متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

146- وبالسَّند إلى المؤلِّف رحمه الله قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة، وفتح الكاف (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام أهل مصر، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ، الزُّهريِّ، (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير، (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله عنها: (أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ)؛ أي: في اللَّيل (إِذَا تَبَرَّزْنَ)؛ أي: إذا خرجن إلى البَرَاز [1] للبول والغائط (إِلَى الْمَنَاصِعِ)؛ بفتح الميم والنُّون، وكسر الصَّاد، آخره عينٌ مُهمَلَةٌ [2] : مواضع آخر المدينة من ناحية [3] البقيع، (وَهُوَ)؛ أي: المناصع: (صَعِيدٌ أَفْيَحُ)؛ بالفاء، والحاء المُهمَلَة؛ أي: [/ج1ص236/]

واسعٌ، (فَكَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (يَقُولُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: احْجُبْ نِسَاءَكَ)؛ أي: امنعهنَّ من الخروج من البيوت، (فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُ) ما قاله عمر رضي الله عنه، (فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمعَةَ)؛ بالزَّاي والميم والعين المُهمَلَة المفتوحات، أو بسكون الميم، قال في «النِّهاية»: وهو أكثر ما سمعنا من [4] أهل الحديث والفقهاء يقولونه، القرشيَّة العامريَّة رضي الله عنها؛ هي (زَوْجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)، المُتوفَّاة آخر خلافة عمر رضي الله عنه، وقِيلَ: في خلافة معاوية [5] بالمدينة سنة أربعٍ وخمسين، (لَيْلَةً)؛ أي: خرجت في ليلةٍ (مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً)؛ بكسر العَيْن، وبالمدِّ [6] ، والنَّصب، بدلٌ من قوله: «ليلةً». (وَكَانَتِ)؛ أي: سودةُ (امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه: (أَلَا)؛ بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام؛ حرف استفتاح يُنبَّه به على تحقيق ما بعده، (قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ)؛ بالبناء على الضَّمِّ؛ لأنَّه منادًى مُفرَدٌ معرفةٌ، (حِرْصًا)؛ بالنَّصب، مفعولٌ له لقوله: «فناداها»، (عَلَى أَنْ يُنْزَلَ)؛ بضمِّ المُثنَّاة، مبنيًّا للمفعول، وسقط لفظ: ((على)) للأَصيليِّ، وفي نسخةٍ في «الفرع»: ((أن يَنزل))؛ بفتحها، مبنيًّا للفاعل، و«أن»: مصدريَّةٌ؛ أي: على نزول (الْحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللهُ) عزَّ وجلَّ [7] (الْحِجَابِ)، ولغير الأَصيليِّ: ((فأنزل الله آية الحجاب))؛ أي: حكم الحجاب، وللمُستملي: ((فأنزل الله [8] آية الحجاب))، وزاد أبو عَوانة في «صحيحه» من طريق التِّرمذيِّ عن ابن شهابٍ: فأنزل الله تعالى آية [9] الحجاب: {يا أيُّها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النَّبيِّ}...الآية [الأحزاب: 53] ، فَفُسِّر المُرَاد من آية الحجاب صريحًا، وهذا [10] أحد المواضع الأحد عشر التي وافق عمر فيها نزول القرآن، الآتية مع تمام البحث في الحديث _إن شاء الله تعالى_ في تفسير سورة «الأحزاب» [خ¦4795] ، بعون الله تعالى وقوَّته.

