متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

34- هذا (باب مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ) واجبًا من مخرجٍ من مخارج البدن (إِلَّا مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ)؛ بالجرِّ فيهما، عطفُ بيانٍ أو بدلٌ؛ أي: لا من مخرجٍ آخرَ؛ كالفصد والحجامة والقيء وغيرها، و«القُبُل» يتناول ذَكَر الرَّجل وفرج المرأة، وزاد في روايةٍ [1] : ((من)) قبل [2] : «القُبل والدُّبر»؛ (لقَوْلِه تَعَالَى)، وفي رواية غير الهَرَوِيِّ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: ((وقول الله تعالى)): ({أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ}) [المائدة: 6] ؛ أي: فأحدث بخروج الخارج من أحد السَّبيلين؛ القُبل والدُّبر، وأصل «الغائط»: المطمئنُّ من الأرض تُقضَى فيه الحاجة، سُمِّيَ [3] باسم الخارج؛ للمُجاوَرَة، لكن ليس في هذه الآية ما يدلُّ على الحصر الذي ذكره المؤلِّف، غاية ما فيها: أنَّ الله تعالى أخبر أنَّ الوضوء أوِ [4] التَّيمُّم عند فقد الماء يجب بالخارج من السَّبيلين، وبمُلامَسَة النِّساء المُفسَّرة [5] بجسِّ اليد، كما فسَّرها به ابن عمر رضي الله عنهما، واستدلَّ بذلك الإمام الشَّافعيُّ رضي الله عنه على نقض الوضوء به، والمعنى في النَّقض به: أنَّه مظنَّة الالتذاذ المثير للشَّهوة، وقال الحنفيَّة: المُلامَسَة كنايةٌ عن الجماع، فيكون دليلًا للغُسْل لا للوضوء، وأُجِيب: بأنَّ اللَّفظ لا يختصُّ بالجماع، قال تعالى: {فلمسوه بأيديهم} [الأنعام: 7] ، وقال عليه الصلاة والسلام لماعزٍ: «لعلَّك لمست». (وَقَالَ عَطَاءٌ)؛ أي: ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» بإسنادٍ صحيحٍ، (فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ الْقَمْلَةِ)، وغير ذلك من النَّادر، قال [6] : (يُعِيدُ الْوُضُوءَ) وهذا [7] مذهب الشَّافعيِّ وأحمد وإسحاق وأبي ثورٍ وسفيان الثَّوريِّ والأوزاعيِّ، وقال قتادة ومالكٌ: لا وضوء فيه، وفي نسخة بـ: «اليونينيَّة»: ((يعيد الصَّلاة)) بدل «الوضوء». (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) رضي الله عنه ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ والدَّارقُطنيُّ: (إِذَا ضَحِكَ)، فظهر منه حرفان أو حرفٌ مفهمٌ، (فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ لا الوضوء)، والذي في «اليونينيَّة»: ((ولم يُعِدِ الوضوءَ))، وقال أبو حنيفة: إذا قهقه في الصَّلاة ذات الرُّكوع والسُّجود بصوتٍ يسمعه جيرانه؛ بطلتِ الصَّلاة [8] وانتقض الوضوء، وإن لم يسمعه جيرانه؛ فلا؛ لحديث: «من ضحك في الصَّلاة قهقهةً؛ فليعدِ الوضوء والصَّلاة» [9] . أخرجه ابن عديٍّ في «كامله»، سواءٌ كان بصوتٍ يُسمَع أو تبسُّمٌ، والخلاف إنَّما هو في نقض الوضوء، لا في إبطال الصَّلاة. (وَقَالَ الْحَسَنُ) البصريُّ ممَّا أخرجه سعيد بن منصورٍ وابن المنذر بإسنادٍ صحيحٍ موصولًا: (إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ)؛ أي: شعر [10] رأسه أو شاربه، (أو) من (أَظْفَارِهِ)، ولابن عساكر: ((وأظفاره))؛ فلا وضوء عليه؛ خلافًا لمجاهدٍ والحكم بن عُتَيبة [11] وحمَّادٍ، (أَوْ خَلَعَ)، وفي رواية ابن عساكر: ((وخلع)) (خُفَّيْهِ)، أو أحدهما بعد المسح عليهما؛ (فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ)، وهذا ممَّا وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن هشيمٍ عن يونس عنِ الحسن البصريِّ، وإليه ذهب قتادة وعطاءٌ وطاووسٌ وإبراهيم النَّخعيُّ وسلمان وداود، واختاره النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» كابن المنذر، وفي قولٍ [12] : يتوضَّأ؛ لبطلان [13] كلِّ الطَّهارة ببطلان بعضها كالصَّلاة، والأظهر: أنَّه يغسل قدميه فقط؛ لبطلان طهرهما بالخَلْع أوِ الانتهاء. [/ج1ص258/] (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ممَّا وصله القاضي إسماعيل في «الأحكام» بإسنادٍ صحيحٍ من طريق مجاهدٍ عنه: (لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ)؛ هو في اللُّغة: الشَّيء الحادث، ثمَّ نُقِلَ إلى الأسباب النَّاقضة للطَّهارة [14] ، وإلى المنع المترتِّب [15] عليها مجازًا، من باب: قصر العامِّ على الخاصِّ، والأوَّل هو المُراد هنا، (وَيُذْكَرُ) بضمِّ الياء (عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه، ممَّا وصله ابن إسحاق في «المغازي»، وأخرجه أحمد وأبو داود والدَّارقطنيُّ، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم، كلُّهم من طريق ابن إسحاق، (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَرُمِيَ رَجُلٌ)؛ وهو عبَّاد بن بشرٍ، (بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ)؛ بفتح الزَّاي والفاء؛ أي: خرج منه دمٌ كثيرٌ، (فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ)، فلم يقطعها؛ لاشتغاله بحلاوتها عن مرارة ألم الجرح، وفيه: ردٌّ على الحنفيَّة حيث قالوا: ينتقض [16] الوضوء إذا سال الدَّم [17] ، لكن يشكل عليه: الصَّلاة مع وجود الدم في بدنه أو ثوبه المستلزم لبطلان الصَّلاة للنَّجاسة، وأُجِيب: باحتمال عدم إصابة الدَّم لهما، أو إصابة الثَّوب فقط ونزعه عنه [18] في الحال، ولم يَسِلْ على جسده إلَّا مقدار ما يُعفَى عنه، كذا قرَّره الحافظ ابن حجرٍ والبرماويُّ والعينيُّ وغيرهم، وهو مبنيٌّ على عدم العفوِ عن كثيرِ دمِ نفسِه، فيكون كدم الأجنبيِّ، فلا يُعفَى إلَّا عن قليله فقط، وهو الذي صحَّحه النَّوويُّ في «المجموع» و«التَّحقيق»، وصحَّح في «المنهاج» و«الرَّوضة»: أنَّه كدم البَثْرة، وقضيَّته العفوُ عن قليله وكثيره، وقد صحَّ أنَّ عمر رضي الله عنه صلَّى وجرحه ينزف دمًا.

(وَقَالَ الْحَسَنُ) البصريُّ: (مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ)، بكسر الجيم، قال العينيُّ منتصرًا لمذهبه: أي: يصلُّون في جراحاتهم من غير سيلان الدَّم، والدَّليل عليه: ما رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» عن هُشَيمٍ [19] عن يونس عن الحسن البصريِّ [20] : أنَّه كان لا يرى الوضوء من الدَّم إلَّا ما كان سائلًا، هذا الذي رُوِيَ عنِ الحسن بإسنادٍ صحيحٍ، وهو مذهب الحنفيَّة وحجَّةٌ لهم على الخصم. انتهى. وليس كما قال؛ لأنَّ الأثر الذي رواه البخاريُّ ليس هو الذي ذكره هو، فإنَّ الأوَّل: هو [21] روايته عنِ الصَّحابة وغيرهم، والثَّاني: مذهبٌ للحسن، فافهم.

(وَقَالَ طَاوُوسٌ) اسمه: ذكوان بن كيسان، اليمانيُّ الحِمْيريُّ، أحد الأعلام، فيما وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن عبيد [22] الله بن موسى بن حنظلة عنه، (وَ) قال (مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ)؛ أي: ابن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ، الهاشميُّ، المدنيُّ التَّابعيُّ، أبو جعفرٍ المعروف بالباقر؛ لأنَّه بَقَرَ العلمَ؛ أي: شَقَّه بحيث علم [23] حقائقه، ممَّا وصله أبو بشرٍ سَمُّويه في «فوائده» من طريق الأعمش، رضي الله عنهم أجمعين، (وَ) قال (عَطَاءٌ)؛ أي [24] : ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه، (وَ) قال (أَهْلُ الْحِجَازِ)؛ كسعيد بن المُسَيَّب، وسعيد بن جبيرٍ، والفقهاء السَّبعة، ومالكٍ، والشَّافعيِّ وغيرهم، وهو من باب: عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ الثَّلاثة السَّابقة: طاووساً ومحمَّدَ بنَ عليٍّ وعطاءً حجازيُّون: (لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ)؛ سواءٌ سال أو لم يَسِلْ؛ خلافًا لأبي حنيفة حيث أوجبه مع الإسالة، مستدلًّا بحديث الدَّارقُطنيِّ: «إلَّا أن يكون دمًا سائلًا»، وأُجِيب.... [25]

(وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ) عبدُ الله [26] رضي الله عنهما (بَثْرَةً)؛ بسكون المُثلَّثة، وقد تُفتَح: خُرَّاجًا [27] صغيرًا في وجهه، (فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ)، فحكَّه بين أصبعيه وصلَّى، (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)، وفي رواية أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((فخرج منها دمٌ))، وفي أخرى لهم: ((الدَّم فلم))، وفي أخرى لابن عساكر: ((دمٌ ولم))، وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ. (وَبَزَقَ)؛ بالزَّاي، ويجوز بالسِّين، كالصَّاد، (ابْنُ أَبِي أَوْفَى) عبدُ الله، الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ، وهو آخر من مات مِنَ الصَّحابة بالكوفة سنة سبعٍ وثمانين، وقد كُفَّ بصره قبل [28] ، وقد رآه أبو حنيفة رضي الله عنه وعمره سبع سنين، (دَمًا)، وهو يصلِّي، (فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ)، وهذا وصله سفيان الثَّوريُّ في «جامعه» عن عطاءِ بن السَّائب بإسنادٍ صحيحٍ؛ لأنَّ سفيان سمع من عطاءٍ قبل اختلاطه.

(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما، (وَالْحَسَنُ) البصريُّ (فِيمَنْ يَحْتَجِمُ)، وفي رواية الأربعة: ((فيمنِ احتجم)): (لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ) لا الوضوء، و«المحاجم»: جمع مَحجمةٍ؛ بفتح الميم، موضع الحجامة، وقد وصل أثرَ ابن عمر الشَّافعيُّ وابن أبي شيبة بلفظ: «كان إذا احتجم؛ غسل محاجمه»، وأمَّا أثر الحسن فوصله ابن أبي شيبة [29] أيضًا بلفظ: إنَّه سُئِلَ عنِ الرَّجل يحتجم ماذا عليه؟ [/ج1ص259/] قال: «يغسل أثر محاجمه»، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ليس عليه غسل محاجمه))؛ بإسقاط ((إِلَّا))، وهو الذي ذكره الإسماعيليُّ، وقال ابن بطَّالٍ: ثبتت في رواية المُستملي دون رفيقيه. انتهى. وكذا هي ثابتةٌ في «فرع اليونينيَّة» عنه وعنِ الهرويِّ، وقال ابن حجرٍ: وهي في نسختي ثابتةٌ من رواية أبي ذَرٍّ عنِ الثَّلاثة.

