متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

153- وبه قال: (حَدَّثَنَا)؛ بالجمع [1] ، وفي رواية ابن عساكر: ((حدَّثني)) (مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ)؛ بضمِّ [2] الميم وبالذَّال المُعجَمَة في الأوَّل، وفتح الفاء والضَّاد المُعجَمَة في الثَّاني، البصريُّ الزَّهرانيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ)؛ أي: ابن أبي عبد الله، (هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ)؛ بفتح الدَّال، وسكون السِّين المُهمَلَتين، وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، وبالهمز من غير نونٍ، (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة، الطَّائيِّ، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) السُّلميِّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وتسعين، (عَنْ أَبِيهِ)، وفي روايةٍ: ((عن أبي قتادة)) بدل قوله: «عن أبيه»، واسم أبي قتادة الحارث، أوِ النُّعمان، أو عمرو بن ربعيٍّ الأنصاريُّ، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد أُحُدًا وما بعدها، واختُلِف في شهوده بدرًا، له في «البخاريِّ» ثلاثةَ عَشَرَ حديثًا، تُوفِّيَ بالمدينة أو بالكوفة سنة أربعٍ [3] وخمسين رضي الله عنه، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ) ماءً أو غيره؛ (فَلَا يَتَنَفَّسْ)؛ بالجزم على النَّهيِ؛ كالفعلين اللَّاحقين، والرَّفع على النَّفي، (فِي الإِنَاءِ)؛ أي: داخله، وحذفُ المفعول يفيد العموم؛ ولذا قُدِّر بـ: «ماءٍ» أو غيره، وهذا النَّهيُ للتَّأديب؛ لإرادة المُبالَغَة في النَّظافة؛ لأنَّه ربَّما [4] يخرج منه ريقٌ [5] ، فيخالط الماء، فيعافه الشَّارب، وربَّما يُروَّح الماءُ [6] من بخارٍ رديءٍ بمعدته، فيفسد الماء للطافته، فيُسَنُّ [7] أن يبين الإناء عن فمه [8] [/ج1ص240/]

ثلاثًا مع التَّنفُّس في كلِّ مرَّةٍ، ويأتي مزيدٌ لذلك _إن شاء الله تعالى_ بعون الله في كتاب «الأشربة» [خ¦5630] ، (وَإِذَا أَتَى [9] الْخَلَاءَ) فبال، كما فسَّرته الرِّواية الآتية [خ¦154] ، (فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ) وكذا دبره (بِيَمِينِهِ) حال [10] البول والغائط، والفاء في «فلا» جواب الشَّرط، كهي في السَّابقة، ويجوز في سين «يمسَّ» فتحها؛ لخفَّته، وكسرها على [11] الأصل في تحريك السَّاكن، وفكُّ الإدغام، وإنَّما لم يظهرِ الجزمُ فيها للإدغام، فإذا زال؛ ظهر، (وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ)؛ تشريفًا لها عن مماسَّة ما فيه أذًى أو مُباشَرَته، وربَّما يتذكَّر عند تناوله [12] الطَّعام ما باشرته يمينه من الأذى فينفر طبعه عن تناوله، والنَّهي فيها [13] للتَّنزيه عند الجمهور كما صرَّحوا به، وعبارة «الرَّوضة»: يُستحَبُّ باليسار، وكلامه في «الكافي» يُفهِم أنَّ الاستنجاء بها حرامٌ، فإنَّه قال: لوِ استنجى بيمينه؛ صحَّ كما لو [14] توضَّأ من إناء فضَّةٍ، وإنَّما خصَّ الرِّجال بالذِّكر؛ لكون الرِّجال في الغالب هم المُخاطَبون، والنِّساء شقائق الرِّجال في الأحكام إلَّا ما خُصَّ [15] ، وقد استُشكِل ما ذكر من النَّهيِ عنِ المسِّ والاستجمار باليمين؛ لأنَّه إذا استجمر باليسار؛ استلزم مسَّ الذَّكَر باليمين، وإذا مسَّ باليسار؛ استلزم الاستجمار باليمين، وكلاهما منهيٌّ عنه، وأُجِيب: بأنَّ التَّخلُّص من ذلك ما قاله إمام الحرمين، والبغويُّ في «تهذيبه»، والغزاليُّ في «وسيطه»: أنَّه يمرُّ العضو بيساره على شيءٍ يمسكه بيمينه، وهي قارَّةٌ غير متحرِّكةٍ، وحينئذٍ فلا يُعَدُّ مستجمرًا باليمين ولا ماسًّا بها، فهو كمن صبَّ الماء بيمينه على يساره حالة الاستنجاء، ومُحصَّلَه: أنَّه لا يجعل يمينه محرِّكةً للذَّكَر ولا للحجر، ولا يستعين بها إلَّا لضرورةٍ؛ كما إذا استنجى بالماء أو بحجرٍ لا يقدر على الاستنجاء به [16] إلَّا بمسكه بها، قاله ابن الصَّبَّاغ.

