متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

150- وبالسَّند أوَّل الكتاب إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) الطَّيالسيُّ، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنْ أَبِي مُعَاذٍ) بضمِّ الميم، وبالذَّال المُعجَمَة (وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ)، البصريُّ التَّابعيُّ القدريُّ، المُتوفَّى بعد الثَّلاثين والمئة، وفي روايةٍ: الاقتصار على «أبي معاذٍ» دون تاليه، (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) حال كونه (يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَرَجَ) من بيته، أو من بين النَّاس (لِحَاجَتِهِ)؛ أي: البول أو الغائط، ولفظة «كان» تُشعِر بالتَّكرار والاستمرار، (أَجِيءُ أَنَا وَغُلَامٌ)، زاد في الرِّواية الآتية [خ¦151] : منَّا؛ أي: مِنَ الأنصار، كما صرَّح به الإسماعيليُّ في روايته، وكلمة «إذا» ظرفٌ، ويحتمل أن يكون فيها معنى الشَّرط؛ وهو [1] «أجيء»، والجملة في محلِّ نصبٍ على أنَّها خبر «كان»، والعائد محذوفٌ؛ أي: أجيئه، و«أنا»: ضميرٌ مرفوعٌ أبرزه ليصحَّ عطف «غلامٌ» على ما قبله؛ لِئلَّا يلزم عطف اسمٍ على فعلٍ، و«الغلام»: الذي طرَّ شاربه، وقِيلَ: هو من حين يُولَد إلى أن يَشِبَّ، وفي «أساس البلاغة»: «الغلام»: هو الصَّغير إلى حدِّ الالتحاء، فإن قِيلَ له بعد الالتحاء: غلامٌ؛ فهو مجازٌ، ولم يُسمَّ الغلام، وقِيلَ: هو ابن مسعودٍ، ويكون سمَّاه غلامًا مجازًا، وحينئذٍ فقول أنسٍ: «غلامٌ منَّا»؛ أي: مِنَ الصَّحابة أو من خدمه عليه الصلاة والسلام، وأمَّا رواية الإسماعيليِّ التي فيها: «من الأنصار»، فلعلَّها من تصرُّف الرَّاوي؛ حيث رأى في الرِّواية «منَّا»، فحملها على القبيلة، فرواها بالمعنى فقال: «من الأنصار»، أو: من إطلاق الأنصار على جميع الصَّحابة رضي الله عنهم وإن كان العرف خصَّه بالأوس والخزرج، وقِيلَ: أبو هريرة، وقد وُجِدَ [2] لذلك شاهدٌ، وسمَّاه [3] أنصاريًّا مجازًا، لكن يبعده أنَّ إسلام أبي هريرة بعد بلوغ أنسٍ، وأبو هريرة كبيرٌ، فكيف يقول أنسٌ _كما في «مسلمٍ»_: «وغلام نحوي»؛ أي: [/ج1ص238/]

