متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

172- 173- (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، (عَنْ مَالِكٍ)، وللأربعة: ((أخبرنا مالكٌ)) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ)؛ بكسر الزَّاي، عبد الله بن ذكوان، القرشيِّ المدنيِّ، (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، وسقط لفظ: ((قال)) لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر، (قَالَ: إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ)؛ أي: إذا ولغ الكلب _ولو مأذونًا في اتِّخاذه_ بطرف لسانه (فِي) وفي روايةٍ: ((من)) (إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا)؛ أي: سبع مرَّاتٍ؛ لنجاسته المُغلَّظة، واستدلال بعضهم بقوله: «في إناء أحدكم» على عدم تنجُّس الماء المُستنقع إذا ولغ فيه ولو كان قليلًا، شاذٌّ؛ فإنَّ [/ج1ص255/]

ذلك إنَّما خرج مخرج الغالب لا للقيد، وخرج بقوله: «ولغ»، وكذا «شرب» ما إذا كان جامدًا؛ لأنَّ الواجب حينئذٍ إلقاء ما أصابه الكلب بفمه، ولا يجب غسل الإناء حينئذٍ إلَّا إذا أصابه فم الكلب مع الرُّطوبة، فيجب غسل ما أصابه فقط سبعًا؛ لأنَّه إذا كان ما فيه جامدًا لا يُسمَّى أخذ الكلب منه شربًا ولا ولوغًا، كما لا يخفى، ولم يقع في رواية مالكٍ التَّتْريب، ولا ثبت في شيءٍ من الرِّوايات عن أبي هريرة إلَّا عن ابن سيرين، والإضافة التي في: «إناء أحدكم»، مُلْغًى اعتبارها؛ لأنَّ الطَّهارة لا تتوقَّف على ملكه، ومفهوم الشَّرط في قوله: «إذا ولغ»، يقتضي قَصْرَ الحكم على ذلك، لكن إذا قلنا: إنَّ [1] الأمر بالغسل للتَّنجيس [2] ؛ يتعدَّى الحكم إلى ما إذا لحس أو لعق مثلًا، ويكون ذكر الولوغ للغالب، وأمَّا إلحاق باقي أعضائه كَيَدِه ورِجْله؛ فالمذهب المنصوص أنَّه كذلك؛ لأنَّ فمه أشرفها، فيكون غيره من بابٍ أَوْلى.

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي _إن شاء الله تعالى_، وفي رواية ابن عساكر _كما في «الفرع» كـ: «أصله» قبل هذا الحديث_ [3] : ((باب: إذا شرب الكلب في [4] إناء أحدكم؛ فليغسله سبعًا. حدَّثنا عبد الله بن يوسف))، وهو الذي شرح عليه الحافظ ابن حجرٍ، لكن يليه عنده حديث إسحاق بن منصورٍ الكوسج: «أنَّ رجلًا....» وفي روايةٍ بهامش «اليونينيَّة» بعد حديث عبد الله بن يوسف باب: «إذا شرب الكلب»، وسقطتِ التَّرجمة والباب في بعض النُّسخ لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ.

وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن منصور بن بهرام الكوسج [5] ، أبو يعقوب المروزيُّ، الثِّقة الثَّبت، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئتين، وليس هو إسحاق بن إبراهيم الحمصيُّ، كما جزم به أبو نُعيمٍ في «المُستخرَج» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ)، المدنيُّ العدويُّ، وتُكلِّم فيه، لكنَّه صدوقٌ، ولم ينفرد بهذا (قال: سَمِعْتُ أَبِي) عبدَ الله بن دينارٍ، التَّابعيَّ، مولى ابن عمر رضي الله عنهما، (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان [6] الزَّيَّات، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلًا) من بني إسرائيل (رَأَى)؛ أي: أبصر (كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى)؛ بالمُثلَّثة المفتوحة، وبالرَّاء، مقصور [7] : التُّراب النَّديُّ؛ أي: يلعقه (مِنَ الْعَطَشِ)؛ أي: بسببه، (فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ)؛ أي: جعله ريَّان، وفي روايةٍ [خ¦6009] : «بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ اشتدَّ عليه [8] الحرُّ، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرب، ثمَّ خرج، فإذا كلبٌ يلهث يأكل الثَّرى من العطش، فقال الرَّجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان نزل بي، فنزل البئر، فملأ خفَّه ماءً، ثمَّ أمسكه بفيه حتَّى [9] رقى، فسقى الكلب»، (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ)؛ أي: أثنى عليه، أو جازاه، (فَأَدْخَلَهُ) الله (الْجَنَّةَ)؛ من باب: عطف الخاصِّ على العامِّ، أوِ «الفاء»: تفسيريَّةٌ على حدِّ قوله تعالى: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} [البقرة: 54] ، على ما فُسِّر أنَّ القتل كان نفس توبتهم، وفي الرِّواية الأخرى: فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله؛ إنَّ لنا في البهائم أجْرًا؟ فقال: «إنَّ في كلِّ كبدٍ رطبة أجْرًا» [خ¦6009] ، وقدِ استدلَّ بعض المالكيَّة للقول بطهارة الكلب بإيراد المؤلِّف هذا الحديث في هذه التَّرجمة؛ من كون الرَّجل سقى الكلب في خفِّه، واستباح لبسه في الصَّلاة دون غسله؛ إذ لم يذكر الغسل في الحديث، وأُجِيب: باحتمال أن يكون صبَّ في شيءٍ فسقاه، أو لم يلبسه، ولئن سلَّمنا سقيَه فيه؛ فلا يلزمنا [10] ؛ لأنَّه وإن كان شرع غيرنا؛ فهو منسوخٌ في شرعنا.