ولمَّا فرغ المؤلِّف [17] من ذكر ما ترجم له؛ وهو النَّهيُ عنِ الاستنجاء باليمين؛ شرع يذكر ترجمة النَّهيِ عن مسِّ الذَّكر بها، فقال:

[1] «بالجمع»: سقط من (م).
[2] في غير (د) و(م): «بفتح»، وليس بصحيحٍ.
[3] في (د): «إحدى»، وليس بصحيحٍ.
[4] «ربَّما»: سقط من (د).
[5] في (د): «ريح».
[6] في (ب) و(س): «تروَّح الإناء».
[7] في (م) بدلاً من «فيفسد الماء للطافته، فيُسَنُّ» جاء: «فيفسده فالسُّنَّة».
[8] في (د): «فيه».
[9] في (د): «أتيت».
[10] في (ب) و(س): «حالة».
[11] في غير (د) و(س): «في».
[12] في (م): «مناولة».
[13] في غير (د): «فيهما».
[14] في (م): «كمَن».
[15] في (م): «إلا من خص»، وكلا اللَّفظين ساقطٌ من (ص).
[16] «به»: سقط من (د).
[17] «المؤلِّف»: سقط من (س).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

153-. حدَّثنا [1] مُعاذُ بنُ فَضالةَ، قالَ: حدَّثنا هِشامٌ _هو الدَّسْتَوائِيُّ_ عن يَحْيَىَ بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي قَتَادَةَ:

عن أَبِيهِ [2] ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلا يَتَنَفَّسْ في الإِناءِ، وَإِذا أَتَى الخَلاءَ فَلا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ».

[1] في رواية ابن عساكر: «حدَّثني».
[2] في رواية [عط] : «عن أبي قتادة» بدل قوله: «عن أبيه».





153- ( مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ) بفتح الفاء.

( الدَّسْتَوَائِيُّ ) بدال مهملة مفتوحة وهمزة في آخره، ويقال: بالنون، ودَسْتُواء: قرية.


153# (الدَّسْتَوَائيُّ) بدال مهملة مفتوحة فسين

@%ج1ص123%

مهملة ساكنة فمثناة من فوق مفتوحة فواو فألف [1] ممدودة، ويقال: بنون بعد ألف [2] بدل الهمزة.

(فَلاَ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينهِ) النهيُ للتنزيه؛ خلافاً للظَّاهرية، وقد صرَّح بعض الشافعية في ذلك بالتَّحريم.

[1] في (ق): ((وألف)).
[2] في (د) و(ق): ((الألف)).





153- قوله: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ): هو بفتح الفاء، تقدَّم.

قوله: (هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ): تقدَّم أنَّه -بفتح الدَّال، ثمَّ سين ساكنة مهملتين، ثمَّ مثنَّاة فوقُ- كان يبيع الثِّياب التي تجلب من دَستوى، فنُسِب إليها هشام [1] ، وهشام صاحب الدستوائيِّ؛ أي: صاحب البزِّ الدستوائيِّ، ويقال: الدَّستوانيُّ؛ بالنُّون، وقد ذكره مسلم في أوَّل (كتاب الصَّلاة) بعبارة [2] أخرى أوهمت لبسًا، فقال في (الآذان): (حدَّثني أَبُو غسَّان وإسحاق بن إبراهيم، قال [3] إسحاق: حدَّثنا معاذ بن هشامٍ صاحبِ الدَّستوائيِّ) ، فتوهَّم صاحب «المطالع» أنَّ قوله: (صاحب الدستوائيِّ) مرفوع، وأنَّه صفة لـ (معاذ) ، فقال: (يقال: صاحب الدَّستوائيِّ)] [4] ، وإنَّما هو ابنه، والذي قاله صاحب «المطالع» ليس بشيء، وإنَّما (صاحبِ) في «صحيح مسلم» هناك مجرور صفة لـ (هشام) ، كما هو مصرَّح به في حديث الشفاعة في «مسلم»، ودَستوى: قرية بالأهواز، يقال في النِّسبة: دَستوائيٌّ ودستوانيٌّ، كما تقدَّم أعلاه.

قوله: (ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ): هو بالثَّاء المثلَّثة، تقدَّم.