[1] في غير (ب) و(س): «في قوله».
[2] «قبل»: سقط من (ص) و(م).
[3] في (م) (يسمى».
[4] في (ص): «و».
[5] في غير (ب) و(س): «المُفسَّر».
[6] «قال»: سقط من (ص) و(م).
[7] في (د): «وهو»
[8] في (ص): «صلاته».
[9] في (د): «الصَّلاة والوضوء».
[10] أي: شعر»: سقط من (م).
[11] في غير (ب) و(س): «عيينة»، وهو تحريفٌ.
[12] في (ص): «قوله».
[13] في (ص): «بطلان».
[14] «للطَّهارة»: سقط من (م).
[15] في (م): «المرتَّب».
[16] في (ص): «بنقض»، وفي (م): «ينقض».
[17] «الدَّم»: سقط من (ب) و(د) و(ص).
[18] في (ص): «منه».
[19] في (ص): «هشام» وهو تحريفٌ.
[20] «البصريِّ»: مثبتٌ من (ص).
[21] «هو»: سقط من (ب).
[22] في (ب) و(د) و(ص): «عبد»، وهو تحريفٌ.
[23] في (د) و(ص): «عرف».
[24] (أي): سقط من (د).
[25] بياض بعدها في الأصول.
[26] «عبد الله»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[27] في (ص) و(م): «جراحًا»، وهو تصحيفٌ.
[28] «قبل»: سقط من (د).
[29] قوله: «بلفظ: «كان إذا احتجم؛ غسل محاجمه»، وأمَّا أثر الحسن فوصله ابن أبي شيبة»، سقط من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(34) بابُ [1] مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ إِلَّا مِنَ المَخْرَجَيْنِ: مِنَ [2] القُبُلِ وَالدُّبُرِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَىَ [3] : { أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ } [المائدة: 6]

وقالَ عَطاءٌ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ، أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ القَمْلَةِ: يُعِيدُ الوُضُوءَ [4] .

وقالَ جابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ [5] : إذا ضَحِكَ في الصَّلاةِ أَعادَ الصَّلاةَ وَلَمْ يُعِدِ الوُضُوءَ.

وقالَ الحَسَنُ: إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفارِهِ [6] ، أَوْ خَلَعَ [7] خُفَّيْهِ فَلا وُضُوءَ عَلَيْهِ.

وقالَ أبو هُرَيْرَةَ: لا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ.

وَيُذْكَرُ عن جابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في غَزْوَةِ ذاتِ الرِّقاعِ، فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَىَ في صَلاتِهِ.

وقالَ الحَسَنُ: ما زالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ في جِراحاتِهِمْ.

وقالَ طاوُوسٌ وَمُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ وَعَطاءٌ وَأَهْلُ الحِجازِ: لَيْسَ في الدَّمِ وُضُوءٌ.

وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً، فَخَرَجَ منها الدَّمُ وَلَمْ [8] يَتَوَضَّأْ.

وَبَزَقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَىَ دَمًا فَمَضَىَ في صَلاتِهِ.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ والْحَسَنُ فِيمَنْ يَحْتَجِمُ [9] : لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا [10] غَسْلُ مَحاجِمِهِ.

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] لفظة: «مِنَ» ليست في رواية الأصيلي وابن عساكر وأبي ذر و [عط] ، وضبَّب عليها في (ب، ص).
[3] في رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «لقوله عَزَّ وَجلَّ». كتبت بالحمرة (ن، و) وهو موافق لما في نسخة البقاعي، وفي (ب، ص) أنَّ روايتهم: «لقوله تعالىَ».
[4] بهامش اليونينية بدون رقم: «يعيد الصلاةَ» كتبت بالحمرة.
[5] قوله: «بن عبد الله» ليس في رواية الأصيلي.
[6] في رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «أو أظفاره».
[7] في رواية ابن عساكر: «وخلع».
[8] في روايةٍ عن أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «الدَّمُ فلم», وفي رواية عنهم: «دَمٌ فلم», وفي رواية ابن عساكر: «دَمٌ ولم»
[9] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «احتَجَمَ».
[10] لفظة: «إلَّا» ثابتة في رواية أبي ذر والمُستملي أيضًا (ن، و)، وبهامش (ن): عند الأصيلي في الأصل: فليس غسل محاجمه [كذا، ولعل الصواب: فليس عليه... ] . وقال في الهامش: صح ثبوت «إلَّا» للمُستملي وحده.اهـ.





( نَزَفَهُ ) بنون وزاي وفاء، أي: سَالَ واستخرج قوته وأفناها حتَّى صَدَعه. [/ج1ص96/]


(34) [باب: مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلَّا مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ]

(فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمِ) هو عَبَّادُ بنُ بِشْر [1] .

قال ابنُ بشكوال: وقيل: هو عُمارة بن حزم، قال: وكونهُ عباداً أثبتُ.

(فَنَزَفَهُ الدَّمُ) أي: خرج منه دم كثير حتى ضَعُفَ، كذا في «الصحاح».

وقال السفاقسيُّ: كذا رويناه، والذي عند أهل اللغة: نُزِفَ دمُه، على البناء لما لم يُسم فاعله.

(بثْرَةً) بإسكان الثاء المثلثة بعد الموحدة المفتوحة: واحد [2] البثور، وهي [3] خُرَّاجٌ صغارٌ [4] .

[1] في (ق): ((بشير)).
[2] في (ق): ((الواحدة)).
[3] في (د): ((وهو)).
[4] في (ق): ((صغير)).





قوله: (القُبُلِ وَالدُّبُرِ): (القُبُل) وَ (الدُّبُر): مجروران؛ بدل من (المَخْرَجين) .

قوله: (وَقَوْلُ اللهِ): هو مجرور معطوف على (مَن) .

قوله: (وَقَالَ عَطَاءٌ): هو ابن أبي رباح أَبُو محمَّد القرشيُّ مولاهم المكِّيُّ، أحد الأعلام، عن عائشة، وأبي هريرة، وغيرهما، وعنه: الأوزاعيُّ، وابن جريج، وأبو حنيفة، واللَّيث، وأمم، مات سنة (114 هـ ) ، وقيل: سنة (115 هـ ) ، وله ثمانون سنة، تقدَّم، أخرج له الجماعة.

قوله: (دُبُرِهِ): هو بضمِّ الدَّال والباء، ويجوز تسكينها؛ معروف.

قوله: (الوُضُوءَ): هو بضمِّ الواو: الفعل، ويجوز فتح الواو، وقد تقدَّم مرارًا.

قوله: (وَقَالَ الحَسَنُ): هو ابن أبي الحسن البصريُّ، الإمام، واسم أبي الحسن: يسار؛ بالمثنَّاة تحتُ في أوَّله، ثُمَّ سين مهملة، وكنية الحسن: أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت، وقيل: مولى جميل بن قطبة، وقيل غير ذلك، وأبوه -يسار- مِن سبي ميسان، أعتقته الرُّبيِّع بنت [1] النضر، وُلِد الحسن زمن عمر رضي الله عنه، وسمع عثمان رضي الله عنه، وشهد الدار وهو ابن أربعَ عشرةَ سنة، وروى عن عمران بن الحصين، وأبي موسى، وابن عَبَّاس، وخلق، وعنه: ابن عون، ويونس، وأمم، وكان إمامًا كبير الشَّأن، رفيع الذكر، رأسًا في العلم والعمل، مات في رجب سنة عشر ومئة، أخرج له الأئمَّة السِّتَّة، ذكره في «الميزان» لشيءٍ [2] بدا مِنْهُ، لَمْ يَقْصِده في القدر، وقد صحَّح عليه.

قوله: (أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ [3] ؛ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ): اعلم أنَّه إذا خلع خفَّيه وهو بطهر المسح؛ ففيه أربعة أقوال للعلماء؛ أحدها: استئناف الوضوء من أوَّله، وبه قال مكحول، وابن أبي ليلى، والزُّهْرِيُّ، والأوزاعيُّ، وأحمد، وإسحاق، والشَّافعيًّ في القديم.

ثانيها: يغسل رجليه مكانه، فإنْ لَمْ يفعل؛ استأنف الوضوء، وبه قال مالك واللَّيث.

ثَالِثها: يغسلهما إذا أراد الوضوء، وبه قال الثَّوريُّ، وأبو حنيفة، والشَّافعيُّ في الجديد، والمزنيُّ، وأبو ثور.

رابعها: أنَّه لا شيء عليه ويصلِّي كما هو، وهو قول الحسن وقتادة، وروي مثله عنِ النَّخعيِّ، وقد اختاره النَّوويُّ في «شرح المهذَّب»، وهو وجه حكاه شيخنا المؤلِّف فيما قرأته عليه في «شرح المنهاج العُجَالة» عن حكاية الأستاذ أبي إسحاق الإسفراينيِّ في «مصنَّف» له في أصول الفقه، قال: (وهو غريب نقلًا، مختار دليلًا) انتهى، وقد رأيتُ أنا حديثًا في «أحكام عَبْد الحق» يشهد لهذا الحكم، عن عَبْد الرزاق في «مصنَّفه»: (حَدَّثَنَا معمر عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي ظبيان الجنبيِّ قال: رأيت عليًّا رضي الله عنه بال قائمًا [/ج1ص86/] حتَّى أرغى، ثُمَّ توضَّأ، ومسح على نعليه، ثُمَّ دخل المسجد فخلع نعليه وجعلهما في كمِّه، ثُمَّ صلَّى، قال معمر: وأخبرني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عنِ ابن عَبَّاس رضي الله عنهمَا، عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بمثل صنيع هذا) .

قوله: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ): تقدَّم مرارًا أنَّه عَبْد الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.

قوله: (ويُذْكر عَن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ [4] ): (يُذكر): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، وهذه صيغة تمريض؛ لأنَّه لَمْ يصحَّ عنده على شرطه، وإذا أتى به مجزومًا به؛ كـ(قال) ، أو (روى) ، ونحو ذلك؛ فإنَّه يكون صحيحًا عنِ الذي نقله عنه، ويبقى الشأن منه إلى من فوقه، فتارة يكون على شرطه، وتارة لا يكون، وقد قدَّمت مثل ذلك، فإنَّه لا يَجزِم بذلك عنه إلَّا وقد صحَّ عنده عنه ذلك، ثُمَّ صحَّة الحديث أو الأثر مطلقًا تتوقَّف على ثقة رجاله، واتِّصاله من موضع التَّعليق، فإنْ كان فيمن أبرزه من لا يحتج به؛ فليس فيه إلَّا الحكم بصحَّته عمَّن أسند إليه؛ كقول البخاريِّ: وقال بهز، عن أبيه، عن جدِّه، عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «الله أحقُّ أنْ يُستحيا منه»، قال ابن الصَّلاح: (فليس هذا من شرطه قطعًا، ولذلك [5] لم يورده الحميديُّ في «جمعه بين الصَّحيحين») ، وإنْ ورد ممرَّضًا -كالذي نحن فيه-؛ كقوله: (يروى) ، و (يُذكر) ، و (ذكر) [6] ، و (رُوي) ، ونحو ذلك، كما قال فيما يأتي: ويروى عنِ ابن عَبَّاس، وجرهد، ومحمَّد بن جحش عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «الفخذ عورة»؛ لأنَّ هذه الألفاظ استعمالها في الضَّعيف أكثر وإن استُعمِلت في الصَّحيح، وكذا قوله: (وفي الباب) ؛ فإنَّه يستعمل في الأمرين معًا، قال ابن الصَّلاح: (ومع ذلك فإيراده له في أثناء «الصَّحيح» مُشعِر بصحَّة أصله، إشعارًا يُؤنس به، ويُركن إليه) ، وحمل ابن الصَّلاح قول البخاريِّ: (ما أدخلت في كتابي «الجامع» إلَّا ما صحَّ، وقول الأئمَّة في الحكم بصحَّته) ، على أنَّ المراد مقاصد الكتاب، وموضوعه، ومتون الأبواب دون التراجم ونحوها، والله أعلم.