[1] في (د): «للبراز».
[2] في غير (د) و(ص): «مهملتين».
[3] في (ب) و(س): «جهة».
[4] «مِنْ»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[5] قوله: «وقِيلَ: في خلافة معاوية»، مثبتٌ من (ب) و(س).
[6] في (ب) و(س): «المد».
[7] زيد في (د): «آية»، وليس بصحيح.
[8] قوله: «آية الحجاب»؛ أي: حكم الحجاب، وللمُستملي: «فأنزل الله»، سقط من (د).
[9] «آية»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[10] في (ص) و(م): «وهذه».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

146-. حدَّثنا يَحْيَىَ بنُ بُكَيْرٍ، قالَ: حدَّثنا اللَّيْثُ، قالَ: حدَّثني عُقَيْلٌ، عن ابْنِ شِهابٍ، عن عُرْوَةَ:

عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَزْواجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إذا تَبَرَّزْنَ إلى المَناصِعِ، وهو صَعِيدٌ أَفْيَحُ، فَكانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احْجُبْ نِساءَكَ. فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ [1] ، زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَيْلَةً مِنَ اللَّيالي عِشاءً، وَكانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَناداها عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْناكِ يا سَوْدَةُ. حِرْصًا عَلَىَ [2] أَنْ يُنْزَلَ [3] الحِجابُ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيةَ الحِجابِ [4] .

[1] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«زَمَعَةَ».
[2] لفظة: «علىَ» ليست في رواية الأصيلي.
[3] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«يَنْزِلَ».
[4] في رواية ابن عساكر وأبي ذر والأصيلي: «فَأَنْزَلَ اللهُ الحِجابَ»، وضُرِب في (ن) علىَ لفظة: «آيةَ» بالحمرة.





146- ( عُقَيْلٌ ) بضم العين.

( الْمَنَاصِعِ ) بميم مفتوحة ونون وصاد وعين مهملتين، قال الأزهري: مواضع خارج المدينة.

( أَفْيَحُ )؛ أَيْ: وَاسِع.

( زَمْعَةَ ) بِزَاي مَفْتُوْحَة وَمِيْمٍ سَاكِنَة [1] وَمَفْتُوْحَة.

[1] قال ابن حجر رحمه الله: المشهور فتحها في النسبة.





146# (إِذَا تَبَرَّزْنَ) تَفَعَّلْنَ؛ من البَراز الذي هو كنايةٌ عن قضاء الحاجة [1] .

(الْمَنَاصِعِ) بميم [2] مفتوحة ونون وصاد وعين مهملتين.

(أَفْيَحُ) واسع، بفاء وحاء مهملة بينهما آخر الحروف [3] .

[1] من قوله: ((إذا تبرزن... إلى قوله: ...قضاء الحاجة)): ليست في (ق).
[2] في (ق): ((بجيم)).
[3] ((آخر الحروف)): ليست في (ق).





146- قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ): هو بضمِّ الموحَّدة، مصغَّر، مشهور التَّرجمة، وهو يحيى بن عَبْد الله بن بُكير، نُسِب إلى جدِّه، تقدَّم [1] .

قوله: (حَدَّثَنَا [2] اللَّيْثُ): تقدَّم مرَّات أنَّه ابن سعد، العالم المشهور.

قوله: (حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ): تقدَّم أنَّه بضمِّ العين، وفتح القاف، وأنَّه ابن خالد الأيليُّ، وأنَّه ليس في «صحيح البخاريِّ» كذلك غيره، وتقدَّم ما في «مسلم» من أنَّه روى ليحيى بن عُقيل، وفيه ذكر القبيلة عُقيل؛ كلاهما بضمِّ العين كهذا، وتقدَّم بعض ترجمة ابن خالد فيما مضى.

قوله: (عن ابْنِ شِهَابٍ): تقدَّم أنَّه الزُّهريُّ قريبًا وبعيدًا، وأنَّه محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب.

قولها: (إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أزواجه اللَّاتي توفِّي عنهنَّ مشهورات معروفات تسعٌ، أمَّهاتُ المؤمنين رضي الله عنهنَّ، وسأذكرهنَّ [3] إنْ شاء الله [4] .

قولها: (إلى المنَاصِعِ): واحدها مَنْصَع؛ بفتح الميم، ثمَّ نون ساكنة، ثمَّ صاد مفتوحة، ثمَّ عين مهملتين؛ وهي مواضع التبرُّز للحدث [5] ، [/ج1ص78/] وكانت خارج المدينة، وهو صعيد أفيح كما قالت عائشة رَضِيَ اللهُ عنها؛ يعني: أنَّه موضع مخصوص.

