متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

175- وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بن سَخْبَرة؛ بفتح المُهمَلَة، وسكون المُعجَمَة، وفتح المُوحَّدَة، النَّمريُّ الأزديُّ البصريُّ، أبو عمر، الحوضيُّ، ثقةٌ ثَبْتٌ، عيبَ بأخذ الأجرة على الحديث، من كبار العاشرة، تُوفِّي سنة خمسٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ)؛ بفتح السِّين والفاء، عبد الله بن [1] سعيد بن يحمد [2] أو أحمد الهمدانيِّ الكوفيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ)؛ بفتح الشِّين المُعجَمة، واسمه: عامرٌ، (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ)؛ أي: ابن عبد الله بن سعد [3] بن الحَشْرج؛ بفتح المُهمَلة، وسكون المُعجَمة، آخره جيمٌ، الصَّحابيِّ الشَّهير الطَّائيِّ، المُتوفَّى بالكوفة زمن المختار سنة ثمانٍ وستِّين، وقِيلَ: إنَّه عاش مئةً وثمانين سنةً، له في «البخاريِّ» سبعة أحاديث (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) عن حكم صيد الكلاب، كما صرَّح به المؤلِّف في كتاب «الصَّيد» [خ¦5476] (فَقَالَ)، وفي رواية الأربعة: ((قال)): (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ)؛ بفتح اللَّام المُشدَّدة، وهو الذي يسترسل بإرسال صاحبه؛ أي: يهيج بإغرائه وينزجر بانزجاره، في ابتداء الأمر وبعد شدَّة العَدْو [4] ، ويمسك الصَّيد؛ ليأخذه الصَّائد، ولا يأكل منه، (فَقَتَلَ) الصَّيد؛ (فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ) الكلب الصَّيد؛ (فَلَا تَأْكُلْ) منه، وعلَّل بقوله: (فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ)، قال عديُّ بن حاتمٍ: (قُلْتُ) لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أُرْسِلُ كَلْبِي) المُعلَّم (فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ، قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَلَا تَأْكُلْ) منه، (فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ)؛ أي: ذكرت اسم الله (عَلَى كَلْبِكَ) عند إرساله (وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ)، ظاهره وجوب التَّسمية، حتَّى لو تركها سهوًا أو عمدًا لا يحلُّ، وهو قول أهل الظَّاهر، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: يجوز تركها سهوًا لا عمدًا، واحتجُّوا مع الحديث بقوله تعالى: {ولا تأكلوا ممَّا لم يُذكَرِ اسم الله عليه وإنَّه لفسقٌ} [الأنعام: 121] ، وقال الشَّافعيَّة: سُنَّةٌ، فلو تركها عمدًا أو سهوًا يَحِلُّ، قِيل: وهذا الحديث حجَّةٌ عليهم، وأُجِيب: بحديث عائشة رضي الله عنها عند المصنِّف رحمه الله [خ¦2057] : قلت: يا رسول الله؛ إنَّ قومًا حديثو عهدٍ بجاهليَّةٍ أتونا بلحمٍ، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا، [/ج1ص257/] أنأكل منه أم لا؟ فقال: «اذكروا اسم الله عليه [5] وكلوا»، فلو كان واجبًا؛ لَما جاز الأكل مع الشَّكِّ، وأمَّا الآية: ففسِّر الفسق فيها بما أُهِلَّ به لغير الله تعالى، وتوجيهه: أنَّ قوله: {وإنَّه لفسقٌ} ليس معطوفًا؛ لأنَّ الجملة الأولى فعليَّةٌ إنشائيَّةٌ، والثَّانية: خبريَّةٌ، ولا يجوز أن تكون جوابًا لمكان الواو، فتعيَّن كونها حاليَّةً فتقيَّد النَّهيُ بحال [6] كون الذَّبح فسقًا، والفسق: مُفسَّرٌ في القرآن بما أُهِلَّ به [7] لغير الله تعالى، فيكون دليلًا لنا لا علينا، وهذا نوعٌ من القلب، وقال تعالى: {وطعام الذين أُوتوا الكتاب حِلٌّ لكم} [المائدة: 5] وهم لا يسمُّون، وقد قام الإجماع على أنَّ من أكل متروك التَّسمية ليس بفاسقٍ، ومُطابَقَة هذا الحديث للتَّرجمة من [8] قوله فيها: وسؤر الكلاب؛ لأنَّ في الحديث أنَّه عليه الصلاة والسلام أَذِنَ في أكل [9] ما صاده الكلاب، ولم يقيِّد ذلك بغسل موضع فمه [10] ؛ ولذا قال مالكٌ: كيف يُؤكَل صيده ويكون لعابه نجسًا؟ وأُجِيب: بأنَّ الشَّارع وَكَلَهُ إلى ما تقرَّر عنده من غسل ما يماسُّه [11] فمه.

