متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

155- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ)؛ أي: ابن أبي الوليد، (الْمَكِّيُّ) الأزرقيُّ، جدُّ أبي الوليد، محمَّد بن عبد الله، صاحب «تاريخ مكَّة»، المُتوفَّى سنة أربعَ عشرةَ أو اثنتين وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو [1] بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو)؛ بكسر عين «سعِيدٍ»، (الْمَكِّيُّ)، القرشيُّ الأمويُّ، (عَنْ جَدِّهِ) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاصي، الثِّقة، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنَّه (قَالَ: أتْبَعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم)؛ بقطع الهمزة في [2] الرُّباعيِّ؛ أي: لحقته، قال تعالى: {فأتبعوهم مشرقين} [الشعراء: 60] ، وبهمزة وصلٍ وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة؛ أي: مشيت وراءه، (وَ) قد (خَرَجَ لِحَاجَتِهِ): جملةٌ وقعت حالًا، فلا بدَّ فيها [3] من «قد» إمَّا ظاهرةً، وإمَّا [4] مُقدَّرَةً، [/ج1ص241/] (فَكَانَ) عليه الصلاة والسلام؛ بفاء العطف، ولغير أبي [5] ذَرٍّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: ((وكان)) (لَا يَلْتَفِتُ) وراءه، وهذه كانت عادته عليه الصلاة والسلام في مشيه، (فَدَنَوْتُ)؛ أي: قربت (مِنْهُ)؛ لأستأنس به، كما في رواية الإسماعيليِّ، وزاد: فقال: من هذا؟ فقلت: أبو هريرة، (فَقَالَ: ابْغِنِي)؛ بهمزة وصلٍ مِنَ الثُّلاثيِّ؛ أي: اطلب لي، يقال: بَغَيْتُكَ الشَّيء؛ أي: طلبتُه لك، وبهمزة قطعٍ؛ إذا كان من المَزِيد؛ أي: أَعِنِّي على الطَّلب، يقال: أبغيتُك الشَّيءَ؛ أي: أعنتُك على طلبه، قال العينيُّ _كالحافظ ابن حجرٍ_: وكلاهما روايتان، وللأَصيليِّ: ((فقال: أبغ لي))؛ بهمزة قطعٍ، وباللَّام بعد الغَيْن بدل «النُّون»، وللإسماعيليِّ: «ائتني» (أَحْجَارًا): نصبُ مفعولٍ ثانٍ لـ: «أَبغني»، (أَسْتَنْفِضْ بِهَا)؛ بالنُّون، والفاء المكسورة، والضَّاد المُعجَمَة، مجزومٌ جوابًا للأمر، وهو الذي في «فرع اليونينيَّة» كهي، ويجوز رفعه على الاستئناف، والاستنفاض: الاستخراج، ويُكنَّى به عنِ الاستنجاء، كما قاله المطرِّزيُّ، وفي «القاموس»: استنفضه: استخرجه، وبالحجر: استنجى، (أَوْ) قال عليه الصلاة والسلام (نَحْوَهُ)؛ بالنَّصب، مفعول «قال»؛ أي: قال نحو هذا اللَّفظ؛ كأستنجي وأستنفض [6] ، والتَّردُّد من بعض رواته، (وَلَا تَأْتِنِي)؛ بالجزم بحذف حرف العلَّة على النَّهي، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ولا تأتيني))؛ بإثباته على النَّفي، وفي روايةٍ في «الفرع»: كـ: «أصله»: ((ولا تأتي)) [7] (بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ)؛ لأنَّهما مطعومان للجنِّ، كما عند المؤلِّف في «المبعث» [خ¦3860] : أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه قال للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لمَّا أن فرغ: ما بالُ العظم والرَّوث؟ قال: «هما من طعام الجنِّ»، وفي حديث أبي داود عن ابن مسعودٍ: أنَّ وفد الجنِّ قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمَّد، انْهَ أمَّتك عن الاستنجاء بالعظم والرَّوث؛ فإنَّ الله تعالى جعل لنا فيه رزقًا، فنهاهم عن ذلك، وقال: «إنَّه زاد إخوانكم من الجنِّ»، وقِيلَ: النَّهيُ في العظم؛ لأنَّه لزجٌ، فلا يتماسك لقطع النَّجاسة، وحينئذٍ فيلحق به: كلُّ ما في معناه كالزُّجاج الأملس، أو لأنَّه لا يخلو غالبًا من بقيَّة دسمٍ تعلَّق به، فيكون مأكولًا للنَّاس، ولأنَّ الرَّوث نجسٌ، فيزيد ولا يُزيل، ويلحق به: كلَّ نجسٍ ومتنجِّسٍ، فلو حُرِقَ [8] العظم وخرج عن حال العظام؛ فوجهان: أصحُّهما ما [9] في «المجموع»: المنع، ويلحق بالعظم: كلُّ مطعومٍ للآدميِّ؛ لحرمته، فإنِ [10] اختصَّ بالبهائم؛ قال الماورديُّ: لم يَحْرُم، ومنعه ابن الصَّبَّاغ، والغالب كالمُختَصِّ، أوِ استويا؛ فوجهان، وقد نبَّه في الحديث باقتصاره في النَّهيِ على العظم والرَّوث على أنَّ ما سواهما يجزئ [11] ، ولو كان ذلك مُختَصًّا بالأحجار _كما يقوله [12] بعض الحنابلة والظَّاهريَّة_ لم يكن لتخصيص هذين بالنَّهيِ معنًى، وإنَّما خُصَّا بالذِّكر؛ لكثرة وجودهما.