وهذا الحديث من السُّداسيَّات، ورواته ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه تابعيَّان؛ وهما: عبد الله بن دينارٍ، وأبو صالحٍ، والتَّحديث، والإخبار، والسَّماع، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الشُّرب» [خ¦2363] ، و«المظالم» [خ¦2466] ، و«الأدب» [خ¦6009] ، و«ذكر بني إسرائيل»، ومسلمٌ في «الحيوان»، وأبو داود في «الجهاد».

[1] «إنَّ»: سقط من (د).
[2] في (ب) و(س): «للتَّنجُّس».
[3] «قبل هذا الحديث»: سقط من (ب) و(د) و(ص).
[4] في (م): «من».
[5] «الكوسج»: سقط من (د).
[6] «ذكوان»: سقط من (ب) و(د) و(ص).
[7] في (د): «والرَّاء مقصوراً».
[8] «عليه»: سقط من (م).
[9] في (ب) و(س) و(د): «ثمَّ».
[10] في (ص): «يلزم منا».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

172-. 173-. حدَّثنا [1] عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ، عَنْ مالِكٍ [2] ، عن أَبِي الزِّنادِ، عن الأَعْرَجِ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: إِنَّ [3] رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «إِذا شَرِبَ الكَلْبُ فِي [4] إِناءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا». [5]

[1] في رواية ابن عساكر زيادة: «بابٌ: إِذا شَرِبَ الكلبُ في إِناءِ أَحدِكُم فليغسلهُ سَبعًا» قبل هذا الحديث.
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «أخبَرَنا مالكٌ».
[3] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر: «عن أبي هريرة: أنَّ».
[4] في رواية [عط] : «من».
[5] بهامش اليونينية مكتوب بالحمرة: «بابٌ: إِذا شَرِبَ الكلبُ في إِناءِ أَحدِكُم فليغسلهُ سَبعًا
173- حدَّثنا إسحاقُ: أخبَرَنا عبدُ الصَّمَدِ: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ: سمعتُ أبي، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ رَجُلًا رأىَ كلبًا ياكُلُ الثَّرَىَ مِنَ العَطَشِ [في رواية ابن عساكر والأصيلي و [عط] زيادة: «قال: »] فأخَذَ الرَّجلُ خُفَّهُ، فجعَل يَغْرِفُ لَهُ بهِ حتىَ أَرْوَاهُ، فشَكَرَ اللهُ له، فَأدْخَلَه الجنةَ». [انظر تحفة الأشراف: 12825] .
ورمز إلىَ أنَّ البابَ والترجمة لم يردا في رواية أبي ذر والأصيلي، ثم كتب تعليقًا: (وهذا المكتوب بالحمرة ثابتٌ عند ابنِ عساكر بعد حديث «عبد الله بن يوسف: حدَّثنا مالك»، ويلي الذي بالحمرة: «قال أحمد بن شَبِيب». وهذا المكتوب بالحمرة ما خلا التبويبَ في أصل الحافظ المنذري إلَّا أنَّ عليه: لا إلىَ).






172# 173# (الثَّرَى [1] ) بمثلثة مقصورة: الترابُ النَّدِيُّ.

[1] في (ق): ((الثوري)).





172- 173-.قوله: (عن أَبِي الزِّنَادِ): هو عَبْد الله بن ذكوان، تقدَّم مرَّاتٍ، وأنَّه بالنُّون.

قوله: (عن الأَعْرَجِ): تقدَّم مرَّات أنَّه عَبْد الرَّحمن بن [1] هرمز، مشهور التَّرجمة، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عن أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم مرارًا أنَّه عَبْد الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.

قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ [2] قَالَ [3] : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ): قال أَبُو عليٍّ الغسَّانيُّ في «تقييد المهمل»: (قال البخاريُّ في «الوضوء»، وفي «الصَّلاة» في موضعين في بَاب «هَل يُؤَذِّنُ إِذَا جَمع بَيْنَ المَغْرِب وَالعِشَاء؟»، وفي باب «صلاة القاعد»، وفي «الأوقاف» [4] ، و«مناقب سَعْدِ بْنِ عُبَادَة»، و«غَزْوِة خَيْبَر»، و«غَزْوِة الفَتْح»، و«الاستئذان»، و«الاعتصام»، و«الأحكام»: «حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: حدثنا [5] عَبْدُ الصَّمَدِ»؛ يعني: ابن عَبْد الوارث، نسب الأصيليُّ الذِي في «الأوقاف»، و«غزوة الفتح»، و«الأحكام»: ابن منصور، وأهمل سائرها، ولم أجده لابن السَّكن ولا لغيره منسوبًا في شيء من هذه المواضع، وقد نسبه البخاريُّ في «باب مقدم النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم»؛ فقال: «حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بن منصور: حدَّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ...»؛ فذكره، وذكر أَبُو [6] نصر: أنَّ إسحاق بن منصور، وإسحاق [7] بن إبراهيم يرويان عن عبد الصَّمَد، وقد روى مسلم في «باب تَقْلِيْد الغَنَم»: «عن إسحاق بن منصور، عن عَبْد الصمد بن عَبْد الوارث...»؛ الحديث) انتهى.