وهذا الحديث من الخماسيَّات، ورواته كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ، ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «البيوع» [خ¦2054] ، و«الصَّيد والذَّبائح» [خ¦5476] ، ومسلمٌ وابن ماجه، كلاهما فيه أيضًا.

[1] «ابن»: سقط من (د) و(س).
[2] في النُّسخ جميعها: «محمَّد»، وهو تحريفٌ.
[3] في (د) و(س): «سعيد»، وهو تحريفٌ، وسقط من سائر النُّسخ.
[4] في (م): «عدوه».
[5] «عليه»: سقط من (ص) و(م).
[6] في (ص): «فتفيد النَّهي حال».
[7] «به»: سقط من (د).
[8] في (د): «في».
[9] في (م): «كل».
[10] في (د): «فيه».
[11] في (ص): «يمسه».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

175-. حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن ابْنِ أَبِي السَّفَرِ [1] ، عن الشَّعْبِيِّ:

عن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ، قالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ [2] : «إِذا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِذا أَكَلَ فَلا تَأكُلْ؛ فَإِنَّما أَمْسَكَهُ علىَ نَفْسِهِ». قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ. قالَ: «فَلا تَأكُلْ؛ فَإِنَّما سَمَّيْتَ علىَ كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ علىَ كَلْبٍ آخَرَ».

[1] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«السَّفْرِ»، وكتب فوقها «معًا».
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «قالَ».





175- ( ابْنِ أَبِي السَّفَرِ ) بفتحتين.

( الشَّعْبِيِّ ) بفتح الشين: نسبة إلى شَعَبان بفتح العين، حي من اليمن؛ لأنّهم انقطعوا عن حيهم، قاله ابن درستويه.


175# (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، فَقَتَلَ [1] ، فَكُلْ) قال ابن المنيَّر: والعجب

@%ج1ص127%

أن مذهب الشافعية: أن السكينَ إذا سُقيت [2] بماءٍ نجس، نجستِ الذَّبيحة، فأين ذلك من ناب الكلب النجسِ العينِ عندَهم، وقد أجمعنا على أن ذكاتَه شرعية لا تنجس المذكَّى.

[1] ((فقتل)): ليست في (د) و(ج).
[2] في (د): ((أسقيت)).





175- قوله: (عن ابْنِ أَبِي السَّفَرِ): هو بفتح السِّين المهملة والفاء، هو عَبْد الله بن أبي السَّفَر، سعيد بن يُحمِد، ويقال: أحمد الهمْدانيُّ الكوفيُّ، قال أحمد وابن معين: (ثقةٌ) ، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، و (أَبُو السَّفَر) ؛ بتحريك الفاء؛ كما قدَّمت، قال ابن الصَّلاح في «علومه»: (وجدت الكنى من ذلك بالفتح، والباقي بالإسكان) ، قال: (ومن المغاربة من سكَّن الفاء من: أبي السَّفْر سعيد بن يحمد) ، قال: (وذلك خلاف ما يقوله أصحاب الحديث، حكاه الدَّارقطنيُّ عنهم) انتهى، وكذا قال الذَّهبيُّ في «مشتبه النسبة»، قال لي شيخنا أَبُو [1] الحجَّاج -يعني: المزِّيُّ-: (الأسماء بالسكون، والكنى بالحركة) انتهى.

