متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

145- وبالسَّند إلى [/ج1ص235/]

المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام، (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ المدنيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ)؛ بفتح الحاء المُهمَلَة، وتشديد المُوحَّدة، الأنصاريِّ النَّجَّاريِّ _بالجيم والنُّون_ المازنيِّ [1] ، المُتوفَّى بالمدينة [2] سنة إحدى وعشرين ومئةٍ (عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ)؛ بفتح المُهمَلَة [3] ، ابن منقذٍ، له رؤيةٌ، ولأبيه صحبةٌ رضي الله عنهما، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (أَنَّهُ)؛ أي: عبد الله بن عمر كما صرَّح به مسلمٌ (كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا) كأبي هريرة، وأبي أيُّوب الأنصاريِّ، ومعقلٍ الأسديِّ وغيرهم، ممَّن يرى عموم [4] النَّهيِ في استقبال القبلة واستدبارها، (يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ) كنايةٌ عن التَّبرُّز ونحوه، وذكر «القعود» لكونه الغالب، وإلَّا؛ فلا فرق بينه وبين حالة القيام؛ (فَلَا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ)؛ بفتح الميم، وسكون القاف، وكسر الدَّال المُخفَّفَة، وبضمِّ الميم، وفتح القاف، وتشديد الدَّال المفتوحة، و«بيت»: بالنَّصب عطفًا على «القبلة»، والإضافة فيه إضافة الموصوف إلى صفته؛ كمسجد الجامع، (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما، وهذا [5] ليس جوابًا لواسعٍ، بلِ «الفاء» سببيَّةٌ؛ لأنَّ ابن عمر أورد القول الأوَّل منكرًا له، ثمَّ بيَّن سبب إنكاره؛ بما رواه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكان يمكنه أن يقول: فلقد ارتقيت [6] . ..» إلى آخره، لكنَّ الرَّاوي عنه _وهو واسعٌ_ أراد التَّأكيد بإعادة قوله: «فقال عبد الله بن عمر»: والله (لَقَدِ ارْتَقَيْتُ)؛ أي: صعدت، وفي بعض الأصول: ((رقيت)) [7] (يَوْمًا): بالنَّصب على الظَّرفيَّة، ولام «لقد»: جواب قسمٍ محذوفٍ، وسقط لابن عساكر لفظ: ((يومًا))، (عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا)، وفي روايةٍ تأتي إن شاء الله تعالى: على ظهر بيتنا، (فَرَأَيْتُ)؛ أي: أبصرت (رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم) حال كونه (عَلَى لَبِنَتَيْنِ)، وحال كونه (مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ)؛ أي: لأجل حاجته أو وقت حاجته، وللتِّرمذيِّ الحكيم بسندٍ صحيحٍ: فرأيته في كنيفٍ، قال في «الفتح»: وهذا يردُّ على من قال ممَّن يرى الجواز مُطلَقًا: يحتمل أن يكون رآه في الفضاء، وكونه على لبنتين لا يدلُّ على البناء؛ لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض، ويردُّ هذا الاحتمال أيضًا: أنَّ ابن عمر كان يرى المنع من الاستقبال في الفضاء إلَّا بساترٍ، كما رواه أبو داودَ وغيره، وهذا الحديث _مع حديث جابرٍ عند أبي داود وغيره_ مُخصِّصٌ لعموم حديث أبي أيُّوب السَّابق، ولم يقصد ابن عمر رضي الله عنهما الإشراف على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة، وإنَّما صعد على [8] السَّطح لضرورةٍ، كما في الرِّواية الآتية إن شاء الله تعالى [خ¦148] ، فكانت منه التفاتةٌ، كما في رواية البيهقيِّ. نعم؛ لمَّا اتَّفق له رؤيته في تلك الحالة من غير قصدٍ؛ أحبَّ ألَّا يُخْلِيْ ذلك من فائدةٍ، فحفظ هذا الحكم الشَّرعيَّ. انتهى. (وَقَالَ)؛ أي: ابن عمر لواسعٍ [9] : (لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ)؛ أي: من الجاهلين بالسُّنَّة في السُّجود من تجافي البطن عن الوركين فيه؛ إذ لو كنت ممَّن لا يجهلها؛ لَعرفت الفرق بين الفضاء وغيره، والفرق بين استقبال الكعبة وبيت المقدس قال واسعٌ: (فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللهِ) أنا منهم أم لا؟ أو لا أدري السُّنَّة في استقبال الكعبة، أو [10] بيت المقدس، (قَالَ مَالِكٌ) الإمام في تفسير الصَّلاة على الورك: (يَعْنِي: الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالأَرْضِ).

