متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

162- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة، ابن أنسٍ، الأصبحيُّ، (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ)؛ بكسر الزَّاي وبالنُّون، واسمه: عبد الله بن ذكوان، (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزَ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ)؛ أي: إذا أراد أن يتوضَّأ (أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ)، كذا في «فرع [1] اليونينيَّة» كهي؛ بحذف المفعول؛ لدلالة الكلام عليه، وهو رواية الأكثرين؛ أي: فليجعل في أنفه ماءً، ولأبي ذَرٍّ إثباته كـ: «مسلمٍ» من رواية سفيان عن أبي الزِّناد، (ثُمَّ لِيَنْثُرْ) بمُثلَّثةٍ مضمومة بعد النُّون السَّاكنة من «باب الثُّلاثيِّ المُجرَّد»، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((ثمَّ لينتثر)): على وزن «لِيَفْتَعِل» من باب «الافتعال»، يُقال: نثر الرَّجل وانتثر [2] إذا حرَّك النَّثْرة؛ وهي طرف الأنف في الطَّهارة، (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ) بالأحجار؛ (فَلْيُوتِرْ) بثلاثٍ أو خمسٍ أو سبعٍ أو غير ذلك، والواجب الثَّلاثة؛ لحديث «مسلمٍ»: «لا يستنجي أحدكم بأقلَّ من ثلاثة أحجارٍ»، فأخذ بهذا الحديث الشَّافعيُّ وأحمدُ وأصحاب الحديث، فاشترطوا ألَّا ينقص من الثَّلاثة، فإن حصل الإنقاء بها، وإلَّا؛ وجبتِ الزِّيادة، واستُحِبَّ الإيتار [3] إن حصل الإنقاء بشفعٍ؛ للحديث الصَّحيح: «ومنِ استجمر؛ فليوتر»، وليس بواجبٍ؛ لزيادةٍ لأبي [4] داود بإسنادٍ حسنٍ قال: «ومن لا؛ فلا حرج»، والمدار عند المالكيَّة والحنفيَّة على أنَّ [5] الإنقاء حيث وُجِدَ، اقتُصِرَ عليه، (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ) عطفٌ على قوله: «إذا توضَّأ»، (فَلْيَغْسِلْ) ندبًا (يَدَهُ)؛ بالإفراد، وفي «مسلمٍ»: «ثلاثًا» (قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا)؛ أي: قبل إدخالها (فِي) دون القلَّتين من (وَضُوئِهِ)؛ بفتح الواو؛ وهو الماء الذي يُتوَضَّأ به، وللكُشْمِيْهَنِيِّ كـ: «مسلمٍ»: «قبل أن يدخلها [6] في الإناء»؛ وهو ظرف الماء المُعَدُّ للوضوء لا يبلغ قلَّتين، (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) من جسده؛ أي: هل لاقت [/ج1ص247/] مكانًا طاهرًا منه [7] أو نجسًا؟ بثرةً أو جرحًا؟ أو أثر الاستنجاء بالأحجار بعد [8] بلل المحلِّ، أو اليد بنحو عرقٍ، ومفهومه: أنَّ مَنْ دَرَى أين باتت يده؛ كمن لفَّ عليها خرقةً مثلًا، فاستيقظ وهي على حالها أنَّه [9] لا كراهة. نعم؛ يُستحَبُّ غسلهما قبل غمسهما في الماء القليل، فقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم غسلهما قبل إدخالهما في الإناء في حالة [10] اليقظة، فاستحبابه بعد النَّوم أَوْلى، ومن قال كمالكٍ: إنَّ الأمر للتَّعبُّد، لا يفرِّق بين شاكٍّ ومتيقِّنٍ، والأمر في قوله: «فليغسل»؛ للنَّدب عند الجمهور، فإنَّه [11] علَّله بالشَّكِّ في قوله: «فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده»، والأمر المُضمَّن بالشَّكِّ لا يكون واجبًا في هذا الحكم؛ استصحابًا لأصل الطَّهارة، وحمله الإمام أحمد رحمه الله على الوجوب في نوم اللَّيل دون نوم النَّهار؛ لقوله في آخر الحديث: «أين [12] باتت يده»؛ لأنَّ حقيقة المَبيت تكون في اللَّيل، ووقع التَّصريح به في رواية أبي داودَ بلفظ: «إذا قام أحدكم من اللَّيل»، وكذا عند التِّرمذيِّ، وأُجِيب: بأنَّ التَّعليل يقتضي إلحاق نوم النَّهار بنوم اللَّيل، وإنَّما خصَّ نوم اللَّيل بالذِّكر؛ للغلبة، قال الرَّافعيُّ في «شرح المُسنَد»: يمكن أن يُقال: الكراهة في الغمس لمن نام ليلًا أشدُّ منها لمن نام نهارًا؛ لأنَّ الاحتمال في نوم اللَّيل أقرب؛ لطوله عادةً، وليس الحكم مُختَصًّا بالنَّوم، بلِ المُعتَبَر الشَّكُّ في نجاسة اليد، واتَّفقوا على أنَّه لو غمس يده لم يضرَّ الماء؛ خلافًا لإسحاقَ وداودَ وغيرهما، وحيث ثبتتِ الكراهة؛ فلا تزول إلَّا بتثليث الغسل، كما نُصَّ عليه في «البويطيِّ»، وهي المطلوبة عند كلِّ وضوءٍ، قال الإمام: حتَّى لو كان يتوضَّأ من قمقمةٍ فيُستحَبُّ غسلهما احتياطًا؛ لتوقُّع خبثٍ وإن بَعُدَ، لا للحدث، واحتُرِز بـ: «الإناء» عن البرك والحياض، ويُستفَاد من الحديث: استحباب غسل النَّجاسات ثلاثًا؛ لأنَّه إذا أُمِرَ به في المشكوك؛ ففي المُحقَّق أَوْلى، والأخذ بالاحتياط في العبادات، وأنَّ الماء يَنْجُس بورود النَّجاسة عليه، وفي الإضافة إلى المُخاطَبين في قوله: «فإنَّ أحدكم» إشارةٌ إلى مُخالَفَة نومه عليه الصلاة والسلام لذلك [13] ، فإنَّ عينه تنام ولا ينام قلبه.