قوله: (حِرْصًا على أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ): (يُنْزَل): في أصلنا مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (الحجابُ): قائم مقام الفاعل، وعلى البناء للفاعل، و (الحجابُ): مرفوع على الحالين [6] ، وكذا هو مضبوط في أصلنا على البناء للفاعل وللمفعول.

قوله: (فَأَنْزَلَ اللهُ الْحِجَاب): اعلم أنَّ الحجاب نزل على الصَّحيح الأكثر في مُبتنى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بزينب، واختُلف في أَي سنة ابتنى بها [7] ؛ فقيل: سنة أربع، وقيل: ثلاث، وقيل: خمس، وسيأتي مُطوَّلًا في سورة (الأحزاب) إنْ شاء الله تَعَالَى بالاختلاف في سببه، والله أعلم.

[1] (تقدم): ليس في (ج) .
[2] (حدثنا): ليس في (ب) .
[3] (وسأذكرهنَّ): ليس في (ج) .
[4] (إنْ شاء الله): ليس في (ب) و (ج) .
[5] (للحدث): ليس في (ج) .
[6] في (ج): (الحالتين) .
[7] (بها): ليس في (ب) .





146- (إِلَى الْمَنَاصِعِ): متعلِّقٌ بقوله: (يَخْرُجْنَ)، ويَحتملُ أن يتعلَّقَ بقوله: (تَبَرَّزْنَ).

(حِرْصًا): منصوبٌ بأنَّه مفعولٌ له، والعاملُ فيه (فَنَادَاهَا).


146- وبالسَّند إلى المؤلِّف رحمه الله قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة، وفتح الكاف (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام أهل مصر، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ، الزُّهريِّ، (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير، (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله عنها: (أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ)؛ أي: في اللَّيل (إِذَا تَبَرَّزْنَ)؛ أي: إذا خرجن إلى البَرَاز [1] للبول والغائط (إِلَى الْمَنَاصِعِ)؛ بفتح الميم والنُّون، وكسر الصَّاد، آخره عينٌ مُهمَلَةٌ [2] : مواضع آخر المدينة من ناحية [3] البقيع، (وَهُوَ)؛ أي: المناصع: (صَعِيدٌ أَفْيَحُ)؛ بالفاء، والحاء المُهمَلَة؛ أي: [/ج1ص236/]

واسعٌ، (فَكَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (يَقُولُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: احْجُبْ نِسَاءَكَ)؛ أي: امنعهنَّ من الخروج من البيوت، (فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُ) ما قاله عمر رضي الله عنه، (فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمعَةَ)؛ بالزَّاي والميم والعين المُهمَلَة المفتوحات، أو بسكون الميم، قال في «النِّهاية»: وهو أكثر ما سمعنا من [4] أهل الحديث والفقهاء يقولونه، القرشيَّة العامريَّة رضي الله عنها؛ هي (زَوْجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)، المُتوفَّاة آخر خلافة عمر رضي الله عنه، وقِيلَ: في خلافة معاوية [5] بالمدينة سنة أربعٍ وخمسين، (لَيْلَةً)؛ أي: خرجت في ليلةٍ (مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً)؛ بكسر العَيْن، وبالمدِّ [6] ، والنَّصب، بدلٌ من قوله: «ليلةً». (وَكَانَتِ)؛ أي: سودةُ (امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه: (أَلَا)؛ بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام؛ حرف استفتاح يُنبَّه به على تحقيق ما بعده، (قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ)؛ بالبناء على الضَّمِّ؛ لأنَّه منادًى مُفرَدٌ معرفةٌ، (حِرْصًا)؛ بالنَّصب، مفعولٌ له لقوله: «فناداها»، (عَلَى أَنْ يُنْزَلَ)؛ بضمِّ المُثنَّاة، مبنيًّا للمفعول، وسقط لفظ: ((على)) للأَصيليِّ، وفي نسخةٍ في «الفرع»: ((أن يَنزل))؛ بفتحها، مبنيًّا للفاعل، و«أن»: مصدريَّةٌ؛ أي: على نزول (الْحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللهُ) عزَّ وجلَّ [7] (الْحِجَابِ)، ولغير الأَصيليِّ: ((فأنزل الله آية الحجاب))؛ أي: حكم الحجاب، وللمُستملي: ((فأنزل الله [8] آية الحجاب))، وزاد أبو عَوانة في «صحيحه» من طريق التِّرمذيِّ عن ابن شهابٍ: فأنزل الله تعالى آية [9] الحجاب: {يا أيُّها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النَّبيِّ}...الآية [الأحزاب: 53] ، فَفُسِّر المُرَاد من آية الحجاب صريحًا، وهذا [10] أحد المواضع الأحد عشر التي وافق عمر فيها نزول القرآن، الآتية مع تمام البحث في الحديث _إن شاء الله تعالى_ في تفسير سورة «الأحزاب» [خ¦4795] ، بعون الله تعالى وقوَّته.

