متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

46- (كِتَابٌ فِي [1] الْمَظَالِمِ) جمع مَظْلمةٍ _بكسر اللَّام وفتحها_ حكاه الجوهريُّ وغيره، والكسر أكثر، ولم يضبطها ابن سيده في سائر تصرُّفها إلَّا بالكسر، وفي «القاموس»: والمظلمِة؛ بكسر اللَّام، وكَثُمامةٍ: ما تُظُلِّمَهُ الرَّجل، فلم يذكر فيه غير [2] الكسر، ونقل أبو عبيدٍ عن أبي بكر بن القوطيَّة: لا تقول العرب: مظلَمةٌ؛ بفتح اللَّام، إنَّما هي [3] مظلِمةٌ؛ بكسرها، وهي اسمٌ لما [4] أُخِذَ بغير حقِّ، والظُّلْم؛ بالضَّمِّ، قال صاحب «القاموس» وغيره: وضعُ الشَّيء في غير موضعه [5] . (وَالغَصْبِ) وهو لغةً: أخذ الشَّيء ظلمًا، وقيل: أخذه جهرًا بغلبةٍ، وشرعًا: الاستيلاء على حقِّ الغير عدوانًا، وسقط حرف الجرِّ لأبي ذرٍّ وابن عساكر، و«المظالمُ»؛ بالرَّفع، و«الغصبُ» عطفٌ عليه، وسقط لفظ: ((كتاب)) لغير المُسْتملي، وللنَّسفيِّ: ((كتاب الغصب بابٌ في المظالم))، (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: ({وَلَا تَحْسَبَنَّ}) يا محمَّد ({اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ})؛ أي: لا تحسبه إذا أنظرهم وأجَّلهم أنَّه [6] غافلٌ عنهم، مهملٌ لهم، لا يعاقبهم على صنيعهم، بل هو يحصي ذلك عليهم ويعدُّه عدًّا، فالمراد تثبيته صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، أو هو خطابٌ لغيره ممَّن يجوز أن يحسبه غافلًا؛ لجهله بصفاته تعالى، وعن ابن عيينة: تسليةً للمظلوم وتهديدًا للظَّالم ({إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ}) يؤخِّر عذابهم ({لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ})؛ أي: تشخص فيه أبصارهم، فلا تقرُّ في أماكنها من شدَّة الأهوال، ثمَّ ذكر تعالى كيفيَّة قيامهم من قبورهم ومجيئهم إلى المحشر، فقال: ({مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ}) [إبراهيم: 43] ؛ أي: (رَافِعِي) رؤوسهم (الْمُقْنِعُ) بالنُّون والعين (وَالْمُقْمِحُ) بالميم والحاء المهملة، معناهما (وَاحِدٌ) وهو رفع الرَّأس فيما أخرجه الفريابيُّ عن مجاهدٍ، وهو تفسير أكثر أهل اللُّغة، وسقط قوله: ((المقنع....)) إلى آخره في رواية غير المُسْتملي والكُشْمِيهَنيِّ، وزاد أبو ذرٍّ هنا: ((باب قصاص المظالم)) [7] [/ج4ص253/] (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ أيضًا: ({مُهْطِعِينَ})؛ أي: (مُدِيمِي النَّظَرِ) أي [8] : لا يطرفون، هيبةً وخوفًا، وسقط: واو ((وقال)) لأبي ذرٍّ، ولأبوي ذر والوقت: ((مدمني النَّظر))، (وَيُقَالُ: مُسْرِعِينَ)؛ أي: إلى الدَّاعي؛ كما قال تعالى: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ} [9] [القمر: 8] ، وهذا تفسير أبي عبيدة في «المجاز»، ({لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طرفهم}) بل تثبت عيونهم شاخصةً لا تطرف؛ لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة لِما يحلُّ بهم ({وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ}؛ يعني: جُوفًا) بضمِّ الجيم وسكون الواو: خاويةً خاليةً (لَا عُقُولَ لَهُمْ) لفرط الحيرة والدَّهشة، وهو تشبيهٌ محضٌ؛ لأنَّها ليست بهواءٍ حقيقةً، وجهة التَّشبيه يحتمل أن تكون في فراغ الأفئدة من الخير والرَّجاء والطَّمع في الرَّحمة ({وَأَنْذِرِ النَّاسَ}) يا محمَّد ({يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ})؛ يعني: يوم القيامة، أو يوم الموت، فإنَّه أوَّل يوم عذابهم، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ: {أنذر}، ولا يجوز أن يكون ظرفًا؛ لأنَّ القيامة ليست بموطن الإنذار ({فَيَقُولُ الّذِينَ ظَلَمُوا}) بالشِّرك والتَّكذيب ({رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ}) أخِّر العذاب عنَّا ورُدَّنا إلى الدُّنيا، وأمهلنا إلى أمدٍ وحدٍّ من الزَّمان قريبٍ نتدارك ما فرَّطنا فيه ({نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ}) جوابٌ للأمر، ونظيره قوله تعالى: {لولا أخَّرتني إلى أجلٍ قريبٍ فأصدَّق} [المنافقون: 10] ({أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ}) على إرادة القول، وفيه وجهان: أن يقولوا ذلك بطرًا وأشرًا ولما استولى عليهم من عادة الجهل والسَّفه، وأن يقولوه بلسان الحال؛ حيث بنوا شديدًا، وأمَّلوا بعيدًا، وقوله: {مَا لَكُمْ} جواب القسم، وإنَّما جاء بلفظ الخطاب؛ لقوله: {أقسمتم}، ولو حُكِي لفظ المقسمين؛ لقِيل: ما لنا من زوالٍ، والمعنى: أقسمتم أنَّكم باقون في الدُّنيا لا تزالون بالموت والفناء، وقيل: لا تنتقلون إلى دارٍ أخرى؛ يعني: كفرهم بالبعث؛ لقوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ} [النَّحل: 38] ، قاله الزَّمخشريُّ.

({وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ}) بالكفر والمعاصي؛ كعادٍ وثمود ({وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ}) بما تشاهدون في منازلهم من آثار ما نزل بهم، وما تواتر عندكم من أخبارهم ({وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ}) من أحوالهم؛ أي: بيَّنا لكم أنَّكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب، أو صفات ما فعلوا وفُعِل بهم التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة ({وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ})؛ أي: مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم؛ لإبطال الحقِّ وتقرير الباطل ({وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ}) ومكتوبٌ عنده فعلُهم، فهو مُجازيهم عليه بمكرٍ هو أعظم منه، أو عنده ما يمكرهم به؛ وهو عذابهم الذي يستحقُّونه ({وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ}) في العِظَم والشِّدَة ({لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}) مُسوًّى لإزالة الجبال، مُعَدًّا لذلك، وقيل: [10] «إنْ» نافيةٌ، واللَّام مؤكِّدَةٌ لها؛ كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] ، والمعنى: ومُحالٌ أن تزول الجبال بمكرهم على أنَّ الجبال مَثَلٌ لآيات الله وشرائعه؛ لأنَّها بمنزلة الجبال الرَّاسية ثباتًا وتمكُّنًا، وتنصره قراءة ابن مسعودٍ: {وما كان مكرهم}، وقُرِئ: {لتزول}؛ بلام الابتداء على معنى: وإن كان مكرهم من الشِّدَّة بحيث تزول منه الجبال وتنقلع [11] عن أماكنها (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ}) [إبراهيم: 47] ؛ يعني قوله: {إنَّا لننصر رسلنا} [غافر: 54] ، {كتب الله لأغلبنَّ أنا ورسلي} [المجادلة: 21] ، وأصله: مُخْلِفَ رُسُلِه وعدَه، فقدَّم المفعول الثَّاني على الأوَّل؛ إيذانًا بأنَّه لا يخلف الوعد [12] أصلًا؛ كقوله: {إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9] ، وإذا لم يخلف وعده أحدًا؛ فكيف يخلف رسله؟ ({إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ}) غالبٌ لا يمُاكَر، قادرٌ لا يُدافَع ({ذُو انْتِقَامٍ}) لأوليائه من أعدائه _كما مرَّ_ ولفظ رواية أبي ذرٍّ: (({وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} إلى قوله: {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}))، وعنده بعد قوله: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ}...؛ ((الآية)).

[1] «في»: مثبتٌ من (ب) و(م).
[2] «غير»: سقط من (د1) و(ص).
[3] في (د) و(ص): «هو».
[4] «لِما»: ليس في (م).
[5] زيد في غير (د): «في المظالم»، ولعلَّه تكرارٌ.
[6] في (ص): «بأنه».
[7] قوله: «وسقط قوله: المقنع... باب قصاص المظالم» سقط من (م).
[8] «أي»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[9] قوله: «أي: إلى الدَّاعي؛ كما قال تعالى: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ}» ليس في (د1) و(م).
[10] زيد في (ص): «إنَّ».
[11] في (د) و(ص): «وتنقطع».
[12] في (د): «الميعاد».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