قوله: (عن أَبِيهِ): هو أَبُو قتادة كما هو مصرَّح به هنا، وهو الحارث بن ربعيٍّ، وقيل: النعمان بن ربعيٍّ، وقيل: عمرو، مشهور شهد أُحُدًا والمشاهد، وله أحاديث صالحة، ويقال: كان بدريًّا، ولم يصحَّ، وهو فارس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، عنه [5] : ابن المُسَيّب، وابنه عبد الله بن أبي قتادة، في موته اختلاف [6] ؛ فعن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة: أنَّ جدَّه مات بالمدينة سنة أربع وخمسين، وله سبعون سنة، وكذا قال يحيى ابن بكير وجماعة، وقال الهيثم بن عديٍّ وغيره: مات بالكوفة، وصلَّى عليه عليُّ رضي الله عنه، قال بعضهم: سنة (38 هـ ) ، وقال الواقديُّ: (لَمْ أرَ بين ولد أبي قتادة وأهل البلد عندنا اختلافًا أنَّ أبا قتادة توفِّي بالمدينة، وروى أهل الكوفة: أنَّه توفِّي بالكوفة، والله أعلم) ، أخرج له الجماعة.

قوله: (فَلَا يَتَنَفَّسْ في الْإِنَاءِ): قد يُسأل؛ فيقال: هذا المعروف والسُّنَّة، فما الجمع بينه وبين حديث أنس في «الصَّحيحين» أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كان يتنفَّس في الإناء ثلاثًا؟

وجوابه: أنَّ معناه: كان يتنفَّس خارج الإناء، أو فعله بيانًا للجواز، أو [7] النَّهي خاصٌّ بغيره؛ لأنَّ ما يتقذَّر من غيره يستطاب منه عليه الصَّلاة والسَّلام.

[1] (هشام): ليس في (ب) .
[2] في (ب): (وبعبارة) .
[3] في (ب): (وقال) .
[4] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[5] في (ج): (عن) .
[6] (اختلاف): ليس في (ب) .
[7] في (ب): (و) .





153- (فَلَا يَتَنَفَّسْ): هو والأفعالُ الَّتي بعدَه بالجزْمِ على النَّهْيِ، وفي روايةٍ بالرَّفعِ على أنَّه [نفيٌ] بمعنى النَّهيِ.


153- وبه قال: (حَدَّثَنَا)؛ بالجمع [1] ، وفي رواية ابن عساكر: ((حدَّثني)) (مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ)؛ بضمِّ [2] الميم وبالذَّال المُعجَمَة في الأوَّل، وفتح الفاء والضَّاد المُعجَمَة في الثَّاني، البصريُّ الزَّهرانيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ)؛ أي: ابن أبي عبد الله، (هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ)؛ بفتح الدَّال، وسكون السِّين المُهمَلَتين، وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، وبالهمز من غير نونٍ، (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة، الطَّائيِّ، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) السُّلميِّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وتسعين، (عَنْ أَبِيهِ)، وفي روايةٍ: ((عن أبي قتادة)) بدل قوله: «عن أبيه»، واسم أبي قتادة الحارث، أوِ النُّعمان، أو عمرو بن ربعيٍّ الأنصاريُّ، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد أُحُدًا وما بعدها، واختُلِف في شهوده بدرًا، له في «البخاريِّ» ثلاثةَ عَشَرَ حديثًا، تُوفِّيَ بالمدينة أو بالكوفة سنة أربعٍ [3] وخمسين رضي الله عنه، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ) ماءً أو غيره؛ (فَلَا يَتَنَفَّسْ)؛ بالجزم على النَّهيِ؛ كالفعلين اللَّاحقين، والرَّفع على النَّفي، (فِي الإِنَاءِ)؛ أي: داخله، وحذفُ المفعول يفيد العموم؛ ولذا قُدِّر بـ: «ماءٍ» أو غيره، وهذا النَّهيُ للتَّأديب؛ لإرادة المُبالَغَة في النَّظافة؛ لأنَّه ربَّما [4] يخرج منه ريقٌ [5] ، فيخالط الماء، فيعافه الشَّارب، وربَّما يُروَّح الماءُ [6] من بخارٍ رديءٍ بمعدته، فيفسد الماء للطافته، فيُسَنُّ [7] أن يبين الإناء عن فمه [8] [/ج1ص240/]

