متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

33- هذا (باب) حكم (الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ) هل هو طاهرٌ أم لا؟ (وَكَانَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، فيما وصله محمَّد بن إسحاق الفاكهيُّ [1] في «أخبار مكَّة» بسندٍ صحيحٍ، (لَا يَرَى بِهِ)؛ أي: بالشَّعر (بَأْسًا)، وفي رواية ابن عساكر: ((لا يرى بأسًا)) (أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا)؛ أي: من الشُّعور، وفي رواية ابن عساكر: ((منه))؛ أي: من الشَّعر، (الْخُيُوطُ وَالْحِبَالُ): جمع خيطٍ وحبلٍ، ويُفرَّق بينهما بالرِّقَّة والغلظ، (وَ) باب (سُؤْرِ الْكِلَابِ)؛ بالهمز [2] ؛ أي: بقيَّة ما في الإناء بعد شربها، (وَمَمَرِّهَا فِي الْمَسْجِدِ)، وفي روايةٍ هنا زيادة: ((وأكلها))؛ أي: حكم أكلها [3] ، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، وظاهر صنيع المؤلِّف القول بالطَّهارة.

(وَقَالَ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ) فيما رواه [4] الوليد بن مسلمٍ في «مُصنَّفه» عنِ الأوزاعيِّ وغيره عنه، ورواه ابن عبد البرِّ في «التَّمهيد» من طريقه بسندٍ صحيحٍ: (إِذَا وَلَغَ الكلب فِي إِنَاءٍ) فيه ماءٌ؛ بأن أدخل لسانه فيه فحرَّكه فيه تحريكًا قليلًا أو كثيرًا، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((في الإناء))؛ أي: والحال أنَّه (لَيْسَ لَهُ)؛ أي: لمريد الوضوء (وَضُوءٌ)؛ بفتح الواو: ما يُتوَضَّأ به، (غَيْرُهُ)؛ أي: غير ما ولغ الكلب فيه، ويجوز في «غير»: النَّصب والرَّفع؛ (يَتَوَضَّأُ بِهِ)؛ أي: بالماء الباقي، وهو جواب الشَّرط في «إذا»، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((حتَّى يتوضَّأ بها)) [5] ؛ أي: بالبقيَّة، وفي أخرى: ((منه)).

(وَقَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ: (هَذَا)؛ أي: الحكم بالتَّوضُّؤ به (الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ)؛ أي: المُستفاد من القرآن، (يَقُولُ اللهُ تَعَالَى)، وفي رواية أبي الوقت: ((لقول الله تعالى)): ({فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}) [المائدة: 6] ، وفي رواية القابسيِّ عن أبي زيدٍ المروزيِّ: ((يقول الله: فإن لم تجدوا))، وهو مخالفٌ للتِّلاوة، والظَّاهر أنَّ الثَّوريَّ رواه بالمعنى، ولعلَّه كان يرى جواز ذلك، وقد تتبَّعتُ كثيرًا من القراءات فلم أرَ أحدًا قرأ بها، ووجه الدَّلالة من الآية أنَّ قوله تعالى: {ماءً}: نكرةٌ في سياق النَّفيِ فتعمُّ، ولا تُخَصُّ إلَّا بدليلٍ، كما قال، (وَهَذَا): أي: المذكور (مَاءٌ)، وفي رواية الأَصيليِّ: ((فهذا ماءٌ))، وتنجيسه بولوغ الكلب [6] فيه غير مُتَّفَقٍ عليه بين أهل العلم، (وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ)؛ لعدم ظهور دلالته، أو لوجود معارضٍ له من القرآن أو غيره، وحينئذٍ (يَتَوَضَّأُ بِهِ)؛ أي: بالماء المذكور، وفي روايةٍ: ((منه))، (وَيَتَيَمَّمُ)؛ لأنَّ الماء الذي يُشَكَّ فيه _لأجل اختلاف العلماء رحمهم الله_ كالعدم [7] ، فيحتاط للعبادة.

