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ) بفاء العطف، وفي رواية الأربعة [5] : ((قال صلى الله عليه وسلم)): (الْمُصَلَّى) بفتح اللَّام؛ أي: مكان المُصلَّى (أَمَامَكَ)؛ بفتح الهمزة، والميمَين؛ ظرفٌ بمعنى: قدَّامك.

وفي هذا الحديث: جواز الاستعانة في الوضوء بالصَّبِّ [6] ، وبه استدلَّ المؤلِّف للتَّرجمة، ولم يذكر جوازًا ولا غيره، ويُقاس على الاستعانة بالصَّبِّ الاستعانةُ بالغسل والإحضار للماء؛ بجامع الإعانة، فأمَّا الصَّبُّ؛ فهو خلاف الأَوْلى؛ لأنَّه ترفُّهٌ لا يليق بالمتعبِّد، وعُورِض: بأنَّه إذا فعله الشَّارع لا يكون خلاف الأولى، وأُجِيب: بأنَّه قد يفعله؛ لبيان الجواز، فلا يكون في حقِّه خلاف الأَوْلى؛ بخلافنا، وقِيلَ: مكروهٌ، [/ج1ص262/] وأمَّا الاستعانة في غسل الأعضاء؛ فمكروهةٌ قطعًا إلَّا لحاجةٍ، وأمَّا في [7] إحضار الماء؛ فلا كراهة فيها أصلًا. قال ابن حجرٍ: لكنَّ الأفضلَ خلافُه، وقال الجلال المحليُّ: ولا يُقال: إنَّها خلاف الأَوْلى، وأمَّا الحديث المرفوع: «أنا لا أستعين في وضوئي بأحدٍ»، وأنَّه قاله عليه الصلاة والسلام لعمر وقد بادر لصبِّ [8] الماء عليه؛ فقال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: إنَّه حديثٌ باطلٌ لا أصل له.

وهذا الحديث من سداسيَّاته، ورواته ما بين بِيكَنْدِيٍّ وواسطيٍّ ومَدَنيٍّ، وفيه: ثلاثةٌ مِنَ التَّابعين، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطَّهارة» [خ¦139] ، و«الحجِّ» [خ¦1667] ، ومسلمٌ فيه أيضًا.

[1] «الأربعة»: سقط من (د) و(ص).
[2] قوله: «بن زاذان السُّلميُّ مولاهم، أبو خالدٍ الواسطيُّ»، سقط من (ب) و(د) و(ص).
[3] «أبي الوقت»: سقط من (د) و(ص).
[4] في غير (د) و(س): «والحالة».
[5] «الأربعة»: سقط من (د).
[6] «بالصَّبِّ»: سقط من (د) و(م).
[7] «في»: سقط من (ب) و(د) و(ص).
[8] في (د): «ليصبَّ».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

181-. حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ [1] ، قالَ: أخبَرَنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ، عن يَحْيَىَ، عن مُوسَىَ بنِ عُقْبَةَ، عن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ:

عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَفاضَ مِنْ عَرَفَةَ، عَدَلَ إلى الشِّعْبِ، فَقَضَىَ حاجَتَهُ. قالَ أُسامَةُ بنُ زَيْدٍ [2] : فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي؟ فقالَ [3] : «الْمُصَلَّىَ أَمامَكَ».

[1] وضع علامة التَّخفيف على لام «سلام» في اليونينيَّة، وفي رواية أبي ذر والأصيلي و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «حدَّثنَا محمدُ بنُ سلام»، وفي رواية ابن عساكر: «حدَّثنا ابنُ سلام».
[2] قوله: «بن زيد» ليس في رواية ابن عساكر وأبي ذر والأصيلي.
[3] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «قالَ».





181- ( ابْنُ سَلاَمٍ ) بتخفيف اللام، وقد استُدِلَّ بالحديثين على جواز الصَّبِّ على المتوضِّئ، وإذا جاز ذلك جاز أن يوضئه إذا نوى المُعانُ بجامع ما بينهما من الإعانة.


181# (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ) قيل: أورده البخاري دليلاً على أنه يجوز للرجل أن يُوَضِّئه غيرهُ، ووجهُه أنه لزمَ المتوضيء اغترافُ الماء لأعضائه، وجاز أن يكفيه غيرُه، والاغترافُ بعض الوضوء، فكذا يجوز سائرُ الوضوء.