ثلاثًا مع التَّنفُّس في كلِّ مرَّةٍ، ويأتي مزيدٌ لذلك _إن شاء الله تعالى_ بعون الله في كتاب «الأشربة» [خ¦5630] ، (وَإِذَا أَتَى [9] الْخَلَاءَ) فبال، كما فسَّرته الرِّواية الآتية [خ¦154] ، (فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ) وكذا دبره (بِيَمِينِهِ) حال [10] البول والغائط، والفاء في «فلا» جواب الشَّرط، كهي في السَّابقة، ويجوز في سين «يمسَّ» فتحها؛ لخفَّته، وكسرها على [11] الأصل في تحريك السَّاكن، وفكُّ الإدغام، وإنَّما لم يظهرِ الجزمُ فيها للإدغام، فإذا زال؛ ظهر، (وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ)؛ تشريفًا لها عن مماسَّة ما فيه أذًى أو مُباشَرَته، وربَّما يتذكَّر عند تناوله [12] الطَّعام ما باشرته يمينه من الأذى فينفر طبعه عن تناوله، والنَّهي فيها [13] للتَّنزيه عند الجمهور كما صرَّحوا به، وعبارة «الرَّوضة»: يُستحَبُّ باليسار، وكلامه في «الكافي» يُفهِم أنَّ الاستنجاء بها حرامٌ، فإنَّه قال: لوِ استنجى بيمينه؛ صحَّ كما لو [14] توضَّأ من إناء فضَّةٍ، وإنَّما خصَّ الرِّجال بالذِّكر؛ لكون الرِّجال في الغالب هم المُخاطَبون، والنِّساء شقائق الرِّجال في الأحكام إلَّا ما خُصَّ [15] ، وقد استُشكِل ما ذكر من النَّهيِ عنِ المسِّ والاستجمار باليمين؛ لأنَّه إذا استجمر باليسار؛ استلزم مسَّ الذَّكَر باليمين، وإذا مسَّ باليسار؛ استلزم الاستجمار باليمين، وكلاهما منهيٌّ عنه، وأُجِيب: بأنَّ التَّخلُّص من ذلك ما قاله إمام الحرمين، والبغويُّ في «تهذيبه»، والغزاليُّ في «وسيطه»: أنَّه يمرُّ العضو بيساره على شيءٍ يمسكه بيمينه، وهي قارَّةٌ غير متحرِّكةٍ، وحينئذٍ فلا يُعَدُّ مستجمرًا باليمين ولا ماسًّا بها، فهو كمن صبَّ الماء بيمينه على يساره حالة الاستنجاء، ومُحصَّلَه: أنَّه لا يجعل يمينه محرِّكةً للذَّكَر ولا للحجر، ولا يستعين بها إلَّا لضرورةٍ؛ كما إذا استنجى بالماء أو بحجرٍ لا يقدر على الاستنجاء به [16] إلَّا بمسكه بها، قاله ابن الصَّبَّاغ.

ولمَّا فرغ المؤلِّف [17] من ذكر ما ترجم له؛ وهو النَّهيُ عنِ الاستنجاء باليمين؛ شرع يذكر ترجمة النَّهيِ عن مسِّ الذَّكر بها، فقال:

[1] «بالجمع»: سقط من (م).
[2] في غير (د) و(م): «بفتح»، وليس بصحيحٍ.
[3] في (د): «إحدى»، وليس بصحيحٍ.
[4] «ربَّما»: سقط من (د).
[5] في (د): «ريح».
[6] في (ب) و(س): «تروَّح الإناء».
[7] في (م) بدلاً من «فيفسد الماء للطافته، فيُسَنُّ» جاء: «فيفسده فالسُّنَّة».
[8] في (د): «فيه».
[9] في (د): «أتيت».
[10] في (ب) و(س): «حالة».
[11] في غير (د) و(س): «في».
[12] في (م): «مناولة».
[13] في غير (د): «فيهما».
[14] في (م): «كمَن».
[15] في (م): «إلا من خص»، وكلا اللَّفظين ساقطٌ من (ص).
[16] «به»: سقط من (د).
[17] «المؤلِّف»: سقط من (س).





153- ( فَضَالَةَ ): بفتح الفاء والضَّاد المعجمة.

( الدَّسْتَوَائِيُّ ): بفتح الدَّال آخره همزة.

( فَلاَ يَتَنَفَّسْ ): بالجزم فيه وفيما بعده.


43/153# قال الإمام أبو عبد الله: حدَّثنا مُعاذُ بنُ فَضالةَ، قالَ: حدَّثنا هِشامٌ _وهو الدَّسْتَوائِيُّ_ عن يَحْيَىَ بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عن عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي قَتَادَةَ:

عن أَبِيهِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «إِذا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلا يَتَنَفَّسْ في الإِناءِ، وَإِذا أَتَى الخَلاءَ فَلا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ».

نهيُه عن التنفُّس في الإناء نَهْي أدب وتعليم؛ وذلك أنَّه إذا فعل ذلك لم يأمَنْ أن يَبْدُرَ [1] من فِيْهِ الريقُ، فيخالطَ الماءَ، فيعافُه الشاربُ منه، ورُبَّما تروَّحَ الماء [2] بنكهة المتنَفِّس إذا كانت فاسدةً؛ والماء للُطفه ورِقَّة طبعه تُسرعُ إليه الرَّوائحُ، ثمَّ إنَّه مِن فعل الدَّوابِّ، إذا كَرَعَت في الأواني جَرَعَت، ثمَّ تنفَّست فيه، ثمَّ عادت فشربت.

