متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

180- وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ: بالإفراد [1] : (إِسْحَاقُ هو ابن منصورٍ) وفي رواية كريمة: بإسقاط قوله: ((هو ابن منصورٍ))، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((إسحاق بن منصورٍ))؛ أي: ابن بَهرام _بفتح المُوحَّدة_ الكوسج، كما عند أبي نُعيمٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ)؛ بفتح النُّون وسكون المُعجَمَة، ابن شُميلٍ؛ بضمِّ المُعجَمَة، أبو الحسن، المازنيُّ البصريُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنِ الْحَكَمِ) بفتح المُهمَلَة والكاف، ابن عُتَيْبَةَ، مُصغَّر عَتَبَة الباب (عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ) الزَّيَّات المدنيِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) بالدَّال المُهمَلَة، سعد بن مالكٍ الأنصاريِّ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ) هو عِتْبان؛ بكسر العَيْن المُهمَلَة، وسكون التَّاء [2] المُثنَّاة الفوقيَّة، ومُوحَّدةٍ، ثمَّ نونٍ، بينهما ألفٌ، ابن مالكٍ، الأنصاريُّ، كما في «مسلمٍ»، أو صالحٌ الأنصاريُّ فيما ذكره عبد الغنيِّ بن سعيدٍ، أو رافعُ بن خَدِيجٍ، كما حكاه ابن بشكوال، ورجَّح في «الفتح» الأوَّل، ولـ: «مسلمٍ»: مرَّ على رجلٍ، فيُحمَل على أنَّه مرَّ به، فأرسل إليه، (فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ) جملةٌ وقعت حالًا من ضمير «جاء»؛ أي: ينزل منه الماء قطرةً قطرةً من أثر الاغتسال، وإسناد «القطر» إلى «الرَّأس» مجازٌ؛ كسال الوادي، (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) له: (لَعَلَّنَا) قد (أَعْجَلْنَاكَ) عن فراغ حاجتك من الجماع، (فَقَالَ) الرَّجل، وفي رواية ابن عساكر: ((قال [/ج1ص261/] مقرِّرًا له)): (نَعَمْ) أعجلتني، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا أُعْجِلْتَ)؛ بضمِّ الهمزة وكسر الجيم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عنِ [3] الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((عُجِلْت))؛ بضمِّ العين، وكسر الجيم الخفيفة، من غير همزٍ، وفي روايةٍ: ((عُجِّلْتُ))؛ كذلك مع التَّشديد، (أَوْ قُحِطْتَ)؛ بضمِّ القاف وكسر الحاء من غير همزٍ، وفي رواية الأَصيليِّ: ((أو أَقحَطت))؛ بفتح الهمزة والحاء، وكذا لـ: «مسلمٍ»، وفي روايةٍ: ((أُقحِطت [4] ))؛ بضمِّ الهمزة وكسر الحاء؛ أي: لم تُنزِل، استعارةٌ من قحوط المطر؛ وهو انحباسه، (فَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ) بالرَّفع: مبتدأٌ، خبره: الجارُّ والمجرور، وبالنَّصب: على الإغراء أو المفعول به [5] ؛ لأنَّه اسم فعلٍ، و«أو» في قوله: «أو قُحِطْتَ»؛ للشَّكِّ من الرَّاوي، أو لتنويع الحكم [6] من الرَّسول عليه الصلاة والسلام؛ أي: سواءٌ كان عدم الإنزال بأمرٍ خارجٍ عن ذات الشَّخص أو من ذاته، لا فرقَ بينهما في إيجاب الوضوء لا الغُسل، لكنَّه منسوخٌ، وقد أجمعتِ [7] الأمَّة الآن على وجوب الغُسل بالجماع، وإن لم يكن معه إنزالٌ [8] ، وهو مرويٌّ عن عائشة أمِّ المؤمنين، وأبي بكر الصِّدِّيق، وعمر بن الخطَّاب، وابن عمر، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وابن مسعود، وابن عبَّاسٍ والمهاجرين أجمعين، وبه قال الشَّافعيُّ ومالكٌ وأبو حنيفة وأحمد [9] وأصحابهم، وبعض أصحاب الظَّاهر، والنَّخعيُّ والثَّوريُّ.

وهذا الحديث من السُّداسيَّات، ورواته ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة»، وكذا ابن ماجه.