[وقال شيخنا الشَّارح: (واختُلف في إسحاق؛ فقال أَبُو نعيم الأصبهانيُّ: هو ابن منصور الكوسج) انتهى، وقال حافظ مصر متأخِّر: وقع في رواية [8] أبي عليٍّ الشَّيويِّ [9] عنِ الفربريِّ في (باب وقف الأرض): (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ -هو ابن منصور-: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) ، وجزم أَبُو نعيم في «المستخرج»: بأنَّ الذِي في (باب إذا شرب الكلب) ، وكذا الذِي في (التَّسليم) و (الاستئذان): هو الكوسج، قال: (وممَّا يدلُّ على أنَّه هو...) ؛ فذكر مكانًا من «البخاريِّ» صرَّح فيه بأنَّه: ابن منصور.

تنبيه: وقع من بعض النَّاس اعتراض على البخاريِّ بسبب إيراده أحاديث عن شيوخ لا يزيد على تسميتهم؛ لما يحصل في ذلك في اللَّبس ولا سيَّما إنْ شاركهم في ذلك ضعيف، وقد تكلَّم [10] [فيه] الحاكم، والكلاباذيُّ، وابن السَّكن، والجيَّانيُّ، وغيرهم، والله أعلم] [11] ، فعلى أنَّه ابن منصور؛ فهو ابن منصور الكوسج الحافظ، يروي عنِ ابن عيينة فمن بعده، وعنه: البخاريُّ، ومسلم، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، وابن أبي داود، وأحمد بن حمدون الأعمشيُّ [12] ، وخلق، توفِّي سنة (251 هـ ) ، أخرج له من الأئمَّة مَن روى عنه.

وأمَّا ابن إبراهيم؛ فالذي ظهر لي أنَّه [13] [/ج1ص85/] ابن راهويه، وهو إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد الإمام أبو يعقوب المروزيُّ، عالم خراسان، مشهور التَّرجمة جدًّا، توفِّي في شعبان سنة (238 هـ ) ، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، له ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه.

قوله: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ): تقدَّم في كلام أبي عليٍّ الغسَّانيِّ أنَّه ابن عَبْد الوارث، وهو أبو سهل التَّنُّوْرِيُّ، حافظٌ حجَّة، عن هشام الدَّستوائيِّ، وشُعْبَة، وعنه: ابنه عَبْد الوارث، وعبد، وغيرهما، توفِّي سنة (207 هـ ) ، أخرج له الجماعة، قال أَبُو حاتم: (صدوقٌ، صالحُ الحديث) .

قوله: (عن أَبِي صَالِحٍ): هو ذكوان أَبُو صالح السَّمَّان الزيَّات، تقدَّم الكلام على بعض ترجمته.

قوله: (عن أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم [14] مرارًا أنَّه عَبْد الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.

[قوله: (أنَّ رَجُلًا): هذا الرجل لا أعرفه] [15] .

قوله: (يَأْكُلُ الثَّرَى): هو التراب النَّدِيُّ.

قوله: (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ): (الاسم الجليل): مرفوع فاعل؛ ومعناه: فشكر اللهُ؛ أي: أثابه الله [16] ، وزكَّى ثوابه، وضاعفه، وقيل: قَبِلَ عَمَلَهُ، وقيل: أثنى عليه بذلك، وذكره لملائكته.

[1] (بن): ليس في (ب) .
[2] في هامش (ق): (هذا الحديث وهو قوله: «حدَّثنا» ثابت في أصل الحافظ المنذري) .
[3] (قال): ليس في «اليونينيَّة» و (ق) .
[4] في (ب) و (ج): (الأوقات) .
[5] في (ب): (أخبرنا) .
[6] في (ج): (ابن) .
[7] (بن منصور وإسحاق): ليس في (ب) .
[8] في (ب): (عبارة) .
[9] في (ب): (الشوي) .
[10] في (ج): (وهم) .
[11] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[12] في (ج): (الأعمش) .
[13] (أنَّه): ليس في (ج) .
[14] زيد في (ج): (الكلام) .
[15] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[16] لفظ الجلالة مثبت من (ب) .





172- 173- (يَأْكُلُ): إمَّا صفةٌ، أو حالٌ*، لا مفعولٌ ثانٍ؛ لأنَّ الرُّؤْيةَ بمعنى الإبصارِ.