مقاربٌ لي في السِّنِّ؟ ووقع في رواية الإسماعيليِّ من طريق عاصم بن عليٍّ: ((فأتبعه [4] وأنا غلامٌ))؛ بتقديم الواو، فتكون حاليَّةً، لكن تعقَّبه الإسماعيليُّ: بأنَّ الصَّحيح: «أنا وغلامٌ»؛ بواو العطف، (مَعَنَا)؛ بفتح العين، وقد تُسكَّن، (إِدَاوَةٌ) بكسر الهمزة: إناءٌ صغيرٌ من جلدٍ كالسَّطيحة مملوءةٌ (مِنْ مَاءٍ)، قال هشامٌ: (يَعْنِي) أنسٌ: (يَسْتَنْجِي [5] بِهِ) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تعقَّب الأَصيليُّ البخاريَّ رحمه الله في استدلاله بحديث الباب على الاستنجاء بالماء، قال: لأنَّ قوله هنا: «يستنجي به» ليس هو من قول أنسٍ، إنَّما هو من قول أبي الوليد هشامٍ الرَّاوي، وقد رواه سليمان بن حربٍ عن شعبةَ فلم يذكرها [6] ، فيحتمل أن يكون الماء لوضوئه، انتهى. وزعم بعضهم أنَّ قوله: «يستنجي به» مُدرَجٌ [7] من قول عطاءٍ الرَّاوي عن أنسٍ، فيكون مُرسَلًا، وحينئذٍ فلا حجَّة فيه، وهذا يردُّه ما عند الإسماعيليِّ من طريق عمرو بن مرزوقٍ عن شعبةَ: فانطلقت أنا وغلامٌ من الأنصار معنا إداوةٌ فيها ماءٌ يستنجي [8] منها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولـ: «مسلمٍ» [9] من طريق خالدٍ الحذَّاء عن عطاءٍ عن أنسٍ: «فخرج علينا وقد استنجى بالماء»، وللمؤلِّف من طريق روح بن القاسم عن عطاء بن أبي ميمونة: «إذا تبرَّز لحاجته أتيته بماءٍ فيغسل [10] به» [خ¦217] ، وعند ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث إبراهيم بن جريرٍ عن أبيه: أنَّه صلى الله عليه وسلم دخل الغيضة فقضى حاجته، فأتاه جريرٌ بإداوةٍ من ماءٍ فاستنجى بها، وفي «صحيح ابن حِبَّانَ» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من غائطٍ قطُّ إلَّا مسَّ [11] ماءً، وعند التِّرمذيِّ _وقال: حسنٌ صحيحٌ_: أنَّها قالت: «مُرْنَ أزواجكنَّ أن [12] يغسلوا أثر الغائط والبول؛ فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يفعله»، وهذا يردُّ على من كره الاستنجاء بالماء، ومن نفى وقوعه مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، متمسِّكًا بما رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ [13] عن حذيفة بن اليمان: أنَّه سُئِل عنِ الاستنجاء بالماء فقال: «إذًا لا يزال في يده نتنٌ»، وعن نافعٍ، عنِ ابن عمر رضي الله عنهما: «كان لا يستنجي بالماء»، وعنِ الزُّهريِّ قال: ما كنَّا نفعله، وعن سعيد بن المُسَيَّب: أنَّه سُئِلَ عنِ الاستنجاء بالماء فقال: «إنَّه وضوء النِّساء»، ونقل ابن التِّين عن مالكٍ: أنَّه أنكر أن يكون النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم استنجى بالماء، وعن ابن حبيبٍ من المالكيَّة [14] : أنَّه منع مِنَ الاستنجاء بالماء؛ لأنَّه مطعومٌ، وقال بعضهم: لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، والسُّنَّة قاضيةٌ عليهم، استعمل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الأحجار وأبو هريرة معه، ومعه إداوةٌ من ماءٍ، والذي عليه جمهور السَّلف والخلف رضي الله عنهم أجمعين: أنَّ الجمع بين الماء والحجر أفضل، فيقدِّم الحجر؛ لتخفيف [15] النَّجاسة وثقل [16] مُباشرَتها بيده، ثمَّ يستعمل الماء، وسواءٌ فيه الغائط والبول، كما قاله ابن سراقة وسليمٌ الرَّازي، وكلام القفَّال الشَّاشيِّ في «محاسن الشَّريعة» يقتضي تخصيصه بالغائط، فإن أراد الاقتصار على أحدهما؛ فالماء أفضل؛ لكونه يزيل عين النَّجاسة وأثرها، والحجر يزيل العين فقط، والخنثى المُشكِل يتعيَّن فيه الماء على المذهب، ويُشترَط في الحجر الطَّهارة، إلَّافي الجمع بينه وبين الماء فلا [17] كما نقله صاحب «الإعجاز» عن الغزاليِّ، والله تعالى أعلم [18] .

[1] في غير (ص) و(م): «وهي».
[2] في (ص): «وجه».
[3] في (م): «تسميته».
[4] في (د) و(ص): «فاتَّبعته».
[5] في (د): «ليستنجي».
[6] في (م): «يذكره».
[7] في (د): «بالماء مدرجٌ».
[8] في (م): «ليستنجي».
[9] «ولمسلمٍ»: سقط من (م).
[10] في (د) و(م): «فتغسل».
[11] في (ب) و(ص): «من».
[12] «أنْ»: سقط من (د).
[13] في غير (د): «بأسانيد صحيحة».
[14] «من المالكيَّة»: سقط من (د).
[15] في (م): «ليخفف».
[16] في غير (س): «وتقلُّ».
[17] «فلا»: سقط من (د) و(س).
[18] «والله تعالى أعلم»: سقط من (س).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

150-. حدَّثنا أبو الوَلِيدِ هِشامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن أَبِي مُعاذٍ _واسْمُهُ عَطاءُ بنُ أَبِي مَيْمُونَةَ [1] _ قالَ:

سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مَالكٍ يَقُولُ: كان النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا خَرَجَ لِحاجَتِهِ، أَجِيءُ أَنا وَغُلامٌ، مَعَنا إِداوَةٌ مِنْ ماءٍ. يَعْنِي [2] : يَسْتَنْجِي [3] بِهِ.