[1] في (د): «للبراز».
[2] في غير (د) و(ص): «مهملتين».
[3] في (ب) و(س): «جهة».
[4] «مِنْ»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[5] قوله: «وقِيلَ: في خلافة معاوية»، مثبتٌ من (ب) و(س).
[6] في (ب) و(س): «المد».
[7] زيد في (د): «آية»، وليس بصحيح.
[8] قوله: «آية الحجاب»؛ أي: حكم الحجاب، وللمُستملي: «فأنزل الله»، سقط من (د).
[9] «آية»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[10] في (ص) و(م): «وهذه».





146- ( الْبَرَازِ ): بالفتح: الفضاء، وبالكسر: نفس الخارج.

( الْمَنَاصِعِ ): بالنُّون وكسر الصَّاد المهملة بعدها عين مهملة، جمع منصع، وهي أماكن معروفة من ناحية البقيع.

( وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ ): بحاء مهملة: متَّسع.

قال ابن حجر: الظَّاهر أنَّ هذا التَّفسير من قول عائشة.

( احْجُبْ نِسَاءَكَ ): امنعهنَّ من الخروج حجابًا لأشخاصهن: مبالغة في السِّتر، وهذا قاله بعد قوله: «يحجبهنَّ بستر الوجوه»، وموافقة القرآن له في ذلك، ولم يوافق على هذا لأجل الضَّرورة، قاله ابن حجر.

قلت: فعلى هذا قوله في الحديث، فأنزل الله آية الحجاب وهمٌ من الرَّاوي لأنَّها إنَّما نزلت في الأمر بستر الوجوه، ولها قصَّة أخرى في «الصَّحيح»، وهي قول عمر: «يا رسول الله، إنَّ نساءك يدخل عليهنَّ البرُّ والفاجر فلو أمرتهنَّ أن يحتجبن»، ولا يمكن الجمع بالتَّعدُّد؛ لأنَّ الحجابين [مختلفان] [1] ، ولم تنزل آية الحجاب في منعهنَّ من الخروج.

ويؤيِّد ما قلناه قوله في الحديث الذي يلي هذا: «قد أذن أن تخرجن في حاجتكنَّ»، لكن قال ابن حجر: إنَّ خروج النِّساء للبراز لم يستمرَّ؛ بل اتُّخذت بعد ذلك الأخلية في البيوت فامتنعن عن الخروج أصلًا إلَّا لضرورة، وهذا يشعر بموافقة عمر في هذا الحجاب أيضًا، ويؤيِّده ما ذكره القاضي عياض وغيره: أنَّ من خصائص النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تحريم رؤية أشخاص أزواجه ولو في الأُزر تكريمًا له، ولذا لم يكن يصلي على أمَّهات المؤمنين إذا ماتت الواحدة منهن إلَّا محارمها لئلَّا يرى شخصها في الكفن حتَّى اتُّخذت القبَّة على التَّابوت. [/ج1ص304/]

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (مختلفين) والمثبت من غيرها





42/146# وذكر الإمام أبو عبد الله حرفاً في حديث عائشة رضي الله عنها : أَنَّ أَزْواجَ النَّبِيِّ

@%ص60%

صلى الله عليه وسلم كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إذا تَبَرَّزْنَ إلى المَناصِعِ [1] ، وهو صَعِيدٌ أَفْيَحُ [2] .