قال أبو هريرة: (فَأَتَيْتُهُ) عليه الصلاة والسلام (بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ)؛ أي: في طرف (ثِيَابِي، فَوَضَعْتُهَا)؛ بتاءٍ بعد العَيْن السَّاكنة، وفي روايةٍ: ((فوضعها)) (إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ في غير «اليونينيَّة)): ((واعترضت)) (عَنْهُ)؛ بزيادة تاءٍ بعد العَيْن، (فَلَمَّا قَضَى) صلى الله عليه وسلم حاجته؛ (أَتْبَعَهُ) [13] ؛ بهمزة قطعٍ؛ أي: ألحقه [14] (بِهِنَّ)؛ أي: أتبع المحلَّ بالأحجار، وكنَّى به عنِ الاستنجاء، واستنبط منه مشروعيَّة الاستنجاء، وهل هو واجبٌ أو سُنَّةٌ؟ وبالأوَّل؛ قال الشَّافعيُّ وأحمد رحمهما الله تعالى؛ لأمره عليه الصلاة والسلام بالاستنجاء بثلاثة أحجارٍ، وكلُّ ما فيه تعدُّدٌ يكون واجبًا؛ كولوغ الكلب، وقال مالكٌ وأبو حنيفة والمزنيُّ من أصحابنا [15] الشَّافعيَّة: هو سُنَّةٌ، واحتجُّوا بحديث أبي هريرةَ عند أبي داودَ مرفوعًا: «منِ استجمر فلْيُوْتِر، من فعل؛ فقد أحسنَ، ومن لا؛ فلا حرج...» الحديث، قالوا: وهو يدلُّ على انتفاء [16] المجموع لا الإيتار وحده [17] ، وأن يكون قبل الوضوء؛ اقتداءً به عليه الصلاة والسلام، وخروجًا من الخلاف، فإنَّه شرطٌ عند أحمد، وإن أخَّره بعد التَّيمُّم؛ لم يُجْزِئه [18] .

[1] في (م): «عمر»، وهو خطأ.
[2] في غير (د) و(ص): «من».
[3] في غير (ب) و(س): «فيه».
[4] في غير (د) و(م): «أو».
[5] في (م): «ولأبي»، وليس بصحيحٍ.
[6] في غير (د) و(ص): «أو أستنطف».
[7] في (د): «ولا تأتِ».
[8] في (ب) و(س): «ولو أحرق».
[9] «ما»: مثبتٌ من (م).
[10] في (د): «فلو».
[11] في (ب) و(س): «مجزئ».
[12] في (ب) و(س): «يقول»، وفي (د): «تقوله».
[13] في (ص): «أتبعته».
[14] في (ص): «ألحقته».
[15] في (د): «أصحاب».
[16] في (ص): «انتقاء»، وهو تصحيفٌ.
[17] «وحده»: سقط من (ص).
[18] في (م): «يجز».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

155-. حدَّثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ، قالَ: حدَّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَىَ بنِ سَعِيدِ بنِ عَمْرٍو المَكِّيُّ، عن جَدِّهِ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَرَجَ [/ج1ص42/] لِحاجَتِهِ، فَكانَ لا يَلْتَفِتُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فقالَ: «ابْغِنِي [1] أَحْجارًا أَسْتَنْفِضْ بها _أَوْ نَحْوَهُ_ وَلا تَأتِنِي [2] بِعَظْمٍ، وَلا رَوْثٍ». فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجارٍ بِطَرَفِ ثِيابِي، فَوَضَعْتُها [3] إلىَ جَنْبِهِ، وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا قَضَىَ [4] أَتْبَعَهُ بِهِنَّ.

[1] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وفي رواية الأصيلي: «أَبْغِ لي» بهمزة قطع.
[2] في رواية ابن عساكر ونسخة لأبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا تأتيني»، وفي رواية [عط] : «ولا تأتي» وضبَّب علىَ رواية [عط] في (ب، ص).
[3] في رواية [عط] : «فوضَعَها».
[4] صحَّح عليها في اليونينيَّة.





155- ( ابْغِنِي ) بِهَمْزَةِ وَصل ثُلاثي؛ أي: اطلب لي، فإذا قلت: أبغني بقطع الألف، كَانَ مَعْنَاهُ: أَعْنِي على الطَّلب. يُقَالُ: بغيتك للشيء: طلبته لك، وأبغيتكه رباعي أعنتك على طلبه، والأول المراد بالحديث، قال الله تعالى: { يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ } [ التوبة: 47 ] ؛ أي: يطلبونها لكم.

( اسْتَنْفَضَ ) بمثناة ونون ثم فاء ثم ضاد معجمة. قال القزاز: كذا روي هذا الحديث، كأنه استفعل من النفض، وهو أن يهزَّ الشيءَ ليطير غباره، وهذا موضع أستنَظْفُ بها، أي: أنظف نفسي بها من الحدَث، ولكن هكذا روي.

وقال المطرزي: مَن رواه بالقاف والصاد المهملة فقد صحَّف. والاستنفاض: الاستخراج، ويكنى به عن الاستنجاء، وهو المراد هنا.

وقال أبو الفرج: أستنفضُ أي: أزيلُ عني الأذى، وأراد الاستجمار؛ لأن المستجمر ينفض عن نفسه [/ج1ص93/] أذى الحدث بالحجارة.


155# (ابْغِنِي) بهمزة وصل؛ أي [1] : اطلُبْ لي، ولو كان بقطع الهمزة، لكان معناه: أَعِنِّي على الطلب، والمراد: الأولُ.

(أَسْتَنْفِضْ) قال الفراء: كذا روي أستفعِلْ؛ من النفض، وهذا موضع أستنظِف؛ من النظافة.

وقال المازري [2] : الاستنفاضُ: الاستخراج، ويكنى به [3] عن الاستنجاء، وهو المراد هنا.

وقال أبو الفرج: أي: أُزيل [4] عني الأذى، وأراد: الاستجمار؛ لأن المستجمر [5] ينفض عن نفسه [6] أذى الحدث بالحجارة.

[1] ((أي)): ليست في (ق).
[2] في (ق): ((الماوردي)).
[3] في (ق): ((ويكنونه)).
[4] في (ق) و(ج): ((أزل)).
[5] في (ق): ((المستنجى)).
[6] ((عن نفسه)): ليست في (ق).