[1] في (ص): «الفاكهانيُّ»، وليس بصحيحٍ.
[2] في (س): «بالهمزة».
[3] في (م): «أكل الكلاب».
[4] في (ص): «وصله».
[5] زيد في (م): «بالرَّفع».
[6] في (ص) و(م): «بولوغه».
[7] في (م): «كالمعدوم».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(33) بابُ المَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ _وَكَانَ عَطَاءٌ لَا يَرَىَ بِهِ [1] بَأسًا أَنْ يُتَّخَذَ منها [2] الخُيُوطُ وَالْحِبَالُ_ وَسُؤْرِ الكِلَابِ وَمَمَرِّهَا في المَسْجِدِ [3]

وقالَ الزُّهْرِيُّ: إذا وَلَغَ في إِناءٍ [4] لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرَهُ [5] يَتَوَضَّأُ بِهِ [6] .

وقالَ سُفْيانُ: هَذا الفِقْهُ بِعَيْنِهِ، يَقُولُ اللَّهُ [7] تَعالَىَ [8] : {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ} [النساء: 43] وَهَذا [9] ماءٌ، وَفِي النَّفْسِ منه شَيْءٌ، يَتَوَضَّأُ بِهِ [10] وَيَتَيَمَّمُ.

[1] لفظة: «به» صحَّح عليها في اليونينيَّة، وهي ليست في رواية ابن عساكر.
[2] في رواية ابن عساكر و [عط] : «مِنه».
[3] في رواية [عط] زيادة: «وأَكلِها».
[4] في رواية أبي ذر: «في الإناء».
[5] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«غَيْرُهُ»، وكتب فوقها «معًا».
[6] في رواية أبي ذر: «بها».
[7] في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «لقولِ اللهِ».
[8] بهامش اليونينية دون رمز: «عَزَّ وَجلَّ» (ن).
[9] في رواية الأصيلي: «فهذا».
[10] في رواية [عط] : «منه».





( وَسُؤْرِ الْكِلاَبِ ) مهموز مجرور من بقية الترجمة، أي: وباب سؤر الكلاب.


(33) [باب: الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ]

(وَسُؤْرِ الْكِلاَبِ [1] ) مهموز مجرور بالعطف على الماءِ الذي أُضيف إليه باب، فهو من بقية الترجمة.

[1] في (د): ((الكلب)).





قوله: (يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ): (يُغْسَلُ): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (شَعَرُ): مرفوع قائم مقام الفاعل، وهذا ظاهر.

قوله: (وَكَانَ عَطَاءٌ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا): (عَطَاءٌ) هذا: هو ابن أبي رباح، مفتي أهل مكَّة، ومن أئمَّتهم المشهورين (رحمة الله عليه وعليهم) [1] ، توفِّي بمكَّة سَنة خمسَ عشرةَ ومئة، وقيل: غير ذلك، تقدَّم، وسيأتي قريبًا.

قوله: (وَسُؤْرِ الكِلَابِ): هو مهموز، ويترك همزه؛ وهو البقيَّة ممَّا تتناوله، وهو مجرور، وهو من بقيَّة التَّرجمة.

قوله: (وَمَمَرِّهَا): هو بالجرِّ معطوف على (سُؤْرِ) .

قوله: (وَقَالَ [2] الزُّهْرِيُّ): تقدَّم مرارًا أنَّه محمَّد بن مُسْلِم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن شهاب، العالم المشهور.

قوله: (لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ): هو بفتح الواو؛ وهو الماء، ويجوز ضمُّها.

قوله: (غَيْرهُ): يجوز فيه الرفع والنَّصب، وبِهما هو مضبوط في أصلنا.

قوله: (قَالَ سُفْيَانُ: هذا الفِقْهُ بِعَيْنِهِ): قال شيخنا الشَّارح: (إنَّه الثَّوريُّ) .

قوله: (يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ): هما مبنيَّان للفاعل، وكذا في أصلنا.

[1] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[2] في (ج): (فقال) .





(أَنْ يَتَّخِذَ): بدلٌ مِنَ الضمير المجرور في لفظ (به) ؛ كقولهم: مررت به المسكينِ.

