إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء

153- وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع [1]، وفي رواية ابن عساكر: ((حدَّثني)) (مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بضمِّ [2] الميم وبالذَّال المُعجَمَة في الأوَّل، وفتح الفاء والضَّاد المُعجَمَة في الثَّاني، البصريُّ الزَّهرانيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي: ابن أبي عبد الله (هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ) بفتح الدَّال وسكون السِّين المُهمَلَتين وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وبالهمز من غير نونٍ (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة، الطَّائيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) السُّلميِّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وتسعين (عَنْ أَبِيهِ) وفي روايةٍ: ((عن أبي قتادة)) بدل قوله: «عن أبيه»، واسم أبي قتادة الحارث، أوِ النُّعمان، أو عمرو بن ربعيٍّ الأنصاريُّ، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد أُحُدًا وما بعدها، واختُلِف في شهوده بدرًا، له في «البخاريِّ» ثلاثةَ عَشَرَ حديثًا، تُوفِّيَ بالمدينة أو بالكوفة سنة أربعٍ [3] وخمسين رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ) ماءً أو غيره (فَلَا يَتَنَفَّسْ) بالجزم على النَّهيِ كالفعلين اللَّاحقين، والرَّفع على النَّفي (فِي الإِنَاءِ) أي: داخله، وحذفُ المفعول يفيد العموم ولذا قُدِّر بـ «ماءٍ» أو غيره، وهذا النَّهيُ للتَّأديب لإرادة المُبالَغَة في النَّظافة؛ لأنَّه ربَّما [4] يخرج منه ريقٌ [5] فيخالط الماء، فيعافه الشَّارب، وربَّما يُروَّح الماءُ [6] من بخارٍ رديءٍ بمعدته فيفسد الماء للطافته، فيُسَنُّ [7] أن يبين الإناء عن فمه [8]
ج1ص240
ثلاثًا مع التَّنفُّس في كلِّ مرَّةٍ، ويأتي مزيدٌ لذلك _إن شاء الله تعالى_ بعون الله في «كتاب الأشربة» [خ¦5630] (وَإِذَا أَتَى [9] الْخَلَاءَ) فبال، كما فسَّرته الرِّواية الآتية [خ¦154] (فَلَا يَمَسّ ذَكَرَهُ) وكذا دبره (بِيَمِينِهِ) حال [10] البول والغائط، والفاء في «فلا» جواب الشَّرط، كهي في السَّابقة، ويجوز في سين «يمسَّ» فتحها؛ لخفَّته، وكسرها على [11] الأصل في تحريك السَّاكن، وفكُّ الإدغام، وإنَّما لم يظهرِ الجزمُ فيها للإدغام، فإذا زال؛ ظهر، (وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ) تشريفًا لها عن مماسَّة ما فيه أذًى أو مُباشَرَته، وربَّما يتذكَّر عند تناوله [12] الطَّعام ما باشرته يمينه من الأذى فينفر طبعه عن تناوله، والنَّهي فيها [13] للتَّنزيه عند الجمهور كما صرَّحوا به، وعبارة «الرَّوضة»: يُستحَبُّ باليسار، وكلامه في «الكافي» يُفهِم أنَّ الاستنجاء بها حرامٌ، فإنَّه قال: لوِ استنجى بيمينه صحَّ كما لو [14] توضَّأ من إناء فضَّةٍ، وإنَّما خصَّ الرِّجال بالذِّكر لكون الرِّجال في الغالب هم المُخاطَبون، والنِّساء شقائق الرِّجال في الأحكام إلَّا ما خُصَّ [15]، وقد استُشكِل ما ذكر من النَّهيِ عنِ المسِّ والاستجمار باليمين لأنَّه إذا استجمر باليسار استلزم مسَّ الذَّكَر باليمين، وإذا مسَّ باليسار استلزم الاستجمار باليمين، وكلاهما منهيٌّ عنه، وأُجِيب: بأنَّ التَّخلُّص من ذلك ما قاله إمام الحرمين، والبغويُّ في «تهذيبه»، والغزاليُّ في «وسيطه»: أنَّه يمرُّ العضو بيساره على شيءٍ يمسكه بيمينه، وهي قارَّةٌ غير متحرِّكةٍ، وحينئذٍ فلا يُعَدُّ مستجمرًا باليمين ولا ماسًّا بها، فهو كمن صبَّ الماء بيمينه على يساره حالة الاستنجاء، ومُحصَّلَه: أنَّه لا يجعل يمينه محرِّكةً للذَّكَر ولا للحجر، ولا يستعين بها إلَّا لضرورةٍ؛ كما إذا استنجى بالماء أو بحجرٍ لا يقدر على الاستنجاء به [16] إلَّا بمسكه بها، قاله ابن الصَّبَّاغ.
ولمَّا فرغ المؤلِّف [17] من ذكر ما ترجم له؛ وهو النَّهيُ عنِ الاستنجاء باليمين شَرَعَ يَذْكُر ترجمة النَّهيِ عن مسِّ الذَّكر بها، فقال:
ج1ص241


[1] «بالجمع»: سقط من (م).
[2] في غير (د) و(م): «بفتح»، وليس بصحيحٍ.
[3] في (د): «إحدى»، وليس بصحيحٍ.
[4] «ربَّما»: سقط من (د).
[5] في (د): «ريح».
[6] في (ب) و(س): «تروَّح الإناء».
[7] في (م) بدلًا من «فيفسد الماء للطافته، فيُسَنُّ» جاء: «فيفسده فالسُّنَّة».
[8] في (د): «فيه».
[9] في (د): «أتيت».
[10] في (ب) و(س): «حالة».
[11] في غير (د) و(س): «في».
[12] في (م): «مناولة».
[13] في غير (د): «فيهما».
[14] في (م): «كمَن».
[15] في (م): «إلا من خص»، وكلا اللَّفظين ساقطٌ من (ص).
[16] «به»: سقط من (د).
[17] «المؤلِّف»: سقط من (س).