(تَابَعَهُ)؛ أي: تابع النَّضرَ بن شميلٍ (وَهْبٌ)، أي: ابن جرير بن حازمٍ، فيما وصله أبو العبَّاس السَّرَّاج في «مُسنَده» عن زياد بن أيُّوب عنه [10] (قَالَ)؛ أي: وَهْبٌ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ)، وفي رواية ابن عساكر [11] : ((عن شعبةَ))، (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي: البخاريَّ، (وَلَمْ يَقُلْ) كذا لكريمة وابن عساكر، ولغيرهما: بإسقاط: ((قال أبو عبد الله: إنَّما قال: ولم يقل)) (غُنْدَرٌ) واسمه: محمَّد بن جعفرٍ، (وَيَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان في روايتهما هذا الحديث (عَنْ شُعْبَةَ) بهذا الإسناد والمتن (الْوُضُوءُ)، قال البرماويُّ كالكرمانيِّ: أي: لم يقولا لفظ: «الوضوء»، بل قالا: «فعليك» فقط؛ بحذف المُبتَدأ للقرينة المسوِّغة للحذف، والمُقدَّر عند القرينة كالملفوظ، وقال ابن حجرٍ: فأمَّا يحيى فهو كما قاله [12] ، قد أخرجه أحمد [13] بن حنبلٍ في «مُسنَده» عنه، ولفظه [14] : «فليس عليك غُسلٌ»، وأمَّا غندر؛ فقد أخرجه أحمد أيضًا عنه، ولفظه: «فلا غسل عليك، وعليك الوضوء»، وهكذا أخرجه مسلمٌ [15] وابن ماجه والإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ من طرقٍ عنه، وكذا ذكره أصحاب شعبة، كأبي داود الطَّيالسيِّ وغيره عنه، فكأنَّ بعض مشايخ البخاريِّ حدَّثه به عن يحيى وغُنْدُرٍ معًا، فساقه له [16] على [17] لفظ يحيى. انتهى.

[1] «وفي روايةٍ: بالإفراد»: سقط من (ص).
[2] «التَّاء»: سقط من (ص) و(م).
[3] «أبي ذَرٍّ عن»: سقط من (ب) و(ص).
[4] في (ب) و(ص): «أقحط».
[5] في غير (د): «المفعوليَّة».
[6] في (د): «تنويعٌ للحكم».
[7] في (د): «اجتمعت».
[8] في (ص): «وإن لم يُنزل».
[9] «وأحمد»: سقط من (ب) و(د).
[10] «عنه»: سقط من (د).
[11] «ابن عساكر»: سقط من (ب) و(د) و(ص).
[12] في (م): «قال».
[13] «أحمد»: سقط من (ص).
[14] «ولفظه»: سقط من (د).
[15] زيد في (ب) و(س): «والنَّسائي»، وهو خطأٌ.
[16] «له»: سقط من (د).
[17] «على»: سقط من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

180-. حدَّثنا [1] إِسْحاقُ [2] ، قالَ: أخبَرَنا النَّضْرُ، قالَ: أخبَرَنا شُعْبَةُ، عن الحَكَمِ، عن ذَكْوانَ أَبِي صالِحٍ:

عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ إلىَ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصارِ، فَجاءَ وَرَأسُهُ يَقْطُرُ، فقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَعَلَّنا أَعْجَلْناكَ؟» فقالَ [3] : نَعَمْ. فقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذا أُعْجِلْتَ [4] أَوْ قُحِطْتَ [5] فَعَلَيْكَ الوُضُوءُ [6] ».

تابَعَهُ وَهْبٌ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ [7] .

[1] في رواية [عط] : «حدَّثني».
[2] هكذا في رواية ابن عساكر أيضًا (ب، ص)، وفي رواية أبي ذر والأصيلي و [عط] زيادة: «هو ابن منصور».
[3] في رواية الأصيلي: «قال».
[4] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «عُجِلْتَ».
[5] في رواية أبي ذر وابن عساكر والأصيلي: «أُقْحِطْتَ» بالبناء للمفعول، وعزاها في (ب، ص) إلىَ رواية [ح] بدل رواية ابن عساكر.
[6] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«الوُضُوءَ»، وكتب فوقها «معًا».
[7] في رواية ابن عساكر: «عن شُعبةَ». وفي رواية ابن عساكر وأبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «وَلَمْ [في رواية أبي ذر: لم، وعند ابن عساكر: قال أبو عَبْدِ اللَّهِ: ولم] يَقُلْ غُنْدَرُ وَيَحْيَىَ عن شُعْبَةَ: الْوُضُوءُ». وهذه الزيادة مثبتة في متن (ق، ب، ص) وكتبت بالحمرة. وهي مقدَّمة في رواية ابن عساكر علىَ قوله: «تَابَعَهُ وَهْبٌ، قال: عن شُعْبَةَ».





180- ( إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قَحِطْتَ ) بفتح الحاء وكسرها، حكاهما السَّفاقُسِي، والثابت في اللغة: أقحط بالألف رباعي، لكن الرواية بحذفها، وهو أن يفتر ولا ينزل.

( فَعَلَيْكَ الْوُضُوء ) بالرفع مبتدأ خبره ما قبله، وبالنصب على الإغراء.


180# (أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ) هو صالحٌ الأنصاري، ذكره عبد [1] الغني بن سعيد. وحكى ابنُ بَشْكوال قولاً آخر: أنه رافعُ بنُ خَديج.

(إِذَا أُعْجلْتَ) بالبناء للمجهول.

(أَوْ قُحِطْتَ) أي: فَتَرْتَ [2] ولم تُنزل.