155- قوله: (عَنْ جَدِّهِ): جدُّه: هو سعيد بن عمرو، وهذا ظاهر إلا أنَّه ربَّما [1] توهَّم متوهِّم أنَّه منسوب إلى جدٍّ له أعلى، وسعيد بن عمرو، (هذا هو ابن سعيد) [2] بن العاصي بن أبي أُحيحة الأَمويُّ، يروي عن أبي هريرة، وابن عبَّاس، وعنه: ابناه إسحاق وخالد، وحفيده المذكور هنا عمرو بن يحيى، وشعبة، وغيرهم، سكن الكوفة، قال النَّسائيُّ: (ثقة) ، وقال أبو حاتم: (صدوق) ، قال الذَّهبيُّ: (عاش إلى أنْ وفد على الوليد بن يزيد) انتهى، وقد وُلِّي الوليد المذكور سنة [3] خمس وعشرين ومئة، وكان زنديقًا، وقُتِل لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة بعد مقامه فيها سنة وشهرين واثنتين وعشرين ليلة، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه. [/ج1ص80/]

قوله: (عَنْ [4] أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم مرارًا أنَّه عبد الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا رضي الله عنه.

قوله: (فَقَالَ: ابْغِنِي أَحْجَارًا): قال ابن قُرقُول: («ابغني»؛ أي: اطلب لي، ويقال: أعنِّي على طلب ذلك، وأصل البغاء: الطلب، ومنه: البغيُّ؛ لأنَّها تطلب الفساد، قال ابن قتيبة: البُغاء والبِغاء: الزِّنى، وابغ -بوصل الهمزة-؛ أي: اطلب لي، وأبغني -يعني: بقطع الهمزة-: أعنِّي على الطلب...) إلى آخر كلامه، وفي «النهاية»: (ولفظه: «ابغني»: كذا بهمزة الوصل؛ أي: اطلب لي، [و«أبغني» -بهمزة القطع-؛ أي: أعنِّي على الطلب) انتهى.

وقال شيخنا الشَّارح: (قال ابن التِّين: رُوِّيناه بالوصل) ، قال الخطابيُّ: (معناه: اطلب لي] [5] ، فإذا قطعت الألف؛ فمعناه: أعنِّي على الطلب) ، وقال الخطابيُّ: (معناه: اطلب لي) انتهى، فمقتضى كلام ابن قُرقُول، وكذا صريح كلام ابن الأثير: أنَّه [6] يقال بالوصل والقطع، وعبارة الخطابيِّ تعطي الوصل فقط، وكذا صريح كلام ابن التِّين، وهو في أصلنا: بالوصل بالقلم.

قوله: (أَسْتَنْفِضْ بِهَا): هو بالجزم على جواب الأمر، وهو بالنُّون، والفاء، والضَّاد المعجمة؛ أي [7] : أتمسَّح بها ممَّا هنالك.

قوله: (لَا يُسْتَنْجَى [8] ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، كذا في أصلنا.

[1] (ربما): ليس في (ب) .
[2] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[3] (سنة): ليس في (ج) .
[4] (عن): ليس في (ج) .
[5] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[6] (أنَّه): ليس في (ب) .
[7] (أي): ليس في (ب) .
[8] في (ج): (يُستحى) .





155- (وَخَرَجَ): جملةٌ حاليَّةٌ، و (قد) فيها مقدَّرةٌ.

(أَسْتَنْفِض): مجزومٌ جوابُ الأمر، ومرفوعٌ استئنافٌ.

(أَوْ نَحْوَهُ): مفعول مقول القول، وهو في المعنى جملةٌ.

(بِطَرَفِ): الباء للظرفيَّةِ؛ أي: في طرف.


155- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ)؛ أي: ابن أبي الوليد، (الْمَكِّيُّ) الأزرقيُّ، جدُّ أبي الوليد، محمَّد بن عبد الله، صاحب «تاريخ مكَّة»، المُتوفَّى سنة أربعَ عشرةَ أو اثنتين وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو [1] بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو)؛ بكسر عين «سعِيدٍ»، (الْمَكِّيُّ)، القرشيُّ الأمويُّ، (عَنْ جَدِّهِ) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاصي، الثِّقة، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنَّه (قَالَ: أتْبَعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم)؛ بقطع الهمزة في [2] الرُّباعيِّ؛ أي: لحقته، قال تعالى: {فأتبعوهم مشرقين} [الشعراء: 60] ، وبهمزة وصلٍ وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة؛ أي: مشيت وراءه، (وَ) قد (خَرَجَ لِحَاجَتِهِ): جملةٌ وقعت حالًا، فلا بدَّ فيها [3] من «قد» إمَّا ظاهرةً، وإمَّا [4] مُقدَّرَةً، [/ج1ص241/] (فَكَانَ) عليه الصلاة والسلام؛ بفاء العطف، ولغير أبي [5] ذَرٍّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: ((وكان)) (لَا يَلْتَفِتُ) وراءه، وهذه كانت عادته عليه الصلاة والسلام في مشيه، (فَدَنَوْتُ)؛ أي: قربت (مِنْهُ)؛ لأستأنس به، كما في رواية الإسماعيليِّ، وزاد: فقال: من هذا؟ فقلت: أبو هريرة، (فَقَالَ: ابْغِنِي)؛ بهمزة وصلٍ مِنَ الثُّلاثيِّ؛ أي: اطلب لي، يقال: بَغَيْتُكَ الشَّيء؛ أي: طلبتُه لك، وبهمزة قطعٍ؛ إذا كان من المَزِيد؛ أي: أَعِنِّي على الطَّلب، يقال: أبغيتُك الشَّيءَ؛ أي: أعنتُك على طلبه، قال العينيُّ _كالحافظ ابن حجرٍ_: وكلاهما روايتان، وللأَصيليِّ: ((فقال: أبغ لي))؛ بهمزة قطعٍ، وباللَّام بعد الغَيْن بدل «النُّون»، وللإسماعيليِّ: «ائتني» (أَحْجَارًا): نصبُ مفعولٍ ثانٍ لـ: «أَبغني»، (أَسْتَنْفِضْ بِهَا)؛ بالنُّون، والفاء المكسورة، والضَّاد المُعجَمَة، مجزومٌ جوابًا للأمر، وهو الذي في «فرع اليونينيَّة» كهي، ويجوز رفعه على الاستئناف، والاستنفاض: الاستخراج، ويُكنَّى به عنِ الاستنجاء، كما قاله المطرِّزيُّ، وفي «القاموس»: استنفضه: استخرجه، وبالحجر: استنجى، (أَوْ) قال عليه الصلاة والسلام (نَحْوَهُ)؛ بالنَّصب، مفعول «قال»؛ أي: قال نحو هذا اللَّفظ؛ كأستنجي وأستنفض [6] ، والتَّردُّد من بعض رواته، (وَلَا تَأْتِنِي)؛ بالجزم بحذف حرف العلَّة على النَّهي، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ولا تأتيني))؛ بإثباته على النَّفي، وفي روايةٍ في «الفرع»: كـ: «أصله»: ((ولا تأتي)) [7] (بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ)؛ لأنَّهما مطعومان للجنِّ، كما عند المؤلِّف في «المبعث» [خ¦3860] : أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه قال للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لمَّا أن فرغ: ما بالُ العظم والرَّوث؟ قال: «هما من طعام الجنِّ»، وفي حديث أبي داود عن ابن مسعودٍ: أنَّ وفد الجنِّ قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمَّد، انْهَ أمَّتك عن الاستنجاء بالعظم والرَّوث؛ فإنَّ الله تعالى جعل لنا فيه رزقًا، فنهاهم عن ذلك، وقال: «إنَّه زاد إخوانكم من الجنِّ»، وقِيلَ: النَّهيُ في العظم؛ لأنَّه لزجٌ، فلا يتماسك لقطع النَّجاسة، وحينئذٍ فيلحق به: كلُّ ما في معناه كالزُّجاج الأملس، أو لأنَّه لا يخلو غالبًا من بقيَّة دسمٍ تعلَّق به، فيكون مأكولًا للنَّاس، ولأنَّ الرَّوث نجسٌ، فيزيد ولا يُزيل، ويلحق به: كلَّ نجسٍ ومتنجِّسٍ، فلو حُرِقَ [8] العظم وخرج عن حال العظام؛ فوجهان: أصحُّهما ما [9] في «المجموع»: المنع، ويلحق بالعظم: كلُّ مطعومٍ للآدميِّ؛ لحرمته، فإنِ [10] اختصَّ بالبهائم؛ قال الماورديُّ: لم يَحْرُم، ومنعه ابن الصَّبَّاغ، والغالب كالمُختَصِّ، أوِ استويا؛ فوجهان، وقد نبَّه في الحديث باقتصاره في النَّهيِ على العظم والرَّوث على أنَّ ما سواهما يجزئ [11] ، ولو كان ذلك مُختَصًّا بالأحجار _كما يقوله [12] بعض الحنابلة والظَّاهريَّة_ لم يكن لتخصيص هذين بالنَّهيِ معنًى، وإنَّما خُصَّا بالذِّكر؛ لكثرة وجودهما.