[1] في (د) و(ص): «المدنيِّ»، وهو مازنيٌّ ومدنيٌّ أيضًا، وفي (م): «المزنيِّ»، وهو تحريفٌ.
[2] «بالمدينة»: سقط من (س).
[3] في (ص): «المهملتين»، وهو خطأ.
[4] في (ص) و(م):«بعموم».
[5] «وهذا»: سقط من (م).
[6] في (ص) و(م): «رأيت».
[7] في (ص): «رقيته».
[8] «على»: سقط من (د) و(س).
[9] «لواسعٍ»: سقط من (ب) و(ص).
[10] «الكعبة أو»: سقط من (د) و(م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

145-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: حدَّثنا [1] مالكٌ، عن يَحْيَىَ بنِ سَعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَىَ بنِ حَبَّانَ، عن عَمِّهِ واسِعِ بنِ حَبَّانَ:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كانَ يَقُولُ: إِنَّ ناسًا يَقُولُونَ: إذا قَعَدْتَ علىَ حاجَتِكَ فَلا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلا بَيْتَ المَقْدِسِ. فقالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: لقد ارْتَقَيْتُ يَوْمًا [2] علىَ ظَهْرِ بَيْتٍ لَنا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علىَ لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ لِحاجَتِهِ. وقالَ: لَعَلَّكَ مِنَ الذِينَ يُصَلُّونَ علىَ أَوْراكِهِمْ؟! فَقُلْتُ: لا أَدْرِي واللَّهِ. قالَ مالكٌ: يَعْنِي الذِي يُصَلِّي وَلا يَرْتَفِعُ عن الأَرْضِ، يَسْجُدُ وهو لاصِقٌ بِالأَرْضِ.

[1] في (و، ب، ص): «أخبَرَنا».
[2] لفظة: «يومًا» ليست في رواية ابن عساكر.





145- ( ابن حَبَّان ) بفتح الحاء وبالموحدة.


لا تتوفر معاينة

145- قوله: (عن مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ): (حَبَّان) ؛ بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحَّدة، ابن منقذ المازنيُّ أبو عبد الله الفقيه، عن أبيه، وعمِّه واسع، وأنس، وعنه: الزُّهريُّ، وربيعة، ومالك، ثقة، صاحب حلقة بالمدينة، توفِّي سنة (121 هـ ) ، أخرج له الجماعة.

قوله: (على ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا): سيجيء قريبًا: (فوق بيت حفصة) ، فقوله: (بيت لنا) مجاز؛ لأنَّ بيت أخته بيت لهم، والله أعلم.

قوله: (وَقَالَ: لَعَلَّكَ مِن الذينَ يُصَلُّونَ على أَوْرَاكِهِمْ): هذا من كلامه صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد قال شيخنا الشَّارح: (يؤخذ منه اشتراط ارتفاع الأسافل على الأعالي، وهو الأصحُّ عندنا) انتهى [1] ، وذكره ابن الأثير في «نهايته» فقال: (ومنه الحديث: «لعلك من الذين يصلُّون على أوراكهم») ففسَّره بأطول من تفسير مالك الآتي هنا، وإنَّما نبَّهت عليه؛ لأنَّي رأيتهم كثيرًا يسألون عنه أهو من كلامه صلَّى الله عليه وسلَّم أم لا؟ وأمَّا الأورراك؛ فجمع وَرِك؛ بفتح الواو، وكسر الرَّاء، ويجوز سكون الرَّاء؛ يعني: لا يقيم وركه، لكنَّه يفرش ركبتيه، كأنَّه اعتمد على وركه، والله أعلم.

[1] (انتهى): ليس في (ج) .





145- (بَيْتَ المَقْدِسِ): هو مِن إضافةِ الموصوفِ إلى صفتِه.

(لَقَدِ ارْتَقَيْتُ): اللَّامُ هو في جوابِ قَسَمٍ محذوفٍ.