قال السفاقسي: رويناه بفتح الحاء، وروي: بكسرها، وهكذا

@%ج1ص128%

وقع ثلاثياً، والذي ذكر صاحبُ «الأفعال»، والهَرَويّ: أقحط: إذا أَكْسَلَ.

قلت: وفي «المشارق»: روي: ((أُقْحِطت)) بضم الهمزة.

(فَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ) بالرفع على الابتداء، وما قبلَه خبرُه، والنصب [3] على الإغراء.

[1] في (ق): ((ابن)).
[2] في (م): ((قترت))، وفي (ق): ((قرب)).
[3] في (ق): ((وبالنصب)).





180- قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ): كذا في أصلنا، وفي نسخة وهي داخل أصلنا: (ابن منصور بن بهرام [1] ، أَخْبَرَنَا النَّضر) ، وقد قال أَبُو عليٍّ الغسَّانيُّ في «تقييده»: (وقال -أَي: البخاريُّ- في «الصَّلاة»، وسورة «البقرة» في موضعين، و«الفضائل»، و«اللِّباس»، و«الأدب»، و«خبر الواحد»: «حَدَّثَنَا إسحاق: حَدَّثَنَا النَّضر»، نسبه ابن السَّكن في بعض هذه المواضع: إسحاق بن إبراهيم، وفي نسخة الأصيلي في باب «من لَمْ يرَ الوضوء إلَّا من المخرجين» -يعني: هذا المكان- قال البخاريُّ: «حَدَّثَنَا إسحاق بن منصور: أَخْبَرَنَا النَّضر»، وقال أَبُو نصر: «النَّضر بن شميل يروي عنه إسحاق بن منصور، وإسحاق بن إبراهيم») انتهى ملخَّصًا.

وقال شيخنا الشَّارح: (رواه أَبُو نعيم الأصبهانيُّ في «المستخرج»: «وقال إسحاق بن إبراهيم: أَخْبَرَنَا النَّضر»، ورواه من طريق إِسْمَاعِيل بن إبراهيم عنِ النَّضر، وقال في آخره: (أخرجه -يعني: البخاريُّ- عن إسحاق الكوسج، عنِ النَّضر) ، فهذا يدلُّ على أنَّ الإسحاقين روياه عنِ النَّضر، وأنَّ إسحاق الذي روى عنه [2] البخاريُّ الكوسجُ، كما صرَّح به أَبُو نعيم، ولم يقل أنَّه الذي رواه من طريقه، ويؤيِّد ذلك ما ذكره الجيَّانيُّ: (أنَّ في نسخة الأصيليِّ في هذا السَّند: «إسحاقَ بن منصور: أَخْبَرَنَا النَّضر»، ثُمَّ ذكر كلام الكلاباذيِّ) انتهى، وقد راجعت «أطراف المِزِّيِّ»؛ فرأيته لَمْ ينسبْه، بل قال: (إسحاق) فقط.

قوله: (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ): تقدَّم أعلاه أنَّه ابن شميل، وكذا قال [3] المِزِّيُّ في «أطرافه»، والنَّضر بن شميل هو أَبُو الحسن المازنيُّ البصريُّ النَّحويُّ، شيخ مروَ ومحدِّثها، ثقة، صاحب سنَّة [4] ، تقدَّم بعض ترجمته، أخرج له الجماعة.

قوله: (عَنِ الحَكَمِ): هو ابن عُتَيْبة -بِضَمِّ العين، ثُمَّ بمثنَّاة فوقُ مفتوحة، ثُمَّ مثنَّاة تحتُ ساكنة، ثُمَّ موحَّدة، ثُمَّ تاء التَّأنيث- الكنديُّ مولاهم، فقيه الكوفة، ثقة، تقدَّم، وتقدَّم أنَّ لهم آخر يقال له: الحكم بن عتيبة، ذكره الذَّهبيُّ في «الميزان» مُتكلَّم فيه، وأنَّ البخاريَّ جعلهما واحدًا، فعُدَّ من أوهامه.

قوله: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ): تقدَّم أنَّه سعد بن مالك بن سنان الخُدْرِيِّ، وتقدَّم بعض ترجمته، وأنَّ الخُدْرِيَّ بالدَّال المهملة.

قوله: (أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِن الأَنْصَارِ): هذا الرَّجل هو عتبان بن مالك الأنصاريُّ الخزرجيُّ السَّالميُّ البدريُّ، ولم يذكره ابن إسحاق فيهم، وساق له ابن بشكوال شاهدًا، وقيل: رافع بن خديج، وساق له شاهدًا آخر، وقيل: اسمه صالح، وساق له شاهدًا آخر، وقال الخطيب: (عتبان، وقيل: ابن عتبان) ، [/ج1ص88/] قال النوويُّ: (وهو غلط، والصَّواب: عتبان) ، وقال ابن شيخنا البلقينيِّ: (وفي «مختصر الاستيعاب»: أَبُو عثمان الأنصاريُّ، ذكره ابن السَّكن، وذكر له قصَّة مثل هذه) انتهى.