ورده ابن المنيِّر: بأن الاغتراف ليس بعضَ الوضوء، إنما [1] هو بعضُ وسائله، ولا عبرة بالوسائل، ألا تراه لو اغترفَ ثمَّ نوى والماءُ بكفِّه، أجزأه؟ ولو كان بعض الوضوء، لزمَ تقدمُ العمل على النية.

[1] في (ج): ((وإنما)).





181- قوله: (حَدَّثَنِي ابنُ سَلَامٍ): وفي نسخة هي في هامش أصلنا: (محمَّد بن سلام) ، وهو هو، وقد [1] تقدَّم بعض ترجمته، وأنَّ والده الأصحُّ فيه التَّخفيف.

قوله: (عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ): غلب على ظنِّي أنَّه يحيى بن سعيد الأنصاريُّ، فإنْ كان هو؛ فهو يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاريُّ، أبو سعيد قاضي السَّفاح، عن أنس، وابن المُسَيّب، وعنه: مالك، ويحيى بن سعيد القطَّان، وهو حافظ إمام، فقيه [2] حجَّة، مات سنة (143 هـ ) ، أخرج له الجماعة، والله أعلم.

قوله: (الشِّعْبِ): تقدَّم أنَّه بكسر الشِّين المعجمة، وإسكان العين، وأنَّه الطَّريق في الجبل.

[1] (قد): ليس في (ج) .
[2] (فقيه): ليس في (ج) .





181- (أَصُبُّ عَلَيْهِ): مفعولُه محذوفٌ.

(وَيَتَوَضَّأُ): جملةٌ حاليَّةٌ، وجاز وقوعُ الفعل المضارع المثبَت حالًا مع الواو، قال الزمخشري: (قولُه تعالى: {وَيَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] حالٌ، وكذا: {وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} [المائدة: 84] )، ويجوزُ أن يقدَّر: وهو يتوضَّأ؛ فتكونُ الجملةُ الاسميَّةُ حالًا، أو الواو للعطف.


181- وبالسَّند قال: (حدَّثنا) وفي رواية الأربعة [1] : ((حَدَّثَنِي)) (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بالتَّخفيف على الصَّحيح، ولكريمةَ: ((حدَّثنا ابن سلامٍ)): (قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السُّلميُّ مولاهم، أبو خالدٍ الواسطيُّ [2] ، أحد الأعلام، (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ، الأنصاريِّ التَّابعيِّ، (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف، الأسديِّ المدنيِّ التَّابعيِّ، (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) التَّابعيِّ، (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَفَاضَ)؛ أي: رجع أو دفع (مِنْ) موقف (عَرَفَةَ عَدَلَ)؛ أي: توجَّه (إِلَى الشِّعْبِ) بكسر الشِّين: الطَّريق في الجبل، (فَقَضَى حَاجَتَهُ. قَالَ أُسَامَةُ)؛ أي: ابن زيدٍ، كما صرَّح به في رواية أبي الوقت [3] : (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ) الوضوء، (وَ) هو (يَتَوَضَّأُ) مُبتدَأٌ وخبرٌ، أو نصبٌ على الحال؛ أي: والحال [4] أنَّه يتوضَّأ، ويجوز وقوع الفعل المضارع المُثبَت حالًا، (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ) بفاء العطف، وفي رواية الأربعة [5] : ((قال صلى الله عليه وسلم)): (الْمُصَلَّى) بفتح اللَّام؛ أي: مكان المُصلَّى (أَمَامَكَ)؛ بفتح الهمزة، والميمَين؛ ظرفٌ بمعنى: قدَّامك.