(عَلَى لَبِنَتَيْنِ): حالٌ عن (رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وكذا (مُسْتَقْبِلًا)، ويَحتملُ أن تكونا مترادفتين، وأن تكونا متداخلتين [1] .

[1] «الكواكب الدراري» (2/190)، وفي (ب): (يكونا مترادفين، وأن يكونا متداخلين)، وهي عبارة الكرماني، والحالُ تُذكَّر وتؤنَّث، وتأنيثها أشهر.





145- وبالسَّند إلى [/ج1ص235/]

المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام، (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ المدنيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ)؛ بفتح الحاء المُهمَلَة، وتشديد المُوحَّدة، الأنصاريِّ النَّجَّاريِّ _بالجيم والنُّون_ المازنيِّ [1] ، المُتوفَّى بالمدينة [2] سنة إحدى وعشرين ومئةٍ (عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ)؛ بفتح المُهمَلَة [3] ، ابن منقذٍ، له رؤيةٌ، ولأبيه صحبةٌ رضي الله عنهما، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (أَنَّهُ)؛ أي: عبد الله بن عمر كما صرَّح به مسلمٌ (كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا) كأبي هريرة، وأبي أيُّوب الأنصاريِّ، ومعقلٍ الأسديِّ وغيرهم، ممَّن يرى عموم [4] النَّهيِ في استقبال القبلة واستدبارها، (يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ) كنايةٌ عن التَّبرُّز ونحوه، وذكر «القعود» لكونه الغالب، وإلَّا؛ فلا فرق بينه وبين حالة القيام؛ (فَلَا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ)؛ بفتح الميم، وسكون القاف، وكسر الدَّال المُخفَّفَة، وبضمِّ الميم، وفتح القاف، وتشديد الدَّال المفتوحة، و«بيت»: بالنَّصب عطفًا على «القبلة»، والإضافة فيه إضافة الموصوف إلى صفته؛ كمسجد الجامع، (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما، وهذا [5] ليس جوابًا لواسعٍ، بلِ «الفاء» سببيَّةٌ؛ لأنَّ ابن عمر أورد القول الأوَّل منكرًا له، ثمَّ بيَّن سبب إنكاره؛ بما رواه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكان يمكنه أن يقول: فلقد ارتقيت [6] . ..» إلى آخره، لكنَّ الرَّاوي عنه _وهو واسعٌ_ أراد التَّأكيد بإعادة قوله: «فقال عبد الله بن عمر»: والله (لَقَدِ ارْتَقَيْتُ)؛ أي: صعدت، وفي بعض الأصول: ((رقيت)) [7] (يَوْمًا): بالنَّصب على الظَّرفيَّة، ولام «لقد»: جواب قسمٍ محذوفٍ، وسقط لابن عساكر لفظ: ((يومًا))، (عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا)، وفي روايةٍ تأتي إن شاء الله تعالى: على ظهر بيتنا، (فَرَأَيْتُ)؛ أي: أبصرت (رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم) حال كونه (عَلَى لَبِنَتَيْنِ)، وحال كونه (مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ)؛ أي: لأجل حاجته أو وقت حاجته، وللتِّرمذيِّ الحكيم بسندٍ صحيحٍ: فرأيته في كنيفٍ، قال في «الفتح»: وهذا يردُّ على من قال ممَّن يرى الجواز مُطلَقًا: يحتمل أن يكون رآه في الفضاء، وكونه على لبنتين لا يدلُّ على البناء؛ لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض، ويردُّ هذا الاحتمال أيضًا: أنَّ ابن عمر كان يرى المنع من الاستقبال في الفضاء إلَّا بساترٍ، كما رواه أبو داودَ وغيره، وهذا الحديث _مع حديث جابرٍ عند أبي داود وغيره_ مُخصِّصٌ لعموم حديث أبي أيُّوب السَّابق، ولم يقصد ابن عمر رضي الله عنهما الإشراف على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة، وإنَّما صعد على [8] السَّطح لضرورةٍ، كما في الرِّواية الآتية إن شاء الله تعالى [خ¦148] ، فكانت منه التفاتةٌ، كما في رواية البيهقيِّ. نعم؛ لمَّا اتَّفق له رؤيته في تلك الحالة من غير قصدٍ؛ أحبَّ ألَّا يُخْلِيْ ذلك من فائدةٍ، فحفظ هذا الحكم الشَّرعيَّ. انتهى. (وَقَالَ)؛ أي: ابن عمر لواسعٍ [9] : (لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ)؛ أي: من الجاهلين بالسُّنَّة في السُّجود من تجافي البطن عن الوركين فيه؛ إذ لو كنت ممَّن لا يجهلها؛ لَعرفت الفرق بين الفضاء وغيره، والفرق بين استقبال الكعبة وبيت المقدس قال واسعٌ: (فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللهِ) أنا منهم أم لا؟ أو لا أدري السُّنَّة في استقبال الكعبة، أو [10] بيت المقدس، (قَالَ مَالِكٌ) الإمام في تفسير الصَّلاة على الورك: (يَعْنِي: الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالأَرْضِ).