قوله: (إِذَا أُعْجِلتَ أَوْ قُحِطْتَ): كذا في أصلنا، وفي نسخة وهي في أصلنا في الأصل: (أقحطت) [5] ؛ بالهمز، (أُعجِلت أو أُقحطت) ؛ بضمِّ الهمزة، وكسر الجيم، و (أُقحِطت) ؛ بضمِّ الهمزة، وكسر الحاء، كذا قيَّدناه بالهمزة [6] فيهما، وروي: بحذفها، وعُزِي إلى [7] الأمَّهات، وذكر صاحب «الأفعال»: (أنَّه يقال: أقحط الرَّجل؛ إذا كسل في الجماع عنِ الإنزال) ، ولم يذكر: قحط، وقال ابن الجوزيِّ: (أصحاب الحديث يقولون: قَحطت؛ بفتح القاف) ، وقال لنا عَبْد الله بن أحمد النَّحويُّ: (الصَّواب: ضمُّ القاف) ، وفي «مسلم»: (أَقحَطت) ؛ بفتح الهمزة والحاء، وعند ابن بشَّار: بضمِّ الهمزة، وكسر الحاء، والرِّوايتان صحيحتان، ومعنى الإقحاط: عدم إنزال المني، وهو استعارة من قحوط المطر؛ وهو انحباسه، وحَكى الفرَّاء: (قحِط المطر؛ بالكسر، وأصله الفتح) ، وهذا مختصر من كلام شيخنا الشَّارح، ولابن قُرقُول وغيره فيه كلام، ولكنَّ هذا أجمع.

قوله: (فَعَلَيْكَ الوُضُوءُ): بالنصب على الإغراء، ويجوز رفعه [8] على الابتداء.

قوله: (تَابَعَهُ وَهْبٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ): الضَّمير في (تابعه) يعود على النَّضر بن شميل، و (وهب) هذا: هو ابن جرير بن حازم الأزديُّ، الحافظ، عنِ ابن عون وهشام بن حسَّان [9] ، وعنه: أحمد والدقيقيُّ [10] ، ثقة، مات سنة (206 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وثَّقه غير واحد، وله ترجمة في «الميزان»، ومتابعة وهب عن شُعْبَة لَمْ أرها في شيء من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، ولا خرَّجها شيخنا، [وقال بعض حفَّاظ العصر: (أخرجها ابن منده عَبْد الوهَّاب بن أبي عَبْد الله، وأبو القاسم القشيريُّ الأستاذ) ، وساق سندهما بذلك] [11] .

قوله: (لَمْ يَقُل [12] غُنْدرٌ وَيَحْيَى عن شُعْبَةَ [13] ): أمَّا (غُنْدر) ؛ فهو محمَّد بن جعفر تقدَّم، وتقدَّم مَن لقَّبه بهذا، وأنَّ غُنْدرًا المُشَغِّب، وأنَّ دالَه بالضِّمِّ والفتح، وحديثه عن شُعْبَة أخرجه مُسلم، وأخرجه ابن ماجه، و (يحيى): هو ابن سعيد القطَّان، حافظ الإسلام [14] ، تقدَّم الكلام على بعض ترجمته.

[1] في (ج): (مهرا) .
[2] (عنه): ليس في (ج) .
[3] في (ج): (قاله) .
[4] في (ب): (صاحب حديث وسنة) .
[5] في (ج): (قحطت) .
[6] في (ج): (بالهمز) .
[7] (إلى): ليس في (ج) .
[8] في (ب) و (ج): (رفعها) .
[9] في (ب): (حيان) .
[10] في (ب): (والدقيق) .
[11] ما بين معقوفين ليس في (ب) و (ج) .
[12] في هامش (ق): (قوله: «ولم يقل...» إلى آخره: ليس في الأصل) .
[13] (عن شعبة): ليس في (ج) .
[14] (حافظ الإسلام): ليس في (ج) .





180- (لَعَلَّنَا): إنْ قلتَ: ما معنى التَّرجِّي ههنا؟ وكيف وقع (نَعَمْ) هنا والتَّرجِّي لا يحتاجُ إلى جوابٍ؟ قلتُ: (لَعَلَّ) قد جاءَ لإفادةِ التَّحقيق؛ معناه: قد أعجلناك، و (نَعَمْ) مُقَرِّرَةٌ [له] .

وقال الشِّهاب السَّمين: («لَعَلَّ» في هذا الحديث للاستفهام).

(فَعَلَيْكَ الْوُضُوء): برفع (الْوُضُوء) بأنَّه مبتدأٌ، وخبرُه مقدَّمٌ عليه، وبنصبه بأنَّه مفعولُ (عَلَيْكَ) ؛ لأنَّه اسمُ فعلٍ؛ نحو: (عليك زيدًا)، ومعناه: فالْزَمِ الوضوءَ.


180- وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ: بالإفراد [1] : (إِسْحَاقُ هو ابن منصورٍ) وفي رواية كريمة: بإسقاط قوله: ((هو ابن منصورٍ))، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((إسحاق بن منصورٍ))؛ أي: ابن بَهرام _بفتح المُوحَّدة_ الكوسج، كما عند أبي نُعيمٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ)؛ بفتح النُّون وسكون المُعجَمَة، ابن شُميلٍ؛ بضمِّ المُعجَمَة، أبو الحسن، المازنيُّ البصريُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنِ الْحَكَمِ) بفتح المُهمَلَة والكاف، ابن عُتَيْبَةَ، مُصغَّر عَتَبَة الباب (عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ) الزَّيَّات المدنيِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) بالدَّال المُهمَلَة، سعد بن مالكٍ الأنصاريِّ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ) هو عِتْبان؛ بكسر العَيْن المُهمَلَة، وسكون التَّاء [2] المُثنَّاة الفوقيَّة، ومُوحَّدةٍ، ثمَّ نونٍ، بينهما ألفٌ، ابن مالكٍ، الأنصاريُّ، كما في «مسلمٍ»، أو صالحٌ الأنصاريُّ فيما ذكره عبد الغنيِّ بن سعيدٍ، أو رافعُ بن خَدِيجٍ، كما حكاه ابن بشكوال، ورجَّح في «الفتح» الأوَّل، ولـ: «مسلمٍ»: مرَّ على رجلٍ، فيُحمَل على أنَّه مرَّ به، فأرسل إليه، (فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ) جملةٌ وقعت حالًا من ضمير «جاء»؛ أي: ينزل منه الماء قطرةً قطرةً من أثر الاغتسال، وإسناد «القطر» إلى «الرَّأس» مجازٌ؛ كسال الوادي، (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) له: (لَعَلَّنَا) قد (أَعْجَلْنَاكَ) عن فراغ حاجتك من الجماع، (فَقَالَ) الرَّجل، وفي رواية ابن عساكر: ((قال [/ج1ص261/] مقرِّرًا له)): (نَعَمْ) أعجلتني، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا أُعْجِلْتَ)؛ بضمِّ الهمزة وكسر الجيم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عنِ [3] الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((عُجِلْت))؛ بضمِّ العين، وكسر الجيم الخفيفة، من غير همزٍ، وفي روايةٍ: ((عُجِّلْتُ))؛ كذلك مع التَّشديد، (أَوْ قُحِطْتَ)؛ بضمِّ القاف وكسر الحاء من غير همزٍ، وفي رواية الأَصيليِّ: ((أو أَقحَطت))؛ بفتح الهمزة والحاء، وكذا لـ: «مسلمٍ»، وفي روايةٍ: ((أُقحِطت [4] ))؛ بضمِّ الهمزة وكسر الحاء؛ أي: لم تُنزِل، استعارةٌ من قحوط المطر؛ وهو انحباسه، (فَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ) بالرَّفع: مبتدأٌ، خبره: الجارُّ والمجرور، وبالنَّصب: على الإغراء أو المفعول به [5] ؛ لأنَّه اسم فعلٍ، و«أو» في قوله: «أو قُحِطْتَ»؛ للشَّكِّ من الرَّاوي، أو لتنويع الحكم [6] من الرَّسول عليه الصلاة والسلام؛ أي: سواءٌ كان عدم الإنزال بأمرٍ خارجٍ عن ذات الشَّخص أو من ذاته، لا فرقَ بينهما في إيجاب الوضوء لا الغُسل، لكنَّه منسوخٌ، وقد أجمعتِ [7] الأمَّة الآن على وجوب الغُسل بالجماع، وإن لم يكن معه إنزالٌ [8] ، وهو مرويٌّ عن عائشة أمِّ المؤمنين، وأبي بكر الصِّدِّيق، وعمر بن الخطَّاب، وابن عمر، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وابن مسعود، وابن عبَّاسٍ والمهاجرين أجمعين، وبه قال الشَّافعيُّ ومالكٌ وأبو حنيفة وأحمد [9] وأصحابهم، وبعض أصحاب الظَّاهر، والنَّخعيُّ والثَّوريُّ.

وهذا الحديث من السُّداسيَّات، ورواته ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة»، وكذا ابن ماجه.