(المناصع): موضع معروف.

و (الصعيد): وجه الأرض.

و (الأفيح): الواسع، وواد [3] فيحاء: واسعة.

[1] في (ط): (المنافع) مصحفاً.
[2] هذا الحديث جاء في الصحيح تحت باب خروج النساء إلى البراز.
[3] بهامش الأصل: (ودارٌ).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

146# (التَّبَرُّز): الخروج للبول والغائط.

و(المَنَاصِع): المواضع التي يُتخلَّى فيها للحاجة.

و(الصَّعِيْد): وجه الأرض.

و(الأَفْيَح): المتَّسع، كان النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم على عادة العرب جاريًا، ولم يفعل شيئًا إلَّا بوحي.


146- وبه قال: ((حدثنا يحيى بن بُكَير)) ؛ بضم الموحدة وفتح الكاف، بالتصغير ((قال: حدثنا الليث)) ؛ أي: ابن سعد الفهمي من أتباع الإمام الأعظم على التحقيق ((قال: حدثني)) بالإفراد ((عُقيل)) ؛ بضم العين المهملة مصغرًا، ((عن ابن شهاب)) محمد بن مسلم الزهري، ((عن عروة)) : هو ابن الزبير، ((عن عائشة)) أم المؤمنين رضي الله عنها: ((أنَّ أزواج النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: ومنهن عائشة؛ بناء على أنَّ المتكلم يدخل في عموم كلامه أمرًا، أو نهيًا، أو خبرًا، لكن المرجح أنه لا يدخل، ولذا لو أمر الإمام بصيام ثلاثة؛ فيجب أو يندب صومها عليهم دونه؛ فتأمَّل، ((كُنَّ)) ؛ بتشديد النُّون، والجملة محلها الرفع خبر (أنَّ) ((يخرجن)) : جملة محلها النصب خبر (كان) ((بالليل)) : الباء ظرفية؛ أي: فيه ((إذا)) ظرفية ((تبرَّزن)) ؛ أي: إذا خرجن إلى البراز للبول والغائط، وأصله من (برَز) بفتح عين الفعل؛ إذا خرج إلى البَراز للغائط؛ وهو الفضاء الواسع ((إلى المَناصِع)) ؛ بفتح الميم وكسر الصَّاد المهملة، جمع مَنْصَع (مَفْعَل) كـ (مَقْعَد) من النصوع؛ وهو الخلوص، وهي المواضع خارج المدينة من جهة البقيع يتخلى فيها للحاجة، وسميت بالمناصع؛ لخلوصه عن الأبنية والأماكن، وتمامه في «عمدة القاري»، والجار والمجرور يتعلق بـ (يخرجن) ، وقول الكرماني: إنه يتعلق بـ (تبرزن) ؛ بعيد وإن تبعه العجلوني تعصبًا؛ فافهم.

((وهو)) مبتدأ؛ أي: المناصع ((صعيدٌ)) ؛ بالتنوين: التراب أو وجه الأرض ((أَفْيَح)) ؛ بفتح الهمزة، وسكون الفاء، وبالتحتية المفتوحة، وبالحاء المهملة، صفة وموصوف، خبر المبتدأ؛ أي: واسع، وأفرد الضمير مع رجوعه إلى المناصع؛ لأنَّها صارت علمًا للموضع، وهذه الجملة تفسير لـ (المناصع) ، وهو يحتمل أن يكون من عائشة، أو من عروة، أو ممن دونه من الرواة، كما في «عمدة القاري»، واستظهر ابن حجر أنَّه من عائشة، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّه لا دليل على الظاهر؛ فافهم.