[1] في (د) و(ص): «المدنيِّ»، وهو مازنيٌّ ومدنيٌّ أيضًا، وفي (م): «المزنيِّ»، وهو تحريفٌ.
[2] «بالمدينة»: سقط من (س).
[3] في (ص): «المهملتين»، وهو خطأ.
[4] في (ص) و(م):«بعموم».
[5] «وهذا»: سقط من (م).
[6] في (ص) و(م): «رأيت».
[7] في (ص): «رقيته».
[8] «على»: سقط من (د) و(س).
[9] «لواسعٍ»: سقط من (ب) و(ص).
[10] «الكعبة أو»: سقط من (د) و(م).





145- ( عَلَى لَبِنَتَيْنِ ): بفتح اللَّام وكسر الموحَّدة وفتح النُّون: تثنية لَبِنة، ولابن خزيمة: «فأشرفت على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو على خلائه»، وفي رواية له: «فرأيته يقضي حاجته محجوبًا [عليه] [1] بِلَبِن»، وللحكيم التِّرمذيِّ بسند صحيح: «فرأيته في كنيف».

قال العلماء: لم يقصد ابن عمر الإشراف على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في تلك الحالة؛ بل صعد السَّطح لضرورة له كما في الرِّواية الآتية: «فحانت منه التفاته»، كما في رواية البيهقيِّ، فرآه من جهة ظهره من غير محذور.

( يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ ) أي: يلصقون بطونهم بأوراكهم إذا سجدوا من غير تجافٍ، عبَّر بذلك عن الجهل بالسُّنَّة. [/ج1ص303/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (عليَّ)





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

145- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) ؛ أي: التِّنِّيسي؛ بكسر المثناة الفوقية وتشديد النُّون ((قال: أخبرنا مالك)) ؛ أي: ابن أنس الإمام، ((عن يحيى بن سعِيد)) ؛ بكسر العين المهملة الأنصاري المدني، ((عن محمد بن يحيى بن حَبَّان)) ؛ بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة، الأنصاري النجاري -بالنُّون والجيم- المازني، المتوفى بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومئة، ((عن عمه)) ؛ أي: عم محمد بن يحيى ((واسع بن حَبَّان)) ؛ بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ابن منقذ بن عمرو الأنصاري النجاري –بالنُّون- المازني، ولواسع رؤية؛ فلذا ذُكِر في الصحابة، ولأبيه منقذ _اسم فاعل من أنقذ؛ بالمعجمة_ وجده عمرو صحبة، وحَبَّان: إن أخذته من حَبِن؛ بفتح المهملة وكسر الموحدة: إذا طرأ له السقي؛ صرفته، وإذا أخذته من حب؛ منعته؛ فليحفظ.