(تَابَعَهُ)؛ أي: تابع النَّضرَ بن شميلٍ (وَهْبٌ)، أي: ابن جرير بن حازمٍ، فيما وصله أبو العبَّاس السَّرَّاج في «مُسنَده» عن زياد بن أيُّوب عنه [10] (قَالَ)؛ أي: وَهْبٌ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ)، وفي رواية ابن عساكر [11] : ((عن شعبةَ))، (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي: البخاريَّ، (وَلَمْ يَقُلْ) كذا لكريمة وابن عساكر، ولغيرهما: بإسقاط: ((قال أبو عبد الله: إنَّما قال: ولم يقل)) (غُنْدَرٌ) واسمه: محمَّد بن جعفرٍ، (وَيَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان في روايتهما هذا الحديث (عَنْ شُعْبَةَ) بهذا الإسناد والمتن (الْوُضُوءُ)، قال البرماويُّ كالكرمانيِّ: أي: لم يقولا لفظ: «الوضوء»، بل قالا: «فعليك» فقط؛ بحذف المُبتَدأ للقرينة المسوِّغة للحذف، والمُقدَّر عند القرينة كالملفوظ، وقال ابن حجرٍ: فأمَّا يحيى فهو كما قاله [12] ، قد أخرجه أحمد [13] بن حنبلٍ في «مُسنَده» عنه، ولفظه [14] : «فليس عليك غُسلٌ»، وأمَّا غندر؛ فقد أخرجه أحمد أيضًا عنه، ولفظه: «فلا غسل عليك، وعليك الوضوء»، وهكذا أخرجه مسلمٌ [15] وابن ماجه والإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ من طرقٍ عنه، وكذا ذكره أصحاب شعبة، كأبي داود الطَّيالسيِّ وغيره عنه، فكأنَّ بعض مشايخ البخاريِّ حدَّثه به عن يحيى وغُنْدُرٍ معًا، فساقه له [16] على [17] لفظ يحيى. انتهى.

[1] «وفي روايةٍ: بالإفراد»: سقط من (ص).
[2] «التَّاء»: سقط من (ص) و(م).
[3] «أبي ذَرٍّ عن»: سقط من (ب) و(ص).
[4] في (ب) و(ص): «أقحط».
[5] في غير (د): «المفعوليَّة».
[6] في (د): «تنويعٌ للحكم».
[7] في (د): «اجتمعت».
[8] في (ص): «وإن لم يُنزل».
[9] «وأحمد»: سقط من (ب) و(د).
[10] «عنه»: سقط من (د).
[11] «ابن عساكر»: سقط من (ب) و(د) و(ص).
[12] في (م): «قال».
[13] «أحمد»: سقط من (ص).
[14] «ولفظه»: سقط من (د).
[15] زيد في (ب) و(س): «والنَّسائي»، وهو خطأٌ.
[16] «له»: سقط من (د).
[17] «على»: سقط من (م).





180- ( إِسْحَاقُ ) زاد الأَصِيلي: «بن منصور»، زاد أبو ذرٍّ: «ابن [بَهرام] [1] » بفتح الموحَّدة.

( إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ ) اسمه: عِتبان _ بكسر المهملة وسكون الفوقيَّة المثنَّاة بعدها موحَّدة _ ابن مالك.

( أَعْجَلْنَاكَ ) أي: عن فراغ حاجتك من الجماع.

( أُعْجِلْتَ ): بضمِّ الهمزة وكسر الجيم، ولأبي ذرٍّ: «عجلت» بلا همز.

( أُقْحِطْتَ ): بالضَّمِّ وكسر الحاء، ولأبي ذرٍّ بلا همز، قال ابن طريف: أقحط الرَّجل: جامع ولم يُنزل، مستعار من أقحط النَّاس إذا حُبس عنهم المطر.[/ج1ص323/]

( فَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ ): بالرَّفع، وهو منسوخ. [/ج1ص324/]

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (بهران) والمثبت من غيرها





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

180- وبه قال: ((حدثنا)) وفي رواية: بالإفراد ((إسحاق هو ابن منصور)) وفي رواية إسقاط: ((هو)) ، ولكريمة: إسقاطها وما بعدها؛ أي: ابن بَهرام _بفتح الموحدة_ المعروف بالكوسج المروزي، وهو الأصح، كما نص عليه في «عمدة القاري»؛ معزوَّا [1] لأبي نعيم في «المستخرج».

((قال: أخبرنا النَّضْر)) ؛ بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، ابن شُميل [2] _بضم المعجمة_ أبو الحسن المازني، البصري ((قال: أخبرنا شعبة)) هو ابن الحجاج، ((عن الحَكَم)) ؛ بفتح الحاء المهملة وفتح الكاف، هو ابن عتيبة، تصغير: عتبة الباب، ((عن ذَكوان)) ؛ بفتح المعجمة، ((أبي صالح)) الزيَّات المدني، ((عن أبي سعيد الخدري)) ؛ هو سعد بن مالك الأنصاري: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى رجل من الأنصار)) ؛ أي: ليحضر عنده، ولمسلم وغيره: (مر على رجل) ، قال في «عمدة القاري»: فيُحْمَل على أنه مر به، فأرسل إليه، وسمى مسلمٌ هذا الرجل في روايته من طريق أخرى، عن أبي سعيد عِتْبان _بكسر العين المهملة، وسكون المثناة الفوقية، بعدها موحدة، فألف، فنون_ ولفظه من رواية شريك ابن أبي نمر، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله عليه السلام إلى قباء حتى إذا كنا في بني سالم؛ وقف رسول الله عليه السلام على باب عِتْبان، فخرَّ يجر إزاره...؛ فذكر الحديث بمعناه، وعِتْبان المذكور هو ابن مالك، الأنصاري، الخزرجي، السالمي، البدري، ووقع في رواية في «صحيح أبي عوانة»: أنه ابن عتبان، قال في «عمدة القاري»: والأول أصح، ورواه ابن إسحاق في «المغازي» قال: فهتف برجل من أصحابه يقال له: صالح، فإن حُمِلَ على تعدد الواقعة، وإلا فطريق مسلم أصح، كما في «عمدة القاري»، وقد وقعت القصة أيضًا لرافع بن خديج وغيره، أخرجه أحمد وغيره، ولكن الأقرب في تفسير المبهم: أنَّه عِتْبان، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((فجاء)) ؛ أي: الرجل المذكور، ((ورأسه يقطر)) ؛ جملة اسمية وقعت حالًا من الضمير الذي في (جاء) ، ومعنى (يقطر) : ينزل منه الماء قطرة قطرة من أثر الاغتسال، وإسناد القطر إلى الرأس مجاز؛ من قبيل (سال الوادي) ، كما في «عمدة القاري».