172- 173- (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، (عَنْ مَالِكٍ)، وللأربعة: ((أخبرنا مالكٌ)) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ)؛ بكسر الزَّاي، عبد الله بن ذكوان، القرشيِّ المدنيِّ، (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، وسقط لفظ: ((قال)) لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر، (قَالَ: إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ)؛ أي: إذا ولغ الكلب _ولو مأذونًا في اتِّخاذه_ بطرف لسانه (فِي) وفي روايةٍ: ((من)) (إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا)؛ أي: سبع مرَّاتٍ؛ لنجاسته المُغلَّظة، واستدلال بعضهم بقوله: «في إناء أحدكم» على عدم تنجُّس الماء المُستنقع إذا ولغ فيه ولو كان قليلًا، شاذٌّ؛ فإنَّ [/ج1ص255/]

ذلك إنَّما خرج مخرج الغالب لا للقيد، وخرج بقوله: «ولغ»، وكذا «شرب» ما إذا كان جامدًا؛ لأنَّ الواجب حينئذٍ إلقاء ما أصابه الكلب بفمه، ولا يجب غسل الإناء حينئذٍ إلَّا إذا أصابه فم الكلب مع الرُّطوبة، فيجب غسل ما أصابه فقط سبعًا؛ لأنَّه إذا كان ما فيه جامدًا لا يُسمَّى أخذ الكلب منه شربًا ولا ولوغًا، كما لا يخفى، ولم يقع في رواية مالكٍ التَّتْريب، ولا ثبت في شيءٍ من الرِّوايات عن أبي هريرة إلَّا عن ابن سيرين، والإضافة التي في: «إناء أحدكم»، مُلْغًى اعتبارها؛ لأنَّ الطَّهارة لا تتوقَّف على ملكه، ومفهوم الشَّرط في قوله: «إذا ولغ»، يقتضي قَصْرَ الحكم على ذلك، لكن إذا قلنا: إنَّ [1] الأمر بالغسل للتَّنجيس [2] ؛ يتعدَّى الحكم إلى ما إذا لحس أو لعق مثلًا، ويكون ذكر الولوغ للغالب، وأمَّا إلحاق باقي أعضائه كَيَدِه ورِجْله؛ فالمذهب المنصوص أنَّه كذلك؛ لأنَّ فمه أشرفها، فيكون غيره من بابٍ أَوْلى.

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي _إن شاء الله تعالى_، وفي رواية ابن عساكر _كما في «الفرع» كـ: «أصله» قبل هذا الحديث_ [3] : ((باب: إذا شرب الكلب في [4] إناء أحدكم؛ فليغسله سبعًا. حدَّثنا عبد الله بن يوسف))، وهو الذي شرح عليه الحافظ ابن حجرٍ، لكن يليه عنده حديث إسحاق بن منصورٍ الكوسج: «أنَّ رجلًا....» وفي روايةٍ بهامش «اليونينيَّة» بعد حديث عبد الله بن يوسف باب: «إذا شرب الكلب»، وسقطتِ التَّرجمة والباب في بعض النُّسخ لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ.

وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن منصور بن بهرام الكوسج [5] ، أبو يعقوب المروزيُّ، الثِّقة الثَّبت، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئتين، وليس هو إسحاق بن إبراهيم الحمصيُّ، كما جزم به أبو نُعيمٍ في «المُستخرَج» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ)، المدنيُّ العدويُّ، وتُكلِّم فيه، لكنَّه صدوقٌ، ولم ينفرد بهذا (قال: سَمِعْتُ أَبِي) عبدَ الله بن دينارٍ، التَّابعيَّ، مولى ابن عمر رضي الله عنهما، (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان [6] الزَّيَّات، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلًا) من بني إسرائيل (رَأَى)؛ أي: أبصر (كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى)؛ بالمُثلَّثة المفتوحة، وبالرَّاء، مقصور [7] : التُّراب النَّديُّ؛ أي: يلعقه (مِنَ الْعَطَشِ)؛ أي: بسببه، (فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ)؛ أي: جعله ريَّان، وفي روايةٍ [خ¦6009] : «بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ اشتدَّ عليه [8] الحرُّ، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرب، ثمَّ خرج، فإذا كلبٌ يلهث يأكل الثَّرى من العطش، فقال الرَّجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان نزل بي، فنزل البئر، فملأ خفَّه ماءً، ثمَّ أمسكه بفيه حتَّى [9] رقى، فسقى الكلب»، (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ)؛ أي: أثنى عليه، أو جازاه، (فَأَدْخَلَهُ) الله (الْجَنَّةَ)؛ من باب: عطف الخاصِّ على العامِّ، أوِ «الفاء»: تفسيريَّةٌ على حدِّ قوله تعالى: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} [البقرة: 54] ، على ما فُسِّر أنَّ القتل كان نفس توبتهم، وفي الرِّواية الأخرى: فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله؛ إنَّ لنا في البهائم أجْرًا؟ فقال: «إنَّ في كلِّ كبدٍ رطبة أجْرًا» [خ¦6009] ، وقدِ استدلَّ بعض المالكيَّة للقول بطهارة الكلب بإيراد المؤلِّف هذا الحديث في هذه التَّرجمة؛ من كون الرَّجل سقى الكلب في خفِّه، واستباح لبسه في الصَّلاة دون غسله؛ إذ لم يذكر الغسل في الحديث، وأُجِيب: باحتمال أن يكون صبَّ في شيءٍ فسقاه، أو لم يلبسه، ولئن سلَّمنا سقيَه فيه؛ فلا يلزمنا [10] ؛ لأنَّه وإن كان شرع غيرنا؛ فهو منسوخٌ في شرعنا.