((عن عبد الله بن عمر)) ؛ أي: ابن الخطاب رضي الله عنهما: ((أنَّه)) ؛ أي: عبد الله بن عمر كما صرح به مسلم ((كان)) في محل رفع خبر (أنَّ) ((يقول)) في محل نصب خبر (كان) : ((إنَّ)) بكسر الهمزة ((ناسًا)) مقول القول؛ أي: جماعة من الصحابة؛ منهم: أبو أيوب الأنصاري، وأبو هريرة، ومعقل الأسدي، وغيرهم رضي الله عنهم ممن ذهب إلى أنَّ الاستقبال والاستدبار عند الحاجة في الصحراء أو في البنيان منهي عنه؛ لعموم الحديث السابق ((يقولون)) في محل رفع خبر (إنَّ) : ((إذا قعدت)) خطاب عامٌّ لكل من يتأتَّى منه القعود ((على حاجتك)) لفظة (على) إما للاستعلاء أو للتعليل، وهو كناية عن قضاء الحاجة قاعدًا أو قائمًا، وعبَّر بالقعود؛ لأنَّه الغالب؛ ((فلا تستقبل القبلةَ)) ؛ بالنصب على المفعولية؛ أي: الكعبة ((ولا بيتَ المقدس)) ؛ بالنصب عطفًا على القبلة والإضافة فيه إضافة الموصوف إلى صفته؛ كمسجد الجامع؛ أي: صخرته؛ لأنَّها هي التي كانت قبلة، وفيه لغتان مشهورتان: فتح الميم وسكون القاف وكسر الدَّال المخففة، وضم الميم وفتح القاف والدَّال المشددة، والمشدد معناه: المطهر، والمخفف لا يخلو إما أن يكون مصدرًا أو مكانًا، ومعناه: بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره: إخلاؤه من الأصنام وإبعاده منها أو من الذنوب.

وهذا دليل على أنَّ الصحابة كانوا يختلفون في معاني السنن، وكان كل واحد منهم يستعمل ما سمع على عمومه، فمن هنا وقع بينهم الاختلاف، وكلامه يدل على إنكاره على من يقول: إنَّ استقبال بيت المقدس عند الحاجة غير جائز، فلذا قال أحمد بن حنبل: حديث ابن عمر ناسخ للنهي عن استقبال بيت المقدس واستدباره، يدل لهذا ما روى مروان الأصغر عن ابن عمر: أنَّه أناخ راحلته مستقبل بيت المقدس ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن؛ أليس قد نهي عن هذا؟ قال: إنَّما نهي عن هذا في الفضاء، وأمَّا إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك؛ فلا بأس.

قلت: وهذا لا يدل على النسخ؛ بل على التسليم، غاية الأمر أنَّه يقول: لا يجوز الاستقبال والاستدبار في الصحراء، ويجيزهما في البنيان، كما هو مشهور مذهبه؛ للساتر، وقوله: (لا بأس) يدل على أنَّ النهي موجود لكن أخف من النهي عن القبلة؛ فتأمل، لأنَّ بيت المقدس معظَّم محتَرم؛ حيث إنَّه كان قبلة لنا مرة، أو من أجل استدبار الكعبة؛ لأنَّ من استقبله بالمدينة؛ فقد استدبر الكعبة؛ كما قدمناه.

((فقال عبد الله بن عمر)) رضي الله عنهما، وهذا ليس جوابًا لواسع كما زعمه الكرماني؛ بل هو من كلام ابن عمر لما تقدم من تصريح رواية مسلم بذلك، فالفاء: سببية؛ لأنَّ ابن عمر أورد القول الأول منكِرًا له، ثم بين السبب في إنكاره بما رآه من فعله عليه السلام، وقدم عليه القسم مع ما بعده؛ لتحقيق خبره.