[1] قوله: «واسمه عطاء بن أبي ميمونة» ليس في رواية [عط] .
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[3] صحَّح عليها في اليونينيَّة.





150- ( يَعْنِي: يَسْتَنْجِي بِهِ ) هذا من قول أبي الوليد شيخ البخاري، كَذَا قَالَهُ الإِسْمَاعِيْلِيُّ، [/ج1ص92/] وَقَدَحَ بِذَلِكَ فِي تَبْوِيْبِ البُخَارِيِّ [1] ، قال: وقد رواه سليمان بن حرب عن شعبة، ولم يذكره؛ يعني رواية البخاري الثانية، فيحتمل أن يكون الماء لطهوره أو لوضوئه.

[1] قال ابن حجر رحمه الله في «حاشيته على التنقيح»: ليس الاعتراض للإسماعيلي وإنَّما هو للأصيلي وكيف ينكر الإسماعيلي هذا، ولفظ روايته: «معنا إداوة فيها ماء يستنجي منها النبي صلى الله عليه وسلم». وبمعناه في «الفتح».





150# (أَناَ وَغُلاَمٌ) قال ابن المنيِّر: فيه حُجة حسنة [1] لمشايخ الصُّوفية في انتداب الشباب إلى خدمة السقايات، وإعانة الفقراء على الطَّهارات، وفيه دليل على أنَّ تلك عادة لهم [2] .

(مَعَنَا إِداوَةٌ) بكسر الهمزة: آنية للماء كالمِطْهرة.

(يَعْنِي: يَسْتَنْجي بِهِ) هذا من قول أبي الوليد شيخ البخاري، كذا قاله الإسماعيلي، وقدح بذلك في تبويب البخاري، يريد: أن الماء يحتمل أن يكون للاستنجاء، أو للوضوء [3] ، فلا دليل فيه على الترجمة.

قلتُ: وليس بقادح؛ إذ لو لم تكن العناية [4] مذكورةً؛ لكان [5] في الحديث إشارة ترشدُ إلى أن المقصود بالإداوة: الاستنجاء؛ إذ لو كان المقصود [6] الوضوء، لما احتاجا إلى أن يجيئاه بها، بل كان هو يجيؤهما [7] إلى مكانهما؛ فإنه لا معنى للإبعاد في نفسِ الوضوء، كذا قال ابن المنيِّر، فتأمله.

[1] ((حسنة)): ليست في (ق).
[2] في (م) و(ج): ((لهما)).
[3] في (ق): ((وللوضوء)).
[4] في (ق): ((العبارة)).
[5] في (د) و(ج): ((إذ كان)).
[6] ((بالإداوة الاستنجاء؛ إذ لو كان المقصود)): ليست في (د) و(ج).
[7] في (ق): ((يجيئها)).





150- قوله: (وَغُلَامٌ مَعَنَا): هذا الغلام لا أعرف أحدًا سمَّاه؛ فليُتبَع، [وقال بعض حفَّاظ العصر: (إنَّ في «البخاريذِ» ما يدلُّ على أنَّه أَبُو هريرة) انتهى، وفيه نظر؛ لما في «البخاريِّ» من حديث أنس: (كنت أحمل وغلام منَّا [1] ) ، فهذا ينافي ما ذكره هذا الحافظ؛ لأنَّ أنسًا أنصاريٌّ، والله أعلم] [2] .

قوله: (إِدَاوَةٌ): هي -بكسر الهمزة- إناء صغير من جلد يتَّخذ للماء؛ كالسَّطيحة ونحوها، والجمع الأداوى.

قوله: (يَعْنِي: يَسْتَنْجِي بِهِ): قال الإسماعيليُّ فيما رأيته عنه: (هو من قول أبي [3] الوليد شيخ البخاريِّ) .

[1] في (ب) و (ج): (معنا) .
[2] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[3] (أبو): ليس في (ج) ، وفي (أ): (أبو) .





150- (وَغُلَامٌ): مرفوعٌ، ويَحتملُ النَّصبَ بأنَّه مفعولٌ معه.

(إِدَاوَةٌ): مبتدأٌ، و (مَعَنَا) خبرُه مقدَّمٌ عليه، وهو جملةٌ اسميَّةٌ وقعتْ حالًا بدون الواو؛ نحو قوله تعالى: {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] .

(يَسْتَنْجِي بِهِ): استئنافٌ؛ كأنَّ سائلًا قال: ما كان يَصنعُ به [1] ؟ فقال: يَستنجي به.