وتعليق جَابر هذا أسنده أبو داود، وصحَّحه ابن حبَّان من حديث ابن إسحاق، أخرجه أبو داود في (الطَّهارة): عن أبي توبة، عنِ ابن المبارك، عن محمَّد [7] بن إسحاق، عن صدقة بن يسار، عن عَقيل بن جَابر بن عَبْد الله الأنصاريِّ، عن أبيه به.

قوله: (كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقاع): اعلم أنَّ ذات الرِّقاع كانت في السَّنة الرَّابعة، وقد ذكرها البخاريُّ قبل (خيبر) ، وسيأتي في ذلك كلام في مكانه، فإنَّه متعَّقب لا شكَّ في تعقُّبه وإن قاله بعضهم، وسُمِّيت ذات الرِّقاع؛ لأنَّهم رقعوا فيها راياتهم، ويقال: ذات الرِّقاع [8] : شجرة بذلك الموضع، وقيل: لأنَّ أقدامهم نقبت [9] فكانوا يلفُّون عليها الخرق، وهذا هو الصَّحيح [10] ، وقيل: بل الجبل الذي نزلوا عليه، كانت أرضه ذات ألوان تشبه الرِّقاع، وقيل: لأنَّ صلاة الخوف كانت بها [11] ، فسُمِّيت بذلك؛ لترقيع الصَّلاة فيها.

قوله: (فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ): (رُمي) [12] : مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (رجلٌ): مرفوع منوَّن نائب مناب الفاعل، والرجل هو عبَّاد بن بشر؛ بالموحَّدة، وبالشِّين المعجمة، والحديث في «أبي داود»، وصحَّحه ابن حبَّان، والنائم المذكور في أصل الحديث في «أبي داود» [13] : هو عمَّار بن ياسر، والسورة التي قال فيه: (لَمْ أقطعها): (الكهف) ، ذكر ذلك ابن بشكوال في «مبهماته»، وقيل: المرميُّ عمارة بن حزم، والمشهور أنَّه عبَّاد، حكى ذلك المنذريُّ بزيادة المهاجريِّ والسورة عنِ البيهقيِّ.

قوله: (وَقَالَ الحَسَنُ): هو ابن أبي الحسن البصريُّ، واسم أبي الحسن: يسار، تقدَّم قريبًا مع بعض ترجمته.

قوله: (وَقَال طَاوُوسٌ): هو ابن كيسان الإمام أبو عَبْد الرَّحمن اليماني، من أبناء الفرس، وقيل: اسمه: ذكوان فلُقِّب، فقال ابن معين: (لأنَّه كان طاووس القرَّاء) ، روى عن أبي هريرة، وابن عَبَّاس، وعائشة، وغيرهم، وعنه: الزُّهْرِيُّ، وسُلَيْمَان التيميُّ، وابنه عَبْد الله بن طاووس، قال عمرو بن دينار: (ما رأيت أحدًا مثله قطُّ) انتهى، كان رأسًا في العلم والعمل، توفِّي بمكَّة سنة (106 هـ ) ، أخرج له الجماعة.

قوله: (وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ): يحتمل أنْ يكون هذا [14] الباقر، ويحتمل أنْ يكون ابن الحنفيَّة، ولم يتعرَّض شيخنا لعزو أثره، [وقد عزاه بعض حفَّاظ العصر إلى «فوائد سمُّويه» [15] ] [16] ، فإنْ كان الباقر؛ فهو أبو جعفر محمَّد بن عليِّ بن الحسين بن عليٍّ الباقر، أمُّه أمُّ عَبْد الله بنت السيِّد الحسن رضي الله عنه، يروي عن أبويه، وجَابر، وابن عمر، وغيرهم، وعنه: ابنه جعفر الصَّادق، والزُّهْرِيُّ، وابن جريج، والأوزاعيُّ، وغيرهم، ولد سنة (56 هـ ) ، ومات سنة (118 هـ ) على الأصحِّ، أخرج له الأئمَّة السِّتَّة [17] ، [وهذا أرجح الاحتمالين فيما ظهر لي، وذلك لأنَّ الباقر من فقهاء أهل المدينة وأئمَّتهم، ولأنَّ وفاته [18] قريبة من وفاة طاووس، بخلاف ابن الحنفيَّة، فإنَّه متقدَّم الوفاة عليهما، ولأنَّ [19] البخاريَّ لو أراد ابن الحنفيَّة؛ قدَّمه على طاووس لِقِدَمه، والله أعلم، (وجزم به بعض حفَّاظ العصر) [20] ] [21] ، وإنْ كان ابن الحنفيَّة؛ فهو ابن عليِّ بن أبي طالب، وقد تقدَّم بعض ترجمته، توفِّي سنة ثمانين، أخرج له الجماعة.

قوله: (وَعَطَاءٌ): تقدَّم أنَّه ابن أبي رباح، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (بَثرَةً): هي بإسكان الثَّاء المثلَّثة؛ وهي خُراج صغير.

قوله: (فَلَم يَتَوَضَّأْ): تقدَّم أنَّه يجوز فيه: يتوضَّ، ويتوضَّأ، ويتوضَّا، من حيث العربيَّة.

قوله: (وَبَزَقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى): هو عَبْد الله بن أبي أوفى، واسم أبي [22] أوفى: علقمة [23] بن خالد، صحابيّ -عبد الله- بن صحابيٍّ رضي الله عنهما، الأسلميُّ، عنه: عمرو بن مُرَّة، وابن أبي خالد، توفِّي سنة (86 هـ ) بالكوفة، أخرج له الجماعة، وهو مشهور التَّرجمة والمناقب رَضِيَ الله عنه، [وقد عزا أثره بعض حفَّاظ العصر إلى ابن أبي شيبة، قال: (ورواه عبد الرزَّاق) ؛ فذكره] [24] .

قوله: (وَالحَسَنُ): هو ابن أبي الحسن البصريِّ يسار، تقدَّم بعض ترجمته قريبًا.

[1] في (ج): (سبي شيبان، أعتقه الربيع بن) .
[2] في (ب) و (ج): (بشيء) .
[3] في (ج): (خفه) .
[4] (بن عبد الله): ليس في «اليونينيَّة» و (ق) ، وكتب فوقها في (ق): (زائد... إلى) .
[5] في (ب): (وكذلك) .
[6] (وذكر): ليس في (ج) .
[7] (محمد): ليس في (ب) .
[8] زيد في (ج): (الرِّقاع) .
[9] في (ج): (تعبت) .
[10] زيد في (ج): (إن شاء الله) ، وضرب عليها في (أ) .
[11] في (ج): (فيها) .
[12] في (ب): (فرُمي) .
[13] (في «أبي داود»): ليس في (ب) .
[14] في (ج): (هو) .
[15] في (ب): (طوائف حمويه) .
[16] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[17] (السِّتة): ليس في (ب) .
[18] في (ج): (وفاتهم) .
[19] في (ج): (ولو أنَّ) .
[20] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[21] ما بين معقوفين جاء في (ب) بعد قوله: («فرائد سمويه») .
[22] (أبي): ليس في (ب) .
[23] في (ب): (علية) ، وزيد فيها: (بن أبي أوفى) .
[24] ما بين معقوفين ليس في (ب) و (ج) .






34- هذا (باب مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ) واجبًا من مخرجٍ من مخارج البدن (إِلَّا مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ)؛ بالجرِّ فيهما، عطفُ بيانٍ أو بدلٌ؛ أي: لا من مخرجٍ آخرَ؛ كالفصد والحجامة والقيء وغيرها، و«القُبُل» يتناول ذَكَر الرَّجل وفرج المرأة، وزاد في روايةٍ [1] : ((من)) قبل [2] : «القُبل والدُّبر»؛ (لقَوْلِه تَعَالَى)، وفي رواية غير الهَرَوِيِّ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: ((وقول الله تعالى)): ({أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ}) [المائدة: 6] ؛ أي: فأحدث بخروج الخارج من أحد السَّبيلين؛ القُبل والدُّبر، وأصل «الغائط»: المطمئنُّ من الأرض تُقضَى فيه الحاجة، سُمِّيَ [3] باسم الخارج؛ للمُجاوَرَة، لكن ليس في هذه الآية ما يدلُّ على الحصر الذي ذكره المؤلِّف، غاية ما فيها: أنَّ الله تعالى أخبر أنَّ الوضوء أوِ [4] التَّيمُّم عند فقد الماء يجب بالخارج من السَّبيلين، وبمُلامَسَة النِّساء المُفسَّرة [5] بجسِّ اليد، كما فسَّرها به ابن عمر رضي الله عنهما، واستدلَّ بذلك الإمام الشَّافعيُّ رضي الله عنه على نقض الوضوء به، والمعنى في النَّقض به: أنَّه مظنَّة الالتذاذ المثير للشَّهوة، وقال الحنفيَّة: المُلامَسَة كنايةٌ عن الجماع، فيكون دليلًا للغُسْل لا للوضوء، وأُجِيب: بأنَّ اللَّفظ لا يختصُّ بالجماع، قال تعالى: {فلمسوه بأيديهم} [الأنعام: 7] ، وقال عليه الصلاة والسلام لماعزٍ: «لعلَّك لمست». (وَقَالَ عَطَاءٌ)؛ أي: ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» بإسنادٍ صحيحٍ، (فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ الْقَمْلَةِ)، وغير ذلك من النَّادر، قال [6] : (يُعِيدُ الْوُضُوءَ) وهذا [7] مذهب الشَّافعيِّ وأحمد وإسحاق وأبي ثورٍ وسفيان الثَّوريِّ والأوزاعيِّ، وقال قتادة ومالكٌ: لا وضوء فيه، وفي نسخة بـ: «اليونينيَّة»: ((يعيد الصَّلاة)) بدل «الوضوء». (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) رضي الله عنه ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ والدَّارقُطنيُّ: (إِذَا ضَحِكَ)، فظهر منه حرفان أو حرفٌ مفهمٌ، (فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ لا الوضوء)، والذي في «اليونينيَّة»: ((ولم يُعِدِ الوضوءَ))، وقال أبو حنيفة: إذا قهقه في الصَّلاة ذات الرُّكوع والسُّجود بصوتٍ يسمعه جيرانه؛ بطلتِ الصَّلاة [8] وانتقض الوضوء، وإن لم يسمعه جيرانه؛ فلا؛ لحديث: «من ضحك في الصَّلاة قهقهةً؛ فليعدِ الوضوء والصَّلاة» [9] . أخرجه ابن عديٍّ في «كامله»، سواءٌ كان بصوتٍ يُسمَع أو تبسُّمٌ، والخلاف إنَّما هو في نقض الوضوء، لا في إبطال الصَّلاة. (وَقَالَ الْحَسَنُ) البصريُّ ممَّا أخرجه سعيد بن منصورٍ وابن المنذر بإسنادٍ صحيحٍ موصولًا: (إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ)؛ أي: شعر [10] رأسه أو شاربه، (أو) من (أَظْفَارِهِ)، ولابن عساكر: ((وأظفاره))؛ فلا وضوء عليه؛ خلافًا لمجاهدٍ والحكم بن عُتَيبة [11] وحمَّادٍ، (أَوْ خَلَعَ)، وفي رواية ابن عساكر: ((وخلع)) (خُفَّيْهِ)، أو أحدهما بعد المسح عليهما؛ (فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ)، وهذا ممَّا وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن هشيمٍ عن يونس عنِ الحسن البصريِّ، وإليه ذهب قتادة وعطاءٌ وطاووسٌ وإبراهيم النَّخعيُّ وسلمان وداود، واختاره النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» كابن المنذر، وفي قولٍ [12] : يتوضَّأ؛ لبطلان [13] كلِّ الطَّهارة ببطلان بعضها كالصَّلاة، والأظهر: أنَّه يغسل قدميه فقط؛ لبطلان طهرهما بالخَلْع أوِ الانتهاء. [/ج1ص258/] (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ممَّا وصله القاضي إسماعيل في «الأحكام» بإسنادٍ صحيحٍ من طريق مجاهدٍ عنه: (لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ)؛ هو في اللُّغة: الشَّيء الحادث، ثمَّ نُقِلَ إلى الأسباب النَّاقضة للطَّهارة [14] ، وإلى المنع المترتِّب [15] عليها مجازًا، من باب: قصر العامِّ على الخاصِّ، والأوَّل هو المُراد هنا، (وَيُذْكَرُ) بضمِّ الياء (عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه، ممَّا وصله ابن إسحاق في «المغازي»، وأخرجه أحمد وأبو داود والدَّارقطنيُّ، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم، كلُّهم من طريق ابن إسحاق، (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَرُمِيَ رَجُلٌ)؛ وهو عبَّاد بن بشرٍ، (بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ)؛ بفتح الزَّاي والفاء؛ أي: خرج منه دمٌ كثيرٌ، (فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ)، فلم يقطعها؛ لاشتغاله بحلاوتها عن مرارة ألم الجرح، وفيه: ردٌّ على الحنفيَّة حيث قالوا: ينتقض [16] الوضوء إذا سال الدَّم [17] ، لكن يشكل عليه: الصَّلاة مع وجود الدم في بدنه أو ثوبه المستلزم لبطلان الصَّلاة للنَّجاسة، وأُجِيب: باحتمال عدم إصابة الدَّم لهما، أو إصابة الثَّوب فقط ونزعه عنه [18] في الحال، ولم يَسِلْ على جسده إلَّا مقدار ما يُعفَى عنه، كذا قرَّره الحافظ ابن حجرٍ والبرماويُّ والعينيُّ وغيرهم، وهو مبنيٌّ على عدم العفوِ عن كثيرِ دمِ نفسِه، فيكون كدم الأجنبيِّ، فلا يُعفَى إلَّا عن قليله فقط، وهو الذي صحَّحه النَّوويُّ في «المجموع» و«التَّحقيق»، وصحَّح في «المنهاج» و«الرَّوضة»: أنَّه كدم البَثْرة، وقضيَّته العفوُ عن قليله وكثيره، وقد صحَّ أنَّ عمر رضي الله عنه صلَّى وجرحه ينزف دمًا.