((فقال النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: للرجل المذكور: ((لعلَّنا)) ؛ كلمة (لعلَّ) هنا؛ لإفادة التحقيق؛ فمعناه: قد ((أعجلناك)) ؛ أي: عن فراغ شغلك وحاجتك من الجماع أو الغسل، وقوله: ((فقال)) ؛ أي: الرجل للنبي الأعظم عليه السلام، وفي رواية: بإسقاط الفاء: ((نعم)) ؛ أي: أعجلتني؛ مقرر للتحقيق، وقيل: إن (لعلَّ) للاستفهام، ويدل له جوابها بـ (نعم) ، وقيل: للإشفاق، ولا يمكن أن تكون (لعلَّ) هنا على بابه للترجي؛ لأنَّه لا يحتاج إلى جواب، وهنا قد أجاب الرجل بـ (نعم) ، و (أعجلناك) : من الإعجال، يقال: أعجله إعجالًا، وعجَّله تعجيلًا؛ إذا استحثه، أفاده في «عمدة القاري» بزيادة.

((فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أُعجِلت)) ؛ بضم الهمزة على البناء المجهول، وفي رواية: ((إذا عَجِلت)) ؛ بفتح العين، وكسر الجيم المخففة، بدون همزة، وفي أخرى: (إذا عُجِّلت) ؛ بدون همزة وتشديد الجيم على صيغة المجهول، ((أو قُحِطت)) ؛ بضم القاف وكسر الحاء المهملة، وزعم ابن الجوزي: (أن أصحاب الحديث يقولون: قَحطت؛ بفتح القاف) ، لكن في «عمدة القاري» نقلًا عن شيخه: (الصواب: ضم القاف) ، وفي «مسلم»: (أقحَطت) بالهمزة وفتح الحاء المهملة، وفي رواية: بضم الهمزة وكسر الحاء، والروايتان صحيحتان، ومعنى الإقحاط هنا: عدم الإنزال في الجماع، وهو استعارة من قحوط المطر، ومعناه: انحباسه، وقحوط الأرض: وهو عدم إخراجها النبات، قال التيمي: (ووقع في «الكتاب»: قحطت، والمشهور: أقحطت؛ بالألف، يقال للذي أعجل من الإنزال في الجماع قارف ولم ينزل الماء، أو جامع فلم يأته الماء: أقحط) ، قال الكرماني: (فعلى هذا التقدير لا يكون لقوله: «أعجلت» فائدة، اللهم؛ إلا أن يقال: إنه من باب عطف العام على الخاص) انتهى.

قلت: وعلى كون (أو) للشك من الراوي، لا يرد الاعتراض؛ فليحفظ.

قال الكرماني: («أو» هنا للشك من الراوي، أو تنويع الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، قال في «عمدة القاري»: (والثاني هو الظاهر، ومراده: بيان أن عدم الإنزال سواء كان بأمرٍ خارج عن ذات الشخص كالإعجال، أو كان من ذاته كالإقحاط؛ لا فرق بينهما في الحكم في أن الوضوء عليه فيهما) انتهى، فقول ابن حجر: (قال الكرماني: «ليس «أو» للشك») خطأ بل النُّسَخُ الصحيحة من «شرح» الكرماني أن (أو) للشك؛ فليحفظ.

((فعليك الوضوء)) ؛ برفع (الوضوء) ونصبه، أما الرفع؛ فعلى أنه مبتدأ وخبره قوله: (عليك) ، والنصب على أنه مفعول لقوله: (عليك) ؛ لأنَّه اسم فعل؛ نحو: عليك زيدًا، ومعناه: فالزم الوضوء، فهو مفيد للإغراء، وليس الإغراء هنا وجهًا زائدًا في الإعراب، كما توهمه القسطلاني؛ فافهم، ويحفظ.

وفي الحديث: جواز الأخذ بالقرائن؛ لأنَّ الصحابي لمَّا أبطأ عن الإجابة مدة الاغتسال؛ خالف المعهود منه، وهو سرعة الإجابة للنبي عليه السلام، فلمَّا رأى عليه السلام أثر الغسل؛ دلَّ على أنَّه كان مشغولًا بجماع.