وهذا الحديث من السُّداسيَّات، ورواته ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه تابعيَّان؛ وهما: عبد الله بن دينارٍ، وأبو صالحٍ، والتَّحديث، والإخبار، والسَّماع، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الشُّرب» [خ¦2363] ، و«المظالم» [خ¦2466] ، و«الأدب» [خ¦6009] ، و«ذكر بني إسرائيل»، ومسلمٌ في «الحيوان»، وأبو داود في «الجهاد».

[1] «إنَّ»: سقط من (د).
[2] في (ب) و(س): «للتَّنجُّس».
[3] «قبل هذا الحديث»: سقط من (ب) و(د) و(ص).
[4] في (م): «من».
[5] «الكوسج»: سقط من (د).
[6] «ذكوان»: سقط من (ب) و(د) و(ص).
[7] في (د): «والرَّاء مقصوراً».
[8] «عليه»: سقط من (م).
[9] في (ب) و(س) و(د): «ثمَّ».
[10] في (ص): «يلزم منا».





172- 173- ( إِذَا شَرِبَ ) / قال ابن عبد البرِّ: تفرَّد بهذا اللَّفظ مالك، وغيره رووه: «ولغ»، وليس كذلك، فقد توبع مالك على ما بيَّنته في «شرح الموطَّأ».

ووَلَغ يلَغ بفتح اللَّام فيهما: شرب بطرف لسانه، وقال ثعلب: هو أن يُدخِلَ لسانه في الماء وغيره من المائع فيحرِّكه، زاد ابن درستويه: شرب أم لم يشرب.

وقال ابن مكِّيٍّ: فإن كان غير مائع يقال: لعقه، وقال المطرِّزيُّ: فإن كان فارغًا يقال: لحسه. [/ج1ص318/]

( فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا ) زاد مسلم من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة: «أولاهنَّ بالتُّراب»، ولأبي داود: «أولاهنَّ أو آخرهنَّ»، وللبزَّار: «إحداهنَّ».


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

172- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) أي: التِّنِّيسي ((قال: أخبرنا مالك)) ؛ أي: ابن أنس الأصبحي، وفي رواية: (عن مالك) ، ((عن أبي الزِناد)) ؛ بكسر الزاي المعجمة، بعدها النُّون، واسمه عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، ((عن الأعرج)) عبد الرحمن بن هرمز، ((عن أبي هريرة)) عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه: أنَّه ((قال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وسقط لفظ: (قال) في رواية، ((قال: إذا شرِب الكلب)) ؛ بكسر الرَّاء؛ أي: ولغ الكلب، وهذه الرواية كرواية «الموطأ»، لكن المشهور عن أبي هريرة من رواية جمهور أصحابه عنه: «إذا ولغ» وهو المعروف في اللغة، وزعم الكرماني: ضمَّن (شرِب) معنى (ولغ) ، فعُدِّي تعديته، واعترضه في «عمدة القاري»: بأنَّ الشارع عليه السلام أفصح الفصحاء، وروي عنه (شرب) و (ولغ) لتقاربهما في المعنى، فلا حاجة إلى هذا التكليف، لا يقال: الشرب أخص من الولوغ فلا يقوم مقامه؛ لأنَّا نقول: لا نسلم عدم[/ص137/] قيام الأخص مقام الأعم؛ لأنَّ الخاص له دلالة على العام اللازم؛ كلفظ: (الإنسان) له دلالة على مفهوم الحيوان بالتضمن؛ لأنَّه جزء مفهومه، وكذا له دلالة على مفهوم الماشي بالقوة بالالتزام لكونه خارجًا عن معنى الإنسان لازمًا له فعلى هذا يجوز أن يذكر الشرب ويراد به الولوغ، وادعى ابن عبد البر أن لفظه: (شرب) لم يروه إلا مالك، وأن غيره رواه بلفظ: (ولغ) ، وليس كذلك؛ فقد رواه ابن خزيمة، وابن المنذر من طريقين بلفظ: (إذا شرب [1] فيه، والضمير فيه اسمه، وقوله: ((يغرف)) ؛ بالغين المعجمة، جملة خبره؛ أي: طفق يغرف ((له)) أي: للكلب بالخف ((حتى أرواه)) ؛ أي: جعله ريَّانًا، وفي رواية: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه الحر، فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج؛ فإذا كلب يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان نزل بي، فنزل البئر، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقى فسقى الكلب) ، وفي أخرى: (بينما كلب يطيف بركبه كاد يقتله العطش؛ إذ رأته بغي، فنزعت موقها فسقته، فغفر لها) ، ((فشكر الله له)) ؛ أي: أثنى عليه، أو جازاه، يقال: شكرته وشكرت له، واللام أفصح، ((فأدخله الجنة)) من عطف الخاص على العام، والفاء تفسيرية؛ نحو: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] على ما فُسِّر من أن القتل كان نفس توبتهم، وفي رواية أخرى: فشكر الله له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله؛ إن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: «إن في كلِّ كبد رطبة أجرًا». '>[2] موقها فسقته، فغفر لها) ، ((فشكر الله له)) ؛ أي: أثنى عليه، أو جازاه، يقال: شكرته وشكرت له، واللام أفصح، ((فأدخله الجنة)) من عطف الخاص على العام، والفاء تفسيرية؛ نحو: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] على ما فُسِّر من أن القتل كان نفس توبتهم، وفي رواية أخرى: فشكر الله له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله؛ إن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: «إن في كلِّ كبد رطبة أجرًا». '>[1] ) ، وكذا أخرجه مسلم وغيره، وكذا مالك، وأخرجه أبو عبيد والدارقطني في «الموطأ» من طريق أبي [عليٍّ] الحنفي؛ كلهم بلفظ: (إذا ولغ) ، والولوغ: هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحركه، زاد ابن درستويه: شرب أو لم يشرب، وقيل: إن كان غير مائع؛ يقال: لعقه، وقال الإمام المطرزي في «المغرب»: فإن كان فارغًا؛ يقال: لحسه، ومفهوم الشرط يقتضي قصر الحكم على الولوغ، وإذا قلنا: الأمر بالغسل للتنجس؛ يتعدى الحكم إلى اللحس أيضًا، والغالب الولوغ، ولا يصح إلحاق يده وبقية أعضائه بفمه؛ لأنَّ الحكم بالتنجس لأجل اختلاط لعابه النجس في الماء والمائع والآنية، وبقية أعضائه لا لعاب فيها، فافترقا، وقاس الشافعي أعضاءه على فمه، وهو قياس مع الفارق، وخص مالك الغسل بالولوغ؛ لأنَّ الكلب عنده طاهر، فالأمر بالغسل عنده للتعبُّد لا للنجاسة، وهو بعيد جدًّا؛ لأنَّ الحديث يَحتَمل أن يكون الأمر للنجاسة، ويَحتَمل أن يكون للتعبد، ولكن رجح الأول بما رواه مسلم وغيره: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب»، وروايته أيضًا: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛ فليريقه، ثم ليغسله سبع مرات»، ولو كان سؤره طاهرًا؛ لما أمر عليه السلام بإراقته وغسله، فدلَّ على نجاسته، ولأنَّ الطهارة إمَّا للتعبد، أو الحدث، أو الخبث، وهي منتفية عن الإناء، فيتعين الخبث؛ فافهم.