(وَسُؤْرِ): بالجرِّ عطفًا على (الْمَاءِ) ؛ أي: وبابُ سُؤْرِ الكلاب.

(وَأَكْلِهَا) أي: أكلِ الكلاب؛ بإضافة المصدر إلى الفاعل.

(غَيْرهُ): يجوزُ فيه الرَّفعُ والنَّصبُ، والجملةُ المنفيَّةُ حالٌ.

(يَتَوَضَّأُ): جوابُ الشرط.


33- هذا (باب) حكم (الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ) هل هو طاهرٌ أم لا؟ (وَكَانَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، فيما وصله محمَّد بن إسحاق الفاكهيُّ [1] في «أخبار مكَّة» بسندٍ صحيحٍ، (لَا يَرَى بِهِ)؛ أي: بالشَّعر (بَأْسًا)، وفي رواية ابن عساكر: ((لا يرى بأسًا)) (أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا)؛ أي: من الشُّعور، وفي رواية ابن عساكر: ((منه))؛ أي: من الشَّعر، (الْخُيُوطُ وَالْحِبَالُ): جمع خيطٍ وحبلٍ، ويُفرَّق بينهما بالرِّقَّة والغلظ، (وَ) باب (سُؤْرِ الْكِلَابِ)؛ بالهمز [2] ؛ أي: بقيَّة ما في الإناء بعد شربها، (وَمَمَرِّهَا فِي الْمَسْجِدِ)، وفي روايةٍ هنا زيادة: ((وأكلها))؛ أي: حكم أكلها [3] ، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، وظاهر صنيع المؤلِّف القول بالطَّهارة.

(وَقَالَ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ) فيما رواه [4] الوليد بن مسلمٍ في «مُصنَّفه» عنِ الأوزاعيِّ وغيره عنه، ورواه ابن عبد البرِّ في «التَّمهيد» من طريقه بسندٍ صحيحٍ: (إِذَا وَلَغَ الكلب فِي إِنَاءٍ) فيه ماءٌ؛ بأن أدخل لسانه فيه فحرَّكه فيه تحريكًا قليلًا أو كثيرًا، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((في الإناء))؛ أي: والحال أنَّه (لَيْسَ لَهُ)؛ أي: لمريد الوضوء (وَضُوءٌ)؛ بفتح الواو: ما يُتوَضَّأ به، (غَيْرُهُ)؛ أي: غير ما ولغ الكلب فيه، ويجوز في «غير»: النَّصب والرَّفع؛ (يَتَوَضَّأُ بِهِ)؛ أي: بالماء الباقي، وهو جواب الشَّرط في «إذا»، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((حتَّى يتوضَّأ بها)) [5] ؛ أي: بالبقيَّة، وفي أخرى: ((منه)).

(وَقَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ: (هَذَا)؛ أي: الحكم بالتَّوضُّؤ به (الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ)؛ أي: المُستفاد من القرآن، (يَقُولُ اللهُ تَعَالَى)، وفي رواية أبي الوقت: ((لقول الله تعالى)): ({فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}) [المائدة: 6] ، وفي رواية القابسيِّ عن أبي زيدٍ المروزيِّ: ((يقول الله: فإن لم تجدوا))، وهو مخالفٌ للتِّلاوة، والظَّاهر أنَّ الثَّوريَّ رواه بالمعنى، ولعلَّه كان يرى جواز ذلك، وقد تتبَّعتُ كثيرًا من القراءات فلم أرَ أحدًا قرأ بها، ووجه الدَّلالة من الآية أنَّ قوله تعالى: {ماءً}: نكرةٌ في سياق النَّفيِ فتعمُّ، ولا تُخَصُّ إلَّا بدليلٍ، كما قال، (وَهَذَا): أي: المذكور (مَاءٌ)، وفي رواية الأَصيليِّ: ((فهذا ماءٌ))، وتنجيسه بولوغ الكلب [6] فيه غير مُتَّفَقٍ عليه بين أهل العلم، (وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ)؛ لعدم ظهور دلالته، أو لوجود معارضٍ له من القرآن أو غيره، وحينئذٍ (يَتَوَضَّأُ بِهِ)؛ أي: بالماء المذكور، وفي روايةٍ: ((منه))، (وَيَتَيَمَّمُ)؛ لأنَّ الماء الذي يُشَكَّ فيه _لأجل اختلاف العلماء رحمهم الله_ كالعدم [7] ، فيحتاط للعبادة.