وهذا الحديث أخرجه السِّتَّة، وههنا تنبيهٌ: وهو أنَّه ينبغي للسَّامع لأقواله عليه الصلاة والسلام أن يتلقَّاها بالقبول ودفع الخواطر الرَّادَّة لها، فقد بلغنا أنَّ شخصًا سمع هذا الحديث فقال: وأين تبيت يده منه؟ فاستيقظ من النَّوم ويده داخلَ دُبره محشوَّةً، فتاب عن ذلك وأقلع، فنسأل الله تعالى أن يحفظ قلوبنا من الخواطر الرَّديئة، والله المُوفِّق.

[1] «فرع»: سقط من (ص).
[2] في (م): «استنثر».
[3] في (م): «الإيثار»، وهو تصحيفٌ.
[4] في (ص) و(م): «في أبي».
[5] «أنَّ): سقط من (ص) و(م).
[6] في (د): «يدخهلما».
[7] «منه»: سقط من (م).
[8] في (ص): «قبل».
[9] في (م): «أن».
[10] في (م): «حال».
[11] في (م): «لأنَّه».
[12] (أين»: سقط من (م).
[13] في (ب) و(ص): «في ذلك».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

162-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ [/ج1ص43/] بْنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرَنا مالِكٌ، عن أَبِي الزِّنادِ، عن الأَعْرَجِ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «إِذا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ، ثُمَّ ليَنْثُرْ [1] ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَها في وَضُوئِهِ [2] ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ باتَتْ يَدُهُ».

[1] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «لِيَنْتَثِرْ».
[2] هكذا في رواية الحَمُّويي والمُستملي أيضًا، وذكر في (ب، ص) أنَّ رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «في الإناء».





162- ( فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ) حذف مفعول يجعل وهو الماء لدلالة الكلام عليه [1] .

( قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ ) بفتح الواو.

[1] قال ابن حجر رحمه الله: قد أثبت المفعول في رواية أبي ذر الهروي. [/ج1ص94/]





162# (فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ) أي: ماء، فحذفه للعلم به، وقد ثبت في بعض النسخ.

(ثُمَّ ليستَنْثِرْ) من الاستنثار كما تقدَّم، وفي بعضها: <ثم لينتثر> يفتعل، بدون سين.

(فَإِنَّ أَحَدكُمْ) في إضافة ذلك إلى المخاطبين إشارة إلى مخالفة نومه عليه السلام لذلك؛ فإن عينه تنام ولا ينام قلبه.

(أَيْنَ بَاتَتْ يَدُه) تأتي [1] بات بمعنى: نزل ليلاً، وبمعنى: اقتران الفعل بالليل.

وحكى الزمخشري: أنها

@%ج1ص125%

تكون بمعنى: صار، وكذا ابن حزم، ولذا [2] أوجب غسل اليد من نوم النهار، وهو مما خُطِّئ [3] فيه، وممن جعلها في الحديث بمعنى صار: الأُبَّدِيُّ، وابنُ بَرهان [4] ، وغيرهما.

قال ابن المنيِّر: وفيه دليلٌ على أنَّ الماء القليل ينجُس بالنجاسة اليسيرة التي لا تُغيره؛ فإنا نعلم أن الذي عساهُ أن يعلق باليد، ويخفى عن الحس [5] ، ويقال فيه: لا يدري أين باتتْ يده، لا يغير شكل الماء، وقد احتاطَ له مع الاحتمال، فكيف لا ينجسُ به إذا تيقنه؟!

قلت: يمكن التَّفريق بين حالتي التوهُّم واليقين؛ بأن تثبت عندَ اليقين زيادة في رتبة الكراهة لم تكن ثابتةً عند التوهم، فلم يلزم أن يكون أثر اليقين النجاسةَ ولا بدَّ.

[1] في (ق): ((أي)).
[2] في (د) و(ق): ((وكذا)).
[3] في (ق): ((حظر)).
[4] في (د) و(ج): ((الأبدي من نحاة الأندلس وابن برهان بفتح الباء غير منصرف وهو من نحاة البصريين)).
وفي (ق): ((باهان)).
[5] في (ق): ((الجنس)).





162- قوله: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ): هو بالنُّون، واسمه عَبْد الله بن ذكوان الإمام مولى بني أميَّة، وذكوان أخو أبي لؤلؤة الذي قتل عمر رضي الله عنه، روى أَبُو الزناد عن أنس، وعمر بن أبي سلمة ولم يرَه فيما قيل، وابن المُسَيّب، والأعرج، وعدَّة، وعنه: مالك، واللَّيث، والسفيانان، ثقةٌ ثَبْتٌ، توفِّي في رمضان فجاءة سنة (131 هـ ) ، أخرج له الجماعة، له ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه.

قوله: (عَنِ الْأَعْرَجِ): تقدَّم أنَّه عبد الرَّحمن بن هرمز، تقدَّم بعض ترجمته، أخرج له الجماعة.

قوله: (في وَضُوئِهِ): هو بفتح الواو: الماء، تقدَّم، وتقدَّم أنَّه يجوز ضمُّها.


162- (فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ): أي: ماءً، حُذِفَ المفعولُ؛ للعِلْمِ به، فيُؤخذُ منه: حذفُ المفعولِ إذا دلَّ عليه الكلامُ.


162- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة، ابن أنسٍ، الأصبحيُّ، (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ)؛ بكسر الزَّاي وبالنُّون، واسمه: عبد الله بن ذكوان، (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزَ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ)؛ أي: إذا أراد أن يتوضَّأ (أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ)، كذا في «فرع [1] اليونينيَّة» كهي؛ بحذف المفعول؛ لدلالة الكلام عليه، وهو رواية الأكثرين؛ أي: فليجعل في أنفه ماءً، ولأبي ذَرٍّ إثباته كـ: «مسلمٍ» من رواية سفيان عن أبي الزِّناد، (ثُمَّ لِيَنْثُرْ) بمُثلَّثةٍ مضمومة بعد النُّون السَّاكنة من «باب الثُّلاثيِّ المُجرَّد»، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((ثمَّ لينتثر)): على وزن «لِيَفْتَعِل» من باب «الافتعال»، يُقال: نثر الرَّجل وانتثر [2] إذا حرَّك النَّثْرة؛ وهي طرف الأنف في الطَّهارة، (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ) بالأحجار؛ (فَلْيُوتِرْ) بثلاثٍ أو خمسٍ أو سبعٍ أو غير ذلك، والواجب الثَّلاثة؛ لحديث «مسلمٍ»: «لا يستنجي أحدكم بأقلَّ من ثلاثة أحجارٍ»، فأخذ بهذا الحديث الشَّافعيُّ وأحمدُ وأصحاب الحديث، فاشترطوا ألَّا ينقص من الثَّلاثة، فإن حصل الإنقاء بها، وإلَّا؛ وجبتِ الزِّيادة، واستُحِبَّ الإيتار [3] إن حصل الإنقاء بشفعٍ؛ للحديث الصَّحيح: «ومنِ استجمر؛ فليوتر»، وليس بواجبٍ؛ لزيادةٍ لأبي [4] داود بإسنادٍ حسنٍ قال: «ومن لا؛ فلا حرج»، والمدار عند المالكيَّة والحنفيَّة على أنَّ [5] الإنقاء حيث وُجِدَ، اقتُصِرَ عليه، (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ) عطفٌ على قوله: «إذا توضَّأ»، (فَلْيَغْسِلْ) ندبًا (يَدَهُ)؛ بالإفراد، وفي «مسلمٍ»: «ثلاثًا» (قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا)؛ أي: قبل إدخالها (فِي) دون القلَّتين من (وَضُوئِهِ)؛ بفتح الواو؛ وهو الماء الذي يُتوَضَّأ به، وللكُشْمِيْهَنِيِّ كـ: «مسلمٍ»: «قبل أن يدخلها [6] في الإناء»؛ وهو ظرف الماء المُعَدُّ للوضوء لا يبلغ قلَّتين، (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) من جسده؛ أي: هل لاقت [/ج1ص247/] مكانًا طاهرًا منه [7] أو نجسًا؟ بثرةً أو جرحًا؟ أو أثر الاستنجاء بالأحجار بعد [8] بلل المحلِّ، أو اليد بنحو عرقٍ، ومفهومه: أنَّ مَنْ دَرَى أين باتت يده؛ كمن لفَّ عليها خرقةً مثلًا، فاستيقظ وهي على حالها أنَّه [9] لا كراهة. نعم؛ يُستحَبُّ غسلهما قبل غمسهما في الماء القليل، فقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم غسلهما قبل إدخالهما في الإناء في حالة [10] اليقظة، فاستحبابه بعد النَّوم أَوْلى، ومن قال كمالكٍ: إنَّ الأمر للتَّعبُّد، لا يفرِّق بين شاكٍّ ومتيقِّنٍ، والأمر في قوله: «فليغسل»؛ للنَّدب عند الجمهور، فإنَّه [11] علَّله بالشَّكِّ في قوله: «فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده»، والأمر المُضمَّن بالشَّكِّ لا يكون واجبًا في هذا الحكم؛ استصحابًا لأصل الطَّهارة، وحمله الإمام أحمد رحمه الله على الوجوب في نوم اللَّيل دون نوم النَّهار؛ لقوله في آخر الحديث: «أين [12] باتت يده»؛ لأنَّ حقيقة المَبيت تكون في اللَّيل، ووقع التَّصريح به في رواية أبي داودَ بلفظ: «إذا قام أحدكم من اللَّيل»، وكذا عند التِّرمذيِّ، وأُجِيب: بأنَّ التَّعليل يقتضي إلحاق نوم النَّهار بنوم اللَّيل، وإنَّما خصَّ نوم اللَّيل بالذِّكر؛ للغلبة، قال الرَّافعيُّ في «شرح المُسنَد»: يمكن أن يُقال: الكراهة في الغمس لمن نام ليلًا أشدُّ منها لمن نام نهارًا؛ لأنَّ الاحتمال في نوم اللَّيل أقرب؛ لطوله عادةً، وليس الحكم مُختَصًّا بالنَّوم، بلِ المُعتَبَر الشَّكُّ في نجاسة اليد، واتَّفقوا على أنَّه لو غمس يده لم يضرَّ الماء؛ خلافًا لإسحاقَ وداودَ وغيرهما، وحيث ثبتتِ الكراهة؛ فلا تزول إلَّا بتثليث الغسل، كما نُصَّ عليه في «البويطيِّ»، وهي المطلوبة عند كلِّ وضوءٍ، قال الإمام: حتَّى لو كان يتوضَّأ من قمقمةٍ فيُستحَبُّ غسلهما احتياطًا؛ لتوقُّع خبثٍ وإن بَعُدَ، لا للحدث، واحتُرِز بـ: «الإناء» عن البرك والحياض، ويُستفَاد من الحديث: استحباب غسل النَّجاسات ثلاثًا؛ لأنَّه إذا أُمِرَ به في المشكوك؛ ففي المُحقَّق أَوْلى، والأخذ بالاحتياط في العبادات، وأنَّ الماء يَنْجُس بورود النَّجاسة عليه، وفي الإضافة إلى المُخاطَبين في قوله: «فإنَّ أحدكم» إشارةٌ إلى مُخالَفَة نومه عليه الصلاة والسلام لذلك [13] ، فإنَّ عينه تنام ولا ينام قلبه.