ولما أراد واسع الراوي عنه التأكيد أيضًا؛ أعاد قوله: (فقال ابن عمر) : ((لقد)) اللام فيه: جواب قسم محذوف؛ أي: والله لقد ((ارتقيتُ)) ؛ بضم التاء؛ أي: صعدت، وفي رواية: (رقيت) ، والقسم المقدَّر وجوابه: مقول (فقال) ، ((يومًا)) ؛ بالنصب على الظرفية، ولفظ: (يومًا) سقط في رواية ((على ظهر بيت لنا)) متعلق بـ (ارتقيت) ، وفي رواية تأتي: (على ظهر بيتنا) ، وفي أخرى تأتي: (على ظهر بيت حفصة) ؛ يعني: أخته، كما صرَّح به في رواية مسلم، ويدلُّ له رواية ابن خزيمة: (فدخلت على حفصة بنت عمر فصعدت ظهر البيت) ، والجمع بينهما بأنَّه بيت حفصة الذي أسكنها فيه النبي الأعظم عليه السلام، فالإضافة إليها ظاهرة، ونسب إليه إما باعتبار أنَّها أخته أو باعتبار ما آل إليه الحال؛ لأنَّه ورثها لكونه شقيقها دون إخوته، ((فرأيت)) ؛ أي: أبصرت، فلا يقتضي إلا مفعولًا وحدًا وهو قوله: ((النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم على لَبِنتين)) في محل نصب على الحال من (النبي) عليه السلام؛ أي: مستعليًا عليهما أو للتعليل، ((مستقبلًا)) بالنصب حال منه ويجوز أن يكونا حالين مترادفين ومتداخلين ((بيتَ)) مفعول (مستقبلًا) مضاف إلى قوله: ((المقدس)) ؛ أي: ومستدبر الكعبة؛ للزومه عادة، وفي رواية تأتي: (مستقبل الشام مستدبر القبلة) ، وعند ابن حبان: (مستقبل القبلة مستدبر الشام) ، ولعلَّه مقلوب أو على تعدد القصة، والظاهر الأول؛ ((لحاجته)) اللام للتعليل؛ أي: لأجل حاجته أو للوقت؛ أي: وقت حاجته وهي التبرز، وعند الحكيم الترمذي: (فرأيته في كنيف) ، وفي رواية ابن خزيمة: (فأشرفت على رسول الله عليه السلام وهو على خلائه) ، وفي رواية أخرى: (فرأيته يقضي حاجته محجوبًا بلَبِن) ، ونَظَرُ ابن عمر له عليه السلام وهو في تلك الحالة محمول على أنَّه وقعت منه تلك اتفاقًا للضرورة من غير قصد، كما يدل له الرواية الآتية، أو قصد ذلك فرأى رأسه دون ما عداه من بدنه، ثم تأمَّلَ قعوده، فعرف كيف هو جالس، فنقل ما شاهد.

وهذا يرد على من قال: بالجواز مطلقًا، يحتمل أنَّه رآه بالفضاء، وكونه على لَبِنتين لا يدل على البناء؛ لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما على الأرض، ويردُّ هذا الاحتمال أيضًا أنَّ ابن عمر كان يرى المنع من الاستقبال في الفضاء إلا بساتر، كما رواه أبو داود وغيره، فاستدلَّ بذلك مالك والشافعي على جواز استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة في البنيان، وأنَّه مخصص لعموم النهي، كما ذكرناه في الباب قبله.

قلت: بل النهي باق على عمومه، وأن الحديث مخصوص بالنبي الأعظم عليه السلام، ويدل لذلك إنكار أبي أيوب، وأبي هريرة، ومعقل، وغيرهم على ابن عمر الاستقبال بالساتر، ويحتمل أنَّ ابن عمر رأى النبي الأعظم عليه السلام وهو يستنجي بالأحجار مستقبلًا وهو جائز، ويحتمل أنَّ في أعالي السطح قذرًا فخشي النبي عليه السلام أن يصيبه فارتفع على لبنتين لا للحاجة؛ بل للقذر، وعلى فرض كونه للحاجة يحتمل أنَّه كان في مهب الريح؛ لأنَّه العادة في المكان المرتفع، فلو استقبل الريح لا شك أنَّه يعود عليه الخارج، فاختار عليه السلام استقبال بيت المقدس فيكون مستدبر الكعبة؛ لأنَّه أخف من استقبال القبلة؛ لأنَّه أقبح، على أنَّ حديث أبي أيوب راجح على حديث ابن عمر؛ لأنَّه قول وذاك فعل، والقول مقدم على الفعل عند المحققين، وهو مثبت وذاك منفي، والمثبت مقدم على النافي عند المدققين، فالمصير إلى حديث أبي أيوب متعين لوجود الاحتمالات في حديث ابن عمر والدليل إذا طرقه الاحتمال؛ سقط الاستدلال به، على أنَّ حديث أبي أيوب محرِّم، وحديث ابن عمر مبيح، والمحرِّم مقدم على المبيح عند الأصوليين فتعيَّن المصير إليه وسقط الاستدلال به؛ فليحفظ.