قوله: (عن الشَّعْبِيِّ) [2] : تقدَّم مرَّات أنَّه عامر بن شراحيل، وتقدَّم بعض ترجمته، وأنَّه بفتح الشِّين المعجمة.

[1] (أبو): ليس في (ج) .
[2] (عن الشَّعبي): ليس في (ج) .





لا تتوفر معاينة

175- وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بن سَخْبَرة؛ بفتح المُهمَلَة، وسكون المُعجَمَة، وفتح المُوحَّدَة، النَّمريُّ الأزديُّ البصريُّ، أبو عمر، الحوضيُّ، ثقةٌ ثَبْتٌ، عيبَ بأخذ الأجرة على الحديث، من كبار العاشرة، تُوفِّي سنة خمسٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ)؛ بفتح السِّين والفاء، عبد الله بن [1] سعيد بن يحمد [2] أو أحمد الهمدانيِّ الكوفيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ)؛ بفتح الشِّين المُعجَمة، واسمه: عامرٌ، (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ)؛ أي: ابن عبد الله بن سعد [3] بن الحَشْرج؛ بفتح المُهمَلة، وسكون المُعجَمة، آخره جيمٌ، الصَّحابيِّ الشَّهير الطَّائيِّ، المُتوفَّى بالكوفة زمن المختار سنة ثمانٍ وستِّين، وقِيلَ: إنَّه عاش مئةً وثمانين سنةً، له في «البخاريِّ» سبعة أحاديث (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) عن حكم صيد الكلاب، كما صرَّح به المؤلِّف في كتاب «الصَّيد» [خ¦5476] (فَقَالَ)، وفي رواية الأربعة: ((قال)): (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ)؛ بفتح اللَّام المُشدَّدة، وهو الذي يسترسل بإرسال صاحبه؛ أي: يهيج بإغرائه وينزجر بانزجاره، في ابتداء الأمر وبعد شدَّة العَدْو [4] ، ويمسك الصَّيد؛ ليأخذه الصَّائد، ولا يأكل منه، (فَقَتَلَ) الصَّيد؛ (فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ) الكلب الصَّيد؛ (فَلَا تَأْكُلْ) منه، وعلَّل بقوله: (فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ)، قال عديُّ بن حاتمٍ: (قُلْتُ) لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أُرْسِلُ كَلْبِي) المُعلَّم (فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ، قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَلَا تَأْكُلْ) منه، (فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ)؛ أي: ذكرت اسم الله (عَلَى كَلْبِكَ) عند إرساله (وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ)، ظاهره وجوب التَّسمية، حتَّى لو تركها سهوًا أو عمدًا لا يحلُّ، وهو قول أهل الظَّاهر، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: يجوز تركها سهوًا لا عمدًا، واحتجُّوا مع الحديث بقوله تعالى: {ولا تأكلوا ممَّا لم يُذكَرِ اسم الله عليه وإنَّه لفسقٌ} [الأنعام: 121] ، وقال الشَّافعيَّة: سُنَّةٌ، فلو تركها عمدًا أو سهوًا يَحِلُّ، قِيل: وهذا الحديث حجَّةٌ عليهم، وأُجِيب: بحديث عائشة رضي الله عنها عند المصنِّف رحمه الله [خ¦2057] : قلت: يا رسول الله؛ إنَّ قومًا حديثو عهدٍ بجاهليَّةٍ أتونا بلحمٍ، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا، [/ج1ص257/] أنأكل منه أم لا؟ فقال: «اذكروا اسم الله عليه [5] وكلوا»، فلو كان واجبًا؛ لَما جاز الأكل مع الشَّكِّ، وأمَّا الآية: ففسِّر الفسق فيها بما أُهِلَّ به لغير الله تعالى، وتوجيهه: أنَّ قوله: {وإنَّه لفسقٌ} ليس معطوفًا؛ لأنَّ الجملة الأولى فعليَّةٌ إنشائيَّةٌ، والثَّانية: خبريَّةٌ، ولا يجوز أن تكون جوابًا لمكان الواو، فتعيَّن كونها حاليَّةً فتقيَّد النَّهيُ بحال [6] كون الذَّبح فسقًا، والفسق: مُفسَّرٌ في القرآن بما أُهِلَّ به [7] لغير الله تعالى، فيكون دليلًا لنا لا علينا، وهذا نوعٌ من القلب، وقال تعالى: {وطعام الذين أُوتوا الكتاب حِلٌّ لكم} [المائدة: 5] وهم لا يسمُّون، وقد قام الإجماع على أنَّ من أكل متروك التَّسمية ليس بفاسقٍ، ومُطابَقَة هذا الحديث للتَّرجمة من [8] قوله فيها: وسؤر الكلاب؛ لأنَّ في الحديث أنَّه عليه الصلاة والسلام أَذِنَ في أكل [9] ما صاده الكلاب، ولم يقيِّد ذلك بغسل موضع فمه [10] ؛ ولذا قال مالكٌ: كيف يُؤكَل صيده ويكون لعابه نجسًا؟ وأُجِيب: بأنَّ الشَّارع وَكَلَهُ إلى ما تقرَّر عنده من غسل ما يماسُّه [11] فمه.