وإنَّما السُّنة والأدبُ أن يشرب الماءَ في ثلاثة أنفاس، كلَّما شرب نفساً من الإناء نحَّاه [3] عن فمه [4] ثمَّ عاد، مصّاً له غيرَ عَبٍّ؛ إلى أن يأخذَ رِيَّه منه.

ونهيُه عن مَسِّ الذَّكر بيمينه [5] تَنزيهٌ لها عن مباشرة العضو الذي يكون منه الأذى والحدث، وكان صلى الله عليه وسلم يجعلُ يمناهُ لطعامه وشرابه ولباسه، ويُسراه [6] لخدمة أسافل بدنه [7] ، وكذلك الأمر في نهيه عن الاستنجاء باليمين؛ إنَّما هو تنزيهٌ لها وصِيانةٌ لقَدْرِها عن مباشرة ذلك الفعل.

وإذا كان مَسُّ الذكر باليمين مَنهيّاً عنه، والاستنجاء بها مَنهيّاً عنه كذلك فقد [8] يحتاج البائلُ [9] في بعض الأحوال أن يتأنَّى لمعالجة ذلك وأن يرفق فيه [10] ، وذلك إن [11] لم يجد إلَّا [12] حجراً ضخماً لا يزول عن المكان إذا اعتمده، أو لم يجد إلَّا [13] جذْم حائطٍ أو نحوه، فيحتاج إلى أن يُلصق

@%ص61%

مقعدته [14] بالأرض، ويمسك المسوح بين عقِبيه، ويتناولَ عُضْوَه بشماله فيمسحه به، ويُنزِّه عنه يمينه ليخرج به عن النهي في الوجهين معاً [14] .

[1] في (ط): (يعذر) تصحيفاً، وفي النسخ الفروع: (يبرز).
[2] قوله: (الماء) زيادة من النسخ الفروع.
[3] في النسخ الفروع: (شرب نفساً نحى الإناء).
[4] في (ر) و (م): (عن فيه).
[5] في النسخ الفروع: (باليمين).
[6] في (أ): (ويساره).
[7] في (ط): (يديه) مصحفاً، وفي (ر): (أسافله).
[8] في (ط): (منذ) مصحفاً.
[9] في (ط): (العائل) مصحفاً.
[10] في (أ) و (ر) و (م): (به).
[11] في (أ) و (ر) و (م): (إذا).
[12] قوله: (إلا) سقط من النسخ كلها والسياق يقتضيها.
[13] في (ط): (مقعده) بإسقاط التاء.
[14] قال ابن حجر في الفتح ( 1/254): وهذه هيئة يَتَعَذَّرُ فِع منكرة بل يتعذر فعلها في غالب الأوقات.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

153- وبه قال: ((حدثنا)) بالجمع وفي رواية: بالإفراد ((مُعاذ)) بضم الميم وبالذال المعجمة ((ابن فَضَالة)) ؛ بفتح الفاء والضَّاد المعجمة، البصري الزهراني أبو زيد ((قال: حدثنا هشام)) ؛ بكسر الهاء، ابن عبد الله ((هو الدَّسْتوائي)) ؛ بفتح الدَّال وسكون السين المهملتين، والمثناة فوق، آخره همزة بدون نون، وقيل: بالقصر وبالنُّون؛ نسبة إلى دستوا قرية، وقيد به؛ لإخراج هشام بن حسان؛ لأنَّهما بصريان مشهوران من طبقة واحدة، فقيد به؛ لدفع الالتباس وغرض التعريف، وأتى بهذه العبارة اقتصارًا على ما ذكره شيخه، واحترازًا عن الزيادة على لفظه، وما قيل من أنَّه من كلام المؤلف؛ فبعيد؛ لأنَّه خلاف عادته؛ فافهم.