((فكان)) بالفاء وفي رواية: بالواو ((عمر)) ؛ أي: ابن الخطاب رضي الله عنه ((يقول)) جملة محلها النصب خبر (كان) : ((للنبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك)) مقول القول؛ أي: امنعهن من الخروج من البيوت؛ بدليل قول عمر لسودة بعد نزول آية الحجاب: (قد عرفناك يا سودة) ، ويحتمل أنَّه أراد الأمر بستر وجوههن، فلما وقع الأمر على ما أراد؛ أحب أيضًا أن تحجب أشخاصهن مبالغة في التستر، فلم يُجَب؛ للضرورة، قال ابن حجر: وهذا أظهر الاحتمالين، واعترضه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا الاحتمال لا يدل عليه هذا الحديث؛ بل حديث آخر، وإنَّما الأظهر الاحتمال الأول بشهادة سياق الكلام، وأطال الكلام في ذلك؛ فراجعه فإنه في غاية التحقيق والتدقيق، ولعمري إنَّه الصواب؛ فافهم.

((فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل)) ؛ أي: ما قاله عمر من حَجْبهن، والجملة محلها النصب خبر (كان) ، وفيه دليل على أنَّه عليه السلام كان ينتظر الوحي في الأمور الشرعية؛ لأنَّه لم يأمرهن بالحجاب مع وضوح الحاجة إليه حتى نزلت الآية، وكذا في الإذن لهنَّ بالخروج.

((فخرجت سودةُ بنتُ)) ؛ بالرفع صفة لـ (سودة) ((زَمَعَةَ)) ؛ بالجرِّ على الإضافة ممنوع من الصرف؛ للعلمية والتأنيث، وهي بالزاي والميم والعين المهملة المفتوحات، وقال ابن الأثير في «النهاية»: وأكثر ما سمعنا أهل الحديث والفقهاء يقولونه بسكون الميم، ابن قيس القرشية العامرية ((زوجُ النبي)) الأعظم برفع (زوج) صفة، أو بدل، أو عطف بيان من (سودة) ((صلى الله عليه وسلم)) أسلمت قديمًا وبايعت، وكانت تحت ابن عمٍّ لها، يقال له: السكران بن عمرو، أسلم معها وهاجرا جميعًا إلى الحبشة، فلما قدما مكة؛ مات زوجها، فتزوجها النبي الأعظم عليه السلام ودخل بها بمكة، وذلك بعد موت خديجة، قبل [/ص108/] أن يعقد [1] على عائشة رضي الله عنهما،وهاجرت إلى المدينة، فلما كبرت؛ أراد طلاقها، فسألته ألَّا يفعل، وجعلت يومها لعائشة فأمسكها، توفيت آخر خلافة عمر أو زمن معاوية رضي الله عنهما سنة أربع وخمسين بالمدينة، ((ليلةً)) ؛ بالنصب على الظرفية؛ أي: خرجت في ليلة ((من الليالي عِشاءً)) ؛ بكسر العين المهملة، وبالمد والنصب بدل من قوله (ليلة) ، والمراد به: ما بعد الغروب وقت العتمة، ((وكانت)) أي: سودة ((امرأة طويلة)) ؛ أي: فلا تخفى، ((فناداها عمر)) أي: ابن الخطاب بعد أن عرفها قائلًا في ندائه: ((ألَا)) ؛ بفتح الهمزة وتخفيف اللام: حرف استفتاح، ينبَّه بها على تحقق ما بعده ((قد عرفناكِ)) بكسر الكاف ((يا سودةُ)) منادى مفرد معرفة، مبني على الضم؛ ((حِرصًا)) ؛ بكسر الحاء المهملة؛ بالنصب على أنَّه مفعول له، والعامل فيه (فناداها) ، ((على أن يُنزَل)) ؛ بضم المثناة التحتية على صيغة المجهول، و (أن) مصدرية،وسقط لفظ (على) للأصيلي، وفي رواية: (أن يَنزِل) ؛ بفتح التحتية على صيغة المعلوم، و (أن) مصدرية؛ أي: على نزول ((الحجابُ)) ؛ بالرفع على الروايتين؛ أي: حكم احتجاب النساء عن الرجال، ((فأنزل الله آية الحجاب)) وفي رواية: (فأنزل الله الحجاب) ؛ أي: وتسترهن بالثياب، و (آية الحجاب) يحتمل أن يراد به: الجنس فيتناول الآيات الثلاثة؛ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ...} الآية [الأحزاب: 59] ، وقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53] ، وقوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ...} [2] الآية [النور: 30] ، ويحتمل أن يراد بها العهد من واحدة من هذه الثلاث.