[1] أي: بالماء، وانظر «اللامع الصبيح» (2/176).





150- وبالسَّند أوَّل الكتاب إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) الطَّيالسيُّ، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنْ أَبِي مُعَاذٍ) بضمِّ الميم، وبالذَّال المُعجَمَة (وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ)، البصريُّ التَّابعيُّ القدريُّ، المُتوفَّى بعد الثَّلاثين والمئة، وفي روايةٍ: الاقتصار على «أبي معاذٍ» دون تاليه، (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) حال كونه (يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَرَجَ) من بيته، أو من بين النَّاس (لِحَاجَتِهِ)؛ أي: البول أو الغائط، ولفظة «كان» تُشعِر بالتَّكرار والاستمرار، (أَجِيءُ أَنَا وَغُلَامٌ)، زاد في الرِّواية الآتية [خ¦151] : منَّا؛ أي: مِنَ الأنصار، كما صرَّح به الإسماعيليُّ في روايته، وكلمة «إذا» ظرفٌ، ويحتمل أن يكون فيها معنى الشَّرط؛ وهو [1] «أجيء»، والجملة في محلِّ نصبٍ على أنَّها خبر «كان»، والعائد محذوفٌ؛ أي: أجيئه، و«أنا»: ضميرٌ مرفوعٌ أبرزه ليصحَّ عطف «غلامٌ» على ما قبله؛ لِئلَّا يلزم عطف اسمٍ على فعلٍ، و«الغلام»: الذي طرَّ شاربه، وقِيلَ: هو من حين يُولَد إلى أن يَشِبَّ، وفي «أساس البلاغة»: «الغلام»: هو الصَّغير إلى حدِّ الالتحاء، فإن قِيلَ له بعد الالتحاء: غلامٌ؛ فهو مجازٌ، ولم يُسمَّ الغلام، وقِيلَ: هو ابن مسعودٍ، ويكون سمَّاه غلامًا مجازًا، وحينئذٍ فقول أنسٍ: «غلامٌ منَّا»؛ أي: مِنَ الصَّحابة أو من خدمه عليه الصلاة والسلام، وأمَّا رواية الإسماعيليِّ التي فيها: «من الأنصار»، فلعلَّها من تصرُّف الرَّاوي؛ حيث رأى في الرِّواية «منَّا»، فحملها على القبيلة، فرواها بالمعنى فقال: «من الأنصار»، أو: من إطلاق الأنصار على جميع الصَّحابة رضي الله عنهم وإن كان العرف خصَّه بالأوس والخزرج، وقِيلَ: أبو هريرة، وقد وُجِدَ [2] لذلك شاهدٌ، وسمَّاه [3] أنصاريًّا مجازًا، لكن يبعده أنَّ إسلام أبي هريرة بعد بلوغ أنسٍ، وأبو هريرة كبيرٌ، فكيف يقول أنسٌ _كما في «مسلمٍ»_: «وغلام نحوي»؛ أي: [/ج1ص238/]