(وَقَالَ الْحَسَنُ) البصريُّ: (مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ)، بكسر الجيم، قال العينيُّ منتصرًا لمذهبه: أي: يصلُّون في جراحاتهم من غير سيلان الدَّم، والدَّليل عليه: ما رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» عن هُشَيمٍ [19] عن يونس عن الحسن البصريِّ [20] : أنَّه كان لا يرى الوضوء من الدَّم إلَّا ما كان سائلًا، هذا الذي رُوِيَ عنِ الحسن بإسنادٍ صحيحٍ، وهو مذهب الحنفيَّة وحجَّةٌ لهم على الخصم. انتهى. وليس كما قال؛ لأنَّ الأثر الذي رواه البخاريُّ ليس هو الذي ذكره هو، فإنَّ الأوَّل: هو [21] روايته عنِ الصَّحابة وغيرهم، والثَّاني: مذهبٌ للحسن، فافهم.

(وَقَالَ طَاوُوسٌ) اسمه: ذكوان بن كيسان، اليمانيُّ الحِمْيريُّ، أحد الأعلام، فيما وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن عبيد [22] الله بن موسى بن حنظلة عنه، (وَ) قال (مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ)؛ أي: ابن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ، الهاشميُّ، المدنيُّ التَّابعيُّ، أبو جعفرٍ المعروف بالباقر؛ لأنَّه بَقَرَ العلمَ؛ أي: شَقَّه بحيث علم [23] حقائقه، ممَّا وصله أبو بشرٍ سَمُّويه في «فوائده» من طريق الأعمش، رضي الله عنهم أجمعين، (وَ) قال (عَطَاءٌ)؛ أي [24] : ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه، (وَ) قال (أَهْلُ الْحِجَازِ)؛ كسعيد بن المُسَيَّب، وسعيد بن جبيرٍ، والفقهاء السَّبعة، ومالكٍ، والشَّافعيِّ وغيرهم، وهو من باب: عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ الثَّلاثة السَّابقة: طاووساً ومحمَّدَ بنَ عليٍّ وعطاءً حجازيُّون: (لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ)؛ سواءٌ سال أو لم يَسِلْ؛ خلافًا لأبي حنيفة حيث أوجبه مع الإسالة، مستدلًّا بحديث الدَّارقُطنيِّ: «إلَّا أن يكون دمًا سائلًا»، وأُجِيب.... [25]

(وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ) عبدُ الله [26] رضي الله عنهما (بَثْرَةً)؛ بسكون المُثلَّثة، وقد تُفتَح: خُرَّاجًا [27] صغيرًا في وجهه، (فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ)، فحكَّه بين أصبعيه وصلَّى، (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)، وفي رواية أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((فخرج منها دمٌ))، وفي أخرى لهم: ((الدَّم فلم))، وفي أخرى لابن عساكر: ((دمٌ ولم))، وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ. (وَبَزَقَ)؛ بالزَّاي، ويجوز بالسِّين، كالصَّاد، (ابْنُ أَبِي أَوْفَى) عبدُ الله، الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ، وهو آخر من مات مِنَ الصَّحابة بالكوفة سنة سبعٍ وثمانين، وقد كُفَّ بصره قبل [28] ، وقد رآه أبو حنيفة رضي الله عنه وعمره سبع سنين، (دَمًا)، وهو يصلِّي، (فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ)، وهذا وصله سفيان الثَّوريُّ في «جامعه» عن عطاءِ بن السَّائب بإسنادٍ صحيحٍ؛ لأنَّ سفيان سمع من عطاءٍ قبل اختلاطه.

(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما، (وَالْحَسَنُ) البصريُّ (فِيمَنْ يَحْتَجِمُ)، وفي رواية الأربعة: ((فيمنِ احتجم)): (لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ) لا الوضوء، و«المحاجم»: جمع مَحجمةٍ؛ بفتح الميم، موضع الحجامة، وقد وصل أثرَ ابن عمر الشَّافعيُّ وابن أبي شيبة بلفظ: «كان إذا احتجم؛ غسل محاجمه»، وأمَّا أثر الحسن فوصله ابن أبي شيبة [29] أيضًا بلفظ: إنَّه سُئِلَ عنِ الرَّجل يحتجم ماذا عليه؟ [/ج1ص259/] قال: «يغسل أثر محاجمه»، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ليس عليه غسل محاجمه))؛ بإسقاط ((إِلَّا))، وهو الذي ذكره الإسماعيليُّ، وقال ابن بطَّالٍ: ثبتت في رواية المُستملي دون رفيقيه. انتهى. وكذا هي ثابتةٌ في «فرع اليونينيَّة» عنه وعنِ الهرويِّ، وقال ابن حجرٍ: وهي في نسختي ثابتةٌ من رواية أبي ذَرٍّ عنِ الثَّلاثة.

[1] في غير (ب) و(س): «في قوله».
[2] «قبل»: سقط من (ص) و(م).
[3] في (م) (يسمى».
[4] في (ص): «و».
[5] في غير (ب) و(س): «المُفسَّر».
[6] «قال»: سقط من (ص) و(م).
[7] في (د): «وهو»
[8] في (ص): «صلاته».
[9] في (د): «الصَّلاة والوضوء».
[10] أي: شعر»: سقط من (م).
[11] في غير (ب) و(س): «عيينة»، وهو تحريفٌ.
[12] في (ص): «قوله».
[13] في (ص): «بطلان».
[14] «للطَّهارة»: سقط من (م).
[15] في (م): «المرتَّب».
[16] في (ص): «بنقض»، وفي (م): «ينقض».
[17] «الدَّم»: سقط من (ب) و(د) و(ص).
[18] في (ص): «منه».
[19] في (ص): «هشام» وهو تحريفٌ.
[20] «البصريِّ»: مثبتٌ من (ص).
[21] «هو»: سقط من (ب).
[22] في (ب) و(د) و(ص): «عبد»، وهو تحريفٌ.
[23] في (د) و(ص): «عرف».
[24] (أي): سقط من (د).
[25] بياض بعدها في الأصول.
[26] «عبد الله»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[27] في (ص) و(م): «جراحًا»، وهو تصحيفٌ.
[28] «قبل»: سقط من (د).
[29] قوله: «بلفظ: «كان إذا احتجم؛ غسل محاجمه»، وأمَّا أثر الحسن فوصله ابن أبي شيبة»، سقط من (م).





( وَقَالَ جَابِرٌ ) وصله سعيد ابن منصور في «سننه»، وأخرجه الدَّارقطنيُّ مرفوعًا.

( وَقَالَ أَبُوْ هُرَيْرَةَ: لَا وُضُوْءَ إِلاَّ مِنْ حَدَثٍ ) وصله إسماعيل القاضي في «الأحكام»، وأخرجه: أحمد، وأبو داود، والتِّرمذيُّ من حديثه مرفوعًا.

( وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ ) وصله أحمد وأبو داود، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم وغيرهم، ولم يجزم به المصنِّف إمَّا لكونه اختصره أو للخلاف في ابن إسحاق راويه، أو لكون عقيل بن جابر راويه عن أبيه لا راوي له غير صدقة بن يسار.

( فَرُمِي ): بضمِّ الرَّاء. [/ج1ص321/]

( رَجُلٌ ): هو عَبَّاد بن بِشْر.

( فَنَزَفَهُ ): بفتح النُّون والزَّاي والفاء، أي: سال منه دمٌ كثيرٌ أضعفه.

( بَثْرَةً ): بفتح الموحَّدة وسكون المثلَّثة: خرَّاج صغير.