قال أبو هريرة: (فَأَتَيْتُهُ) عليه الصلاة والسلام (بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ)؛ أي: في طرف (ثِيَابِي، فَوَضَعْتُهَا)؛ بتاءٍ بعد العَيْن السَّاكنة، وفي روايةٍ: ((فوضعها)) (إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ في غير «اليونينيَّة)): ((واعترضت)) (عَنْهُ)؛ بزيادة تاءٍ بعد العَيْن، (فَلَمَّا قَضَى) صلى الله عليه وسلم حاجته؛ (أَتْبَعَهُ) [13] ؛ بهمزة قطعٍ؛ أي: ألحقه [14] (بِهِنَّ)؛ أي: أتبع المحلَّ بالأحجار، وكنَّى به عنِ الاستنجاء، واستنبط منه مشروعيَّة الاستنجاء، وهل هو واجبٌ أو سُنَّةٌ؟ وبالأوَّل؛ قال الشَّافعيُّ وأحمد رحمهما الله تعالى؛ لأمره عليه الصلاة والسلام بالاستنجاء بثلاثة أحجارٍ، وكلُّ ما فيه تعدُّدٌ يكون واجبًا؛ كولوغ الكلب، وقال مالكٌ وأبو حنيفة والمزنيُّ من أصحابنا [15] الشَّافعيَّة: هو سُنَّةٌ، واحتجُّوا بحديث أبي هريرةَ عند أبي داودَ مرفوعًا: «منِ استجمر فلْيُوْتِر، من فعل؛ فقد أحسنَ، ومن لا؛ فلا حرج...» الحديث، قالوا: وهو يدلُّ على انتفاء [16] المجموع لا الإيتار وحده [17] ، وأن يكون قبل الوضوء؛ اقتداءً به عليه الصلاة والسلام، وخروجًا من الخلاف، فإنَّه شرطٌ عند أحمد، وإن أخَّره بعد التَّيمُّم؛ لم يُجْزِئه [18] .

[1] في (م): «عمر»، وهو خطأ.
[2] في غير (د) و(ص): «من».
[3] في غير (ب) و(س): «فيه».
[4] في غير (د) و(م): «أو».
[5] في (م): «ولأبي»، وليس بصحيحٍ.
[6] في غير (د) و(ص): «أو أستنطف».
[7] في (د): «ولا تأتِ».
[8] في (ب) و(س): «ولو أحرق».
[9] «ما»: مثبتٌ من (م).
[10] في (د): «فلو».
[11] في (ب) و(س): «مجزئ».
[12] في (ب) و(س): «يقول»، وفي (د): «تقوله».
[13] في (ص): «أتبعته».
[14] في (ص): «ألحقته».
[15] في (د): «أصحاب».
[16] في (ص): «انتقاء»، وهو تصحيفٌ.
[17] «وحده»: سقط من (ص).
[18] في (م): «يجز».





155- ( اتَّبَعْتُ ): بالتَّشديد.

( فَدَنَوْتُ مِنْهُ ) زاد الإسماعيليُّ: «أستأنس وأتنحنح، فقال: من هذا ؟ فقلت: أبو هريرة».

( ابْغِنِي ) بالوصل من الثَّلاثيِّ، أي: اطلب لي، وبالقطع من الرُّباعيِّ أي: أعنِّي على الطَّلب، وللإسماعيليِّ: « [التمس] [1] لي».

( أَسْتَنْفِضْ ): بكسر الفاء وإعجام الضَّاد مجزومًا جواب الأمر، ويجوز الرَّفع استئنافًا.

قال المطرِّزي: الاستنفاض الاستخراج، ويُكنَّى به عن الاستنجاء، ومن رواه بالقاف والصَّاد المهملة فقد صحَّف. انتهى.

( أَوْ نَحْوَهُ ): شكٌّ من الرَّاوي في الكلمة التي قالها، وللإسماعيليِّ بدلها «أستنجي».