مقاربٌ لي في السِّنِّ؟ ووقع في رواية الإسماعيليِّ من طريق عاصم بن عليٍّ: ((فأتبعه [4] وأنا غلامٌ))؛ بتقديم الواو، فتكون حاليَّةً، لكن تعقَّبه الإسماعيليُّ: بأنَّ الصَّحيح: «أنا وغلامٌ»؛ بواو العطف، (مَعَنَا)؛ بفتح العين، وقد تُسكَّن، (إِدَاوَةٌ) بكسر الهمزة: إناءٌ صغيرٌ من جلدٍ كالسَّطيحة مملوءةٌ (مِنْ مَاءٍ)، قال هشامٌ: (يَعْنِي) أنسٌ: (يَسْتَنْجِي [5] بِهِ) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تعقَّب الأَصيليُّ البخاريَّ رحمه الله في استدلاله بحديث الباب على الاستنجاء بالماء، قال: لأنَّ قوله هنا: «يستنجي به» ليس هو من قول أنسٍ، إنَّما هو من قول أبي الوليد هشامٍ الرَّاوي، وقد رواه سليمان بن حربٍ عن شعبةَ فلم يذكرها [6] ، فيحتمل أن يكون الماء لوضوئه، انتهى. وزعم بعضهم أنَّ قوله: «يستنجي به» مُدرَجٌ [7] من قول عطاءٍ الرَّاوي عن أنسٍ، فيكون مُرسَلًا، وحينئذٍ فلا حجَّة فيه، وهذا يردُّه ما عند الإسماعيليِّ من طريق عمرو بن مرزوقٍ عن شعبةَ: فانطلقت أنا وغلامٌ من الأنصار معنا إداوةٌ فيها ماءٌ يستنجي [8] منها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولـ: «مسلمٍ» [9] من طريق خالدٍ الحذَّاء عن عطاءٍ عن أنسٍ: «فخرج علينا وقد استنجى بالماء»، وللمؤلِّف من طريق روح بن القاسم عن عطاء بن أبي ميمونة: «إذا تبرَّز لحاجته أتيته بماءٍ فيغسل [10] به» [خ¦217] ، وعند ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث إبراهيم بن جريرٍ عن أبيه: أنَّه صلى الله عليه وسلم دخل الغيضة فقضى حاجته، فأتاه جريرٌ بإداوةٍ من ماءٍ فاستنجى بها، وفي «صحيح ابن حِبَّانَ» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من غائطٍ قطُّ إلَّا مسَّ [11] ماءً، وعند التِّرمذيِّ _وقال: حسنٌ صحيحٌ_: أنَّها قالت: «مُرْنَ أزواجكنَّ أن [12] يغسلوا أثر الغائط والبول؛ فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يفعله»، وهذا يردُّ على من كره الاستنجاء بالماء، ومن نفى وقوعه مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، متمسِّكًا بما رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ [13] عن حذيفة بن اليمان: أنَّه سُئِل عنِ الاستنجاء بالماء فقال: «إذًا لا يزال في يده نتنٌ»، وعن نافعٍ، عنِ ابن عمر رضي الله عنهما: «كان لا يستنجي بالماء»، وعنِ الزُّهريِّ قال: ما كنَّا نفعله، وعن سعيد بن المُسَيَّب: أنَّه سُئِلَ عنِ الاستنجاء بالماء فقال: «إنَّه وضوء النِّساء»، ونقل ابن التِّين عن مالكٍ: أنَّه أنكر أن يكون النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم استنجى بالماء، وعن ابن حبيبٍ من المالكيَّة [14] : أنَّه منع مِنَ الاستنجاء بالماء؛ لأنَّه مطعومٌ، وقال بعضهم: لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، والسُّنَّة قاضيةٌ عليهم، استعمل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الأحجار وأبو هريرة معه، ومعه إداوةٌ من ماءٍ، والذي عليه جمهور السَّلف والخلف رضي الله عنهم أجمعين: أنَّ الجمع بين الماء والحجر أفضل، فيقدِّم الحجر؛ لتخفيف [15] النَّجاسة وثقل [16] مُباشرَتها بيده، ثمَّ يستعمل الماء، وسواءٌ فيه الغائط والبول، كما قاله ابن سراقة وسليمٌ الرَّازي، وكلام القفَّال الشَّاشيِّ في «محاسن الشَّريعة» يقتضي تخصيصه بالغائط، فإن أراد الاقتصار على أحدهما؛ فالماء أفضل؛ لكونه يزيل عين النَّجاسة وأثرها، والحجر يزيل العين فقط، والخنثى المُشكِل يتعيَّن فيه الماء على المذهب، ويُشترَط في الحجر الطَّهارة، إلَّافي الجمع بينه وبين الماء فلا [17] كما نقله صاحب «الإعجاز» عن الغزاليِّ، والله تعالى أعلم [18] .

[1] في غير (ص) و(م): «وهي».
[2] في (ص): «وجه».
[3] في (م): «تسميته».
[4] في (د) و(ص): «فاتَّبعته».
[5] في (د): «ليستنجي».
[6] في (م): «يذكره».
[7] في (د): «بالماء مدرجٌ».
[8] في (م): «ليستنجي».
[9] «ولمسلمٍ»: سقط من (م).
[10] في (د) و(م): «فتغسل».
[11] في (ب) و(ص): «من».
[12] «أنْ»: سقط من (د).
[13] في غير (د): «بأسانيد صحيحة».
[14] «من المالكيَّة»: سقط من (د).
[15] في (م): «ليخفف».
[16] في غير (س): «وتقلُّ».
[17] «فلا»: سقط من (د) و(س).
[18] «والله تعالى أعلم»: سقط من (س).





150- ( إِدَاوَةٌ ): بكسر الهمزة: إناء صغير من جلد. [/ج1ص305/]

( يَعْنِي يَسْتَنْجِي بِهِ )، قائل ( يعني ) هو: هشام شيخ البخاريِّ، وفي رواية عن أنس التَّصريح بالاستنجاء به من قوله، أخرجها مسلم والإسماعيليُّ.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

150# قوله: (الغُلَام): هو الذي طرَّ شاربه، وقيل: هو من حين يولد [1] إلى أن يشبَّ.