( إِلاَّ غَسْلُ مَحَاجِمِهِ ) سقطت: «إلَّا» من رواية الأَصِيلي وغيره.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

هذا ((باب من لم ير الوضوء)) أي: واجبًا ((إلا من المخرجَين)) ، وهو تثنية مخرج _بفتح الجيم_ وبيَّن ذلك بطريق عطف البيان بقوله: ((القبل والدبر)) ويجوز أن يكون جرُّهما بطريق البدل، و (القبل) يتناول الذكر، والفرج، والخنثى، وزاد في رواية: (من القبل) ، وسقط (من القبل والدبر) للأصيلي، والحصر لبيان الغالب المعتاد، فالخارج من المخرجين يشمل الدم، والقيح، ويلحق به الفصد والحجامة، والقيء، والنوم، وغيرها، فحكم الخارج منهما وغيرهما سواء في الحكم، فلا يتفاوت، وزعم الكرماني رده في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((لقوله تعالى)) وفي رواية: (وقول الله تعالى) : (({أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم})) يشمل المذكَّر والمؤنث (({مِنَ الغَائِطِ} [النساء: 43] )) هو كناية عن قضاء حاجة الإنسان، وهذا لا يصلح دليلًا لما ادَّعاه الشافعية من الحصر على الخارج من المخرجَين؛ لأنَّ عندهم ينتقض الوضوء من لمس النساء ومس الفرج، فإذًا الحصر باطل؛ لأنَّ الملامسة كناية عن الجماع، وقد قال ابن عباس: (المس، واللمس، والغشيان، والقربان، والإتيان، والمباشرة؛ الجماع، لكنه عزَّ وجلَّ حيي كريم يعفو ويكنِّي، فكنَّى باللمس عن الجماع كما كنى بالغائط عن قضاء الحاجة) ، ومذهب علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري وعَبيدة السلماني - بفتح العين المهملة-، وعُبيدة الضبي - بضم العين المهملة-، وعطاء، وطاووس، والحسن البصري، والثوري، والأوزاعي: أنَّ اللمس والملامسة كناية عن الجماع، وهو الذي صحَّ عن عمر بن الخطاب كما نقله ابن العربي وابن الجوزي، فحينئذٍ قولهم: ملامسة النساء تبطل الوضوء؛ باطل لا دليل عليه، وكذا مسُّ الذكر، واستدلوا بحديث وهو ضعيف؛ لأنَّه ليس على شرط الشيخين، وإذا كانت[/ص141/] الملامسة بمعنى الجماع كيف يكون مس الذكر مثله؟! فيلزم من ذلك أن يجب الغسل، ولنا أحاديث كثيرة وأخبار شهيرة على أنَّ مسَّ الذكر غير ناقض؛ منها: أنَّه سئل عليه السلام عن مسِّ الذكر، فقال: «هل هو إلا بضعة منك؟!» فكان الذكر كاليد والرجل، والإجماع منعقد على أنَّ الشخص إذا مسَّ يده أو رجله لا ينتقض وضوءُه، فكذا هذا بنصِّ الشارع عليه السلام، وأما قوله تعالى: {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام: 7] ، وقوله عليه السلام لماعز: «لعلَّك لمست»؛ فالقرينة الحالية وكذا المقالية عيَّنت أنَّه مسُّ اليد، وكلامنا عند عدم القرينة، وهو لا يكون إلا كناية عن الجماع، وتفسير ابن عمر الملامسة بجسِّ اليد قد ثبت أنَّه رجع عنها إلى معنى الجماع، فاللفظ مخصوص به؛ فافهم.

وإذا عُلِم أن المراد من الغائط الكناية عن قضاء الحاجة؛ عُلِم أن الناقض كل خارج من البدن، فيشمل البول، والغائط، والدم، والقيح، والقيء، والحجامة، وغيرها، فالبول والغائط ثبت بالنصِّ وما ألحق بهما ثبت بدلالته وبالأحاديث المشهورة؛ فافهم.

((وقال عطاء)) هو ابن أبي رباح، مما وصله ابن أبي شيبة في «مصنفه» بإسناد صحيح ((فيمن يخرج من دبره الدود أو من ذكره نحو القملة)) واحدة القمل، وهو معروف، وفي معنى الذكر قُبُل المرأة قال: ((يعيد الوضوء)) ؛ لانتقاضه بذلك، فيلزم قطعًا إعادة الصلاة، وفي رواية: (يعيد الصلاة) بدل (الوضوء) ، قيَّد بالدودة من الدبر؛ لأنَّه لو خرجت الدودة من الأذن، أو الفم، أو الأنف، أو الجراحة؛ لا ينتقض الوضوء بها، وهذا مذهب الإمام الأعظم، وابن مسعود، وابن عباس، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، واحتجُّوا بحديث علي بن أبي طالب الآتي في الباب في المذي، وقِيْس عليه نحو القملة، والحصى، وغيرهما، وخالف في ذلك قتادة ومالك فقالا: بإعادة الصلاة دون الوضوء، وهو مرويُّ عن النخعي.

وقال داود: النادر لا ينقض الوضوء وإن دام إلا المذي؛ لقوله عليه السلام: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح»، وأجيب: بأنه إذا أوجب الوضوء بالمعتاد الذي تعمُّ به البلوى، فغيره من باب أولى، والإجماع قائم على أنَّه ليس المراد حصر الناقض للوضوء بالصوت أو الريح الذي في الحديث، بل المراد نفي وجوب الوضوء بالشكِّ، وأما حديث صفوان: (لكن من غائط، وبول، ونوم) ، فإنَّه بيَّن فيه جواز المسح وبعض ما يمسح بسبب، ولم يقصد بيان جميع النواقض، ألا تراه لم يذكر فيه الريح وزوال العقل وهما مما ينقض بالإجماع، ودم الاستحاضة ناقض في قول عامَّة العلماء.

وقال ابن حزم: المذي، والبول، والغائط من أي موضع خرج من الدبر، والإحليل، أو المثانة، أو البطن، وغير ذلك من الجسد، أو الفم ناقض للوضوء؛ لعموم أمره عليه السلام بالوضوء عنها، ولم يخص موضعًا من موضع، وبه قال إمامنا رضي الله عنه.

وأمَّا الريح الخارجة من ذكر الرجل وقُبُل المرأة؛ فإنَّها لا تنقض الوضوء؛ لأنَّها ليست بريح حقيقة، وإنما هي اختلاج، وهو يحصل في جميع أعضاء الجسد، كما بيَّنتُ ذلك في رسالة سميتها «احتجاج الإقضاء في بيان اختلاج الأعضاء»، وأما المرأة المفضاة -وهي التي اختلط مسلك بولها ووطئها وصارا واحدًا، أو التي صار مسلك الغائط والوطء منها واحدًا-؛ فالريح الخارج منها ناقض؛ فيجب عليها الوضوء، وهو قول الإمام محمد الشيباني، وبه أخذ الإمام أبو حفص البخاري للاحتياط، وقيل: إنَّ كان الريح مسموعًا أو منتنًا؛ نقض، وإلا؛ فلا، كما في «شرح المنية» للبرهان الحلبي، وقيل: إنَّه يستحب لها الوضوء ولا يجب؛ لأنَّه يحتمل أنَّها خرجت من الدبر، فتنقض، ويحتمل أنَّها خرجت من الفرج؛ فلا تنقض، والأصل: تيقن الطهارة والناقض مشكوك فيه فلا ينتقض وضوءُها بالشك، لكن يستحب لها الوضوء؛ لإزالة الاحتمال، كذا في «الجوهرة» و«شرح الهاملية».

((وقال جابر بن عبد الله)) رضي الله عنهما، مما وصله البيهقي في «المعرفة»، وأبو شيبة في «سننه»: ((إذا ضحك)) أي: المصلي سواء كان رجلًا أو امرأةً ((في الصلاة)) وهو ما كان مسموعًا له، ولمن عن يمينه أو عن يساره فقط دون جيرانه؛ وهم أهل مجلسه؛ ((أعاد الصلاة)) وحكمة الإعادة للزجر؛ لأنَّه واقف في عبادة الله عزَّ وجلَّ، فينبغي أن يكون على أكمل الأوصاف، ((ولم يعد الوضوء)) ؛ لعدم انتقاضه بذلك، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه منهم الليث، وهو قول مالك والشافعي، وأمَّا التبسم؛ وهو ما لا صوت له أصلًا بل تبدو أسنانه فقط؛ فهو غير مبطل للوضوء والصلاة جميعًا، وظاهره أنَّ التبسم في الصلاة غير مكروه، كما في «البحر»، لكن في «شرح الملتقى» للداماد [1] أنَّه قال: (تكره الصلاة به؛ لأنَّه ينافي الخشوع) انتهى.

وأمَّا القهقهة؛ فإنَّها تنقض الوضوء عند الإمام الأعظم، وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وهي كما قاله في «البحر»: (أن يقول: قه قه؛ لغة، واصطلاحًا: ما يكون مسموعًا له ولجيرانه بدت أسنانه أو لا) انتهى، وفي «المنية»: (وحد القهقهة: قال بعضهم: ما يظهر القاف والهاء، ويكون مسموعًا له ولجيرانه، وقال بعضهم: إذا بدت نواجذه، ومنعه عن القراءة) انتهى، في «القاموس»: (قهقه: رجَّع _بالتشديد_ في ضحكه، أو اشتد ضحكه؛ كـ«قهَّ» فيهما، أو «قهَّ»: قال في ضحكه: قه) انتهى وهو موافق لما قاله في «البحر».

ويشترط إظهار الهاء والقاف، أو بدل القاف وهو الألف مع الهاء، وهو المستعمل في كلام الناس، والمراد: من بقربه هم أهل مجلسه، فيشترط سماع جميع أهل مجلسه، فلو سمع بعضهم، ولم يسمع البعض الآخر؛ لا تكون قهقهة، بل هو ضحك غير مفسد للوضوء، كذا قاله شيخ شيخنا، واعتمده في «منهل الطلاب»؛ فليحفظ؛ لما رواه الدارقطني، عن أبي المليح، عن أبيه: بينا نحن نصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ أقبل رجل ضرير البصر فوقع في حفرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ضحك منكم؛ فليعد الوضوء والصلاة»، ورواه أيضًا من حديث أنس، وعمران بن حصين، وأبي هريرة، والمراد من قوله: من ضحك في الصلاة فقهقه؛ فليعد الوضوء والصلاة، رواه ابن عدي في «الكامل» من حديث بقية عن ابن عمر رضي الله عنهما، والأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا، وما زعمه ابن الجوزي: من أنَّ بقية مدلس؛ ممنوع؛ فإنَّ بقية قد صرَّح بالتحديث، وهو صدوق كما وثَّقه الحفَّاظ.

على أنَّ لنا في هذا الباب أحد عشر حديثًا عن النبيِّ الأعظم عليه السلام، منها أربعة مرسلة، وسبعة مسندة:

فأول المراسيل: حديث أبي العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري، رواه عنه عبد الرزاق، عن قتادة، عن أبي العالية، وهو عدل ثقة، وثَّقه يحيى، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وروى له الجماعة: (أن أعمًى تردَّى في بئر، والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه، فضحك بعض من كان يصلي معه عليه السلام، فأمر عليه السلام من كان معهم أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة) ، وأخرجه[/ص142/] الدارقطني من جهة عبد الرزاق في «مسنده»، وعبد الرزاق فمن فوقه من رجال «الصحيحين»، وقال ابن رشد المالكي: (هو مرسل صحيح) ، ولم يعتلَّ الشافعي إلَّا بإرساله، والمرسل حجَّة عندنا وعند مالك وأحمد، كما حكاه ابن العربي وابن الجوزي، وروي ذلك أيضًا من طرق [2] سبعة متصلة [ذكرها جماعة، منهم ابن الجوزي.

والثاني من المراسيل: مرسل الحسن البصري رواه الدارقطني] [3] بإسناده إليه، وهو أيضًا مرسل صحيح.

والثالث: مرسل النخعي، رواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن النخعي قال: «جاء رجل ضرير البصر، والنبي عليه السلام يصلي...»؛ الحديث.

والرابع: مرسل معبد الجهني، روي عنه من طرق متعددة.

وأول المسانيد: حديث عبد الله بن عمر، وقد ذكرناه.

والثاني: حديث أنس بن مالك رواه الدارقطني من طرق متعددة.

والثالث: حديث أبي هريرة من رواية أبي أمية، عن الحسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «من ضحك في الصلاة؛ أعاد الوضوء وأعاد الصلاة»، رواه الدارقطني.