[1] في (ص): «الفاكهانيُّ»، وليس بصحيحٍ.
[2] في (س): «بالهمزة».
[3] في (م): «أكل الكلاب».
[4] في (ص): «وصله».
[5] زيد في (م): «بالرَّفع».
[6] في (ص) و(م): «بولوغه».
[7] في (م): «كالمعدوم».





( وَسُؤْرِ الْكِلاَبِ ): بالجرِّ عطفًا على الماء، أي: وباب سؤر الكلاب، والسُّؤر: البقيَّة.

( وَقَالَ سُفْيَانُ ): هو الثَّوريُّ. [/ج1ص317/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

هذا ((باب)) بيان طهارة ((الماء الذي يُغسَل)) ؛ بضم التحتية على صيغة المجهول ((به شعَر)) بفتح العين ((الإنسان)) ؛ أي: بني آدم؛ لأنَّ شعر الإنسان طاهر، فالماء الذي يغسل به طاهر، فأشار المؤلف إلى أن حكم الشعر الطهارة؛ لأنَّ المغتسل قد يقع في غسله من شعره، فلو كان نجسًا لتنجس الماء بملاقاته، ولم ينقل عن أحد أنَّ النبي الأعظم عليه السلام تجنب ذلك في اغتساله ووضوئه، بل كان عليه السلام يخلل أصول شعره، وهو يفضي إلى تناثر شعره، فدل على طهارته، وهو قول الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور.

((وكان عطاء)) ؛ بالمد: هو ابن أبي رباح، فيما وصله محمد بن إسحاق الفاكهي في أخبار مكة بسند صحيح: أنه ((لا يرى به)) ؛ أي: بالانتفاع بشعر الإنسان الذي يحلق بمنًى ((بأسًا)) ؛ لأنَّه طاهر، فجاز ((أَن)) بفتح الهمزة ((يتخذ)) بدل من الضمير المجرور في (به) ؛ أي: لا يرى بأسًا باتخاذ؛ أي: بالاتخاذ ((منها)) ؛ أي: من الشعور، وفي رواية: (منه) ؛ أي: من الشعر ((الخيوط والحبال)) جمع خيط وحبل، والفرق بينهما بالرقة والغلظ، ولم يوجد في رواية لفظة (به) ، وهو ظاهر، قال ابن بطال: أراد المؤلف بهذه الترجمة ردَّ قول الشافعي: إنَّ شعر الإنسان إذا فارق الإنسان؛ نجس، وإذا وقع في الماء؛ نجَّسه، وإذا وقع على المصلي؛ بطلت صلاته، وإذا كان في الذياد؛ نجسه؛ لأنَّه لو كان نجسًا كما قال؛ لما جاز اتخاذه خيوطًا وحبالًا.

ومذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور: أنه طاهر، وكذا شعر الميتة، والأجزاء الصلبة التي لا دم فيها؛ كالقرن، والعظم، والسن، والحافر، والظلف، والخف، والوبر، والصوف، والعصب، والريش، والإنفحة الصلبة، كذا قاله في «البدائع»، وكذا من الآدمي على الأصح كما في «المحيط»، و«التحفة»، وفي «الخانية»: أنَّه الصحيح عندنا، وقد وافقنا على صوفها، ووبرها، وشعرها، وريشها مالك وأحمد، وإسحاق، والمزني، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، وحماد، وداود في المعظم منها، وخالفنا الشافعي، فقال أبو الطيب: الشعر، والصوف، والوبر، والعظم، والقرن، والظلف؛ تحلها الحياة، وتنجس بالموت، هذا هو المذهب وهو الذي رواه المزني، والبويطي، والربيع، وحرملة عن الشافعي وصححه جماعة منهم، وروى إبراهيم البكري، عن المزني، عن الشافعي: أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي؛ لأنَّه تابع للجلد يطهر بطهارته، وينجس بنجاسته، والصحيح عندهم الأول، وقال الماوردي ونقله الربيع الجيزي عن الشافعي: أن شعر النبي الأعظم عليه السلام الصحيح القطع بطهارته.