وقصد المؤلف بيان مذاهب النَّاس، فبيَّن في هذا الباب مسألتين؛ أولاهما: الماء الذي يغسل به الشعر، والثانية: سؤر الكلاب، وهو الظاهر، ويدل عليه أنه قال في المسألة الثانية: (وسؤر الكلاب) واقتصر على هذه اللفظة، ولم يقل: وطهارة سؤر الكلاب.

((في)) وفي رواية: (من) ((إناء أحدكم؛ فليغسله سبعًا)) ؛ أي: سبع مرات، وفي رواية: (سبع مرات أولاهنَّ بالتراب) ، وفي أخرى: (أولاهنَّ أو أخراهنَّ) ، وفي أخرى: (سبع مرات وعفِّروه الثامنة) ، والأمر في ذلك للاستحباب لا للوجوب، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، ويدلَّ عليه أنَّ أبا هريرة الذي روى السبع رُوِيَ عنه غَسْل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثًا فعلًا وقولًا مرفوعًا وموقوفًا من طريقين؛ الأول: أخرجه الدارقطني بإسناد صحيح من حديث عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: (إذا ولغ الكلب في الإناء؛ فأهرقه، ثم اغسله ثلاث مرات) ، قال الشيخ تقي الدين: (هذا إسناد صحيح) ، والطريق الثاني أخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» عن الحسين بن علي الكرابيسي قال: حدثنا إسحاق الأزرق: حدثنا عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛ فليهرقه وليغسله ثلاث مرات»، ثم أخرجه عن عمر بن شيبة،وعبد الملك أخرج له مسلم في «صحيحه»، وقال أحمد والثوري: إنَّه من الحفاظ، ووثَّقه الثوري، وسماه الميزان، والكرابيسي وثَّقه أحمد وغيره، فثبت بذلك نسخ السبع؛ لأنَّ أبا هريرة هو راوي السبع، والراوي إذا عمل بخلاف روايته أو أفتى بخلافها؛ لا تبقى حجة [1] فيه، والضمير فيه اسمه، وقوله: ((يغرف)) ؛ بالغين المعجمة، جملة خبره؛ أي: طفق يغرف ((له)) أي: للكلب بالخف ((حتى أرواه)) ؛ أي: جعله ريَّانًا، وفي رواية: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه الحر، فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج؛ فإذا كلب يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان نزل بي، فنزل البئر، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقى فسقى الكلب) ، وفي أخرى: (بينما كلب يطيف بركبه كاد يقتله العطش؛ إذ رأته بغي، فنزعت موقها فسقته، فغفر لها) ، ((فشكر الله له)) ؛ أي: أثنى عليه، أو جازاه، يقال: شكرته وشكرت له، واللام أفصح، ((فأدخله الجنة)) من عطف الخاص على العام، والفاء تفسيرية؛ نحو: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] على ما فُسِّر من أن القتل كان نفس توبتهم، وفي رواية أخرى: فشكر الله له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله؛ إن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: «إن في كلِّ كبد رطبة أجرًا». '>[2] ؛ لأنَّ الصحابي لا يحل له أن يسمع من النبي الأعظم عليه السلام شيئًا ويفتي أو يعمل بخلافه؛ لأنَّ ذلك يسقط عدالته ولا تقبل روايته، والواجب علينا تحسين الظنِّ بالصحابي لا سيما أبو هريرة مهما أمكن، فدلَّ ذلك على نسخ ما رواه من السبع، ويدلُّ عليه ما رواه الحافظ الطَّحاوي بإسناده عن ابن سيرين: أنَّه كان إذا حدَّث عن أبي هريرة؛ فقيل له: عن النبي عليه السلام؟ فقال: كلُّ حديث أبي هريرة عن النبي عليه السلام، على أن العذرة أشد في النجاسة من سؤر الكلب، ولم يعتد بالسبع، فيكون الولوغ من باب أولى، على أنَّ تغليظ الحكم في ولوغ الكلب إما للتعبد، أو محمول على من غلب على ظنه أنَّ نجاسة الولوغ لا تزول بأقل منها، وإمَّا أنَّه أمرهم بالثلاث، فلم ينتبهوا، فغلَّظ عليهم بذلك.