والرابع: حديث عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من ضحك في الصلاة قرقرة؛ فليعد الوضوء والصلاة».

والخامس: حديث جابر، أخرجه الدارقطني.

والسادس: حديث أبي المليح بن أسامة، أخرجه الدارقطني أيضًا، كما ذكرناه.

والسابع: حديث رجل من الأنصار: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي، فمرَّ رجل في بصره سوءٌ، فتردَّى في بئر، فضحك طوائف من القوم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة) ، رواه الدارقطني وغيره.

وزعم ابن حجر حاكيًا عمَّا زعمه ابن المنذر: (أجمعوا أنَّه لا ينقض خارج الصلاة، واختلفوا إذا وقع فيها؛ فخالف من قال بالقياس الجلي، أو تمسكوا بحديثٍ لا يصح، وحاشا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم خير القرون أن يضحكوا بين يدي الله تعالى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم) .

قال في «عمدة القاري»: (قلت: هذا الزاعم أعجبه هذا الكلام المشوب بالطعن على التابعين الأئمة الكبار، وفساده ظاهر من وجوه:

الأول: كيف يجوز التمسك بالقياس مع وجود الأخبار المشتملة على المراسيل والمسانيد؟! والمراسيل مع كونها حجة عندهم، فما قاله افتراء وتعصب.

والثاني: أن قوله: «تمسكوا بحديث» لا يصح، وليس كما زعم، بل تمسكوا بالأحاديث الصحيحة المتواترة المكررة، واختلاف طرقها ومتونها ورواتها دليل قوتها وصحتها، فهذا الزعم باطل لا أحد يعرج عليه من الجهال المتعصِّبين فضلًا عن العلماء الموصوفين.

والثالث: قوله: «حاشا من أصحاب رسول الله عليه السلام...» إلى آخره: هذا طعن في الأحاديث الصحيحة، وهو مردود عليه؛ لأنَّه كان يصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة وغيرهم من المنافقين والأعراب الجهال، وهذا من باب حسن الظن بهم، وإلا فليس الضحك كبيرة، وهم ليسوا من الصغائر بمعصومين، ولا عن الكبائر على تقدير كونه كبيرة، ومع هذا قد وقع من الأحداث في حضرته عليه السلام ما هو أشد وأعظم من هذا، فما زعمه باطل لا يعتد به) .

وزعم ابن حجر بعد نقله عن ابن المنذر الذي ذكرناه على: (أنَّهم لم يأخذوا بمفهوم الخبر المروي في الضحك، بل خصُّوه بالقهقهة) .

قلت: هذا كلام من لا ذوق له في دقائق التركيب، وقد زاد في الطنبور نغمة على ابن المنذر، وكيف لم يأخذوا بمفهوم الخبر المروي في الضحك؟ ولو لم يأخذوا ما قالوا: الضحك يفسد الصلاة، ولا خصُّوه بالقهقهة، وقد ذكر صريحًا، كما جاء في حديث ابن عمر صريحًا، وجاء أيضًا بلفظ: (القرقرة) في حديث عمران بن حصين، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا، فهذا الزعم باطل لا أصل له، بل هو زور وبهتان، كما لا يخفى على من له أدنى بيان.

وإنما تنقض الوضوء القهقهة إذا صدرت من بالغ رجل أو امرأة، أمَّا قهقهة الصبي؛ فلا تنقض وضوءه إجماعًا، وتفسد صلاته، كذا في «المصفى» و«السراج»، ورجحه في «البحر»، ولا بد أن يكون البالغ يقظانًا، أمَّا قهقهة النائم في الصلاة؛ ففيها [4] قولان مصححان، واختار في «فتح القدير»: أنَّها تفسد الصلاة ولا تنقض الوضوء، وبه يفتى، كما في «الدر المختار»، وأمَّا قهقهة الناسي في الصلاة؛ فجزم في «التبيين» بالنقض؛ لأنَّ حالة الصلاة مذكِّرة، ورجحه في «البحر»، ومثل الناسي الساهي، كما في «الدر»، فإنَّه إذا تقهقه في الصلاة ساهيًا؛ انتقض وضوءُه على المختار، ولا بد أن تكون القهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود، فلا تنقض القهقهة في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، لكن يبطلان، والتيمم كالوضوء، واتفقوا على أنَّ القهقهة لا تبطل الغسل، واختلفوا هل الوضوء الذي في ضمن الغسل ينتقض بها؟ فعلى قول عامة المشايخ: لا ينتقض، وهو الأصح، كما في «شرح الملتقى»، وصحَّح المتأخرون النقض، وهو اختيار الإمام قاضيخان، ورجحه في «البحر»، وقال غير واحد: إنَّه الصحيح، وهو الأحوط، والله أعلم.

واختلف في القهقهة؛ فقيل: إنها من الأحداث، وقيل: إنَّها ليست من الأحداث، وإنما وجب الوضوء بها زجرًا [5] وعقوبة، وهو المعتمد، كما رجحه في «البحر» و«النهر» وغيرهما؛ لأنَّه الموافق للأحاديث المرويَّة فيها؛ لأنَّه ليس فيها إلا الأمر بالإعادة للوضوء والصلاة، ولا يلزم منه كونها حدثًا، وتمامه في «منهل الطلاب».

((وقال الحسن)) ؛ أي: البصري، مما وصله ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور بإسناد صحيح: ((إن أخذ من شعره)) أي: شعر رأسه أو شاربه ((أو)) من ((أظفاره)) ، ولابن عساكر: (وأظفاره) ؛ -بالواو- بعد الوضوء؛ فلا وضوء عليه، وكذا لو قشط خفه بعد مسحه؛ فلا إعادة عليه، والمراد من أخذ الشعر ما هو أعم؛ فيشمل القص والحلق والنتف بالنسبة للإبط، فلا إعادة عليه ولا مسحه في الجميع، خلافًا لأبي العالية، والحكم، وحماد، ومجاهد، وقال عطاء والنخعي والشافعي: (يمسه الماء) ، ((أو خلع)) وفي رواية: بالواو ((خفيه)) أو أحدهما بعد المسح عليهما؛ ((فلا وضوء عليه)) ، بل يغسلهما إذا أراد الوضوء، وبه قال الإمام الأعظم، والثوري، وأبو ثور، والشافعي في الجديد، والمزني، وقال مكحول، والنخعي، وابن أبي ليلى، والزهري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: (يستأنف الوضوء) ، وبه قال الشافعي في القديم، وقال مالك والليث: (يغسل رجليه مكانه، فإن لم يفعل؛ استأنف الوضوء) ، وقال الحسن البصري وقتادة وروي عن النخعي: (أنه لا شيء عليه ويصلي) .

((وقال أبو هريرة)) عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه، مما وصله إسماعيل القاضي في «الأحكام» بإسناد صحيح من طريق مجاهد عنه موقوفًا: ((لا وضوء إلا من حدث)) وهو لغة: الشيء الحادث، ثم نقل إلى المعاني الناقضة للطهارة، وإلى المنع المترتب عليها مجازًا، من باب قصر العام على الخاص، والأول هو المراد هنا، فالحدث عام في سائر الأحداث لا يختص بحدث دون حدث، فيشمل الخارج من السبيلين، والإغماء، والدم، والنوم، والجنون، والقهقهة وغيرها، ولا معنى لتخصيصه بالخارج من السبيلين؛ لأنَّ اللفظ عامٌّ، ولا دليل على التخصيص، والأصل عدمه، ومدَّعيه مطالَب بالدليل؛ فافهم.

((ويُذكر)) بضم المثناة ((عن جابر)) رضي الله عنه، مما وصله ابن إسحاق في «المغازي»، وأخرجه أحمد في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه» وصحَّحه، وابن حبان في «صحيحه»، والدارقطني في «سننه»؛ كلهم من طريق ابن إسحاق، وإذا كان الحديث صحيحًا؛ فلمَ لم يجزم به المؤلف، وذكره بصيغة التمريض؟! لأجل الاختلاف في ابن إسحاق، كما في «عمدة القاري»، وما أجاب به ابن حجر والكرماني، فلا يعوَّل عليه؛ لأنَّه لا يقوله من له أدنى معرفة في العلم؛ فافهم.

((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة ذات الرِّقاع)) ؛ بكسر الرَّاء، جمع رُقعة؛ بضمها، سميت باسم شجرة هناك، وقيل: باسم جبل هناك فيه بياض وسواد وحمرة يقال له: الرِّقاع، فسميت به، وقيل: سميت به؛ لرقاع كانت في ألويتهم، وقيل: لأنَّ أقدامهم نقبت، فلفُّوا عليها الخرق، وهذا هو الصحيح؛ لأنَّ أبا موسى حاضر ذلك شاهده، وقد أخبر به، وكانت تلك الغزوة في سنة أربع من الهجرة، وذكر المؤلف:

[/ص143/] أنها كانت بعد خيبر؛ لأنَّ أبا موسى جاء بعد خيبر، كذا في «عمدة القاري».

((فرُمي)) بالبناء للمفعول ((رجل)) هو عباد بن بشر ((بسهم)) من رجل من المشركين، وهو قائم يصلي، ( (فنزَف الدم)) ؛ بفتح الزاي، وفي رواية: (فنزفه الدم) ؛ أي: خرج منه دم كثير حتى يضعف، كذا قاله الجوهري، وقول ابن التين: (كذا رويناه، والذي عند أهل اللغة: «نُزف» على صيغة المجهول؛ أي: سال دمه) فيه نظر؛ فافهم.

((فركع)) أي: الرجل، ((وسجد، ومضى في صلاته)) ؛ أي: لم يقطعها، فاستدلَّ به الشافعي على أنَّ الدم إذا خرج وسال؛ لا ينقض الوضوء، والاستدلال غير ظاهر؛ لأنَّه يحتمل أنَّ الرجل قد قضى تلك الصلاة بعد أنَّ عصب جراحته، ومضيُّه فيها كان لعدم علمه بخروج الدم؛ بدليل ما في الحديث المذكور، ولمَّا رأى المهاجري بالأنصاري من الدماء؛ قال: سبحان الله! ألا نبهتني أول ما رمى؟ قال: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحبَّ أن أقطعها، فنسب عدم القطع للسورة لا للصلاة، وهذا يدلَّ على أن المهاجري أنكر عليه ذلك حيث رآه في الصلاة ودمه سائل على ثيابه وبدنه، وهو يدلَّ على أن الأنصاري كان لا يعلم الحكم؛ لكونه حديث عهد بالإسلام، فعلم بذلك أنَّه لا يدري سيلان الدم منه فمضى في صلاته ثم قضاها، والدليل إذا طرقه الاحتمال؛ لا يصح الاحتجاج به.

على أنَّ احتجاج الشافعي بالحديث مشكل جدًّا؛ لأنَّ الدم إذا سال؛ أصاب بدنه ورجله، وربما أصاب ثوبه وثيابه، ونزل عليه من الدماء، ومع إصابة شيء من ذلك، فإن كان يسيرًا؛ لا تصح الصلاة معه عنده، فكيف بالكثير الفاحش؟

وأجابوا عن ذلك: بأنَّ الدم كان يخرج من الجراحة على سبيل الزَّرَق حتى لا يصيب شيئًا من ظاهر بدنه.

قلت: وهو بعيد جدًّا؛ لأنَّ الإنسان إذا جرحه موسًى أو قلم طراش جرحًا يسيرًا؛ لا بدَّ وأنَّ الدم يبقى على رأس الجرح؛ لأنَّ الدم ليس له قوة السيلان كالماء، بل هو ثقيل، وبمجرد خروجه يتجمَّد ويلطخ بالبدن والثوب، كما هو مشاهد بالعينين.