((عن يحيى بن أبي كثير)) ؛ بالمثلثة، أبو نصر الطائي، ((عن عبد الله بن أبي قتادة)) : أبو إبراهيم البلخي، المتوفى سنة خمس وتسعين، وقيل: سنة خمس ومئة، ((عن أبيه)) وفي رواية: (عن أبي قتادة) بدل (عن أبيه) ، واسم أبي قتادة: الحارث، أو النعمان، أو عمرو بن رِبْعي _بكسر الرَّاء وسكون الموحدة_، السَّلَمي _بفتحتين_ الخزرجي المدني، المشهور بفارس النبي الأعظم عليه السلام، شهد أحدًا وما بعدها، واختُلِف في شهوده بدرًا، والمشهور: أنه لم يشهدها، فهو صحابي قطعًا، فما زعمه الكرماني من أنَّه تابعي؛ خطأ لا محالة، المتوفى بالمدينة أو بالكوفة سنة أربع وخمسين عن سبعين سنة، ((قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا شرِب)) بكسر الرَّاء ((أحدُكم)) : فاعله، ومفعوله محذوف؛ ليعم الماء وغيره، أو هو منزل منزلة اللازم؛ ((فلا يتنفسْ)) ؛ بالجزم فيه، وفي الفعلين بعده على النهي وبالرفع فيهما على النفي بمعنى النهي، والتنفس: (تفعل) ؛ وهو خروج النفس من الفم، وكل ذي رئة يتنفس، وذوات الماء لا رئات لها، والفاء في جواب الشرط، كما في «عمدة القاري»، ((في الإِناء)) ؛ بكسر الهمزة: الوعاء، جمعها: آنية، وجمع الآنية: الأواني؛ مثل: سقاء وأسقية وأساقي، وأصله غير مهموز، فأصله: إناي، قلبت الياء همزة؛ لوقوعها في الطرف بعد ألف ساكنة، وهو نهي ويحتمل النفي، وعلى كل فالنهي للأدب؛ لأنَّه إذا فعل ذلك لم يأمن أن يبرز من فيه الريق فيخالط الماء فيعافه الشارب، وربما يروح بنكهة التنفس إذا كانت فاسدة، والماء للطفه ورقة طبعه تسرع إليه الروائح، ثم إنه يعد من فعل الدواب إذا كرعت في الأواني جرعة ثم تنفست فيها ثم عادت فشربت، فإن شرب وتنفس في الإناء من غير أن يَبِيْنَه عن فيه؛ فهو مكروه، أمَّا لو شرب في نفس واحد ولم يتنفس فيه؛ فلا يكره؛ لأنَّه إنَّما نهي عن التنفس في الإناء وهذا ليس كذلك، وكرهه جماعة، وقالوا: إنه شرب الشيطان.

وإنما السنة: أن يشرب الماء في ثلاثة أنفاس، كلما شرب نفسًا من الإناء؛ نحَّاه عن فيه، ثم عاد مصًّا له غير عبٍّ إلى أن يأخذ ريَّه منه، والتنفس خارج الإناء أحسن في الأدب، وأبعد عن الشره، وأخف للمعدة، وإذا تنفس فيه؛ تكاثر الماء في حلقه وأثقل معدته، وربما شرق وأذى كبده، وهو فعل البهائم.

وقد قيل: إنَّ في القلب بابين يدخل النفس من أحدهما ويخرج من الآخر، فينفي ما على القلب من الهمَّ أو القذى، ولذلك لو احتبس النفس ساعة؛ هلك الآدمي، ويخشى من كثرة التنفس في الإناء أن يصحبه شيء مما في القلب فيقع في الماء ثم يشربه فيتأذى به، وقيل: علة الكراهة أن كل عبَّة شربة مستأنفة، فيستحب الذكر في أولها، والحمد في آخرها، فإذا وصل ولم يفصل بينهما؛ فقد أخلَّ بعدَّة سنن، ولم يبيِّن في الحديث عدد التنفس خارج الإناء، وقد بيَّنه في الحديث الآخر بالتثليث، ففي الترمذي محسَّنًا من حديث ابن عباس مرفوعًا: «لا تشربوا واحدًا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاثًا، وسمُّوا إذا أنتم شربتم، واحمدوه إذا أنتم رفعتم».

وقد اختلف العلماء في أيِّ هذه الأنفاس الثلاثة أطول على قولين؛ أحدهما: الأول، والثاني: أن الأول أقصر، والثاني أزيد منه، والثالث أزيد منها، فيجمع بين السنة والطب، وهو الصحيح؛ لأنَّه إذا شرب قليلًا قليلًا؛ وصل إلى جوفه من غير إزعاج، ولهذا جاء في الحديث: «مُصُّوا الماء مصًّا ولا تعبوه عبًّا، فإنَّه أهنأ وأمرأ وأبرأ».

فإن قلت: قد صح عن أنس: أنه عليه السلام كان يتنفس في الإناء ثلاثًا.

قلت: المعنى: أنه يتنفس في مدة شربه عند إبانة القدح عن الفم لا التنفس في الإناء، لا سيما مع قوله: (هو أهنأ وأمرأ وأبرأ) ، وفعله بيان للجواز، أو النهيُّ خاص بغيره؛ لأنَّ ما يتقذر من غيره يستطاب منه.

وهل الحكم مقصور على الماء أم غيره من الأشربة كذلك مثله؟

أجيب: بأن النهي المذكور غير مختصٍّ بشرب الماء، بل غيره من الأشربة، وكذا الطعام مثله، فكره النفخ فيه، والتنفس في معنى النفخ.

وفي «جامع الترمذي» مصحَّحًا عن أبي سعيد الخدري: أنَّه عليه السلام نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ فقال: «أهرقها»، قال: فإني لا أروى من نفس واحد، قال: «فأبِنْ القدح إذًا عن فيك»، ويدل على هذا العموم حذف المفعول في قوله: (وإذا شرب) ؛ لأنَّ حذف المفعول ينبئ عن العموم، كما مر؛ فافهم.