وهذا الحديث أخرجه السِّتَّة، وههنا تنبيهٌ: وهو أنَّه ينبغي للسَّامع لأقواله عليه الصلاة والسلام أن يتلقَّاها بالقبول ودفع الخواطر الرَّادَّة لها، فقد بلغنا أنَّ شخصًا سمع هذا الحديث فقال: وأين تبيت يده منه؟ فاستيقظ من النَّوم ويده داخلَ دُبره محشوَّةً، فتاب عن ذلك وأقلع، فنسأل الله تعالى أن يحفظ قلوبنا من الخواطر الرَّديئة، والله المُوفِّق.

[1] «فرع»: سقط من (ص).
[2] في (م): «استنثر».
[3] في (م): «الإيثار»، وهو تصحيفٌ.
[4] في (ص) و(م): «في أبي».
[5] «أنَّ): سقط من (ص) و(م).
[6] في (د): «يدخهلما».
[7] «منه»: سقط من (م).
[8] في (ص): «قبل».
[9] في (م): «أن».
[10] في (م): «حال».
[11] في (م): «لأنَّه».
[12] (أين»: سقط من (م).
[13] في (ب) و(ص): «في ذلك».





162- ( فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ) زاد أبو ذرٍّ: «ماء».

( ثمَّ لِيَنْثُرْ ): بضمِّ المثلَّثة، ولأبي ذر والأَصِيلي: «ثمَّ لينتَثِر» بزيادة الفوقيَّة، وكسر المثلَّثة.

( فِي وَضُوئِهِ ): بالفتح، وللكُشْمِيهنيِّ: «في الإناء».

( أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ) زاد ابن خزيمة: «منه».


47/162# قال الإمام أبو عبد الله _ رحمه الله _: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرنا مالِكٌ، عن أَبِي الزِّنادِ، عن الأَعْرَجِ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «إِذا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ منامه [1] فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَها في وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ باتَتْ يَدُهُ».

أمره [2] بغسل يدَه قبل أن يُدخلها الماءَ الذي يُريد أن يتوضَّأ منه أمرُ أدبٍ واستحباب، لا أمرُ إيجابٍ وإلزام [3] ؛ وذلك لأنَّه علَّقه بالشَّكِّ والارتياب، والأمر المُضَمَّن بالشَّكِّ والارتياب لا يكون واجباً، وأصل الماء الطهارة، وبَدَن الإنسان على حكم الطهارة كذلك أيضاً، و إذا ثبتت الطهارةُ يقيناً لم تَزُلْ بأمرٍ مشكوك فيه.

وإنَّما جاء هذا في المياه التي هي [4] في حدِّ القِلَّة؛ إذ [5] كان قد جَرَت عاداتُهم باستعمال الآنية [6] الصغار في طهورهم، كالمخاضب [7] والرِّكَاءِ [8] ونحوها، دون المياه التي في الحياض والبرَك والمصانع الواسعة، فإنَّه إذا كان الماء في حدِّ الكثرة لم يكن هذا المعنى مَوهوباً.

وذهب بعضُ أهل الظاهر إلى إيجاب غَسل اليد قبل إدخالها الإناءَ، فإن أدخلها

@%ص64%

فيه قبل غَسلها فسدَ الماءُ.

وفرَّق بعضهم بين نوم الليل ونوم النهار، وقال: وذلك لأنَّ الحديثَ إنَّما جاء في نوم [9] الليل؛ بدليل قوله: «أين باتت يدُه»، والمبيت إنَّما يكون ليلاً، ولأنَّ الإنسانَ لا ينكشف لنوم النهار كما ينكشف لنوم الليل، فتطوف يده في أطراف بدنه كما تطوف يدُ النائم ليلاً، وربَّما أصَابت موضع العورة، وكانوا قَلَّ ما يستعملون الماء، إنَّما يستنجون بالحجارة ونحوها، وقد يكون هناك لَوثٌ من أثر الحَدَث لم يَنقِّه الاستنجاءُ بالأحجار، فَيعلَق بيده، فإذا غمسها في الإناء فَسَدَ الماءُ لمخالطة النجاسة إيَّاه.

وهذا الذي قاله واحتجَّ به قد يحتمل أن يكون، ويحتمل أن لا يكون، وأصل الماء الطَّهارةُ، وحُكْمُ البَدَنِ الطَّهارةُ كذلك ما لم يَتَيَقَّنْ نَجاسَةً، والمُتَمَكِّنُ المُسْتَقِرُّ لا يزول بالمكتفي [10] المُتردِّد بين أن يكون وبين أن لا يكون، فالاحتياط أن يغسلها، والقياس أن لا وُجُوب، وهو قولُ أكثر العلماء.

وفيه الدَّلالة على الفرق بين ورود النجاسة على الماء القليل وبين وُرود الماء عليها؛ لأنَّ مَعقولاً أنَّ [11] الماءَ الذي أمرَه صلى الله عليه وسلم بصبِّه من [12] الإناء على يده لغسلها وإزالة نجاسةٍ إن كانت عليها [13] ماءٌ قليلٌ، ثمَّ كان حكُمه الطُّهر والتطهيرَ، وحُكْمُ ما في الإناء من الماء _وإنْ كان [14] أكثرَ كميَّة منه_ حكم التَّنْجِيس لو كان تَيقَّنَ نجاسةً بيده، فدلَّ على الفرق بين الأمرين.