وحاول ابن حجر الاستدلال لإمامه، وجعله للمؤلف حيث قال: (والظاهر: أنَّ المؤلف يرى أنَّ خروج الدم في الصلاة لا تبطل بدليل أنه ذكر عقيبه أثر الحسن) .

قلت: وهذه المحاولة لضعف استدلال إمامه فجعله للمؤلف، وهو بعيد غير صحيح أيضًا، فإن المؤلف لم ير ذلك ولا قال به، ونسبته لهذا القول رجمًا بالزعم الباطل، وأثر الحسن لا يدلُّ على شيء من ذلك أصلًا؛ لأنَّه لا يلزم من قوله: (يصلُّون في جراحاتهم) أن يكون الدم خارجًا سائلًا، ومن له جراحة؛ لا يترك الصلاة لأجلها، بل يصلي وجراحته إمَّا معصبة بشيء أو مربوطة بجبيرة، ومع ذلك لو خرج شيء من ذلك؛ لا تفسد صلاته بمجرد الخروج، ولا بدَّ من السيلان وخروجه إلى موضع يلحقه حكم التطهير؛ فافهم.

واحتج أئمتنا الحنفية بأحاديث كثيرة صحيحة منها: ما رواه الإمام المؤلف في هذا الصحيح عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله؛ إني أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إنَّما ذلك عرق، وليس بحيضة، فإذا أقبلت الحيضة؛ فدعي الصلاة، وإذا أدبرت؛ فاغسلي عنك الدم» قال هشام: (قال: أي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت) ، فهذا دليل واضح على أن سيال الدم ناقض للوضوء، لا يقال: قوله: «توضئي لكل صلاة» من كلام عروة؛ لأنَّ الترمذي لم يجعله من كلام عروة وصحَّحه، ولنا أحاديث غيره ستأتيك إن شاء الله تعالى؛ فافهم.

((وقال الحسن)) أي: البصري: ((ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم)) ؛ جمع جِراحة؛ بكسر الجيم فيهما؛ أي: يصلون في جراحاتهم من غير سيلان الدم بأن تشدَّ بجبيرة أو تعصب بشيء، والدليل على ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، عن هشيم، عن يونس، عن الحسن: (أنَّه كان لا يرى الوضوء من الدم إلا ما كان سائلًا) ، هذا الذي روي عن الحسن بإسناد صحيح هو مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، وهو حجة لهم على الخصم، فبطل بذلك قول القائل: (لكونه يرد ما ذهب إليه ويبطل ما اعتمد عليه) ، وليس هذا شأن المصنفين، وإنَّما هو دأب المعاندين المتعصبين الذين يدقون الحديد البارد على السندان، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فافهم.

واعترض القسطلاني: (بأنَّ الأثر الذي رواه المؤلف ليس هو الذي ذكره ابن أبي شيبة، فإنَّ الأول روايته عن الصحابة وغيرهم والثاني مذهبٌ للحسن) انتهى.

قلت: وهو ممنوع، بل الذي ذكره المؤلف هو عين ما ذكره ابن [أبي] شيبة، وهما في الحقيقة واحد، لكن دأب المؤلف الاختصار، فاقتصر المؤلف بهذه العبارة لبيان غرضه، وأحال على ما ذكره ابن أبي شيبة، وكلُّ ذلك مروي عن الصحابة، وهو مذهب الحسن؛ لأنَّه لو كان الأول روايته عن الصحابة والثاني مذهبٌ له؛ لكان مذهب الحسن مخالفًا لأقوال الصحابة، ويلزم منه القول بالرأي، وإذا وُجِدت أقوال الصحابة؛ لا مساغ للرأي عند وجودها، فثبت بذلك أنَّ الأثر المذكور وإن كان في الظاهر أنَّه أثران؛ لكنهما في الحقيقة أثر واحد مرويٌّ عن الصحابة، وهو مذهب الحسن؛ فافهم، ومنشأ الاعتراض إنَّما هو من التعصب والمحاولة؛ فافهم.

((وقال طاووس)) ؛ هو ابن كيسان اليماني الحميري، واسمه ذكوان، وسمي طاووسًا؛ لأنَّه كان طاووس القراء، ووصل أثره ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن عبد الله بن موسى، عن حنظلة، عن طاووس، توفِّي طاووسًا بمكة يوم التَّروية سنة ست ومئة، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، ((و)) قال (محمد بن علي) ؛ أي: ابن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، الهاشمي، المدني، أبو جعفر المعروف بالباقر، سمي به؛ لأنَّه بقر العلم؛ أي: شقَّه [6] بحيث عرف حقائقه، وتوفي سنة أربع عشرة ومئة، وزعم الكرماني: (أنه يحتمل أن يكون محمد بن علي المشهور بابن الحنفية) ، وهو بعيد؛ لأنَّ عادة المؤلف إذا روى عن ابن الحنفية؛ صرح بقوله: (عن ابن الحنفية) ، ولم يصرح بـ (محمد بن علي) ويطلق، وهو دليل على أنَّه هنا ما ذكرناه؛ فافهم، وهذا الأثر وصله أبو بشر المشهور بسمويه في «فوائده» من طريق الأعمش، ((و)) قال ((عطاء)) ؛ بالمد: هو ابن أبي رباح، وأثره وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه، ((و)) قال ((أهل الحجاز)) ؛ من عطف العام على الخاص؛ لأنَّ طاووسًا ومحمد بن علي وعطاء حجازيون، وغير هؤلاء الثلاثة مثل سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والفقهاء السبعة من أهل المدينة، ومالك، والشافعي، وآخرون: ((ليس في الدم)) السائل ((وضوء)) بل يغسل عنه الدم، وقال الإمام الأعظم، وأصحابه، وجماعة من الصحابة، والتابعين، وأبو عمرو، والثوري، والحسن ابن حيٍّ، وعبيد الله بن الحسن، والأوزاعي، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق ابن راهويه: (إن الدم إذا سال ينقض الوضوء؛ لما رواه الدارقطني: «إلا أن يكون دمًا سائلًا»، وفيه أحاديث أخرى دالَّة على ذلك، فإن كان الدم يسيرًا غير خارج ولا سائل؛ فإنَّه لا ينقض الوضوء عندهم جميعًا، وما أعلم أحدًا [7] أوجب الوضوء من يسير الدم إلا مجاهد وحده، وهذا الأثر ليس بحجة لمن قال: ليس في الدم السائل وضوء؛ لأنَّهم لا يرون العمل بفعل التابعين، ولا هو حجة على السادة الحنفية ومن تابعهم؛ لأنَّه لا يدل على أنَّ طاووسًا ومن معه كانوا يصلُّون والدم سائل؛ لأنَّ ذلك متعذر، ولئن سلَّمنا ذلك؛ فهو اجتهاد منهم، وقد قال الإمام الأعظم التابعي الجليل: «التابعون رجال، ونحن رجال يزاحمون ونزاحمهم»؛ والمعنى: أن أحدًا منهم إذا أدَّاه اجتهاده إلى شيء لا يلزمنا الأخذ به، بل نجتهد كما اجتهدوا، فما أدى اجتهادنا إليه؛ عملنا به وتركنا اجتهادهم، والظاهر: أنَّ هذا الأثر ليس بمروي عن النبي عليه السلام، وإنما هو اجتهاد منهم، فلا يلزمنا اتباعهم، بل نتبع المرويَّ عن النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم صريحًا، فإنَّه صرَّح بلزوم الوضوء من الدم السائل، وهو مذهبنا، وهو الحقُّ، وأدين الله عليه، والله أعلم.

((وعصر)) عبد الله ((ابن عمر)) بن الخطاب رضي الله عنهما، مما وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ((بَثْرة)) ؛ أي: واحدة في وجهه، كما صرح به[/ص144/] ابن أبي شيبة، وهي بفتح الموحَّدة وسكون المثلَّثة، ويجوز فتحها: الخراج الصغير، كالجدري، ((فخرج منها)) ؛ أي: من البثرة ((دم)) وعند [ابن] أبي شيبة: (فخرج منها شيء من دم فحكَّه بين أصبعيه، ثم صلى) ((ولم يتوضأ)) ؛ لأنَّه غير ناقض للوضوء؛ لعدم سيلانه، ولا فيه قوة السيلان، كما لو تخلل بعود فخرج عليه دم لا ينتقض؛ لأنَّه غير سائل، وقال في «الهداية»: ولو خرج الدم بالعصر وكان بحيث لو لم يعصر؛ لم يسل؛ قالوا: لا ينقض؛ لأنَّه ليس بخارج، وإنما هو مُخرَج، وهو المختار، وهو ظاهر عبارة القدوري، لكن اختار في «فتح القدير» عن «الكافي» النقض قال: (وهو الأصح، واعتمده غير واحد) .

قلت: والمعتبر عين السيلان، ولو بالقوة؛ لما قالوا: لو مسح الدم كلما خرج، ولو تركه لسال؛ نقض، وإلا؛ فلا، وكذا لو وضع عليه قطنة أو شيئًا آخر حتى ينشف، ثم وضعه ثانيًا وثالثًا، فإنه يجمع جميع ما نشف، فإن كان بحيث لو تركه سال؛ نقض، وإلا؛ فلا، وإنما يعرف ذلك بالاجتهاد وغلبة الظن، كذا في أكثر المعتبرات، فإذًا المعتبر السيلان، وفي مسألتنا لم يوجد السيلان ولو بالقوة؛ فلا نَقْضَ للوضوء أصلًا، فهذا حجَّة لمذهب الإمام الأعظم وأصحابه رضي الله عنهم؛ فافهم.

((وبزق)) ؛ بالزاي والسين والصَّاد بمعنًى واحد، كذا قاله في «عمدة القاري»، ((ابن أبي أوفَى)) ؛ بفتح الفاء، هو عبد الله، واسم أبي أوفى: علقمة بن الحارث، الصحابي بن الصحابي، شهد بيعة الرضوان وما بعدها من المشاهد، ولم يزل بالمدينة حتى قُبِض النبي الأعظم عليه السلام، وقال في حقِّه عليه السلام: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى»، ثم انتقل إلى الكوفة، وتوفِّي بها سنة سبع وثمانين، وقد كُفَّ بصره، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة، وهذا عبد الله بن أبي أوفى أحد من رأى الإمامُ الأعظمُ من الصحابة وروى عنه، وكان عمر الإمام الأعظم حينئذ سبع سنين، لأنَّ مولده رضي الله عنه كان سنة ثمانين على الصحيح، وقيل: سنة سبعين، وعليه فيكون حين رآه عمره سبع عشرة سنة.