( وَأَعْرَضْتُ ) للكُشْمِيهنيِّ: «اعترضت». [/ج1ص308/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (ابتغ)





44/155# قال أبو عبد الله: حدَّثني أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ، قالَ: حدَّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَىَ بنِ سَعِيدِ بنِ عَمْرٍو [1] المَكِّيُّ، عن جَدِّهِ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، وَخَرَجَ لِحاجَتِهِ، وَكانَ لا يَلْتَفِتُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فقالَ: «ابْغِنِي أَحْجاراً أَسْتَنْفِضْ بها [2] _أَوْ نَحْوَهُ_ وَلا تَأتِنِي بِعَظْمٍ، وَلا رَوْثٍ».

قوله: (ابغني) معناه: اطلب لي، فإذا قُلت: أَبْغِني _بقطع الألف_ كان معناه: أعنِّي على الطلب.

وقوله: (أستنفِضُ [3] ) معناه: استنجي [4] ، وهو من النَّفض؛ وذلك أنَّ المستنجيَ

ينفضُ عن نفسه أذَى الحَدَث بالأحجار، ويقال: هذا موضعُ منتَفضٍ، أي: مُتبَرَّز.

وإنَّما سَنَّ صلى الله عليه وسلم إعداد النُّبل [5] للاستنجاء قبل القعود [6] للخلاء؛ لئلَّا يحتاجَ إلى أن يطلب الحجارة بعد الفراغ من الحاجة؛ لأنَّ المُتغَوِّطَ إذا قام قبل الاستنجاء لم يأمن أن يتلَّوث منه الشرجُ وما جاوره [7] من الصفحتين، وفي إعداد ذلك قبل القعود له سَلامةٌ من هذا المعنى.

وقوله: (لا تأتني بِعَظْم ولا رَوث) فإنَّ النَّهيَ عن الاستنجاء بالعظم [8] لمعنيين: أحدهما أنَّه جُعل زاداً للجنِّ، على ما جاء في الرواية: «إنَّه زادُ إخوانكم من الجِنَّ» [9] . فإفساده غير جائزٍ، وقد [10] يأكلُه الناس في الضرورات أيضاً.

والمعنى الآخر: أنَّ العظم زَلَجٌ [11] ، لا يكادُ يتماسك فيُزيل الأذى إزالة تامَّة.

أمَّا الروث فنجسٌ، والنَّجس يمدُّ النجاسة ولا يُزيلُها.

[1] في (ط): (عمر) مصحفاً.
[2] في (أ) و (ر) و (م): (بهن).
[3] في (ط): (أستفيض) مصحفاً.
[4] في الأصل و (ط): (أسْتَنج) بإسقاط الياء، والصواب ما أثبتناه.
[5] (النُّبل) جمع نبلة مثل غرفة وغُرف، وهي: حجر الاستنجاء من مدر وغيره، سميت بذلك لصغرها (التاج: نبل).
[6] في (م): (التعود) محرفاً.
[7] في (ط) و (أ) و (ف) و (م): (جاوزه) بالزاي المعجمة.
[8] (بالعظم) سقط من (ط).
[9] أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود (18).
[10] (قد) سقط من (ط)
[11] في (ط): (لزج) بتقديم اللام على الزاي،و (الزَّلَج) من العظام أي: المُلس، والزَّلَجُ أيضاً: الصخور الملس (التاج: زلج)





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

155# معنى (اتَّبَعْتُ): لحقت؛ يعني: سرت في إثره.

قوله: (وكَانَ [1] لَا يَلْتَفِتُ): عادة مشيه عليه الصلاة والسَّلام.

قوله: (ابْغِنِي أَحْجَارًا): معناه: اطلب لي.

وقوله: (أَسْتَنْفِضْ): أي: أستنجِ.

ونهيه عليه الصلاة والسَّلام عن الرَّوث والعظم؛ فإنَّها طعام إخوانكم من [2] الجنِّ.

(باب) قد [3] تقدَّم.

[1] في «اليونينيَّة»: (فكان).
[2] (من): ليس في (ب).
[3] (قد): ليس في (ب).





155- وبه قال: ((حدثنا أحمد بن محمد)) أي: ابن أبي الوليد ((المكي)) : الأزرقي الغساني، جد أبي الوليد محمد بن عبد الله، صاحب «تاريخ مكة»، المتوفى سنة أربع عشرة أو اثنتين وعشرين ومئتين ((قال: حدثنا عمرو بن يحيى بن سعِيد)) بكسر العين ((بن عَمرو)) -بفتح العين- أبو أمية ((المكي)) القرشي الأموي، المعروف بالأشدق، الأمير بالمدينة، المجهِّز البعوث إلى مكة، المتغلِّب على دمشق زمن عبد الملك بن مروان، فقتله عبد الملك، وسيَّر أولاده إلى المدينة، ((عن جده)) هو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أبي أجنحة، التابعي الثقة، ((عن أبي هريرة)) : عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه ((قال: اتَّبعت النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ بهمزة وصل وتشديد المثناة فوق؛ أي: سرت وراءه، وبقطع الهمزة رباعيًا؛ أي: لحقته، قال تعالى: {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} [الشعراء: 60] .

وحكى القزاز: أن أبا عمرو قرأ: {ثم اتَّبَعَ سببًا}، والكسائي: {ثم أَتْبَعَ سببًا}؛ يريد: لحق وأدرك، وذكر أن (تبعه وأتبعه) بمعنًى واحد، انتهى؛ أي: بالنظر لأصل المادة، وتفاوتهما: بالنظر إلى الصيغة؛ مثل: وفى وأوفى؛ فتأمَّل.

والجملة مقول القول.

((وخرج لحاجته)) ؛ أي: للبول أو للغائط، والجملة وقعت حالًا من النبي، مقترنة بالواو والضمير، و (قد) فيها مقدرة عند البصريين؛ لأنَّ الفعل الماضي إذا وقع حالًا؛ فلا بدَّ فيه من (قد) ظاهرة أو مقدرة، ويجوز فيه الواو وتركه، كما في قوله تعالى: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء: 90] ؛ أي: قد حصرت، وقد وقع بدون الواو، كذا في «عمدة القاري» بتغيير.