وفيه دلالةٌ على أنَّ غَسلَ النَّجاسة سبعاً مخصوص به بعضُ أنواع النجاسات، وأنَّ ما عداه بخلافه.

[1] في النسخ الفروع: (من نومه).
[2] في (ط) (أَمْرُه إيَّاه).
[3] في النسخ الفروع: (لا إلزام وإيجاب) إلَّا (أ): (لا إيجاب وإلزام).
[4] (هي): ليست في (ط).
[5] في الأصل: (إذا) والمثبت من (ط).
[6] في النسخ الفروع: (الأواني).
[7] (المخاضب): جمع المِخضَب بالكسر: إناء شبه الإجاَّنة يغسل فيها الثياب (التاج _خضب_).
[8] (الرِكَّاء) جمع الرَّكوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء (التاج: ركو).
[9] في (ط): (النوم) بلام التعريف.
[10] في (ط): (بالمتكفي).
[11] في (ط) (معقولاً لأن)، وسقطت (لأن) الأولى منها.
[12] في (ط): (عن).
[13] في النسخ الفروع: (نجس إن كان بها) إلَّا في (م) (لها) بدل (بها).
[14] (كان) سقطت من (ط).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

162- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) هو التِّنِّيسي ((قال: أخبرنا مالك)) : هو ابن أنس، ((عن أبي الزِناد)) ؛ بكسر الزاي، وبالنُّون: عبد الله بن ذكوان؛ بالذال المعجمة، ((عن الأعرج)) : هو عبد الرحمن بن هرمز، ((عن أبي هريرة)) ؛ هو عبد الرحمن بن صخر[/ص125/]

رضي الله عنه: ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال)) : جملة محلها رفع خبر (أنَّ) : ((إذا)) للشرط ((توضأ)) ؛ أي: أراد أن يشرع في الوضوء ((أحدكم)) وجواب الشرط مع الفاء قوله: ((فليجعل في أنفه)) ؛ أي: فيصير، يقال: جعلته كذا؛ أي: صيرته، وقيل: معناه: فليُلْقِ، والأول أظهر، وفي الكلام حذف المفعول؛ لدلالة الكلام عليه؛ والتقدير: فليجعل في أنفه ماء، وهي رواية الأكثر، وفي رواية أبي ذر: (فليجعل في أنفه ماء) ؛ بدون الحذف، وكذا اختلفت رواة «الموطأ» في إسقاطه وذكره، وثبت ذكره لمسلم من رواية سفيان عن أبي الزناد، ((ثم لينْثُر)) ؛ بضم المثلثة بعد النُّون الساكنة، من الثلاثي المجرد، وفي رواية: (ثم لينتثر) ؛ بزيادة مثناة فوقية بين النُّون والمثلثة، من باب الافتعال، وقد جاءت الروايتان في «الموطأ»، قال الفراء: يقال: نثر الرجل، وانتثر، واستنثر؛ إذا حرك النثرة؛ وهي طرف الأنف في الطهارة، وقد سبق الكلام عليه، وهذه الجملة معطوفة على (فليجعل) ، أفاده في «عمدة القاري»، ((ومن استجمر)) بالأحجار، والجملة شرطية، وجوابه قوله: ((فليوتر)) ؛ بواحد أو بثلاث أو بخمس إلى أن يحصل الإنقاء، فليس فيه عدد مسنون، بل المقصود إنقاء المحل، هذا مذهب الإمام الأعظم، والإمام مالك، والجمهور، كما سبق الكلام عليه.

وفيه: أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالمسح بالأحجار، بل يبقى نجسًا معفوًا عنه في حق الصلاة حتى إذا أصاب موضع المسح بللٌ وابتلَّ به سراويله أو قميصه؛ ينجسه، بناء على أن الحجر مخفف لا قالع، وهذا أحد قولين، وهو المعتمد، والثاني: أنَّه يطهر، ولو وقع في الماء؛ لا ينجسه.

((وإذا استيقظ)) : الاستيقاظ بمعنى التيقظ، وهو لازم، وهو عطف على قوله: (إذا توضأ) ، والظاهر من سياق المؤلف أنَّه حديث واحد، لكن قال ابن حجر: إنَّه أخرجه أبو نعيم من «الموطأ» مفرقًا، وكذا فرَّقه الإسماعيلي، وأخرج مسلم الحديث الأول من طريق ابن عيينة، والثاني من طريق المغيرة، وردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّه لا يلزم من ذلك كله ألَّا يكون الحديث واحدًا، وقد يجوز أن يُروَى حديث واحد مقطعًا من طرق مختلفة، فمثل ذلك وإن كان حديثين أو أكثر بحسب الظاهر؛ فهو في نفس الأمر حديث واحد؛ فافهم، انتهى.

((أحدكم من نومه)) : ظرف لغو أو حال، قيد به؛ ليخرج النعاس والغفلة، وأضاف النوم إلى ضمير (أحدكم) ؛ ليخرج نومه عليه السلام، فإنَّه ينام عينه دون قلبه، واستدل بإطلاقه إمامنا الإمام الأعظم والجمهور: على أنَّ غمس اليدين في إناء الوضوء مكروه قبل غسلهما سواء كان عقيب نوم الليل أو نوم النهار، وخصَّ أحمد الكراهة بنوم الليل؛ لقوله: «أين باتت يده»، والمبيت لا يكون إلا ليلًا، ولأنَّ الإنسان لا ينكشف لنوم النهار كما لنوم الليل، فتطوف يده في أطراف بدنه كما تطوف يد النائم ليلًا، فربَّما أصابت موضع العورة، وقد يكون هناك لوث من أثر النجاسة، ويؤيِّد ذلك ما في رواية أبي داود -ساق إسنادها مسلم-: «إذا قام أحدكم من الليل»، وكذا للترمذي من وجه آخر صحيح، وفي رواية لأبي عوانة -ساق مسلم إسنادها-: «إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح»، وأجابوا: بأن العلَّة تقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وتخصيص نوم الليل بالذكر للغلبة، وقال النووي: مذهبنا: أن الحكم ليس مخصوصًا بالقيام من النوم، بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها؛ يستحب غسلها سواء قام من النوم ليلًا أو نهارًا، أو لم يقم منه؛ لأنَّه عليه السلام نبه على العلَّة بقوله: «فإنَّه لا يدري»؛ ومعناه: لا يأمن النجاسة على يده، وهذا عام؛ لاحتمال وجود النجاسة في النوم فيهما وفي اليقظة، انتهى.