وقد صح أن الإمام الأعظم قد سمع الحديث من سبعة من الصحابة، كما بسطه في أواخر «منية المفتي»، وذكر شمس الدين بن عربشاه الأنصاري في «منظومته» ثمانية من الصحابة ممن روى عنهم الإمام الأعظم: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن أبي أوفى، وعامر بن الطفيل، وعبد الله بن أنيس، وواثلة بن الأسقع، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وسهل بن سعد، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن بسر، ومحمود بن ربيع رضي الله تعالى عنهم، فهو من التابعين، كما جزم به الحافظ الذهبي، وابن حجر العسقلاني، والبدر العيني وغيرهم من الحفاظ، وأدرك بالسن نحو عشرين صحابيًّا، كما بسطه في أوائل «الضياء المعنوي»، وزاد عليه في «تنوير الصحيفة»، وقد اتَّبعه على مذهبه كثير من الأولياء الكرام؛ كإبراهيم بن أدهم، وشقيق البلخي، ومعروف الكرخي، وأبي يزيد البسطامي، وفضيل بن عياض الخراساني، وداود بن نصر الطائي، وأبي حامد اللفاف، وخلف بن أيوب، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجرَّاح، وأبي بكر الورَّاق، وغيرهم ممن لا يُحصَون، وقال أبو القاسم القشيري: (سمعت أبا علي الدقاق يقول: أخذت هذه الطريقة عن أبي القاسم النصرباذي، وقال: أنا أخذتها من الشبلي، وهو أخذها من السري السقطي، وهو من معروف الكرخي، وهو من داود الطائي، وهو أخذ العلم والطريقة من الإمام الأعظم رضي الله عنهم، وكلٌّ منهم قد أثنى عليه، وأقر بفضله) ، وقال ابن المبارك في حقِّه رضي الله عنه:

~لقد زان البلادَ ومن عليها إمَامُ المسْلِمينَ أبُو حَنِيفةْ

~بأحكامِ وآثارِ وفقهٍ كآيَاتِ الزَّبُورِ عَلَى صَّحِيفَةْ

~فما في المشرقين له نظيرٌ ولا في المغربين ولا بكوفةْ

~يبيت مشمِّرًا سَهَرَ الليالي وصام نهاره لله خيفةْ

~فمن كأبي حنيفة في علاه إمام للخليقة والخليفةْ

~رأيت العائبين له سفاهًا خلاف الحق مع حجج ضعيفةْ

~وكيف يحل أن يؤذى فقيه له في الأرض آثار شريفةْ؟

~وقد قال ابن إدريسٍ مقالًا صحيح النقل في حكمٍ لطيفةْ

~بأنَّ الناس في فقه عيالٌ على فقه الإمام أبي حنيفةْ

~فلعنة ربنا أعداد رمل على من رد قول أبي حنيفةْ

فأشار رضي الله عنه بابن إدريس، وهو الإمام الشافعي حيث قال: (الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه) ، وقد تزوج الإمام محمد الشيباني بأم الشافعي، ففوض إليه كتبه وماله، فبسببه صار الشافعي فقيهًا، ولقد أنصف الشافعي حيث قال: (من أراد الفقه؛ فليلزم أصحاب أبي حنيفة، فإنَّ المعاني قد تيسَّرت لهم، والله ما صرت فقيهًا إلَّا بكتب محمد بن الحسن) ، وقال: (إن من أمنِّ الناس عليَّ في الفقه محمد بن الحسن) ، كذا ذكره غير واحد من الحنفية والشافعية حتى ابن حجر في «التحفة»، ولا يلتفت إلى قول المعاندين المتعصبين، وليس مثلهم إلا كمثل الذباب وقع تحت ذنب جواد في حالة كرِّه وفرِّه، ولا يخفى أن النقي لا يغيره مقل الذباب، كما أن البحر لا يفسده ولوغ الكلاب، ولله درُّ من قال:

~يَا نَاطِحَ الْجَبَلِ الْعَالِي لِيُكْلِمَهُ أَشْفِقْ عَلَى الرَّأْسِ لَا تُشْفِقْ عَلَى الْجَبَلِ

ومنشأ ذلك أنه لما شاعت فضائل الإمام الأعظم، وظهرت رفعته، ولم يظهر لأحد من الأئمة المشهورين مثل ما ظهر له من الأصحاب والتلاميذ، ولم ينتفع الناس والعلماء بمثل ما انتفعوا به وبأصحابه في تفسير الأحاديث المشتبهة، والمسائل المستنبطة، والنوازل والقضايا والأحكام، وما قال قولًا إلا أخذ به إمام من الأئمة الأعلام، وقد جعل الله الحكم لأصحابه وأتباعه من زمنه إلى هذه الأيام، إلى أن يحكم بمذهبه عيسى عليه السلام، كما في «الدر» و«القهستاني» يدل لذلك ما ذكره أهل الكشف أن مذهبه آخر المذاهب انقطاعًا، كما قاله الشعراني في «الميزان»؛ تكلموا فيه بما يليق بهم، كما تكلموا في مالك والشافعي وأحمد، بل وفي الصدِّيق وعمر وعثمان وعلي،وكل الصحابة، ولله درُّ من قال:

~وَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْجُو مِنِ النَّاسِ سَالِمًا وَلِلنَّاسِ قَالٌ بِالظُّنُونِ وَقِيلُ

وقد انتصر للإمام الأعظم السيوطي في «تبييض الصحيفة»، وابن حجر في «الخيرات الحسان»، وابن عبد الهادي الحنبلي في «تنوير الصحيفة» وغيرهم من الأئمة الأعلام، ولله درُّ القائل:

~حَسْبِي مِنِ الْخَيْرَاتِ مَا أَعْدَدْته يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي رِضَا الرَّحْمَنِ

~دِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ خَيْرِ الْوَرَى ثُمَّ اعْتِقَادِي مَذْهَبَ النُّعْمَانِي

وقد نظم بعض الأفاضل تاريخ مولد الإمام الأعظم ووفاته، ومولد الإمام مالك ووفاته، ومولد الإمام الشافعي ووفاته، ومولد الإمام أحمد ووفاته؛ مشيرًا إليه بحروف الجُمَل لكل إمام منهم ثلاث كلمات على هذا الترتيب حيث قال:

~تَارِيخُ نُعْمَانَ يَكُنْ سَيْفٌ سَطَا وَمَالِكٌ فِي قَطْعِ جَوْفٍ ضُبِطَا

~وَالشَّافِعِيُّ صَيِّنٌ بِيْرٌ نَدٍ وَأَحْمَدٌ بِسَبْقِ أَمْرٍ جُعِّدَا

~فَاحْسبْ عَلَى تَرْتِيبِ نَظْمِ الشِّعْرِ مِيلَادَهُمْ فَمَوْتُهُمْ كَالْعُمُرِ

وفيه إشارة إلى أنهم على هذا الترتيب كترتيب الخلفاء الراشدين: الإمام الأعظم، فمالك، فالشافعي، فأحمد رضي الله عنهم.

[/ص145/] وهذا الأثر وصله سفيان الثوري في «جامعه»، عن عطاء بن السائب، ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» بسند جيد، عن عبد الوهاب الثقفي، عن عطاء بن السائب قال: رأيت ابن أبي أوفى بزق ((دمًا)) مخلوطًا بالبزاق، وهو يصلي من غير إظهار حروف، ((فمضى في صلاته)) ؛ أي: استمر فيها؛ لعدم انتقاض طهره بذلك؛ لأنَّ الدم الذي يخرج من الفم إن كان من جوفه؛ فغير ناقض للوضوء عند الإمام محمد، كما في «التاترخانية»، وهو الصحيح، كما في «المحيط» و«السراج»، وإن كان من بين أسنانه؛ فالمعتبر للغلبة للبزاق وللدم، فإن غلب البزاق على الدم لا يَنْقُض، كما في مسألتنا، وإن غلب الدم؛ نقض، والغلبة تُعلَم من حيث اللون؛ فإن كان الدم المخلوط لونه أصفر؛ فهو مغلوب لا يَنْقُض، وإن كان شديد الحمرة؛ فهو غالب، وإن لم تشتدَّ حمرته؛ فمساوٍ، وهما ناقضان احتياطًا، ولم يتعرض الراوي لذلك، وظاهر كلامه هذا.

وقد روى ابن أبي شيبة عن الحسن في رجل بزق فرأى في بزاقه دمًا: أنه لم يرَ ذلك شيئًا حتى يكون عبيطًا، وروي عن ابن سيرين: (أنه ربما بزق، فيقول لرجل: انظر هل تغير الريق؟ فإن قال: تغير يبزق الثانية، فإن كان في الثالثة متغيِّرًا؛ فإنَّه يتوضأ، وإن لم يكن في الثالثة متغيِّرًا؛ لم يرَ الوضوء) .

قلت: والتغيير لا يكون إلا بالغلبة، كما ذكرنا؛ فافهم، والله تعالى الكريم أعلم.

((وقال ابن عمر)) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ((و)) قال ((الحسن)) ؛ أي: البصري، وهذان الأثران رواهما ابن أبي شيبة في «مصنفه» ((فيمن يَحْتَجِم)) وللأربعة: (فيمن احتجم) : ((ليس عليه إلا غَسْلُ مَحَاجمه)) جمع مَحجمة _بفتح الميم_: مكان الحجامة، وبكسر الميم: اسم للقارورة، والمراد هنا الأول، وسقط لفظة: (إلا) عند أكثر الرواة؛ يعني: أن الوضوء ينتقض بالحجامة، وعليه غسل مكان الحجامة؛ لأنَّها تنجَّست بالدم النجس، فإنَّ هذين الأثرين مبنيان على سؤال سائل سأل: إذا احتجم الرجل هل يَنْجُسُ مكان الحجامة؟ فأجابا: بأنَّه يلزمه غسل مكان الحجامة؛ يعني: وإذا كان متوضِّئًا؛ ينتقض وضوءُه، فلا دلالة فيه على أنَّ الحجامة لا تنقض الوضوء؛ لأنَّه لم يصرِّح بالوضوء؛ هل السائل متوضِّئ أم لا؟ والظاهر: أن السؤال وقع عن مكان الحجامة، هل تنجس؛ فيلزم غسله، أو طاهر؛ فلا يلزم؟ ويدل لهذا لفظ أثر ابن عمر: (أنه كان إذا احتجم؛ غسل أثر محاجمه) ، وأثر الحسن: أنه كان يقول: (يغسل أثر المحاجم) ، ففي كلٍّ منهما لم يتعرض لذكر الوضوء، فدلَّ على أن الوضوء ينتقض، ويلزمه غسل محاجمه، وهو مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، والإمام أحمد ابن حنبل وغيرهم.

وقال في «عمدة القاري»: (الدم الذي يخرج من موضع الحجامة مُخرَج وليس بخارج، والنقض يتعلق بالخارج، فإذا احتجم وخرج الدم في المَحْجَمِ بمصِّ الحجَّام ولم يَسِلْ ولم يلحق إلى موضع يلحقه حكم التطهير؛ فعلى الأصل المذكور: الوضوء لا ينتقض، ولكن لا بدَّ من غسل مَحَاجمه بأي شيء كان) انتهى.

ولئن سلمنا أنَّه على ظاهره غير ناقض؛ فهو ليس بحجة على الأئمة الحنفية والحنابلة؛ لأنَّه إن كان من أقوال الصحابة؛ فالمروي عن النبي الأعظم عليه السلام بالنقض بالدم أحق وأولى بالاتباع، وأقوال الصحابة لها تأويل ومحمل صحيح، ولا تأويل ولا محمل لأقوال النبي الأعظم عليه السلام، وإن كان من قول التابعين؛ فليس بحجة عليهم؛ لأنَّه لا يلزمنا الأخذ بما اجتهدوا به؛ لأنَّ كلَّ واحد من التابعين له اجتهاد خاصٌّ، فلا يلزم الأخذ باجتهاده، فهم رجال ونحن رجال، كما قدمناه؛ فافهم.

[1] في الأصل: (للدامات).
[2] في الأصل: (طريق).
[3] ما بين معقوفين سقط من الأصل، استفدناه من «عمدة القاري».
[4] في الأصل: (ففيه) .
[5] في الأصل: (جزرًا)، وهو تحريف عن المثبت.
[6] في الأصل: (سنَّه)، ولعل المثبت هو الصواب.
[7] في الأصل: (أحد) .