قلت: يشير بذلك إلى أن لهم قولًا بغير ذلك، وأنه الأصح؛ لأنَّ مقابل الصحيح الأصح، ونعوذ بالله تعالى من هذا القول المفضي إلى الجرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الموصل [1] إلى الأذى له عليه السلام المدخل تحت قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ}...؛ الآية [الأحزاب: 57] وقد اخترق بعض الشافعية وكاد أن يخرج عن دائرة الإسلام حيث صرح، وقال: وفي شعر النبي وجهان، قلت: وحاشا شعر النبي الأعظم عليه السلام[/ص135/] من ذلك، وكيف قال هذا وإنَّه لا يقوله جاهل ألبتة فضلًا عن منسوب إلى العلم، وإنَّه قد صمت أذنه عن قول العلماء الأعلام: إن فضلاته عليه السلام طاهرة فضلًا عن شعره الشريف.

ثم قال الماوردي وغيره: وإنما قسم النبي عليه السلام شعره بين أصحابه للتبرك ولا يتوقف التبرك على كونه طاهرًا.قلت: هذا أشنع وأقبح من ذلك؛ فإنَّ النجاسة تنافي التبرك، وهل رأيت أحدًا يتبرك بشيء نجس؟ فهذا جرأة وافتراء على رسول الله عليه السلام، وربما يحرم الشفاعة بهذا الكلام القبيح الذي لا يقوله عاقل، ولا يصدر من غبي جاهل، وقال كثير من الشافعية نحو قول الماوردي، ولو ذكرنا كلامهم؛ لطال المقام، لكن {لَاتَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101] .

ثم قالوا: لأنَّ القدر الذي أخذ كان يسيرًا معفوًّا عنه، قلت: وهذا أيضًا أقبح من الكل، وأعظم جرأة وافتراء، وغرضهم من ذلك تعنتهم وتعصبهم لمذهبهم في تنجس شعر بني آدم، فلما أورد عليهم شعر النبي الأعظم عليه السلام؛ أوَّلوا هذه التأويلات الفاسدة، وقالوا: هذه الأقوال القبيحة الخاسرة الذي يردها الطبع السليم، وينفر عنها من اهتدى إلى الصراط المستقيم.

وقال بعض شراح «البخاري»: وفي دمه عليه السلام وجهان، والأليق الطهارة، وذكر القاضي حسين في العذرة وجهين، وأنكر بعضهم على الغزالي حكايتهما فيها، وزعم نجاستها بالاتفاق.

قلت: وما للغزالي من هفوات حتى في تعلقات النبي الأعظم عليه السلام، كيف وقد وردت أحاديث كثيرة أنَّ جماعة شربوا دمه عليه السلام؛ منهم: أبو طيبة الحجام، وغلام من قريش حجمه عليه السلام، وعبد الله بن الزبير شرب دمه عليه السلام، رواه البزار، والطبراني، والحاكم، والبيهقي، وأبو نعيم، وغيرهم، ويروى عن علي رضي الله عنه: (أنه شرب دمه عليه السلام) ، وروي أيضًا: (أن أم أيمن شربت بوله عليه السلام) ، رواه الحاكم، والدارقطني، والطبراني، وأبو نعيم، وأخرج الطبراني في «الأوسط» رواية سلمى امرأة أبي رافع: أنها شربت بعض ما غسل النبي عليه السلام، فقال لها: «حرم الله بدنك على النار»، فقد عميت أبصارهم، وصممت آذانهم عن هذه الأحاديث وغيرها الواردة في هذا الشأن، ولا يقول قولهم إلا شيطان.