وهذا الحديث من الخماسيَّات، ورواته كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ، ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «البيوع» [خ¦2054] ، و«الصَّيد والذَّبائح» [خ¦5476] ، ومسلمٌ وابن ماجه، كلاهما فيه أيضًا.

[1] «ابن»: سقط من (د) و(س).
[2] في النُّسخ جميعها: «محمَّد»، وهو تحريفٌ.
[3] في (د) و(س): «سعيد»، وهو تحريفٌ، وسقط من سائر النُّسخ.
[4] في (م): «عدوه».
[5] «عليه»: سقط من (ص) و(م).
[6] في (ص): «فتفيد النَّهي حال».
[7] «به»: سقط من (د).
[8] في (د): «في».
[9] في (م): «كل».
[10] في (د): «فيه».
[11] في (ص): «يمسه».





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

175- وبه قال: ((حدثنا حفص بن عمر)) : بن الحارث بن سَخْبَرة؛ بفتح المهملة، وسكون المعجمة، وفتح الموحدة، النمري الأزدي، البصري أبو عمر الحوضي، المتوفى سنة خمس وعشرين ومئتين ((قال: حدثنا شعبة)) : هو ابن الحجاج ((عن ابن أبي السَّفَر)) ؛ بفتح المهملة والفاء: عبد الله بن سعيد بن الحَشْرج؛ بفتح المهملة، وسكون المعجمة، آخره جيم، الهمداني الكوفي، المكنَّى بأبي طَريف؛ بفتح المهملة، آخره فاء، وما في «القسطلاني» من أنَّه صحابي الشهير بأبي محمد أو أحمد؛ فخطأ ظاهر لا يخفى؛ لأنَّه ليس بتابعيٍّ فضلًا عن كونه صحابيًّا؛ فافهم، ((عن الشَّعْبي)) ؛ بفتح المعجمة، وسكون المهملة، واسمه عامر، ((عن عَدي)) بفتح العين المهملة ((بن حاتِم)) ؛ بكسر المثناة الفوقية، المشهور، ابن عبد الله الطَّائي أبو طَريف؛ بفتح المهملة، الجواد بن الجواد، قدم على النبيِّ الأعظم عليه السلام في سنة سبع، نزل الكوفة، ومات بها زمن المختار، وهو ابن عشرين ومئة سنة، أو مات بقرقيسا عن مئة وثمانين سنة، وكان عليه السلام يكرمه، وشهد فتوح العراق زمن عمر بن الخطاب، وكان يفتُّ الخبز للنمل، ويقول: إنهنَّ جارات لنا ولهنَّ حقٌّ: أنَّه ((قال: سألت النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: عن حكم صيد الكلاب، كما صرَّح به المؤلف في كتاب (الصيد) ، فذكر المسؤول عنه، ولم يذكر المسؤول، واكتفى بالجواب؛ لأنَّه يحتمل أن يكون علم أصل الإباحة، ولكنه حصل عنده شكٌّ في بعض أمور الصيد فاكتفى بالجواب، ويحتمل أن يكون قام عنده مانع من الإباحة التي علم أصلها، وبهذا اندفع ما قاله ابن حجر من أنه حذف لفظ السؤال اكتفاء بدلالة الجواب عليه؛ فافهم.