ويحتمل أنَّ الأمر بالسبع كان عند الأمر بقتل الكلاب، فلمَّا نهى عن قتلها؛ نسخ الأمر بالغسل سبعًا، واعترض بأنَّ الأمر بالقتل كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخِّر عنه؛ لأنَّه من رواية أبي هريرة، وعبد الله بن مغفل، وكان إسلامهما سنة سبع.

وأجيب: بأن الأمر بقتل الكلاب في أوائل الهجرة يحتاج إلى دليل قطعي، على أنَّه قد ثبت أن ذلك كان بعد الأمر بقتلها، ولئن سلَّمناه؛ فكان يمكن أن يكون أبو هريرة وعبد الله قد سمعا ذلك من صحابي أنَّه أخبرهما عن النبي عليه السلام لاعتمادهما على صدق المرويِّ عنه؛ لأنَّ الصحابة كلَّهم عدول.

وقيل: إنَّه وقع الإجماع على خلافه في العمل، واعترض: بأنه قد ثبت القول بذلك عن أحمد والحسن.

وأجيب: بأنَّ مخالفة الأقل لا تمنع مخالفة الإجماع، وهو مذهب الجمهور من الأصوليين، وما روي عن الشافعي أنَّه قال: حديث ابن مغفل لم أقف على صحته؛ ممنوع؛ لأنَّه لا يلزم من عدم ثبوته عنده ترك العمل به عند غيره، على أنه أجمع الحفاظ على صحته، ورواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، فإنَّه زاد فيه: (وعفِّروه الثامنة بالتراب) ، والزائد أولى من الناقص، فكان ينبغي للمخالف أن يقول: لا يطهر إلَّا بأن يُغسل ثمان مرات الثامنة بالتراب؛ ليأخذ بالحديثين جميعًا، فإن ترك حديث ابن مغفل؛ فقد لزمه ما لزم خصمه في ترك السبع، ومع هذا لم يأخذ بالتعفير الثابت في الصحيح مطلقًا، قيل: إنَّه منسوخ.

فإن اعترض بما قاله البيهقي أنَّ أبا هريرة أحفظ؛ فروايته أولى.

أجيب: بالمنع، بل رواية ابن مغفل أولى؛ لأنَّه أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب، وقال الحسن البصري: إنَّه من أصحاب الشجرة، وهو أفقه من أبي هريرة، والأخذ بروايته أحوط، ولهذا ذهب الحسن البصري إليه؛ فافهم.

وفي الحديث نجاسة الإناء، ولا فرق بين الكلب المأذون في اقتنائه وغيره، ولا بين الكلب البدوي والحضري؛ لعموم اللفظ.

وقال الكرماني: (في الحديث دليل على تحريم بيع الكلاب) .

قلت: وهو مردود؛ لأنَّه منتفع به حراسة واصطيادًا، قال الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} [المائدة: 4] ؛ فيصح بيعه عندنا، وما روي: (أنَّه نهى عليه السلام عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن) ؛ فإنما هذا كان في زمن كان النبي الأعظم عليه السلام أمر فيه بقتل الكلاب وكان الانتفاع بها يومئذٍ محرمًا، ثم بعد ذلك قد رخص في الانتفاع بها، وروى الحافظ[/ص138/]

الطحاوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهمًا، وقضى في كلب ماشية بكبش) ، وعنه عن عطاء: (لا بأس بثمن الكلب) ، فهذا قول عطاء، وقد روي عن النبي الأعظم عليه السلام: «أنَّ ثمن الكلب من السحت»، وعنه عن ابن شهاب: (أنه إذا قتل الكلب المعلَّم؛ فإنه يقوم قيمته، فيغرِّمه الذي قتله) ، فهذا قول الزهري، وقد روي عن أبي بكر بن عبد الرحمن: (أنَّ ثمن الكلب من السحت) ، وعنه عن المغيرة، عن إبراهيم قال: (لا بأس بثمن كلب الصيد) ، وروي عن مالك: إجازة بيع كلب الصيد والزرع والماشية، ولا خلاف عنه في أنَّه من قَتَل كلب صيد أو ماشية؛ فإنَّه يجب قيمته عليه، وعن عثمان بن عفَّان رضي الله عنه: (أنَّه أجاز الكلب الضَّاري في المهر، وجعل على قاتله عشرين من الإبل) ، ذكره أبو عمر في «التمهيد»، كذا في «عمدة القاري»، وتمامه فيه؛ فليحفظ.