وكلمة: (إذا) للشرط، وجوابه قوله: ((فليغسل يده)) ؛ بالإفراد؛ أي: ثلاثًا، كما صرح به مسلم، فغسل اليدين قبل الشروع في الوضوء سنة، وذلك لأنَّ أول الحديث يقتضي وجوب الغسل للنهي عن إدخال اليد في الإناء قبل الغسل، وآخر الحديث يقتضي استحباب الغسل للتعليل بقوله: «فإنَّه لا يدري أين باتت يده»؛ يعني: في مكان طاهر من بدنه أو نجس، فلما انتفى الوجوب لمانع في التعليل المنصوص؛ ثبتت السنية؛ لأنَّها دون الوجوب، والقول بالسنية متوسط، والكراهة تنزيهية؛ لأنَّ النهي فيه مصروف عن التحريم بقوله: «فإنَّه لا يدري أين باتت يده»، فالنهي محمول على الإناء الصغير، أو الكبير إذا كان معه إناء صغير؛ فلا يدخل يده فيه أصلًا، وفي الكبير على إدخال الكف، كذا في «المستصفى»، لكن في «الخانية»: أنَّ المُحدِث أو الجنب إذا أدخل يده في الإناء للاغتراف وليس عليهما نجاسة؛ لا يفسد الماء، وكذا إذا وقع الكوز في الحُب فأدخل يده إلى المرفق؛ لا يصير الماء مستعملًا، انتهى.

وإنما لم يصر مستعملًا؛ لعدم النية، أمَّا لو نوى؛ فإنَّه يصير مستعملًا؛ لأنَّه ارتفع به الحدث، فالملاقى مستعمل، والكراهة باقية، وقيد الإمام القدوري والمرغيناني في «الهداية» الغسل بالمستيقظ، كما في الحديث، قال الشراح: وهذا القيد اتفاقي تبركًا بالحديث، والسنة تشمل المستيقظ وغيره، وعليه الجمهور، ومن المشايخ من قال: إنَّه قيد احترازي، وإنَّ غسلها لغير المستيقظ أدب، كما في «السراج»، وإنَّ الحديث خرج مخرج العادة؛ لأنَّهم كانوا في العهد الأول ينامون بدون الاستنجاء، فربما تطوف اليد حالة النوم فتقع على نجاسة، وهو مفهوم من قوله: «فإنَّه لا يدري أين باتت يده»، ثم اطرد الحكم في المستيقظ وغيره، قال الإمام العلَّامة المنلا علي القاري: (ولأن توهم النجاسة في اليد تكون للمستيقظ غالبًا، ولذا مع الاستيقاظ، وتوهم النجاسة آكد) انتهى.

وذكر نحوه في «البحر»، وقال في «النهر»: (الأصح الذي عليه الأكثر أنَّه سنة مطلقًا، لكنه عند توهم النجاسة مؤكدة، كما إذا نام لا عن استنجاء أو كان على بدنه نجاسة، وغير مؤكدة عند عدم توهمها؛ كما إذا نام لا عن شيء من ذلك أو لم يكن مستيقظًا من نوم) انتهى، وهذا هو المعتمد، كما في «منهل الطلاب»، فمذهب عامة أهل العلم: أنَّ الأمر محمول على السنية، وله أن يغمس يده في الإناء قبل غسلها، وأنَّ الماء طاهر ما لم يتيقن [1] نجاسة يده، روي ذلك عن ابن سيرين، والنخعي، وابن جبير، والبراء بن عازب، وهو مذهب الإمام الأعظم، وقال أحمد: إذا انتبه من النوم فأدخل يده في الماء قبل الغسل؛ أعجب أن يريق ذلك الماء إذا كان من نوم الليل، ولا يهراق في قول مالك، وعطاء، والأوزاعي، والشافعي، واختلف في المستيقظ من نوم النهار؛ فقال الحسن البصري: نوم النهار ونوم الليل واحد في غمس اليد، وهو مذهب الإمام الأعظم، وسهَّل أحمد في نوم النهار، ونهى عن ذلك في نوم الليل، وذهب داود والطبري إلى إيجاب ذلك، وأن الماء يجزئه إن لم تكن اليد مغسولة، قال ابن حزم: سواء تباعد ما بين نومه ووضوئه أو لم يتباعد، فلو صب على يديه من إناء دون أن يدخل يده فيه؛ لزمه غسل يده أيضًا ثلاثًا إن قام من نومه، وتمامه في «عمدة القاري».