((قال)) أي: عدي ((فقال)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام: ((إذا أرسلت كلبك المعلَّم)) ؛ بفتح اللام المشددة، وهو مفوَّض إلى رأى المعلِّم عند الإمام الأعظم؛ لأنَّه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان، وعند الإمام أبي يوسف والإمام محمد: ترك الأكل ثلاث مرات، وعند مالك: بالانزجار، وعند الشافعي: بالعرف، وأما اشتراط التعلم؛ فلقوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ} [المائدة: 4] ، قال ابن المُنيِّر: والعجب من الشافعي أنَّه قال: إنَّ السكين إذا سقيت بماء نجس؛ نجَّست الذبيحة، فأين ذلك مِنْ نابِ الكلب النَّجس العين عنده وقد أجمعنا على أن ذكاته شرعية لا تنجس المذكَّى؟! كذا في «المصابيح»، ومذهب الإمام الأعظم: أنه يتنجس المذبح فقط؛ لنجاستها فيغسل المذبح فقط، كمحل ما أصابه ناب الكلب المذكور ثلاثًا فيطهر، ويرد على الشافعي أيضًا تنجيس الملاقي؛ فافهم.

((فقتل)) ؛ أي: الكلبُ الصيدَ، وطوى ذكر المفعول؛ للعلم به، وقيَّد بالقتل؛ ليخرج ما لو أدرك الصيد حيًّا حياة فوق حياة المذبوح بأن يعيش يومًا أو أكثره، فلا بدَّ من ذكاته، فلو تركها عمدًا متمكنًا منها؛ حرم؛ لقدرته على الذكاة الاختيارية، أما لو كان غير متمكن إما لفقد آلة، أو لضيق الوقت؛ فظاهر الرواية: أنَّه يحرم أيضًا؛ لأنَّ العجز عن التذكية في مثل هذا لا يحل الحرام، وفي رواية عن الإمام الأعظم: أنَّه يحل، وهو قول الشافعي، ونقل البرجندي عن ابن زياد: أنَّه يؤكل استحسانًا، وبه أخذ الإمام قاضيخان، وعزاه لـ«الكافي»، فإن لم يبق من حياته إلا مثل حياة المذبوح وهو مما لا يتوهم بقاؤه فلم يدركه حيًّا؛ فإنَّه يحل بالإجماع؛ لأنَّه ميت حكمًا حتى لو وقع في الماء؛ لم يحرم، كذا في «شروح الملتقى»، ((فكُلْ)) الأمر فيه للإباحة، وهذه الجملة جواب الشرط، ففيه دليل على إباحة صيد جميع الكلاب المعلَّمة من الأسود وغيرها، وقال أحمد: لا يحل صيد الكلب الأسود؛ لأنَّه شيطان، وإطلاق الحديث حجة عليه، وفيه أيضًا إباحة الاصطياد؛ للانتفاع به للأكل، ودفع الشر والضرر، واختلف فيمن جعل الصيد للحرفة، أو للهو ونزهة، ففي «الفتاوى البزازية»: (الصيد مباح إلا للتَّلهِّي أو حرفة) ، قال في «الأشباه»: (وعلى هذا فاتخاذه حرفة كصيادين السمك حرام) انتهى.

لكن في «المنح شرح التنوير»: (التحقيق عندي اتخاذه حرفة؛ لأنَّه نوع من الاكتساب، وكل أنواع الكسب في الإباحة سواء على المذهب الصحيح) ، وأقرَّه في «الدر المختار»، وفي «التاترخانية»، (قال الإمام أبو يوسف: إذا طلب الصيد لهوًا ولعبًا؛ فلا خير فيه، وأكرهه، وإن طلب منه ما يحتاج إليه من بيع، أو إدام، أو حاجة أخرى؛ فلا بأس به) انتهى.