وقال بعض الشافعية: والحقُّ أنَّ حكم النبي عليه السلام كحكم جميع المكلفين في الأحكام التكليفية إلَّا فيما يخص بدليل، وأجاب في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: ويلزم من هذا أن يكون الناس مساويين [2] للنبي الأعظم عليه السلام، ولا يقول بذلك إلا جاهل غبي، ومكابر عتي [3] ، وأين مراتبه من مراتب الناس؟! ولا يلزم أن يكون دليل الخصوص بالفعل دائمًا، والفعل له مدخل في غير النبي عليه السلام من غيره في مثل هذه الأشياء، وأنا أعتقد أنه لا يقاس عليه غيره، وإن قالوا غير ذلك، فأذني عنه صماء) انتهى.

وتعقَّبه العجلوني حيث قال: (ولا يلزم من مساواة الناس له عليه السلام في هذا الحكم أن تكون مراتبهم مثل مرتبته عليه السلام، ألا ترى أنَّهم ساووه في غالب الأحكام) انتهى.

قلت: وهذه محاولة ومكابرة عن الحق؛ لأنَّ قوله: (حكم النبي عليه السلام كحكم جميع المكلفين) إدخال له عليه السلام تحت الحكم وهو مشرع الأحكام، فيلزم التنقيص في مرتبته عليه السلام، وهو عليه السلام أفضل الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، ومساواتهم له عليه السلام في غالب الأحكام من حيث إنَّه شرعَها لهم، فيلزمهم اتِّباعه فيما شرع، فلا يكون حكمه كحكمهم في الأحكام؛ لأنَّ الله تعالى جعله منبع الشريعة المطهرة، وكيف يقال: إنَّه مثلهم ومساوٍ لهم ولا يقوله إلَّا متعنت ومكابر، وجاهل متجاسر، ومن هنا ظهر أن تكلم الشافعية على الحنفية لا يلتفت إليه؛ لأنَّهم قد تكلموا على النبي الأعظم عليه السلام بما يحط في مرتبته الشريفة، وينقص في مقامه المنيف، فاعلم ذلك، والله الموفق للصواب.

((وسؤرِ الكلاب)) بالجرِّ عطفًا على قوله: (باب الماء) ؛ والتقدير: وباب سؤر الكلاب؛ يعني: ما حكمه؟ وفي رواية: (وسؤر الكلب) بالإفراد، والسؤر؛ بالهمز: بقية الماء الذي يبقيها الشارب، وقال ثعلب: هو ما بقي من الشراب وغيره، وقال ابن درستويه: والعامة لا تهمزه، وترك الهمزة ليس بخطأ، ولكن الهمز أفصح وأعرف.

((وممرِّها في المسجد)) وزاد في رواية: (وأكلِها) ؛ بالجر من إضافة المصدر إلى فاعله؛ أي: وباب حكم ما تأكله هل ينجس أم لا؟ وهو مأخوذ من ولوغها، فإنِّها إذا لم تنجِّس الماء بولوغها؛ فلا تنجِّس ما تأكل منه، قال ابن الملقِّن: وقصد المؤلف بذلك إثبات طهارة الكلب وطهارة سؤره، وقال الإسماعيلي: أراه نحا ذلك بما ذكره من الأخبار وهي صحيحة، إلا أن في الاستدلال بها على طهارة الكلب نظرًا) انتهى، ووجه النظر ما قاله ابن الملقن أنَّ الأمر بالغسل من ولوغه ظاهر في أنَّه لنجاسته لا للتعبُّد، وأما غرق الماء بالخف؛ فليس فيه أنَّ الكلب شربه منه، وعلى تسليمه، فشرع من قبلنا شرع لنا إذا قصَّه الله ورسوله علينا من غير نكير، وهنا ليس كذلك بل هو منسوخ في شرعنا، ولا يلزم من إقبال الكلاب في المسجد وإدبارها طهارتها، لكن ذلك مظنة بولها، ولم يعلم أنه أمر بغسله كما أمر بغسل بول الأعرابي، ويؤيِّده ما سيأتي: (وأنها كانت تبول فيه) ، وابن وهب يرى طهارة بولها، وأمَّا حديث عدي؛ فهو مسوقٌ؛ لأنَّ قتله ذكاة لا لطهارته؛ فافهم.