و(الإِدَاوَة): إناء صغير من جلد كالسَّطحيَّة، وهذا الغلام من الأنصار.

[1] (وقيل من حين يولد): تكرر في (ب).





150- وبه قال: ((حدثنا أبو الوليد هِشام)) بكسر الهاء ((بن عبد الملك)) الطيالسي البصري، ((قال: حدثنا شعبة)) : هو ابن الحجاج، ((عن أبي مُعاذ)) ؛ بضم الميم وبالذال المعجمة، ((واسمه عطاء بن أبي ميمونة)) البصري التابعي مولى أنس بن مالك أو عمران بن حصين، المتوفى بعد الطاعون في البصرة، سنة إحدى وثلاثين ومئة، وفي نسخة: الاقتصار على قوله: (عن أبي معاذ) ، قيل: إنه يرى القدر، ((قال: سمعت أنس بن مالك)) رضي الله عنه حال كونه ((يقول)) فالجملة حال محلها النصب: ((كان)) أتى بها؛ لأنَّها تشعر في مثل هذا بالتكرار والاستمرار لمدخولها ((النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ، وفي رواية: (رسول الله) ، وعلى الروايتين فهو مرفوع بـ (كان) على أنَّه اسمها ((إذا خرج)) ؛ أي: من بيته أو من بيت غيره ((لحاجته)) اللام: للتعليل؛ أي: لأجل قضائها، وهي البول أو الغائط، وجملة قوله: ((أجيء أنا وغلام)) خبر (كان) حذف منه العائد؛ تقديره: أجيئه أنا وغلام معي، ويدل عليه الرواية الآتية: (تبعته أنا وغلام منَّا) ؛ أي: من الأنصار، وكلمة (إذا) للظرف المحض، ويحتمل أن يكون فيها معنى الشرط، وجوابه: قوله: (أجيء) والجملة تكون في محل نصب على أنَّها خبر (كان) ، وكلمة (أنا) مرفوع (أبرز) [1] ؛ ليصح عطف (غلام) على ما قبله؛ لئلَّا يلزم عطف اسم على فعل،[/ص110/] ويجوز: وغلامًا؛ بالنصب على أن تكون الواو بمعنى: (مع) لكن إن ساعدته الرواية.

وفي رواية مسلم: (وغلام نحوي) ؛ أي: مثلي؛ أي: يقاربني في السن، وصرح بكونه من الأنصار الإسماعيلي في روايته، ووقع في رواية: (فأتبعه وأنا غلام) بتقديم الواو، فالجملة حالية، لكن قال الإسماعيلي: إنَّ الصحيح (أنا وغلام) كالمشهور، والغلام: هو الذي طرَّ شاربه، وقيل: هو من حين يولد إلى أن يشبَّ.

وحكى الزمخشري في «أساس البلاغة»: أن الغلام: هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإنْ أجري عليه بعدما صار ملتحيًا اسم الغلام؛ فهو مجاز، وقيل: هو غلام من لدن فطامه إلى سبع سنين، والجمع: أغلمة، وغلمة، وغلمان، والأنثى: غلامة، وتصغير الغلمة: أغيلمة على غير مكبرة، لكن قال ابن التياني: لا يقال للأنثى: غلامة إلا في كلام قد ذهب في ألسنة الناس، وتمامه في «عمدة القاري».

ولم يسمِّ الغلام، وقيل: هو ابن مسعود، ويدل عليه ما يأتي في الباب بعده، فيكون سمَّاه غلامًا مجازًا لما مرَّ عن الزمخشري.

وقال النبي الأعظم عليه السلام لابن مسعود بمكة وهو يرعى الغنم: «إنك لغلام معلَّم»، وعلى هذا فقول أنس: (وغلام منَّا) ؛ أي: من الصحابة، أو من خدم النبي الأعظم عليه السلام، لكن يبعده ما في رواية مسلم من أن أنسًا وصفه فيها بالصغر.

وأمَّا رواية الإسماعيلي: (من الأنصار) ؛ فلعلَّها من تصرِّف الراوي؛ حيث رأى في الرواية (منَّا) ، فحملها على القبيلة فرواها بالمعنى، أو لأنَّ إطلاق (أنصار) على جميع الصحابة سائغ، وإن كان خصَّه العرف بالأوس والخزرج.