في المَظالِمِ وَالغَصْبِ

وَقَوْلِ [1] اللَّهِ تَعَالَىَ: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ [2] اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [3] إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ. مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ }: رَافِعِي. الْمُقْنِعُ وَالْمُقْمِحُ وَاحِدٌ [4] _وَقالَ مُجَاهِدٌ [5] : { مُهْطِعِينَ } مُدِيمِي [6] النَّظَرِ، وَيُقَالُ: مُسْرِعِينَ_ { لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء } يَعْنِي [7] جُوفًا لا عُقُولَ لهُمْ. { وَأَنذِرِ النَّاسَ [8] يَوْمَ يَأتِيهِم [9] الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ. وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا [/ج3ص127/] لَكُمُ الأَمْثَالَ. وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُول [10] مِنْهُ الْجِبَالُ. فلا تَحْسَبَن [11] اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } [إبراهيم: 42 - 47] .

[1] في رواية ابن عساكر بعد البسملة: «المظالمُ والغصبُ وقولُ»، وفي رواية أبي ذر بعد البسملة: «كِتَابُ المَظَالِمِ. المظالمُ والغصبُ وقولُ»، وفي رواية كريمة والمستملي بعد البسملة: «كتاب المظالم. في المظالم والغصب وقولِ».
[2] ضبطت في (و، ص) بكسر السين علىَ قراءة الجمهور، غير عاصم وابن عامر وحمزة وأبي جعفر.
[3] في رواية أبي ذر زيادة: «إلىَ قوله: { إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ }» بدل إتمام الترجمة.
[4] من قوله: «{إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ }» إلىَ قوله: «واحد» ليس في رواية [ق] (ص)، وهو موافق لما في السلطانية، وقوله: «الْمُقْنِعُ وَالْمُقْمِحُ وَاحِدٌ» ثابت في رواية المستملي والكُشْمِيْهَنِيّ.
[5] في رواية أبي ذر: «(1) بابُ قِصاصِ المَظَالِم قال مُجاهِدٌ».
[6] في رواية أبي ذر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «مدمِنِي».
[7] لفظة: «يعني» ليست في رواية السمعاني عن أبي الوقت.
[8] في رواية أبي ذر زيادة: «الآية» بدل إتمام الآيات.
[9] أُهمل ضبط الهاء في الأصول، عدا (و)، ففيها بالكسر، وبها قرأ الجمهور، وبضمها قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف.
[10] أُهمل ضبطها في (ن)، وضبطت في (و): «لَتزولُ» بالرفع علىَ قراءة الكسائي، وضبطت في (ب، ص): «لِتَزولَ» بالنصب علىَ قراءة الجمهور.
[11] أُهمل ضبطها في (ن، و)، وضبطت في (ب، ص) بكسر السين علىَ قراءة الجمهور، وبفتحها قرأ عاصم وابن عامر وحمزة وأبي جعفر.






((46)) (كتابُ المَظَالم) جمع: مَظْلَمَة بكسر اللام وفتحها، حكاه الجوهري وغيره، ولم يذكر ابن سِيده غيرَ الكسر.

وقال ابن القوطية: لا تقوله العرب بالفتح، إنما هو بالكسر.


(كِتَابٌ [1] في المَظالِمِ وَالغَصْبِ) ... إلى (كِتَاب الشَّرِكَة)

[1] في (أ) كتب فوق (كتاب): زائد كذا، وكذا في (ق) ، و (كتاب): مثبتٌ مِن رواية أبي ذرٍّ، و (في) ليس في روايته.