وفي هذا الحديث: جواز الاستعانة في الوضوء بالصَّبِّ [6] ، وبه استدلَّ المؤلِّف للتَّرجمة، ولم يذكر جوازًا ولا غيره، ويُقاس على الاستعانة بالصَّبِّ الاستعانةُ بالغسل والإحضار للماء؛ بجامع الإعانة، فأمَّا الصَّبُّ؛ فهو خلاف الأَوْلى؛ لأنَّه ترفُّهٌ لا يليق بالمتعبِّد، وعُورِض: بأنَّه إذا فعله الشَّارع لا يكون خلاف الأولى، وأُجِيب: بأنَّه قد يفعله؛ لبيان الجواز، فلا يكون في حقِّه خلاف الأَوْلى؛ بخلافنا، وقِيلَ: مكروهٌ، [/ج1ص262/] وأمَّا الاستعانة في غسل الأعضاء؛ فمكروهةٌ قطعًا إلَّا لحاجةٍ، وأمَّا في [7] إحضار الماء؛ فلا كراهة فيها أصلًا. قال ابن حجرٍ: لكنَّ الأفضلَ خلافُه، وقال الجلال المحليُّ: ولا يُقال: إنَّها خلاف الأَوْلى، وأمَّا الحديث المرفوع: «أنا لا أستعين في وضوئي بأحدٍ»، وأنَّه قاله عليه الصلاة والسلام لعمر وقد بادر لصبِّ [8] الماء عليه؛ فقال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: إنَّه حديثٌ باطلٌ لا أصل له.

وهذا الحديث من سداسيَّاته، ورواته ما بين بِيكَنْدِيٍّ وواسطيٍّ ومَدَنيٍّ، وفيه: ثلاثةٌ مِنَ التَّابعين، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطَّهارة» [خ¦139] ، و«الحجِّ» [خ¦1667] ، ومسلمٌ فيه أيضًا.

[1] «الأربعة»: سقط من (د) و(ص).
[2] قوله: «بن زاذان السُّلميُّ مولاهم، أبو خالدٍ الواسطيُّ»، سقط من (ب) و(د) و(ص).
[3] «أبي الوقت»: سقط من (د) و(ص).
[4] في غير (د) و(س): «والحالة».
[5] «الأربعة»: سقط من (د).
[6] «بالصَّبِّ»: سقط من (د) و(م).
[7] «في»: سقط من (ب) و(د) و(ص).
[8] في (د): «ليصبَّ».





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

181- وبه قال: ((حدثنا)) وفي رواية: بالإفراد ((محمد بن سَلَام)) ؛ بتخفيف اللام وفتح السين المهملة، وقيل: بتشديد اللام، والأول الأصح، وفي رواية سقط لفظ (محمد) فقط، ((قال: أخبرنا يزيد بن هارون)) ؛ بالنُّون، أحد الأعلام، ((عن يحيى)) ؛ هو ابن سعيد الأنصاري، التابعي، ((عن موسى بن عُقْبة)) ؛ بضم العين المهملة وسكون القاف، الأسدي المدني التابعي، ((عن كُريب)) ؛ بضم الكاف، بالتصغير، ((مولى ابن عباس)) التابعي، ((عن أسامة بن زيد)) الحِبِّ بن الحِبِّ رضي الله عنهما، ووقع لابن المنيِّر هنا في الإسناد وهَمٌ بيَّنه في «عمدة القاري»: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا أفاض)) ؛ أي: رجع أو دفع ((من عرفة)) ؛ أي: في وقوف عرفة؛ لأنَّ عرفة اسم الزمان، والدفع كان من عرفة؛ لأنَّه اسم المكان، وقيل: جاء عرفة أيضًا اسمًا للمكان، فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير، وقال الجوهري: (قول الناس: نَزَلْنَا عرفة، شبيه بمولَّد، وليس بعربي محض) ، كذا في «عمدة القاري».

((عَدَلَ)) ؛ أي: توجَّه، جواب: (لما) ((إلى الشِّعب)) ؛ بكسر الشين المعجمة: الطريق في الجبل، ((فقضى حاجته)) ؛ أي: بال أو تغوط، ((قال أسامة)) ؛ أي: ابن زيد، كما صرح به في رواية: ((فجعلت أصُب)) بضم الصَّاد المهملة ((عليه)) ؛ أي: الماء، فمفعوله محذوف، والجملة خبر (جعلت) ؛ لأنَّه من أفعال المقاربة، ((ويتوضأ)) ؛ جملة محلها النصب على الحال، وجاز وقوع المضارع المثبت حالًا من الواو، قال جار الله الزمخشري في قوله تعالى: {وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] : حال، ويجوز أن يقدر مبتدأ و (يتوضأ) خبره، والتقدير: وهو يتوضأ، وحينئذ تكون الجملة اسمية أو تكون الواو للعطف، انتهى.

ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: (فجعلت أصبُّ... ويتوضأ) ، ففيه: رد لما روي عن ابن عمر وعلي أنهما نهيا أن يُستَقى لهما الماء لوضوئهما، وقالا: نكره أن يشْرِكَنا في الوضوء أحد، ورَوَيَا ذلك عن النبي الأعظم عليه السلام، وهذا لم يصح عنهما؛ لأنَّه ثبت وصحَّ عنهما خلافه، فروى شعبة عن أبي بشر، عن مجاهد: أنَّه كان يسكب على ابن عمر الماء، فيغسل رجليه، وهذا أصحُّ؛ لأنَّ راوي المنع رجل اسمه أيفع، وهو مجهول، والحديث عن عليٍّ لا يصحُّ؛ لأنَّ رواية النضر بن منصور عن أبي الجنوب عنه، وهما غير حجة في الدين، ولا يعتد بنقلهما، قال البزار: (لا نعلمه يروى عن النبي عليه السلام إلا من حديث النضر عن أبي الجنوب عقبة بن علقمة) ، وتمام الحديث أخرجه البزار وأبو يعلى من طريق النضر بن منصور، عن أبي الجنوب قال: رأيت عليًّا يستقي الماء لطَهوره، فبادرت أستقي له، فقال: مه يا أبا الحسن؛ فإني رأيت رسول الله عليه السلام يستقي الماء لوضوئه، فبادرت أستقي له، فقال: «مه يا علي؛ فإني لا أريد أن يُعينني على وضوئي أحد»، وقال الطبري: صح عن ابن عباس أنَّه صب على يد عمر رضي الله عنهما الوضوء بطريق مكة حين سأله عن اللتين تظاهرتا، وقيل: صبُّ ابن عباس على يدي عمر أقرب للمعونة من استقاء الماء، ومُحال أن يمنع عمر رضي الله عنه استقاء الماء، ويُبيح صبَّ الماء عليه للوضوء مع سماعه من النبي عليه السلام الكراهة لذلك، ولقائل أن يقول: أسامة تبرع بالصب، وكذا غيره من غير أمره عليه السلام لهم، كذا في «عمدة القاري»؛ فافهم.

((فقلت: يا رسول الله؛ أتصلي؟)) ؛ أي: في هذا المكان أو في هذا الوقت؟ ((فقال)) وفي رواية: (قال) ؛ بإسقاط الفاء؛ أي: قال النبي الأعظم عليه السلام: ((المُصلَّى)) ؛ بضم الميم وتشديد اللام المفتوحة؛ أي: مكان الصلاة ((أَمامَك)) ؛ بفتح الهمزة وفتح الميم الثانية؛ لأنَّه ظرف خبر (المصلي) ؛ أي: قدَّامك، قال ابن بطال: واستدل المؤلف من صب الماء عليه: أنه يجوز للرجل أن يُوَضِّئَه غيره؛ لأنَّه لما لزم المتوضئ اغتراف الماء من الإناء بأعضائه؛ جاز له أن يكفيه ذلك غيرُه بدليل صب أسامة، والاغتراف بعض أعمال الوضوء، فلذلك تجوز سائر أعماله، وهذا من باب القربات التي يجوز أن يعملها الرجل من غيره بخلاف الصلاة، ولما أجمعوا على أنه جائزٌ للمريض أن يُوَضِّئَه غيرُه ويُيَمِّمَه إذا لم يستطع ولا يجوز أن يصلي عنه إذا لم يستطع؛ دلَّ على أن حكم الوضوء بخلاف حكم الصلاة.

قال في «عمدة القاري»: ولم يبين المؤلف في هذه المسألة الجواز ولا عدمه، لكن لما عقد هذا الباب وترجم له؛ يعلم منه جواز ذلك، وإن لم يصرح به، وقال ابن المنير: قاس المؤلف تَوْضِئَةَ الرجل غيره على صبِّه عليه؛ لاجتماعهما في الإعانة، ورده في «عمدة القاري»: بأن هذا قياس بالفارق، والفرق ظاهر.