((فكان)) ؛ بالفاء العاطفة في رواية، وفي أخرى: بالواو الحالية، قاله في «عمدة القاري»، وجوَّز ابن حجر كون الواو استئنافية، وهو غير صحيح؛ لاختلال المعنى، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، وتوجيه العجلوني له غير صواب؛ لركوبه فيه متن عمياء، ويرجح كونها حالية الرواية بالفاء العاطفة، كما لا يخفى؛ فافهم، وجملة قوله: ((لا يلتفت وراءه)) : محلها نصب خبر (كان) ؛ والمعنى: أنه عليه السلام كان إذا مشى لا يلتفت وراءه، وكان هذا عادة مشيه عليه السلام ((فدنوت)) أي: قربت ((منه)) عليه السلام، زاد في رواية: (أستأنس به وأتنحنح، فقال: «من هذا؟» فقلت: أبو هريرة) ، ((فقال: ابغني)) : يجوز في همزته الوصل إذا كان من الثلاثي؛ ومعناه: اطلب لي، والقطع إذا كان من المزيد؛ ومعناه: أعنِّي على الطلب، وكلاهما روايتان، كما قاله في «عمدة القاري»، وفي رواية: (أبغ لي) ؛ بهمزة قطع، وباللام بعد الغين بدل النُّون، وفي أخرى: (ائتني) ((أحجارًا)) ؛ بالنصب مفعول ثان لـ (ابغني) ، وفي رواية: (حجارة) ((أستَنفض)) ؛ بفتح المثناة، بعدها نون، ثم فاء مكسورة، ثم ضاد معجمة، روي بالجزم؛ لأنَّه جواب الأمر، وبالرفع على الاستئناف على وزن (استفعل) ، من النفض؛ بالنُّون والفاء المعجمة؛ وهو أن يهزَّ الشيء ليظهر غباره أو يزول ما عليه؛ ومعناه: أستنظف ((بها)) ؛ أي: بالحجارة، متعلق بـ (أستنفض) ؛ أي: أنظف بها نفسي من الحدث، وفي «المطالع»: أي: أستنجي بها، وقال في «المضرب»: الاستنفاض: هو الاستخراج، ويكنى به الاستنجاء، قال: ومن رواه بالقاف والصَّاد؛ فقد صحف، انتهى.

قال في «العباب»: استنفاض الذكر وانتفاضه: استبراؤه مما فيه من بقية البول.

قلت: الأول: بالفاء والضَّاد المعجمة، والثاني: بالقاف والضَّاد المعجمة، والثالث: بالقاف والصَّاد المهملة.

وقال أبو عبيد: انتقاص الماء: غسل الذكر بالماء؛ لأنَّه إذا غسل بالماء؛ ارتد البول ولم ينزل، وإن لم يغسل؛ نزل منه شيء بعد شيء حتى يُستَبرَأ، كذا في «عمدة القاري»؛ فافهم.

((أو نحوَه)) ؛ بالنصب؛ لأنَّه مقول القول، وهو جملة في المعنى؛ والتقدير: أو قال نحو قوله: (أستنفض بها) ، وذلك نحو قوله: [/ص115/]

(أستنجي بها) ، ووقع في رواية الإسماعيلي: (أستنجي بها) عوض (أستنفض بها) ، والتردد فيه من بعض الرواة؛ فافهم.

((ولا تأتني)) ؛ بالجزم بحذف حرف العلَّة على النهي، وفي رواية: (ولا تأتيني) ؛ بإثباته على النفي، وفي أخرى: (ولا تأتي) ، وفي أخرى: (ولا تأتي لي) ؛ باللام ((بعظم ولا روث)) : متعلق بـ (تأتني) ، وقيد عليه السلام بهذين؛ لأنَّه خشي أن يفهم أبو هريرة من (أسنتفض بها) أنَّ كلَّ ما يزيل الأثر وينقي كافٍ ولا اختصاص لذلك بالأحجار، فنبَّهه في اقتصاره في النهي على العظم والروث على أنَّ ما سواهما يجزئ، ولو اختص بالأحجار، كما قال به الظاهرية وبعض الحنابلة، لم يكن لتخصيص هذين بالنهي معنًى، بل المراد الأحجار وما في معناها من كلِّ طاهر قالع غير محترم، وإنما خص الأحجار بالذكر؛ لأنَّها كانت أكثر الأشياء التي يستنجى بها وجودًا وأقربها تناولًا.

والعلَّة في النهي عن هذين؛ إن كان هو كونهما من طعام الجن -على ما سيجيء عند المؤلف في (المبعث) في هذا الحديث: أنَّ أبا هريرة قال للنبي عليه السلام: ما بال العظم والروث؟ قال: «هما من طعام الجن»-؛ فيلحق بهما سائر المطعومات للآدميين والبهائم بطريق القياس، وكذا المحترمات؛ كخرقة ديباج وقطن، والمراد كل شيء متقوَّم إلا الماء، وهو صادق بما يساوي فلسًا، وكذا أجزاء الآدمي ولو كان كافرًا أو ميتًا، وكذا ماء زمزم، وكذا أوراق الأشجار وأوراق الكتابة، وما كتب عليه شيء من العلم كالحديث والفقه، وما كان آلة لذلك، وكذا كتب الفلسفة، والتوراة، والإنجيل، خلافًا للشافعي.