(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

46- (كِتَابٌ فِي [1] الْمَظَالِمِ) جمع مَظْلمةٍ _بكسر اللَّام وفتحها_ حكاه الجوهريُّ وغيره، والكسر أكثر، ولم يضبطها ابن سيده في سائر تصرُّفها إلَّا بالكسر، وفي «القاموس»: والمظلمِة؛ بكسر اللَّام، وكَثُمامةٍ: ما تُظُلِّمَهُ الرَّجل، فلم يذكر فيه غير [2] الكسر، ونقل أبو عبيدٍ عن أبي بكر بن القوطيَّة: لا تقول العرب: مظلَمةٌ؛ بفتح اللَّام، إنَّما هي [3] مظلِمةٌ؛ بكسرها، وهي اسمٌ لما [4] أُخِذَ بغير حقِّ، والظُّلْم؛ بالضَّمِّ، قال صاحب «القاموس» وغيره: وضعُ الشَّيء في غير موضعه [5] . (وَالغَصْبِ) وهو لغةً: أخذ الشَّيء ظلمًا، وقيل: أخذه جهرًا بغلبةٍ، وشرعًا: الاستيلاء على حقِّ الغير عدوانًا، وسقط حرف الجرِّ لأبي ذرٍّ وابن عساكر، و«المظالمُ»؛ بالرَّفع، و«الغصبُ» عطفٌ عليه، وسقط لفظ: ((كتاب)) لغير المُسْتملي، وللنَّسفيِّ: ((كتاب الغصب بابٌ في المظالم))، (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: ({وَلَا تَحْسَبَنَّ}) يا محمَّد ({اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ})؛ أي: لا تحسبه إذا أنظرهم وأجَّلهم أنَّه [6] غافلٌ عنهم، مهملٌ لهم، لا يعاقبهم على صنيعهم، بل هو يحصي ذلك عليهم ويعدُّه عدًّا، فالمراد تثبيته صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، أو هو خطابٌ لغيره ممَّن يجوز أن يحسبه غافلًا؛ لجهله بصفاته تعالى، وعن ابن عيينة: تسليةً للمظلوم وتهديدًا للظَّالم ({إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ}) يؤخِّر عذابهم ({لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ})؛ أي: تشخص فيه أبصارهم، فلا تقرُّ في أماكنها من شدَّة الأهوال، ثمَّ ذكر تعالى كيفيَّة قيامهم من قبورهم ومجيئهم إلى المحشر، فقال: ({مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ}) [إبراهيم: 43] ؛ أي: (رَافِعِي) رؤوسهم (الْمُقْنِعُ) بالنُّون والعين (وَالْمُقْمِحُ) بالميم والحاء المهملة، معناهما (وَاحِدٌ) وهو رفع الرَّأس فيما أخرجه الفريابيُّ عن مجاهدٍ، وهو تفسير أكثر أهل اللُّغة، وسقط قوله: ((المقنع....)) إلى آخره في رواية غير المُسْتملي والكُشْمِيهَنيِّ، وزاد أبو ذرٍّ هنا: ((باب قصاص المظالم)) [7] [/ج4ص253/] (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ أيضًا: ({مُهْطِعِينَ})؛ أي: (مُدِيمِي النَّظَرِ) أي [8] : لا يطرفون، هيبةً وخوفًا، وسقط: واو ((وقال)) لأبي ذرٍّ، ولأبوي ذر والوقت: ((مدمني النَّظر))، (وَيُقَالُ: مُسْرِعِينَ)؛ أي: إلى الدَّاعي؛ كما قال تعالى: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ} [9] [القمر: 8] ، وهذا تفسير أبي عبيدة في «المجاز»، ({لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طرفهم}) بل تثبت عيونهم شاخصةً لا تطرف؛ لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة لِما يحلُّ بهم ({وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ}؛ يعني: جُوفًا) بضمِّ الجيم وسكون الواو: خاويةً خاليةً (لَا عُقُولَ لَهُمْ) لفرط الحيرة والدَّهشة، وهو تشبيهٌ محضٌ؛ لأنَّها ليست بهواءٍ حقيقةً، وجهة التَّشبيه يحتمل أن تكون في فراغ الأفئدة من الخير والرَّجاء والطَّمع في الرَّحمة ({وَأَنْذِرِ النَّاسَ}) يا محمَّد ({يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ})؛ يعني: يوم القيامة، أو يوم الموت، فإنَّه أوَّل يوم عذابهم، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ: {أنذر}، ولا يجوز أن يكون ظرفًا؛ لأنَّ القيامة ليست بموطن الإنذار ({فَيَقُولُ الّذِينَ ظَلَمُوا}) بالشِّرك والتَّكذيب ({رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ}) أخِّر العذاب عنَّا ورُدَّنا إلى الدُّنيا، وأمهلنا إلى أمدٍ وحدٍّ من الزَّمان قريبٍ نتدارك ما فرَّطنا فيه ({نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ}) جوابٌ للأمر، ونظيره قوله تعالى: {لولا أخَّرتني إلى أجلٍ قريبٍ فأصدَّق} [المنافقون: 10] ({أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ}) على إرادة القول، وفيه وجهان: أن يقولوا ذلك بطرًا وأشرًا ولما استولى عليهم من عادة الجهل والسَّفه، وأن يقولوه بلسان الحال؛ حيث بنوا شديدًا، وأمَّلوا بعيدًا، وقوله: {مَا لَكُمْ} جواب القسم، وإنَّما جاء بلفظ الخطاب؛ لقوله: {أقسمتم}، ولو حُكِي لفظ المقسمين؛ لقِيل: ما لنا من زوالٍ، والمعنى: أقسمتم أنَّكم باقون في الدُّنيا لا تزالون بالموت والفناء، وقيل: لا تنتقلون إلى دارٍ أخرى؛ يعني: كفرهم بالبعث؛ لقوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ} [النَّحل: 38] ، قاله الزَّمخشريُّ.

({وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ}) بالكفر والمعاصي؛ كعادٍ وثمود ({وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ}) بما تشاهدون في منازلهم من آثار ما نزل بهم، وما تواتر عندكم من أخبارهم ({وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ}) من أحوالهم؛ أي: بيَّنا لكم أنَّكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب، أو صفات ما فعلوا وفُعِل بهم التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة ({وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ})؛ أي: مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم؛ لإبطال الحقِّ وتقرير الباطل ({وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ}) ومكتوبٌ عنده فعلُهم، فهو مُجازيهم عليه بمكرٍ هو أعظم منه، أو عنده ما يمكرهم به؛ وهو عذابهم الذي يستحقُّونه ({وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ}) في العِظَم والشِّدَة ({لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}) مُسوًّى لإزالة الجبال، مُعَدًّا لذلك، وقيل: [10] «إنْ» نافيةٌ، واللَّام مؤكِّدَةٌ لها؛ كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] ، والمعنى: ومُحالٌ أن تزول الجبال بمكرهم على أنَّ الجبال مَثَلٌ لآيات الله وشرائعه؛ لأنَّها بمنزلة الجبال الرَّاسية ثباتًا وتمكُّنًا، وتنصره قراءة ابن مسعودٍ: {وما كان مكرهم}، وقُرِئ: {لتزول}؛ بلام الابتداء على معنى: وإن كان مكرهم من الشِّدَّة بحيث تزول منه الجبال وتنقلع [11] عن أماكنها (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ}) [إبراهيم: 47] ؛ يعني قوله: {إنَّا لننصر رسلنا} [غافر: 54] ، {كتب الله لأغلبنَّ أنا ورسلي} [المجادلة: 21] ، وأصله: مُخْلِفَ رُسُلِه وعدَه، فقدَّم المفعول الثَّاني على الأوَّل؛ إيذانًا بأنَّه لا يخلف الوعد [12] أصلًا؛ كقوله: {إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9] ، وإذا لم يخلف وعده أحدًا؛ فكيف يخلف رسله؟ ({إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ}) غالبٌ لا يمُاكَر، قادرٌ لا يُدافَع ({ذُو انْتِقَامٍ}) لأوليائه من أعدائه _كما مرَّ_ ولفظ رواية أبي ذرٍّ: (({وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} إلى قوله: {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}))، وعنده بعد قوله: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ}...؛ ((الآية)).

[1] «في»: مثبتٌ من (ب) و(م).
[2] «غير»: سقط من (د1) و(ص).
[3] في (د) و(ص): «هو».
[4] «لِما»: ليس في (م).
[5] زيد في غير (د): «في المظالم»، ولعلَّه تكرارٌ.
[6] في (ص): «بأنه».
[7] قوله: «وسقط قوله: المقنع... باب قصاص المظالم» سقط من (م).
[8] «أي»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[9] قوله: «أي: إلى الدَّاعي؛ كما قال تعالى: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ}» ليس في (د1) و(م).
[10] زيد في (ص): «إنَّ».
[11] في (د) و(ص): «وتنقطع».
[12] في (د): «الميعاد».





( كِتَابُ الْمَظَالِمِ ): جمع مَظْلَمة، مصدر ظُلْمَة، واسم لما أُخِذ بغير حقٍّ، والظُّلم: وضع الشَّيء في غير

موضعه الشَّرعي.

( وَالْغَصْبِ ): هو أخذ مال الغير بغير حقٍّ. [/ج4ص1702/]


((46)) [كتاب المظالم]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

((46)) (كتاب الْمَظَالِمِ وَالغَصَبُِ وَقَوْلُِ اللهِ عزَّ وجلَّ [1] : {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم:42] .

قوله: (مُسْرِعِينَ): مع إدامة النَّظر.

قوله: ({مُقْنِعِي}): إذا رفع رأسه.

قوله: ({وأفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ}): يعني جوفاء، لا عقول لهم؛ أي: من الخوف.

[1] كذا في النسختين، وفي «اليونينيَّة»: (تعالى).





لا تتوفر معاينة