وقيل: هو أبو هريرة، وسماه أنصاريًّا مجازًا، ويدل له: ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: (كان عليه السلام إذا أتى الخلاء؛ أتيته بماء في ركوة، فاستنجى) ، ويؤيده ما رواه المؤلف في (ذكر الجن) من حديث أبي هريرة: (أنَّه كان يحمل مع النبيِّ الإداوة لوضوئه وحاجته) ، ولا ينافيه ما في رواية مسلم من قول أنس: (أصغرنا) ؛ لجواز وصفه بذلك؛ لقرب عهده بالإسلام، لكن يُبعده أن إسلام أبي هريرة بعد بلوغ أنس، وأبو هريرة كبير فكيف يقول أنس: (وغلام نحوي) ؟! كما في رواية مسلم السابقة.

وقيل: هو جابر بن عبد الله، فعند مسلم في حديث جابر الطويل: أنه عليه السلام انطلق لحاجته فأتبعه جابر بإداوة لا سيما وهو أنصاري؛ فتأمل.

وجملة قوله: ((معنا إداوة)) من الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر، حال من فاعل (أجيء) وما عطف عليه بدون الواو؛ كما في قوله تعالى: {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] ، ولفظة (مع) اسم معناه: الصحبة؛ أي: في صحبتنا إداوة، وهي متحركة وساكنة، غير أن المتحركة العين تكون اسمًا وحرفًا، والساكنة العين تكون حرفًا لا غير، وهنا يجوز تسكين العين، وكذا في (معكم) وعند اجتماعه بالألف واللام: تفتح العين وتكسر فيقال: معَِ القوم، فتحًا وكسرًا، وقد تسكن وتنون فيقال: جاؤوا معًا، والصحيح: أنها اسم مطلقًا، والإداوة؛ بكسر الهمزة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء، وقيل: هي المطهرة، والجمع: الإداوى، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ، ((من)) بيانية ((ماء)) بالمد، والجملة محلها الرفع صفة (إداوة) ؛ ((يعني)) ؛ أي: يقصد أنس بقوله هذا ((ليستنجي)) : اللام: للتعليل للمجيء، وفي رواية: إسقاطها، فالجملة صفة (ماء) أو مستأنفة استئنافًا بيانيًّا ((به)) ؛ أي: بالماء الموضوع بالإداوة، وفاعل (يستنجي) النبي الأعظم عليه السلام، فهذا من كلام أنس رضي الله عنه، والرواية الثالثة للمؤلف الآتية عن قريب تدل على هذا، وبهذا يُرَدُّ على عبد الملك البوني في قوله: (هذا مدرج من قول عطاء الراوي عن أنس، فيكون مرسلًا فلا حجة فيه) ، حكاه عنه ابن التين، وإليه ذهب الكرماني، وكذا يُرَدُّ على بعضهم في قوله: قائل هذا (يعني) هو هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ المؤلف، قاله في «عمدة القاري»، وتبعه العجلوني في «شرحه» وغيره، وأراد بقوله: (بعضهم) : هو ابن حجر العسقلاني، فإنه زعم في «شرحه» أنَّه هشام، وفيه نظر لا يخفى؛ إذ لا دليل يدلُّ على ما قاله، ومن هنا وقع إشكال؛ وهو أنَّه ليس في الحديث مطابقة للترجمة؛ لأنَّ قوله: (فيستنجي به) : ليس من قول أنس، بل من قول الوليد، وقد رواه ابن حرب عن شعبة، ولم يذكر (فيستنجي به) ، فيحتمل أن يكون الماء لطهوره أو لوضوئه.

وقال ابن المسيب وابن قانع: الاستنجاء بالماء وضوء النساء؛ لأنَّ الاستنجاء بالأحجار في حقهنَّ متعذر، وأمَّا الرجال فيجمعون بينه وبين الأحجار، وأنكر مالك أن يكون النبي الأعظم عليه السلام استنجى بالماء.

وعن ابن حبيب من المالكية: أنه منع الاستنجاء بالماء؛ لأنَّه مطعوم.

وقيل [2] : لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، وهو قول الشيعة والزيدية، وهذا كله مردود، فقد احتج الإمام الحافظ الطحاوي على الاستنجاء بالماء بقوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] ، وقال الشعبي: لما نزلت هذه الآية؛ قال النبي عليه السلام: «يا أهل قباء؛ ما هذا الثناء الذي أثنى الله عليكم؟ قالوا: ما منَّا أحدٌ إلا وهو يستنجي بالماء».