((وإذا أتى الخلاء)) ؛ بالمد، المتوضأ، ويطلق على الفضاء أيضًا؛ أي: للبول كما دلت عليه الرواية الآتية في الباب بعده؛ ((فلا)) : الفاء في جواب الشرط ((يمسَّ)) ؛ بفتح السين؛ لخفة الفتحة، وكسرها؛ لأنَّ الساكن إذا حرك؛ حرك بالكسر وفك الإدغام، وإنما لم يظهر الجزم فيها؛ لأجل الإدغام، وعند الفك يظهر الجزم، تقول: فلا يمسِس ((ذكره [/ص113/] بيمينه)) ؛ لرفع قدر اليمين، ولأنَّه لو باشر النجاسة بها؛ يتذكر عند تناوله الطعام، وما باشرت يمينه من النجاسة فينفر طبعه من ذلك، والنهي للتنزيه عند الجمهور خلافًا لأهل الظاهر، ولبعض الحنابلة، ولبعض الشافعية، كما مر.

والحديث يقتضي النهي عن مس الذكر باليمين حالة البول فقط، فكيف الحكم في غير هذه الحالة؟

وأجيب: بأنَّه روى أبو داود بسند صحيح من حديث عائشة قالت: (كانت يد رسول الله عليه السلام اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذًى) ، وأخرجه بقيَّة الجماعة أيضًا، وروي أيضًا من حديث حفصة زوج النَّبيِّ الأعظم عليه السلام قالت: (كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك) ، فظاهر هذا: يدلُّ على عموم الحكم على أنَّه قد روي النَّهي عن مسِّه باليمين مطلقًا غير مقيَّد بحالة البول، فمن النَّاس من أخذ بهذا المطلق، ويدلُّ له حديث الباب الآتي بعده فيشمل الُقُبل والدبر، ومنهم من حمله على الخاص بعد أن نظر في الروايتين، هل هما حديثان أو حديث واحد؟ فإن كانا حديثًا واحدًا مخرجه واحد اختلفت فيه الرواة؛ فينبغي حمل المطلق على المقيَّد؛ لأنَّها تكون زيادة من عدلٍ في حديث واحد، فيقبل، وإن كانا حديثين؛ فالأمر في حكم الإطلاق والتقييد على ما ذكر؛ فافهم.

((ولا يتمسح)) ؛ أي: لا يستنجي من التفعُّل، أشار به إلى أنَّه لا يتكلَّف المسح ((بيمينه)) ؛ لأنَّ باب التفعل للتكليف غالبًا والنهي فيه للتنزيه عند الجمهور، كما ذكرنا، واستشكل أنه متى استجمر بيساره؛استلزم مس ذكره بيمينه، ومتى أمسه بيساره؛ استلزم استجماره بيمينه، وكلاهما قد شمله النهي، وأجاب في «البحر الرائق»: بأنَّ الصواب أن يأخذ الذكر بشماله فيمرُّه على جدار أو موضع نائٍ من الأرض، وإن تعذر يقعد ويمسك الحجر بين عقبيه فيمرُّ العضو عليه بشماله، فإن تعذَّر يأخذ الحجر بيمينه ولا يحركه ويمر العضو عليه بشماله.

قال الإمام نجم الدين: وفيما أشار إليه من إمساك الحجر بعقبه حرج وتكلف، بل يستنجي بجدار إن أمكن، وإلا؛ فيأخذ الحجر بيمينه ويستنجي بيساره، انتهى.

وفي «المجتبى» عن «النظم»: أنه يستنجي بثلاثة أمدار، فإن لم يجد؛ فبالأحجار، فإن لم يجد؛ فبثلاثة أكف من تراب لا بما سواها من الخرقة والقطن ونحوهما؛ لأنَّه ورد في الحديث أنه يورث الفقر، انتهى، واعترضه في «الحلية» بأنه مخالف لعامَّة كتب المذهب من أنَّ المكروه المتقوم لا مطلقًا، انتهى، وما أجاب به ابن حجر عن الإشكال؛ فليس بجيد؛ فافهم.

قال في «غاية البيان»: فإن استنجى باليمين؛ يجزئه ويكره.

قال في «البحر»: والتحقيق أنَّ الاستنجاء لا يكون إلا سنة فينبغي أنَّه إذا استنجى بالمنهي عنه ألَّا يكون مقيمًا للسُّنة أصلًا، فقولهم بالإجزاء مع الكراهة تسامح؛ لأنَّ مثل هذه العبارة تستعمل في الواجب وليس به هنا، انتهى.