[1] في الأصل: (ولغ)، والمثبت من «العمدة».
[2] في الأصل: (حجته)، ولعل المثبت هو الصواب.
173- وبه قال: ((حدثنا إسحاق)) : هو ابن منصور بن بهرام الكوسج الحافظ أبو يعقوب التميمي المروزي نزيل نيسابور، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئتين في جمادى الأولى، وليس هو إسحاق بن إبراهيم الحمصي، كما جزم به أبو نعيم في «المستخرج»، وزعم الكرماني: بأنه إسحاق ابن راهويه، وهو خطأ أيضًا؛ فليحفظ ((قال: أخبرنا عبد الصمد)) ؛ أي: ابن عبد الوارث ((قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار)) : المدني العدوي، قال في «عمدة القاري»: (تكلموا فيه، لكنه صدوق مؤمن، ولم ينفرد بهذا الحديث، روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي) ، ((قال: سمعت أبي)) : عبد الله بن دينار التابعي مولى ابن عمر رضي الله عنهما، ((عن أبي صالح)) ؛ أي: ذكوان الزيات، ((عن أبي هريرة)) : عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه، ((عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم: أن رجلًا)) قال في «عمدة القاري»: (وهذه من الوقائع التي وقعت في زمن بني إسرائيل، فلذلك قال: «أن رجلًا» ولم يسمِّ الرجل) انتهى ((رأى)) أي: أبصر ((كلبًا)) وجملة قوله: ((يأكل الثَّرَى)) ؛ بفتح الثاء المثلثة والرَّاء، مقصور؛ وهو التراب الندي؛ أي: يلعق التراب، كما في «عمدة القاري» ((من العطش)) ؛ أي: من أجله أو بسببه صفة (كلبًا) ، ولا يجوز أن تكون حالًا كما زعمه الكرماني؛ لأنَّ شرطها أن يكون ذو الحال معرفة، وهنا نكرة، ولا يجوز أن تكون مفعولًا ثانيًا؛ لأنَّ الرؤية بمعنى الإبصار، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.
((فأخذ الرجل)) المذكور ((خفَّه، فجعل)) من أفعال المقاربة، وهي ما وضع لدنو الخبر رجاءًأو حصولًا أو أخذًا [1] فيه، والضمير فيه اسمه، وقوله: ((يغرف)) ؛ بالغين المعجمة، جملة خبره؛ أي: طفق يغرف ((له)) أي: للكلب بالخف ((حتى أرواه)) ؛ أي: جعله ريَّانًا، وفي رواية: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه الحر، فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج؛ فإذا كلب يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان نزل بي، فنزل البئر، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقى فسقى الكلب) ، وفي أخرى: (بينما كلب يطيف بركبه كاد يقتله العطش؛ إذ رأته بغي، فنزعت [2] موقها فسقته، فغفر لها) ، ((فشكر الله له)) ؛ أي: أثنى عليه، أو جازاه، يقال: شكرته وشكرت له، واللام أفصح، ((فأدخله الجنة)) من عطف الخاص على العام، والفاء تفسيرية؛ نحو: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] على ما فُسِّر من أن القتل كان نفس توبتهم، وفي رواية أخرى: فشكر الله له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله؛ إن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: «إن في كلِّ كبد رطبة أجرًا».
ففي الحديث: الإحسان إلى كل الحيوان بسقيه ونحوه، وهذا في الحيوان المحترم، وهو ما لا يؤمر بقتله، ولا يناقض هذا ما أمرنا بقتله، أو أبيح قتله، فإن ذلك إنَّما شرع لمصلحة راجحة، ومع ذلك فقد أمرنا بإحسان القتلة، وفيه حرمة الإساءة إليه، وإثم فاعله، فإنه ضد الإحسان المؤجر عليه، وقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت.
واستدل مالك بالحديث على طهارة سؤر الكلب؛ لأنَّ الرجل ملأ خفه وسقاه به، ولا شكَّ أن سؤره بقي فيه.
وأجيب: بأنه ليس فيه أن الكلب شرب الماء من الخف؛ لأنَّه قد يجوز أنَّه غرفه به، ثم صبه في مكان غيره، أو يمكن أنَّه يكون غسل خفَّه إن كان سقاه فيه، وعلى تقدير أن يكون سقيه فيه؛ لا يلزمنا هذا؛ لأنَّ هذا كان في شريعة غيرنا على ما رواه الناس عن أبي هريرة، وهو منسوخ في شرعنا.
وفيه وجوب نفقة البهائم المملوكة على مالكها بالإجماع، والله تعالى أعلم.
[1] في الأصل: (أخذ)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (فرعت)، ولعله تحريف عن المثبت.