قلت: وحَمْلُه الترجمة على غسل الأعضاء ليس بلازم؛ لجواز أن يراد بها الاستعانة في الصب على المتوضِّئ، ولهذا قال النووي:

[/ص149/] (وفي الحديث دليل على جواز الاستعانة في الوضوء، وهي على ثلاثة أقسام؛ أحدها: في إحضار الماء، فهذا لا كراهة فيه، والثاني: في غسل الأعضاء، فيستعين في غسلها ويباشر الأجنبي بنفسه غسل الأعضاء، فهذا مكروه إلا لحاجة، والثالث: أن يصب عليه، فهذا مكروه في أحد الوجهين، والأولى تركه) .

واعترضه الكرماني: (بأن فيه حزازة؛ لأنَّ ما فعله عليه السلام لا يقال فيه: الأولى تركه؛ لأنَّه عليه السلام لا يتحرى إلا ما فِعلُه أولى، وإذا قلنا: الأولى تركه، كيف ينازع في كراهته وليس حقيقة المكروه إلا ذلك؟!) انتهى.

قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ المكروه في حقِّنا لا يكره فعله في حق النبي الأعظم عليه السلام، كما صرحوا به؛ لأنَّه يفعله؛ لبيان الجواز، وهو واجب في حقِّه، بقي أن قوله: (وإذا قلنا: الأولى تركه...إلخ) هذا حقيقة المكروه تنزيهًا لا المكروه تحريمًا؛ لأنَّ مرجعَ كراهة التنزيه خلافُ الأولى، كما في «فتح القدير»؛ فافهم، وأما قوله: (من أنَّ الاستعانة في إحضار الماء لا كراهة فيها) ينافيه أنَّه خلاف الأولى والأفضل تركه؛ فليحفظ.

وأمَّا ما روي مرفوعًا: «أنا لا أستعين في وضوئي بأحد»، وأنَّه قاله عليه السلام لعمر لما بادر لصَبِّ الماء عليه؛ فقال في «شرح المهذب»: (إنه حديث باطلٌ لا أصل له) ، وقال في «عمدة القاري»: ذكره الماوردي في «الحاوي» بسياق آخر، فقال: رُوي أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه همَّ بصبِّ الماء على يد النبيِّ عليهالسلام، فقال: «إني لا أحب أن يشاركني في وضوئي أحد»، وهذا الحديث لا أصل له، والذي وقع على زعم الراوي كان لعمر دون أبي بكر رضي الله عنهما ، ثم قال: فإن قلت: هل يجوز أن يستدعي الإنسان الصَّبَّ من غيره بأمره؟ قلت: نعم يجوز؛ لما روى الترمذي محسنًا من حديث ابن عقيل عن الرُّبيِّع قال: أتيت رسول الله عليه السلام بميْضَأَة، فقال: «اسكبي»؛ فسكبت، فذكرَتْ وضوءه عليه السلام، ورواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: لم يحتج المؤلف بابن عقيل، وهو مستقيم الحديث متقدم في الشرف [1] ، وروى ابن ماجه بسند صحيح على شرط ابن حبان من حديث صفوان بن عسال قال: «صببت على النبي عليه السلام الماء في السفر والحضر في الوضوء»، وعنده أيضًا بسند معلل عن أم عياش، وكانت أمَة لرقية بنت النبي عليه السلام قالت: «كنت أوضِّئ النبي عليه السلام أنا قائمة وهو قاعد»، وممن كان يستعين على وضوئه بغيره [2] من السلف عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقال الحسن: رأيته يُصَبُّ عليه من إبريق، وفعله عبد الرحمن بن أبزى، والضحاك بن مزاحم، وقال أبو الضحى: لا بأس للمريض أن يوضئه الحائض، قلت: ومثلها النفساء والمستحاضة، فهذا دليل واضح على أن الاستعانة بغيره غير مكروهة سواء كانت بالصب أو ببقية غسل الأعضاء، وإن كان الأفضل تركها، كما قدمناه، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (الرق)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (بعشرة)، ولعله تحريف عن المثبت.