واعترضه في «النهر» بأنَّ المسنون هو الإزالة، ونحو الحجر لم يقصد لذاته، بل لأنَّه مزيل، غاية الأمر أنَّ الإزالة بهذا الخاص منهي عنها، وذا لا ينفي كونه مزيلًا، ونظيره لو صلَّى السُّنة في أرض مغصوبة؛ كان آتيًا بها مع ارتكاب المنهي عنه، انتهى.

وأصل الجواب مصرح به في «الكافي» حيث قال: لأنَّ النهي في غيره فلا ينفي مشروعيته، كما لو توضأ بماء مغصوب، أو استنجى بحجر مغصوب.

قال شيخ شيخنا: والظاهر: أنه أراد بالمشروعية الصحة، لكن يقال عليه: إنَّ المقصود من السنة الثواب، وهو منافٍ للنهي، بخلاف الفرض، فإنَّه مع النهي يحصل به سقوط المطالبة، كمن توضأ بماء مغصوب؛ فإنَّه يسقط به الفرض وإن أثم، بخلاف ما إذا جدَّد به الوضوء؛ فالظاهر: أنَّه وإن صحَّ لم يكن له ثواب، انتهى.

قلت: وفيه نظر لما قدمنا أنَّ الاستنجاء المسنون: هو إزالة القذر والتنقية، وهو بالمنهي عنه قد أدَّى السنة فيثاب عليه بلا ريب، لكن عليه كراهة من جهة أنَّه قد فعل المنهي عنه، كما إذا توضأ بماء مغصوب؛ فإنَّه يكون آتيًا بالفرض مثابًا عليه من جهة أنَّه قد فعل المأمور به وهو الوضوء، وإن كان عليه كراهة من حيث إنَّه قد فعل المنهي عنه، فالنهي إنَّما هو في معنًى في غيره لا في ذاته، ولا فرق بين الفرض والسُّنة، لا يقال: إن المقصود من السنة: الثواب؛ وهو مناف للنهي؛ لأنَّا نقول: الجهة فيه منفكَّة، فإن فعل السنة؛ يثاب عليها في ذاتها مع قطع النظر عن كونه آتيًا بشيء منهي عنه، وعليه كراهة من حيث إنه أتى بشيء منهي عنه فكيف يقال: إنه لم يكن له ثواب، بل هو مثاب على فعل المأمور به وإن كان ملامًا على فعل المنهي عنه، وكذا تجديد الوضوء يثاب عليه من جهة أنَّه قد فعل قربة، ملامٌ من حيث إنه قد فعل المنهي عنه؛ وهو تجديد الوضوء بماء مغصوب وفضاء واسع، كذا في «منهل الطلاب».

ويستثنى من النهي بالاستنجاء باليمين ما لو كان في يده اليسرى عذر يمنع الاستنجاء بها، جاز أن يستنجي بيمينه من غير كراهة، كما في «البحر»، و«الجوهرة»، و«شرح الهاملية»، وكذا لو كانت يده اليسرى مشلولة ولم يجد ماءً جاريًا ولا صابًّا؛ ترك الماء، كما في «الدر المختار»، فإن وجد ماءًا جاريًا؛ دخل فيه وغسل باليمين، أو أخذ منه باليمين وغسل، ثم غسلها في الجاري، أو أخذ ماءًا آخر غسل به إلى أن يطهر، ومثل الجاري الراكد الكثير، كذا في «الحلية»، وقال في «الإمداد»: فإن وجد صابًّا كخادمٍ وزوجةٍ؛ لا يتركه، انتهى، قلت: وهو خلاف ما يقتضيه الاستثناء؛ فإنَّه يفيد عدم الكراهة باليمين حال العذر، وهو كذلك، فإن حصل عذر باليمين؛ سقط عنه الاستنجاء، كما صرح به في «حواشي الحموي» عن «المحيط»، والمعتمد أن القادر بقدرة غيره لا يعد قادرًا عند الإمام الأعظم، وعليه الفتوى، خلافًا لصاحبيه.

ولو كانت يداه مشلولتين؛ سقط أصلًا، كما في «الدر»؛ أي: سقط عنه الاستنجاء بالماء والحجر جميعًا؛ كمريض، لما في «الفتاوى التاترخانية»: الرجل المريض إذا لم تكن له امرأة ولا أمة وله ابن أو أخ وهو لا يقدر على الوضوء؛ قال: يوضِّئه ابنه أو أخوه غير الاستنجاء، فإنه لا يمس فرجه، ويسقط عنه، والمرأة المريضة إذا لم يكن لها زوج وهي لا تقدر على الوضوء ولها بنت أو أخت؛ توضِّئها ويسقط عنها الاستنجاء، انتهى، ولا يخفى أن هذا التفصيل يجري فيمن شلت يداه؛ لأنَّه في حكم المريض، كما في «منهل الطلاب».