((قبل أن يدخلها في وَضوئه)) ؛ بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ به، وفي رواية مسلم وابن خزيمة: (فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها) ، فقوله: (في الإناء) وإن كان عامًّا، لكن القرينة دلت على أنَّه إناء الماء؛ بدليل قوله في هذه الرواية: (في وضوئه) ، ولكن الحكم لا يختلف بينه وبين غيره من الأشياء الرطبة، وفي رواية البزار: (فلا يغمسنَّ) ؛ بنون التأكيد المشددة، ولم يقع هذا إلا في رواية البزار، والروايات التي فيها الغمس أبين في المراد من الروايات التي فيها الإدخال؛ لأنَّ مطلق الإدخال لا يترتب عليه كراهة كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير من غير أن يلامس يده الماء، فالمراد بـ (الإناء) : هو الإناء الذي فيه الماء؛ كالبرك والحياض المنقطعة، أمَّا إذا كان الماء جاريًا أو كان منقطعًا لكنه يبلغ عشرًا في عشر، فإنَّه لو أدخل يده؛ لا يفسد الماء على تقدير نجاستها، فلا يشملها النهي، وظاهر قول مسلم:

[/ص126/] (في الإناء) اختصاص ذلك بإناء الوضوء، لكن يلتحق به إناء الغسل؛ لأنَّه وضوء وزيادة، وكذا باقي الآنية قياسًا، ففيه: دليل على أنَّ الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات؛ لأنَّ النبي الأعظم عليه السلام أمر للقائم من الليل بإفراغ الماء على يديه مرتين أو ثلاثًا؛ لأنَّهم كانوا يتغوطون ويبولون، ولا يستنجون بالماء، وربما كانت أيديهم تصيب المواضع النجسة فينجس، فإذا كانت الطهارة تحصل بهذا العدد من البول والغائط؛ وهو أغلظ النجاسات؛ كان أولى وأحرى أن يحصل مما دونهما من النجاسات، وهل تغسل اليدان مجتمعين أو متفرقين، فيه اختلاف؛ لما وقع في الاختلاف الوارد في الأحاديث، ففي بعض الطرق: (فغسل يديه مرتين مرتين) ، وهو يقتضي الإفراد، وفي بعض طرقه: (فغسل يديه مرتين) ، وهو يقتضي الجمع، وقدمنا أنَّ السنة الجمع؛ لأنَّه أكثر في الأحاديث.

فإن قلت: كان ينبغي ألَّا تُبْقى السنة؛ لأنَّهم كانوا يتوضؤون من الأتوار، فلذا أمرهم عليه السلام بغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وأمَّا في هذا الزمان؛ فقد تغير ذلك؟

وأجيب: بأن السنة لما وقعت سنة في الابتداء؛ أبقيت ودامت وإن لم يبق ذلك المعنى؛ لأنَّ الأحكام إنَّما تحتاج إلى أسبابها حقيقة في ابتداء وجودها لا في بقائها؛ لأنَّ الأسباب تبقى حكمًا وإن لم تبق حقيقة؛ لأنَّ للشارع ولاية الإيجاد والإعدام، فجعلت الآنيات الشرعية بمنزلة الجواهر في بقائها حكمًا، وهذا كالرَّمَل في الحج وغيره؛ فليحفظ.

وقدمنا أن قوله: (في الإناء) محمول على ما إذا كانت الآنية صغيرة؛ كالكوز، أو كبيرة؛ كالحُب، أو معه آنية صغيرة، أمَّا إذا كانت الآنية كبيرة وليست معه آنية صغيرة؛ فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة، حتى لو أدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء دون الكف، ويرفع الماء من الحُب ويصب على يده اليمنى، ويدلك الأصابع بعضها في بعض، يفعل ذلك ثلاث مرات، ثم يدخل يده اليمنى بالغًا ما بلغ في الإناء إن شاء، وهذا اختيار علمائنا، وقال النووي: (وإذا كان الماء في الإناء وكان كبيرًا بحيث لا يمكن الصب منه، وليس معه إناء صغير يغترف به؛ فطريقه أن يأخذ الماء بفمه، ثم يغسل به كفيه، أو يأخذه بطرف ثوبه النظيف، أو يستعين بغيره) .

قلت: وما ذكره علماؤنا الأعلام أحسن من وجوه، ويلزم على ما ذكره النووي أنَّه لو عجز عن أخذه بفمه بأن كانت أسنانه مقلوعة ولم يعتمد على طهارة ثوبه، ولم يجد من يستعين به ماذا يفعل؟ على أنَّه في أخذه الماء بفمه عسر وحرج وهو مدفوع بالنص، وأيضًا فإنَّه يصير الماء مستعملًا؛ لأنَّه قد ارتفع الحدث عن فمه، وأخذه الماء بطرف ثوبه فيه إتلاف الثوب، وهو منهي عنه؛ لأنَّه إسراف، والاستعانة بغيره فيها عدم التواضع للعبادة، فما قاله علماؤنا خال عن هذه المنهيات؛ فافهم.

نعم؛ لو كانت يداه متنجستين؛ فإنَّه يفعل كما قاله النووي، وقد صرح به في «المضمرات» و«منهل الطلاب» حيث قالا: (فإنَّه يأمر غيره أن يغترف بيديه ليصب على يديه ليغسلهما، وإن لم يجد؛ يرسل في الماء منديلًا، ويأخذ طرفه بيده، ثم يخرجه من البئر، فيغسل يديه بالماء الذي يتقاطر ثلاثًا، فإذا لم يجد؛ يرفع الماء بفمه فيغسل يديه، وإن لم يقدر؛ فإنَّه يتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه) انتهى.

وإنما أبحنا له الاستعانة بغيره وأخذه الماء بفيه، وأخذه بطرف ثوبه؛ لأنَّ غسل يديه من النجاسة المحققة فرض بالإجماع، فلو أدخل بعض إصبعه؛ تنجس الماء، وفي مسألة رفع الماء بفيه اختلاف، والصحيح: أنَّه يصير مستعملًا، وهو مزيل للخبث، كما في «البحر»؛ فليحفظ.