وذكر المؤلف فيما يأتي عن شعبة بلفظ: (يستنجي بالماء) ، ثم ذكر من تابعه على لفظة: (فيستنجي) ، وفي رواية الإسماعيلي عن شعبة: (فأنطلق أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ماء، فيستنجي منها النبي عليه السلام) ، وفي رواية المؤلف عن عطاء بن أبي ميمونة: (إذا تبرَّز لحاجته؛ آتيه بماء فيغسل به) ، وفي رواية مسلم عن أنس: (فخرج علينا وقد استنجى بالماء) وكذا عند أبي عوانة في «صحيحه»: (فيخرج علينا وقد استنجى بالماء) ، فتبيَّن بهذه الروايات أنَّ حكاية الاستنجاء بالماء من قول أنس راوي الحديث، وقد غفل ابن حجر هنا، وبيَّنها في «عمدة القاري»، وما أجابوا به عنه فليس بشيء؛ بل هو خبط وخلط؛ فليحفظ.

ومما يرد على ما قالوه: ما رواه المؤلف من حديث ابن عباس: (أنه عليه السلام دخل الخلاء، فوضعتُ له وضوءًا..) ؛ الحديث كما مر، وما رواه مسلم في «صحيحه» لمَّا عد الفطرة عشرة؛ عد منها: (انتقاص الماء) ، وفسر بالاستنجاء، وما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث ابن جرير عن أبيه: (أنه عليه السلام دخل الغيضة، فقضى حاجته، فأتاه جرير بإداوة من ماء، فاستنجى بها، ومسح يده بالتراب) ، وما رواه ابن حبان في «صحيحه» عن عائشة قالت: (ما رأيت رسول الله عليه السلام خرج من غائط قطُّ إلا مسَّ ماء) ، وما رواه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة عن معاذ عن عائشة أنَّها قالت: (مُرْن أزواجكنَّ أن يغسلوا أثر الغائط والبول فإنَّ النبيَّ عليه السلام كان يفعله) وقال: حسنٌ صحيحٌ، فهذه الأحاديث قاضية بالردِّ على مالك وغيره في إنكارهم أنَّه عليه السلام استنجى بالماء.

وقال أحمد ابن حنبل: (لم يصح في الاستنجاء بالماء حديث) ، قال: فحديث عائشة؟ قال: (لا يصح؛ لأنَّ غير قتادة لا يرفعه) ؛ وهو مردود؛ لأنَّ قتادة بإجماع الحفاظ إذا انفرد برفع حديث؛ يقبل منه؛ لأنَّه إمام حافظ لا سيما وقد اعتضد بغيره من الأحاديث كما علمتَها، ويدل له: ما رواه ابن حبان أيضًا في «صحيحه» من حديث أبي هريرة: (أنَّه عليه السلام قضى حاجته ثم استنجى من تور) ، وما رواه ابن ماجه عن عائشة: (أنَّه عليه السلام كان يغسل مقعدته ثلاثًا) ، وفي لفظ: «استنجوا بالماء البارد، فإنَّه مصحَّة للبواسير»، وما رواه ابن حبيب عن أبي عيَّاش أنَّه عليه السلام قال: «استنجوا بالماء فإنَّه أطهر وأطيب»، والأحاديث في ذلك كثيرة، وهي قاضية على من أنكر ذلك، فثبت بذلك مذهب الجمهور من السلف والخلف، وقد أجمعت عليه أئمة الفتوى من أهل الأمصار، وقالوا: إنَّ الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر؛ فيقدِّم الحجر أوَّلًا ثم يستعمل الماء، فتخفُّ النجاسة وتقلُّ مباشرتها بيده، ويكون أبلغ في النظافة، فإن أراد الاقتصار على أحدهما؛ فالماء أفضل؛ لكونه يزيل عين النجاسة وأثرها، والحجر يزيل العين دون الأثر، لكنَّه معفو عنه في حقِّ نفسه، وتصحُّ معه الصلاة كسائر النجاسات المعفو عنها.

هذا ملخص ما ذكره الشيخ الإمام بدر الدين العيني في «شرحه»؛ «عمدة القاري» فقد أطال الكلام في هذا المقام، وبيَّنه، ووضحه غاية الإيضاح،

[/ص111/] ولم يسبقه أحد بمثله من أهل هذا الميدان، وقد اقتصر في «الفتح» ابن حجر ولم يبيِّن المقام، وفي مثل هذا يجب البيان، كما فعل إمامنا إمام أهل هذا الشأن؛ فليحفظ.

[1] كذا في الأصل، ولعل الصواب: (أجيء).
[2] في الأصل: (وقال)، ولعل المثبت هو الصواب.