وفي «مجمع الفتاوى»: (ويكره للتلهِّي وأن يتخذه حرفة) انتهى، وأقره العلَّامة الشرنبلالي في الحاشية، قلت: وهذا هو المعتمد كما في «منهل الطلاب».

((وإذا أكل)) أي: الكلب من الصيد؛ ((فلا تأكل)) ؛ أي: الصيد الذي أكل منه الكلب، وعلل النهي بقوله: ((فإنما أمسكه على نفسه)) والفاء للتعليل، فيشترط عدم أكله؛ لأنَّه بأكله تبيَّن جهله، فلا يؤكل مطلقًا سواء كان نادرًا أو معتادًا، وكذا لا يؤكل ما صاد بعده حتى يتعلَّم ثانيًا بترك الأكل ثلاثًا، ولو أخذ الصياد الصيد من الكلب وقطع منه بضعة وألقاها إليه فأكلها، أو خطف الكلب منه وأكله؛ أكل ما بقي، وكذا لو شرب الكلب من دمه؛ يؤكل؛ لأنَّه غاية علمه، كذا في «التنوير» و«شرحه».

((قلت)) هذا من كلام عدي رضي الله عنه: يا رسول الله؛ ((أرسل كلبي)) ؛ أي: المعلَّم، ((فأجد معه كلبًا آخر)) ؛ بالإضافة؛ أي: كلب شخص آخر، ويحتمل أنه منون، وجعل ما بعده صفة له، والمراد بالكلب الآخر: الذي لا يحل صيده؛ وذلك ككلب غير معلم، أو لم يرسل، أو لم يسم عليه، أو كلبُ مجوسيٍّ ((قال)) أي: النبي الأعظم عليه السلام: ((فلا تأكل)) ؛ أي: من ذلك الصيد، وعلل النهي بقوله: ((فإنما سميت)) أي: ذكرت اسم الله تعالى ((على كلبك)) عند إرساله ((ولم تسمِّ على كلب آخر)) والظاهر أن الجملة حال، وإنما حذف حرف العطف من السؤال والجواب؛ لأنَّه ورد على طريق المقاولة كما في آية مقاولة موسى وفرعون.

وفي الحديث: دلالة على أنَّ الإرسال شرط، حتى لو استرسل بنفسه؛ بأن انفلت من صاحبه،

[/ص140/] فأخذ صيدًا، فقتله؛ لم يؤكل، وكذا لو لم يعلَّم؛ بأنه أرسله أحد؛ لأنَّه لم يقطع بوجود الشرط، كما في «القهستاني».

وفي الحديث: أيضًا دليل ظاهر على أنَّ التسمية شرط، ولقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] ، فالشرط اقتران التسمية بالإرسال، فلو تركها عمدًا عند الإرسال، ثم زجره معها فانزجر؛ لم يؤكل صيده، كما في «القهستاني» و«البدائع».

والشروط خمسة عشر؛ خمسة في الصائد: وهو أن يكون من أهل الذكاة، وأن يوجد منه الإرسال، وألَّا يشاركه في الإرسال من لا يحل صيده، وألَّا يترك التسمية عمدًا، وألَّا يشتغل بين الإرسال والأخذ بعمل آخر، وخمسة في الكلب: أن يكون معلَّمًا، وأن يذهب على سنن الإرسال، وألَّا يشاركه في الأخذ ما لا يحل صيده، وأن يقتله جَرْحًا، وألَّا يأكل منه، وخمسة في الصيد: ألَّا يكون من الحشرات، وألَّا يكون من نبات الماء إلا السَّمك، وأن يمنع نفسه بجناحيه أو قوائمه، وألَّا يكون متقوِّيًا بنابه أو بمخلبه، وأن يموت بهذا قبل أن يصل إلى ذبحه، وكلُّها مأخوذة من الحديث، ومقتضى الحديث: عدم الفرق بين كون المعلِّم -بكسر اللام- ممن تحل ذكاته أو لا، واختلف فيه، والجمهور: على أنَّه يشترط كونه مسلمًا أو ذميًّا، فيحرم صيد مجوسي، ووثني، ومرتد، ومُحْرِم؛ لأنَّهم ليسوا من أهل الذكاة، وأمَّا الكتابي؛ فإنَّ ذكاة الاضطرار مثل ذكاة الاختيار، وقد ورد في ذلك آثار؛ منها: عن يحيى بن عاصم، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (أنَّه كره صيد باز المجوسي وصقره) ، ومنها: عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه قال: (لا تأكل صيد المجوسي، ولا ما أصاب سهمه) ، ومنها: عن خصيف: قال ابن عباس رضي الله عنه: لا تأكل ما صِيْد بكلب المجوسي، وإن سميت؛ فإنَّه من تعليم المجوسي، قال تعالى: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ} [المائدة: 4] ، وهذه ليس للرأي فيها مجال، فلا تحمل إلا على السماع من النبي الأعظم عليه السلام، وهو قول عطاء، ومجاهد، والنخعي، ومحمد بن علي، وسفيان الثوري، وغيرهم.