((وقال)) أي: ابن عمر: ((لعلَّك)) الخطاب لواسع، وغلط من زعم أنَّه مرفوع، قاله ابن حجر، ((من الذين يصلون على أوراكهم)) جمع: ورك، كـ (كتف) مؤنثة، ففيها لغاتها، والوركان: العظمان على طرف عظم الفخذين، كما في «عمدة القاري»؛ أي: الذين لا يعرفون السنة، إذ لو كنت عارفًا بها؛ لعرفت جواز استقبال بيت المقدس ولما التفتَّ إلى قولهم.

وإنَّما كنَّى عن الجاهلين [/ص107/] بـ (الذين يصلون على أوراكهم) ؛ لأنَّ المصلي على الورك لا يكون إلا جاهلًا بالسنة وإلا لما صلى عليه، والسنة في السجود التخوية؛ أي: لا يلصق الرجل بالأرض؛ بل يرفع عنها.

((فقلت: لا أدري والله)) ؛ أي: قال واسع: لا أدري أنا منهم أم لا، أو لا أدري السنة في الاستقبال، فجواب القسم محذوف لدلالة المذكور عليه، أو المذكور قدم من تأخير كما قيل بنظيره في نحو: أقوم إن قام زيد.

((قال مالك)) ؛ أي: ابن أنس في تفسير الصلاة على الورك: ((يعني)) ؛ أي: ابن عمر بقوله ذلك ((الذي يصلي ولا يرتفع عن الأرض يسجد)) جملة في محل نصب على الحال، ((وهو لاصق بالأرض)) والجملة أيضًا محلها النصب على الحال، فتفسير الصلاة على الورك هو اللصوق بالأرض حالة السجود، وهو خلاف السنة؛ لأنَّ السنة أن يجافي؛ أي: يباعد بطنه عن فخذيه، وعضديه عن إبطيه؛ لأنَّه أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض في غير زحمة، وعلى كلٍّ فصلاته صحيحة، وزعم بعضهم: أنَّ صلاته كذلك باطلة، ولعلَّه نظر إلى عدم نصب أصابعه على الأرض ولفظ (قال مالك) إن كان من قول المؤلف؛ نقْله منه يكون تعليقًا، وإن كان من قول عبد الله؛ يكون داخلًا تحت الإسناد المذكور، كذا في «عمدة القاري» ومثله في «الكرماني».

قلت: والظاهر: أنَّ لفظ: (قال مالك) من قول المؤلف ومقوله _وهو (يعني...) إلخ_ من قول ابن عمر، يدل لذلك سياق مسلم، وفي أوله عنده: (عن واسع قال: كنت أصلي في المسجد؛ فإذا عبد الله بن عمر جالس، فلما قضيت صلاتي؛ انصرفت إليه من شقي، فقال عبد الله: يقول ناس...) ؛ فذكر الحديث، فكأن ابن عمر رأى منه في حالة السجود شيئًا لم يتحققه فسأله عنه بالعبارة المذكورة وكأنَّه بدأ بالقصة الأولى؛ لأنَّها من روايته المرفوعة.

وقال العجلوني: لفظ (قال مالك) من قول المؤلف، ومقوله من قول مالك، انتهى.

وهو غير ظاهر؛ لخفائه ومنشأ ذلك القول التعصب على الإمام بدر الدين العيني؛ فافهم.

وفي الحديث: استعمال الكناية بالحاجة عن البول والغائط، وجواز الإخبار عن مثل ذلك للاقتداء والعمل.

ومن الآداب: أن يكون المستنجي بعيدًا إذا كان في براح من الأرض أو ضرب حجاب أو ستر وأعماق الآبار والحفائر، وألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض جاء ذلك في حديث أبي داود عن أنس، وتغطية الرأس كما كان الصديق الأكبر يفعله، وترك الكلام كفعل عثمان رضي الله عنه، والاستنجاء باليسار، وغسل اليد بعد الفراغ بالتراب، رواه ابن حبان، والاستجمار، واجتناب الروث والرمة، وألا يتوضأ في المغتسل، وينزع خاتمه إذا كان فيه اسم الله كما رواه النسائي، وألا يبول قائمًا، ولا في طريق الناس ولا ظلهم، ولا في الماء ومساقط الثمار وضفة الأنهار، وأن يتكئ على رجله اليسرى، وينثر ذكره ثلاثًا، وتمامه في كتب الفروع.