وإن كان هو النجاسة في الروث؛ فيلحق به كل نجس كالعذرة والحجر الذي استنجى به، وكذا كل متنجس، وفي العظم كونه لزجًا فلا يزيل إزالة تامة، فيلحق به ما في معناه؛ كالزجاج، والفحم، والآجر، والخذف، والشعر، ويؤيده ما رواه الدارقطني وصحَّحه من حديث أبي هريرة: أنَّه عليه السلام نهى أن يستنجى بروث أو بعظم، وقال: «إنَّهما لا يطهِّران»؛ أي: لا يطهِّران طهارة تامة؛ فافهم، وقيل: المعنى: أنَّ العظم لَزِجٌ لا يكاد يتماسك فيقلع النجاسة وينشف البِلَّة، وقيل: إنَّ العظم لا يكاد يَعْرَى من بقية دسم قد علق به، ونوع العظم قد يتأتَّى فيه الأكل لبني آدم؛ لأنَّ الرخو منه الرقيق قد يتمشمش في حالة الرفاهية، والغليظ الصلب منه يدق ويستف عند المجاعة والشدة، وقد حرم الاستنجاء بالمطعوم، فهذان وجهان، والثالث: كونه طعام الجن، كما سبق، وأمَّا الروث؛ فلأنَّه نجس لا يزيل النجاسة، بل يزيدها، وإمَّا لأنَّه طعام لدوابِّ الجن، وقال أبو نعيم في «دلائل النبوة»: إنَّ الجن سألوا هديةً منه عليه السلام فأعطاهم العظم والروث، فالعظم لهم والروث لدوابهم، فإذن لا يستنجى بهما، وإمَّا لأنَّه طعام للجن أنفسهم، ففي «الدلائل» للحاكم: أنَّه عليه السلام قال لابن مسعود ليلة الجن: «أولئك جن نصيبين، جاؤوني فسألوني الزاد فمتَّعتهم بالعظم والروث»، فقال: وما يغني عنهم ذلك يا رسول الله؟ قال: «إنَّهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أُخِذ، ولا وجدوا روثًا إلا وجدوا فيه حبه الذي كان عليه يوم أُكِل، فلا يستنجي أحد بعظم ولا روث».

وفي رواية أبي داود: أنَّهم قالوا: يا محمد؛ انْهَ أمَّتك لا يستنجوا بعظم، أو روث، أو حُمَمَة، فإنَّ الله جعل لنا رزقًا فيها، فنهى عليه السلام عنه، والحُمَمَة؛ بضم الحاء المهملة وفتح الميمين؛ وهي الفحم أو ما احترق من الخشب والعظام ونحوها، وجمعها: حمم، وقوله: (رزقًا) ؛ أي: انتفاعًا لهم بالطبخ والدفء والإضاءة، ولا يتأتَّى هذا ما تقرر أن ذلك كان بجعل النبي عليه السلام لهم وهو يقتضي ثبوته لهم قبله، فإن المعنى: جعل لنا فيها رزقًا بسبب جعلك إياها لنا، فإنه عن الله عز وجل، وفي «مسلم»: أنَّ الجن سألوه عليه السلام الزاد، فقال: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم»، فقال عليه السلام: «فلا تستنجوا بهما، فإنَّهما طعام إخوانكم».

قلت: وهل هذا متحقق ولو تقادم عهده وتكررَّ، أو قاصر على قريب العهد الذي لم يطعمه أحد من الجن، والظاهر: الثاني وإن كانت الكراهة في الجميع؛ لأنَّ العلَّة تعتبر في الجنس، وإفادة الأحاديث أنَّ الجن يأكلون، وقيل: رزقهم الشم، ولا خلاف أنَّهم مكلفون، وإنَّما الخلاف في إثابتهم، فروي عن الإمام الأعظم التوقُّف، وروي عنه: أنَّ إثابتهم إجارتهم من العذاب، ويدل له قوله سبحانه وتعالى: {وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 31] ، وهو لا يستلزم الإثابة.

وقال الإمام أبو يوسف، والإمام محمد، ومالك، وابن أبي ليلى: لهم ثواب كما عليهم عقاب، واستفيد من حديث مسلم أنَّه لو كان عظم ميتة؛ لا يكره الاستنجاء به؛ فتأمَّل.

قلت: إلَّا عظام بني آدم؛ فإنَّها لا يجوز الاستنجاء بها أصلًا لاحترامه؛ فليحفظ.

والمراد بالروث: اليابس، ففي «منح الغفَّار»: والروث وإن كان نجسًا عندنا؛ لقوله عليه السلام فيها: «ركس أو رجس»، لكن لمَّا كان يابسًا لا ينفصل منه شيء؛ صحَّ الاستنجاء به؛ لأنَّه مخفِّفٌ لما على البدن من النجاسة الرطبة، انتهى، ومثله في «البحر»؛ أي: بخلاف الرطب، فإنه لا يخفِّف النجاسة؛ فلا يصحُّ الاستنجاء به أصلًا، ومثله: العَذِرَةُ؛ وهو الرجيع اليابس، والحجر المستنجى به، قال في «فتح القدير»: ولا يجزئه الاستنجاء بحجر قد استنجى به مرة، إلا أن يكون له حرف آخر لم يستنج به، انتهى، أي: لم تصبه النجاسة.

وقال الشافعي: ويجوز الاستنجاء بكتب الحكميات، والفلسفة، والتوراة والإنجيل إن علم تبدلهما وخلوهما عن اسم معظم.

قلت: وهذا مجازفة عظيمة على الله تعالى؛ لأنَّه تعالى لم يخبرنا بأنَّهم بدَّلوها عن آخرها، وخلوِّ اسم معظَّم منها غير محقَّق، بل الذي شاهدناه في التَّوراة والإنجيل أنَّهما محشوَّان من أسماء الله تعالى والأنبياء عليهم السلام، ولأنَّ غرضهم بتبديل الأحكام لا تبديل الأسماء والدَّعوات، وكونه منسوخًا لا يخرجه عن كونه كلام الله تعالى.

وقال إمامنا الإمام الأعظم: إنَّ للحروف حرمة ولو كانت مقطعة، وقد ذكر القراء: أنَّ الحروف الهجائية قرآن أنزلت على سيدنا هود عليه السلام، كما صرَّح به القسطلاني في «الإشارات»، ومقتضى هذا الحرمة بالمكتوب مطلقًا، وإذا كانت العلَّة في الأبيض كونه آلة للكتابة؛ يؤخذ منها عدم الكراهة فيما لا يصلح لها إذا كان قالعًا للنجاسة غير متقوَّم؛ كورق الهشِّ كما يجوز بالخرق البوالي، وهل إذا كان متقوَّمًا ثم قطع منه قطعة لا قيمة لها بعد القطع يكره الاستنجاء بها أم لا؟ والظاهر: الثاني؛ لأنَّه لم يستنج بمتقوَّم، نعم؛ قطعه لذلكالظاهر: كراهته لو بلا عذر بأن وجد غيره؛ لأنَّ نفس القطع إتلاف، انتهى.