وفي الحديث: دليل ظاهر على منع ما أكل منه الكلب وهو مذهب الإمام الأعظم، والجمهور، وقال مالك والشافعي: يؤكل وإن أكل منه الكلب؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني في «سنن أبي داود»: «كلْ وإن أكل منه الكلب»، وحديث الباب أصح وأرجح؛ لأنَّه رواه المؤلف من طرق عديدة، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم وحديث أبي ثعلبة غريب فلا يعارض الصحيح المشهور، ويدل لحديث الباب قوله تعالى: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3] ، واسم الكلب يقع على كل سبع حتى الأسد على أنَّ حديث الباب محرِّم، وحديث أبي ثعلبة مبيح، والقاعدة عند الأصوليين: أن المحرِّم مقدَّم على المبيح، فثبت بهذا مذهب الإمام الأعظم.

وفي الحديث أيضًا: دلالة ظاهرة على أنَّه لا بدَّ من الجرْح في أي موضع كان؛ لأنَّ المقصود إخراج الدم المسفوح وهو يخرج بالجرح عادة، وهو ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم، وبه قال الجمهور، وفي رواية عنه وهو قول الإمام أبي يوسف، والشافعي، والشعبي: أنه لا يشترط؛ لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} مطلقًا من غير قيد بالجرح، ولنا حديث الباب؛ وهو نصٌّ في المقصود، وقوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ} [المائدة: 4] وهي أن تكون جارحة بأنيابها ومخلبها حقيقة، فتشترط الجراحة حقيقة؛ لأنَّ في اشتراط الجرح عملًا بالمتيقن به، ولأنه إذا لم يجرحه؛ فقد صار موقوذة؛ وهي محرمة بالنَّص، وأما الآية المستدل بها؛ فمطلقة، وما قلناه مقيد، فيحمل المطلق على المقيد؛ لاتِّحاد الواقعةوالسبب، فكان ما قلناه أولى، على أنَّه روي عن إبراهيم،= عن عدي بن حاتم قال: قال عليه السلام: «إذا رميت فسميت فخرق؛ فكلْ، وإن لم يخرق؛ فلا تأكل، ولا تأكل من المعراض إلا ما ذكيت، ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت»، رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح، ورجاله رجال الصحيح، وهو أيضًا نصٌّ في المقصود، فعلى كلٍّ دليلنا أرجح وأحوط؛ فافهم.