((فإن أحدكم)) : الفاء للتعليل؛ أي: فهو تعليل للأمر بغسل اليد، وهذا خطاب للعقلاء البالغين المسلمين، فإن كان القائم من النوم صبيًّا، أو مجنونًا، أو كافرًا؛ فذكر في «المغني»: أن فيه وجهين؛ أحدهما: أنَّه كالمسلم البالغ العاقل، والثاني: أنَّه لا يؤثر غمسه شيئًا؛ لأنَّ المنع من الغمس إنَّما يثبت بالخطاب، ولا خطاب في حق هؤلاء، وقال البيضاوي: فيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة؛ لأنَّ الشارع إذا ذكر حكمًا وعقبه بعلة؛ دل على أن ثبوت الحكم لأجلها، ومثله قوله في حديث المحرم الذي سقط فمات: «فإنَّه يبعث ملبيًا» بعد نهيهم عن تطييبه نبه على علة النهي، وهي كونه محرمًا.

((لا يدري أين)) : وهي للسؤال عن المكان، بنيت لتضمنها حرف الاستفهام ((باتت يده)) ؛ أي: من جسده، والمراد بها الجنس، وأن يكون الغسل ثلاثًا لرواية مسلم، وأبي داود، وغيرهما: (فليغسلها ثلاثًا) ، وفي رواية: (ثلاث مرات) ، فيستفاد منه استحباب غسل النجاسات ثلاثًا؛ لأنَّه إذا أمر به في المتوهمة؛ ففي المحققة أولى، ولم يرد شيء فوق الثلاث إلا في ولوغ الكلب، وسيجيء أنَّه عليه السلام أوجب فيه الثلاث، وخير فيما زاد، ويستفاد أيضًا منه أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل، ولا يؤثر فيها الرش؛ لأنَّه عليه السلام أمر بالغسل، ولم يأمر بالرش، ولأنَّ المقصود إزالة عين النجاسة، وهو لا يكون إلا بالغسل، وبالرش تتضمخ النجاسة وتزداد، فلا فائدة فيه، كما لا يخفى على أولي الألباب.

والمراد باليد هنا: الكف إلى الكوع دون ما زاد عليها اتفاقًا، وقال الشافعي: معنى «لا يدري أين باتت يده»: إن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارة، فإذا نام أحدهم؛ عرق فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس، أو على بثرة أو قذر، وتعقبه الباجي: بأن ما قاله يستلزم الأمر بغسل ثوب النائم؛ لجواز ذلك عليه.

وأجيب عنه: بأنَّه محمول على ما إذا كان العرق في اليد دون المحل، وردَّ: بأن اليد التي منصوبة في الهوى إذا عرقت؛ فالمحل المستتر يعرق بالطريق الأولى على ما لا يخفى، فلا وجه حينئذٍ لاختصاص اليد بذلك، وقول من قال: إنَّه مختصٌّ بالمحلِّ؛ ينافيه ما رواه ابن خزيمة وغيره في هذا الحديث، وقال في آخره: (أين باتت يده منه) ، وأصله في مسلم دون قوله: (منه) ، وذكرها ابن منده، وتمامه في «عمدة القاري».

واختلف في أن علة الأمر التنجس أو التعبد؛ فالجمهور على أن ذلك لاحتمال النجاسة، ومقتضاه إلحاق من شك في ذلك ولو كان مستيقظًا، ويفهم منه أن من درىأين باتت يده؛ كمن لفَّ عليها خرقة مثلًا فاستيقظ وهي على حالها؛ فلا كراهة وإن كان غُسلها مستحبًّا، كما في المستيقظ، وقال مالك: إن ذلك للتعبد؛ فعلى قوله لا يفرق بين شاك ومتيقن.

وقوله: (فليغسل يده) : يتناول ما إذا كانت يده مطلقة أو مشدودة بشيء أو جراب، أو كون النائم عليه سراويل أو لم يكن؛ لعموم اللفظ؛ فتأمل.

وفي الحديث: استحباب استعمال الكنايات في المواضع التي فيها استهجان، ولهذا قال عليه السلام: «فإنَّه لا يدري أين باتت يده»، ولم يقل: فلعلَّ يده وقعت على دبره، أو ذكره، أو نجاسة، أو غير ذلك، وإن كان هذا معنى قوله عليه السلام، وهذا إذا علم أنَّ السامع يفهم بالكناية المقصودة، فإن لم يكن كذلك؛ فلا بد من التصريح؛ لينتفي اللبس والوقوع في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحًا.

ويستفاد من الحديث: أن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة وإن لم تغيره، وإلَّا؛ لا يكون للنهي فائدة.

وفيه: أن الماء يتنجس بورود النجاسة عليه، وهو بالإجماع، وأمَّا ورود الماء على النجاسة؛ ففيه خلاف قرره في «عمدة القاري»، وينبغي للسامع عن النَّبيِّ الأعظم عليه السلام شيئًا من قول أو فعل أن يتلقاه بالقبول وعدم الإنكار، ففي «شرح مسلم»: أن بعض المبتدعة لما سمع هذا الحديث؛ قال متهكمًا: أنا أدري أين باتت يدي، باتت في الفراش، فأصبح وقد دخلت يده في دبره إلى ذراعه، وقيل: إنَّ رجلًا كان يسيء الاعتقاد في أهل الخير والصلاح، وله ابن يعتقدهم، فجاء ولده من

[/ص127/] عند شيخ صالح ومعه مسواك، فقال له والده مستهزءًا: أعطاك شيخك هذا السواك، فأخذه وأدخله في دبر نفسه؛ استحقارًا له، فبقي مدة، ثم ولد لذلك الرجل الذي استدخل السواك جرو قريب الشبه بالسمك، فقتله، ثم مات الرجل حالًا أو بعد يومين، انتهى، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (يتقن) ، وليس بصحيح.