وقال بعض الأفاضل: ينبغي تقييد الكراهة فيما له قيمة بما إذا أدَّى إلى إتلافه، أمَّا لو استنجى به من بول أو مني مثلًا وكان يغسل بعده؛ فلا كراهة إلا إذا كان شيئًا ثمينًا تنقص قيمته بغسله؛ فتأمَّل.

وكذا يكره الاستنجاء بكلِّ ما ينتفع به لإنسي وجنِّي أو دوابِّهما، وظاهره ولو ممِّا لا يتلف بأن كان يمكن غسله، وكذا يكره الاستنجاء بماء الغير وحجره المحرز لو بلا إذنه، ومنه المسبَّل للشرب فقط، وكذا جدار ولو لمسجد[/ص116/]

أو دار وقف لم يملك منافعها، وتمامه في «منهل الطلاب».

((فأتيته)) أي: النبي الأعظم عليه السلام ((بأحجار)) ؛ فهو من كلام أبي هريرة، والفاء تفصيحية ((بطرف ثيابي)) : الباء ظرفية؛ أي: في جانب ثيابي، والظاهر: أن المراد من الثياب الجنس لا الجمع؛ بدليل رواية الإسماعيلي: (بطرف ملاءتي) ، وجوَّز الكرماني كلا الوجهين، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّ ما ذكر إنَّما يتمشَّى في الجمع المحلى بالألف واللام، قلت: وقد يقال: الإضافة تأتي لما تأتي له اللام؛ فتأمل، ((فوضعتُها)) ؛ أي: الأحجار؛ بتاء المتكلم، وفي رواية: (فوضعها) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام ((إلى جنبه)) ليقرب تناولها، ((وأعرضت)) : وفي رواية: (واعترضت) ؛ بزيادة مثناة فوقية بعد العين المهملة ((عنه)) للتباعد، ((فلما قضى)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام، والمفعول محذوف؛ تقديره: حاجته؛ ((أتبعه)) ؛ بهمزة قطع؛ أي: ألحقه ((بهن)) ؛ أي: بالأحجار، والضمير المنصوب يعود على القضاء الذي يدل عليه قوله: (فلما قضى) ، وكنى به عن الاستنجاء، وقيل: الضمير يعود على المحل، والأول أظهر؛ فافهم.

وفي الحديث: مشروعية الاستنجاء، واختلف العلماء فيه؛ فقال إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم، والإمام أبو يوسف، والإمام محمد، والإمام زفر، والإمام الحسن، ومالك في رواية، والمزني من الشافعية: إنَّه سنة مؤكدة؛ لما رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي الأعظم عليه السلام قال: «من استَجْمَرَ؛ فليوتر، من فَعَلَ؛ فقد أحسن، ومن لا؛ فلا حرج...»؛ الحديث.

وأخرجه أحمد في «مسنده»، والحافظ أبو جعفر الطحاوي في «معاني الآثار» برجال ثقاتٍ، فهو حديث صحيح محكم لا يحتمل التأويل، فيدلُّ على نفي وجوب الاستنجاء وعلى نفي وجوب العدد فيه؛ لأنَّ الشارع نفى الحرج عن تارك الاستنجاء، فدل على أنَّه ليس بواجب، وكذلك تَرْكُ الإيتار لا يضرُّ؛ لأنَّ ترك أصلِهِ لمَّا لم يكن مانعًا فما ظنك بترك وصفه؟! فدل الحديث على انتفاء المجموع، فالسنة عندنا: إنقاء المحل؛ لأنَّه المقصود، فلو لم يحصل الإنقاء بثلاث؛ يزاد عليها اتفاقًا؛ لكونه هو المقصود، ولو حصل الإنقاء بواحد واقتصر عليه؛ جاز؛ لحصول المقصود، لا يقال: رفع الحرج في الزيادة على الثلاث؛ لأنَّ مجاوزة الثلاث في الماء عدوان وترك السنة، والزيادة في الأحجار ليست بعدوان وإن صارت شفعًا؛ لأنَّا نقول: هذا الوجه غير مراد ولا يفهم من الكلام على ما لا يخفى على الذكي الفطن، وأيضًا مجاوزة الثلاث في الماء كيف تكون عدوانًا إذا لم تحصل الطهارة بالثلاث؟! والزيادة في الأحجار وإن كانت شفعًا كيف لا يصير عدوانًا، وقد نص على الإيتار؟! فافهم.

وقال الشافعي، وأحمد، ومالك في رواية: إن الاستنجاء واجب لما أخرج ابن ماجه وأحمد عن عائشة: أنه عليه السلام قال: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط؛ فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهنَّ».

وأجيب: بأنَّ الأمر يحتمل أن يكون على وجه الاستحباب، والمحتمل لا يصلح أن يكون حجة إلا بمرجِّح لأحد المعاني ولم يوجد، ونحن أعملنا الأحاديث كلَّها، وفيما قاله الشافعي ومن تبعه إهمال لبعض الأحاديث، والعمل بالكل أولى على ما لا يخفى.

وفي الحديث: أنَّ الأحجار لا تتعيَّن للاستنجاء، بل يقوم مقامها كلُّ جامد طاهر قالع غير محترم ولا متقوَّم، فيكره الاستنجاء بالذهب، والفضة، والعظم، والروث، والرجيع، والطعام مطلقًا، والفحم، والزجاج، والجص، والآجر، وورق الشجر، والورق، والخذف، والشعر، وغيرها، ولو استنجى بها؛ أجزأه ويكون مقيمًا للسنة مع الكراهة؛ لأنَّ المقصود الإنقاء وقد حصل، وقد ذكر ابن جرير الطبري: أنَّ عمر بن الخطاب كان له عظم يستنجي به، ثم يتوضأ ويصلي.

وفيه: استحباب الإعراض عن قاضي الحاجة، وجواز الرواية بالمعنى؛ حيث قال: (أو نحوه) .

وفيه: إعداد الأحجار للاستنجاء؛ لئلَّا يحتاج إلى طلبها بعد قيامه، فلا يأمن التلوُّث، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

هذا ((بابٌ)) بالتنوين: ((لا يُستنجى)) ؛ بضم المثناة التحتية على صيغة المجهول، وسقط لفظ: (باب) في رواية، وفي أخرى: سقط لفظ الترجمة والباب ((بروث)) والجار والمجرور نائب