وقيل: المراد بـ (الحجاب) في قوله: (حرصًا على الحجاب) استتارهن بالثياب حتى لا يُرَى منهن شيء عند خروجهن، وأمَّا (الحجاب) الثاني؛ فهو إرخاؤهنَّ الحجاب بينهنَّ وبين الناس، انتهى.

وعليه فالمراد بـ (آية الحجاب) : قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا...} الآية بخصوصها، لكن الأظهر أن يكون المراد بـ (آية الحجاب) ما في رواية أبي عوانة في «صحيحه» من طريق الزبيدي عن ابن شهاب: (فأنزل الله الحجاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ...} الآية [الأحزاب: 53] ) ، فهذه الرواية فسرت المراد من آية الحجاب صريحًا، وسيأتي أنَّ سبب نزولها قصة زينب بنت جحش لمَّا أوْلَمَ عليها وتأخر النفر الثلاثة في البيت، واستحى النبي الأعظم عليه السلام أن يأمرهم بالخروج، فنزلت آية الحجاب، وسيأتي أيضًا حديث عمر رضي الله عنه: (قلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهنَّ البرُّ والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب) ، وروى جرير في «تفسيره» من طريق مجاهد قال: (بينا النبي الأعظم عليه السلام يأكل ومعه بعض أصحابه وعائشة تأكل معهم؛ إذ أصابت يد رجل منهم يدها، فكره النبي الأعظم عليه السلام ذلك، فنزلت آية الحجاب) ، وطريق الجمع بين هذه أنَّ أسباب نزول الحجاب قد تعددت، وكانت قصة زينب آخرها للنص على قصتها في الآية، أو المراد بـ (آية الحجاب) في بعضها: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ} [الأحزاب: 59] .

والحجب ثلاثة؛ الأول: هو الأمر بستر وجوههن، يدل عليه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ...} الآية، فالحجاب الذي خص به أمهات المؤمنين هو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادةٍ ولا غيرها.

الثاني: هو الأمر بإرخاء الحجاب بينهنَّ وبين الناس، يدل عليه قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ}.

الثالث: هو الأمر بمنعهن من الخروج من البيوت إلا لضرورة شرعية، فإذا خرجن لا يظهر شخصهن كما فعلت حفصة يوم مات أبوها سترت شخصها حين خرجت، وزينب عملت لها قبة لما توفيت.

وكان لهن في التستر عند قضاء الحاجة ثلاث حالات؛ الأولى: بالظلمة؛ لأنَّهن كنَّ يخرجن بالليل دون النهار، كما قالت عائشة في هذا الحديث، وسيأتي في حديث عائشة في قصة الإفك: (فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع؛ وهو متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلًا...) ؛ الحديث، ثم نزل الحجاب فتسترنَّ بالثياب، لكن ربما كانت أشخاصهنَّ تتميز، ولهذا قال عمر: (قد عرفناك يا سودة) ، وهذه هي الحالة الثانية، ثم لمَّا اتُّخذتِ الكنف في البيوت؛ منعنَّ عن الخروج منها وهي الحالة الثالثة، يدل عليه حديث عائشة أيضًا في قصة الإفك فإن فيها: (وذلك قبل أن تتخذ الكنف) ، وكانت قصة الإفك قبل نزول الحجاب.

وقال قتادة: الحجاب كان في السنة الخامسة، وقال أبو عبيد: في الثالثة، وقال ابن إسحاق: بعد أم سلمة، وقال ابن معبد: في السنة الرابعة في ذي القعدة، كذا قرره في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (عقد) .
[2] في الأصل: {يغضضن من أبصارهن}، والمثبت موافق للتلاوة.