وفيه: أنَّه يستحب الدوام على الطهارة؛ لكونه عليه السلام لم يُنْكِرْ عليه تأخير إجابته، وكان ذلك قبل إيجابها؛ لأنَّ الواجب لا يؤخر للمستحب، كما في «عمدة القاري».

وفيه: أنَّ من جامع ولم يُنْزِلْ عليه الوضوء لا الغسل، وهو منسوخ، ولم يقل بعدم نسخه إلا ما روي عن هشام بن عروة، والأعمش، وابن عيينة، وداود، وقال الثوري: (وقد أجمعت الأمة الآن على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال، وكانت جماعة من الصحابة على أنَّه لا يجب إلا بالإنزال، ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد الآخرين، وروي إيجاب الغسل عن عائشة أم المؤمنين، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عمر، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، والمهاجرين، وبه قال الإمام الأعظم، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم، وبعض أهل الظاهر، والنخعي، والثوري، فلا يجوز العمل بما روي عن بعض الصحابة من عدم الغسل؛ لأنَّهمنسوخ.[/ص148/]

((تابعه وهب)) ؛ أي: تابع النضرُ بنُ شميل وهبَ بنَ جرير بن حازم البصري، المتوفى على ستة أميال من البصرة سنة ست ومئتين، وقد وصل هذه المتابعة أبو العباس السراج في «مسنده»، عن زياد بن أيوب عنه ((قال)) ؛ أي: وهب، وسقط في رواية لفظ (قال) : ((حدثنا شعبة)) ؛ أي: ابن الحجاج، وفي رواية: (عن شعبة) ؛ أي: عن الحكم عن ذكوان...إلى آخر السند بمثل ما ذكر، فرواية وهب عن شعبة أخرجها الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي، وهذا تعليق من المؤلف وإن احتمل السماع؛ لأنَّ المؤلف كان ابن اثنتي عشرة سنة عند وفاة وهب.

((قال أبو عبد الله)) ؛ أي: المؤلف، وسقطت هذه الجملة في رواية، لكنها المراد، سواء ذكر أو لا: ((ولم يقل غندر)) هو محمد بن جعفر، ((ويحيى)) ؛ أي: ابن سعيد القطان، في روايتهما لهذا الحديث، ((عن شعبة)) ؛ أي: ابن الحجاج: ((الوضوء)) ؛ يعني: رويا هذا الحديث بهذا الإسناد والمتن، لكن لم يقولا فيه لفظ: (الوضوء) ، بل قالا: (فعليك) فقط بحذف المبتدأ، وجاز ذلك؛ لقيام القرينة عليه، والمُقدَّرِ عند القرينة كالملفوظ، كذا قاله الكرماني، لكن قال في «عمدة القاري»: (يعني: أن غندرًا ويحيى رَوَيَا هذا الحديث عن شعبة بهذا الإسناد والمتن، لكن لم يقولا فيه: «عليك الوضوء»، فأمَّا يحيى؛ فهو كما قال قد أخرجه أحمد في «مسنده» عنه، ولفظه: «فليس عليك غسل»، وأمَّا غندر؛ فقد أخرجه أحمد أيضًا في «مسنده» عنه، لكنه ذكر الوضوء، ولفظه: «فلا غسل عليك، عليك الوضوء»، وهكذا أخرجه مسلم، وابن ماجه، والإسماعيلي، وأبو نعيم من طرق عنه، وكذا ذكر أكثر أصحاب شعبة كأبي داود الطيالسي وغيره عنه، فكأن بعض مشايخ المؤلف حدثه به عن يحيى وغندر معًا، فساقه له على لفظ يحيى) ، قال: (قلت: أما كلام الكرماني؛ فلا وجه له؛ لأنَّ معنى قوله: «عليك» فقط _كما قرره_: يحتمل أن يكون عليك الغسل، ويحتمل أن يكون عليك الوضوء، والاحتمال الأول غير صحيح؛ لأنَّ في رواية يحيى في «مسند أحمد» التصريح بقوله: «فليس عليك غسل»، والاحتمال الثاني هو الصحيح؛ لأنَّ في رواية غندر: «عليك الوضوء»، فحينئذ قوله: «لم يقل غندر ويحيى عن شعبة: الوضوء»؛ معناه: لم يذكر لفظ: «عليك الوضوء»، وهذا كما رأيت في رواية أحمد عن يحيى ليس فيها: «عليك الوضوء»، وإنما لفظه: «فليس عليك غسل».

فإن قلت: كيف قال المؤلف: «لم يقولا عن شعبة: الوضوء»، فهذا في رواية غندر ذكر «عليك الوضوء»؟

قلت: كأَّنه سمع من بعض مشايخه أنَّه حدثه عن يحيى وغندر كليهما، فساق شيخه له على لفظ يحيى، ولم يَسُقْهُ على لفظ غندر، فهذا تقرير ما قاله ابن حجر، ولكن فيه نظر على ما لا يخفى) انتهى، والله أعلم.

[1] في الأصل: (معزيًّا).
[2] في الأصل: (شهيل)، وهو تصحيف.