((وقال)) محمد بن مسلم ابن شهاب ((الزهري)) فيما رواه أبو الوليد بن مسلم في «مصنفه» عن الأوزاعي وغيره، وأخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» من طريقه بسند صحيح: ((إذا ولغ الكلب)) ؛ بالغين المعجمة، وهو في الكلاب والسباع كلِّها؛ وهو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كلِّ مائع فيحركه فيه تحريكًا قليلًا أو كثيرًا، وقيل: إن كان غير مائع؛ يقال: لعقه ولحسه، وقيل: إن كان الماء فارغًا؛ يقال: لحسه، وإن كان فيه شيء؛ يقال: ولغ، كذا في «المغرب»، وسقط في رواية لفظ: (الكلب) ، ولكن القرينة تدل عليه؛ لأنَّ ضمير (ولغ) عائد إليه سواء كان معلَّمًا أو غيره ((في إناء)) ولأبي ذر: (في الإناء) ((ليس له)) أي: لمريد الوضوء ((وَضوءٌ)) ؛ بفتح الواو؛ أي: الماء الذي يتوضأ به ((غيرَُه)) ؛ بالرفع أو النصب، والجملة المنفية حال، وسقط في رواية؛ أي: غير ذلك الإناء الذي ولغ فيه ((يتوضأ به)) جواب الشرط، وهو (إذا) ، وفي رواية: (حتى يتوضأ بها) ؛ أي: ببقية الماء، وفي رواية: (فيها) ، فيؤوَّل الإناء بالمطهرة أو الإداوة؛ فالمعنى: يتوضأ بالماء الذي فيها، كذا في «عمدة القاري».

((قال سفيان)) ؛ أي: الثوري؛ لأنَّ الوليد بن مسلم لمَّا روى هذا الأثر الذي رواه الزهري؛ ذكر عقيبه بقوله: (فذكرت ذلك لسفيان الثوري فقال: والله) ((هذا)) ؛ أي: الحكم بالتوضؤ به ((الفقه بعينه)) المستفاد من القرآن؛ ((لقول الله عزَّ وجلَّ)) وفي رواية: (بقول الله تعالى) : (({فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا})) وفي رواية القابسي عن المروزي: (فَإن لَم تَجدُوا) ، وهو غلط؛ لمخالفته للتلاوة ولم يوجد في شيء من القراءات بعد التبع الكثير، ولم يوافق القابسي على هذه الرواية أحد إلا ما حكاه أبو نعيم، قال ابن حجر: ولعلَّه رواه بالمعنى؛ بناء على تجويزه ذلك، وهو خلاف الصواب؛ لأنَّ القراءة بالرواية لا بالرأي على الصحيح، قاله العجلوني.

[/ص136/] وقال في «عمدة القاري»: (وقول بعضهم: «لعلَّه رواه بالمعنى» لا يصح أصلًا؛ لأنَّه قلب لكلام الله تعالى، والظاهر أنه سهو وغلط؛ فافهم) .

((وهذا)) أي: الذي ولغ الكلب فيه ((ماء)) وللأصيلي: (فهذا ماء) ، فهو داخل تحت عموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}؛ لأنَّ {مَاءً} نكرة في سياق النفي، فتعم، ولا يخص إلا بدليل فسمى الثوري الأخذ بدلالة العموم فقهًا.

((وفي النفس منه شيء)) ؛ أي: دغدغة، وهو من تتمة كلام الثوري، وذلك لعدم ظهور دلالته أو لوجود معارض له؛ إما من القرآن أو غير ذلك، فلذا قال: ((يتوضأ به)) وفي رواية: (منه) ؛ أي: الماء المذكور، ((ويتيمم)) ؛ لأنَّ الماء الذي شكَّ فيه كالعدم؛ لاختلاف العلماء، والواو لمطلق الجمع، فلا يشترط الترتيب بل الشرط الجمع بينهما سواء قدَّم الوضوء أو أخَّره، كذا في «عمدة القاري».

[1] في الأصل: (الموصلي) ، وهو تحريف.
[2] في الأصل: (مسايا) ، وهو تحريف.
[3] في الأصل: (عبي) ، وهو تصحيف.