قال الظاهرية: ومقتضى الحديث وجوب التسمية، فلو تركها عمدًا أو سهوًا؛ لم تحل، وقال الإمام الأعظم: لو تركها عمدًا؛ لم تحل، ولو تركها سهوًا؛ تحل؛ لما في حديث الباب وللآية التي تلوناها، فإنَّ الآية عامة في جميع المأكولات والمشروبات إلا أن الفقهاء أجمعوا على أنَّها مخصوصة بالحيوان الذي زالت حياته، فهو منحصر في ثلاثة أقسام؛ لأنَّ ما زال حياته ولم يذكر عليه اسم الله، إمَّا ألَّا يكون مذبوحًا؛ وهو الميتة، وإمَّا أن يكون مذبوحًا؛ وهو إمَّا أن يذكر عليه اسم غير الله، أو لا يذكر عليه اسم الله ولا اسم غير الله، ولا خلاف في القسمين حرمة، وإنما الخلاف في الثالث وهو الذي ذبحه أهل الذبح ولم يسمَّ عليه أصلًا؛ فعند الإمام الأعظم وأصحابه: أنَّه حرام إن ترك التسمية عمدًا، وحلال إن تركها سهوًا؛ لأنَّ الآية عامة للأقسام الثلاثة دالة على حرمتها، إلَّا أن متروك التسمية بالنسيان خارج عنها لوجهين؛ أحدهما: أنَّ الضمير في قوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] يرجع إلى ترك التسمية وهو أقرب، فالأولى رجوع الضمير إليه، ولا ريب أنَّ إهمال [التسمية] إنَّما يكون فسقًا إذا كان عمدًا؛ لأنَّ الناسي خارج غير مكلف، فيكون المعنى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه عمدًا، فيكون التارك الناسي خارجًا عن الآية، وثانيهما: أنه عليه السلام سئل عن ترك التسمية نسيانًا، فقال: «كلوه، فإن تسمية الله في قلب كلِّ مؤمن»، فإنَّه عليه السلام لم يجعل الناسي تاركًا؛ حيث جعل تسمية الله في قلب كلِّ مؤمن، ولم يلحق به العامد؛ لأنَّه لما ترك التسمية عامدًا؛ صار كأنَّه نفى ما في قلبه.

وقال الشافعي: إنَّ التسمية سنَّة، فلو تركها عمدًا أو سهوًا؛ تحل، فالحديث والآية حجَّة عليه؛ لأنَّه نصٌّ صريح في المقصود، فلا يحتمل التَّأويل، واستدل الشافعي بحديث عائشة عند المؤلف: قلت: يا رسول الله؛ إن قومًا حديثو عهد بجاهلية أتونا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا، أنأكل منه أم لا؟ فقال: «اذكروا اسم الله، وكلوا»، وهو لا يدلُّ على ما قاله؛ لأنَّه يحتمل أنَّه عليه السلام علم بطريق الوحي أو الإخبار من الصحابة أنَّهم قد سمُّوا عليه عند الذبح، فلا دليل فيه؛ لأنَّ الدليل إذا طرقه الاحتمال؛ سقط الاستدلال به، ولئن سلَّمنا؛ فقد اجتمع هنا المبيح والمحرِّم، ولا ريب أنَّ المحرِّم مقدَّم على المبيح، ولأنَّ الحرام واجب الترك، والمباح جائز الترك، فكان الاحتياط ترك الأكل من التي لم يذكر اسم الله عليها؛ لأنَّها ميتة، ودليلنا مثبت، ودليله نافٍ، والمثبِت مقدَّم على النافي عند المحققين، وما قاله العجلوني هنا؛ فخبط وخلط، ومنشؤه التعصب لإمام مذهبه، فلا يعوَّل عليه.

ووجه الدلالة من الحديث على طهارة سؤر الكلب: أنه عليه السلام أذن لعدي رضي الله عنه في أكل ما صاده الكلب، ولم يقيِّد ذلك بغسل موضع فمه.

ومن ثَمَّ قال مالك: كيف يؤكل صيده ويكون لعابه نجسًا؟

وأجيب: بأنَّ الحديث سيق للتعريف أنَّ قتله ذكاته، وليس فيه إثبات نجاسة ولا نفيها، ولذلك لم يقل له: اغسل الدم إذا خرج من جرح نابه.

واعترض: بأنَّه يحتمل أن يكون وكَّل إليه ذلك.

وأجيب: بأن المقام مقام التعريف، ولو كان ذلك واجبًا؛ لبينه له عليه السلام.

ومطابقة الحديث للترجمة على ما في بعض الروايات من زيادة لفظ (وأَكْلِها) بعد لفظ (المسجد) ؛ فافهم، والله تعالى أعلم.