متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

140- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا)، وللأَصيليِّ: بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) بن أبي زهيرٍ البغداديُّ، المُلَّقب بصاعقةٍ؛ لسرعة حفظه وشدَّة ضبطه، البزَّاز [1] ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وخمسين ومئتين، (قَالَ: أَخْبَرَنَا)، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (أَبُو سَلَمَةَ) بفتح السِّين واللَّام (الْخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ) البغداديُّ الحافظ، المُتوفَّى بالمصِّيصة سنة عشرين ومئتين، أو سنة عشرٍ، أو سبعٍ، أو تسعٍ ومئتين، (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلَالٍ؛ يَعْنِي: سُلَيْمَانَ) السَّابق في باب «أمور الإيمان» [خ¦9] (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما: (أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ)؛ من باب عطف المُفصَّل على المُجمَل، ثمَّ بيَّن الغسل على وجه الاستئناف، فقال: (أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ [2] بِهَا)، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((فتمضمض بها)) [3] ، (وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا؛ أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرَى)؛ أي: جعل الماء الذي في يده في يديه جميعًا؛ لكونه أمكن في الغسل؛ لأنَّ اليد قد لا تستوعب الغسل وسقط للأَصيليِّ وابن عساكر: ((من ماءٍ)) [4] (فَغَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ)؛ أي: بالغَرْفة، وللأَصيليِّ وكريمة: ((فغسل بهما))؛ أي: باليدين، وظاهر قوله: «إنَّه توضَّأ فغسل وجهه» مع قوله: «أخذ غَرْفَةً»: أنَّ المضمضة والاستنشاق بغَرفةٍ [5] من جملة غسل الوجه، لكنَّ المُرَاد بالوجه أوَّلًا ما هو أعمُّ من المفروض والمسنون؛ بدليل أنَّه أعاد ذكره ثانيًا بعد ذكر المضمضة والاستنشاق بغَرْفةٍ مستقلَّةٍ، (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ) أيضًا، (فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) بعد أن قبض قبضةً من الماء، ثمَّ نفض [6] يده كما في رواية أبي داودَ مع زيادة: ((مسح أُذنيه [7] ))، ففي الحديث هنا حذفٌ دلَّ عليه ما رواه أبو داود، (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ)؛ أي: صبَّ الماء قليلًا قليلًا (عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى)؛ أي: إلى أن (غَسَلَهَا)، والرَّشُّ قد يُرَاد به الغسل، ويؤيِّده قوله هنا: «حتَّى غسلها»، والرَّشُّ القويُّ يكون معه الإسالة، وعبَّر به؛ تنبيهًا على الاحتراز عن الإسراف؛ لأنَّ الرِّجْلَ مظنَّته في الغسل (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ؛ يَعْنِي: الْيُسْرَى)، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: ((فغسل بها؛ يعني: رجله اليسرى))، والقائل؛ يعني: زيد بن أسلم، أو من هو دونه من الرُّواة، (ثُمَّ قَالَ)؛ أي: ابن عبَّاسٍ: (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ)، ولأبي الوقت: ((النَّبيَّ)) [8] (صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ)، حكاية حالٍ ماضيةٍ، وفي رواية ابن عساكر: ((توضَّأ))، وفي هذا الحديث: دليل الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغَرْفةٍ واحدةٍ، المحكيِّ في «الكفاية» عن نصِّه في «الأمِّ»، وهو يحتمل وجهين: أن يتمضمض منها ثلاثًا ولاءً، ثمَّ يستنشق كذلك، وأن يتمضمض ثمَّ يستنشق، ثمَّ يفعل كذلك ثانيًا وثالثًا، وأَوْلى الكيفيَّات: أن يجمع بين ثلاث [9] غَرْفاتٍ يتمضمض من كلِّ واحدةٍ، ثمَّ يستنشق، فقد صحَّ من حديث عبد الله بن زيدٍ، وغيره، وصحَّحه النَّوويُّ، وتأتي بقيَّة الكيفيَّات _إن شاء الله تعالى_ في باب «المضمضة في الوضوء» [خ¦164] .

[1] في (ص) و(م): «البزَّار»، وهو تصحيفٌ.
[2] في (ص): «تمضمض».
[3] في (د): «أخذ غرفةً من ماءٍ فمضمض بها».
[4] قوله: «وسقط للأَصيليِّ وابن عساكر: «من ماءٍ»»، سقط من (ب) و(د) و(ص).
[5] «بغرفةٍ»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[6] في (ص): «قبض».
[7] في (م): «أذنه».
[8] قوله: «ولأبي الوقت: «النَّبيَّ»»، سقط من (د).
[9] في (ص) و(م): «بثلاث».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

140-. حدَّثنا [1] مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قالَ: أخبَرَنا [2] أَبُو سَلَمَةَ الخُزاعِيُّ مَنْصُورُ بنُ سَلَمَةَ، قالَ: أخبَرَنا [3] ابْنُ بِلال _يَعْنِي سُلَيْمانَ_ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ:

عن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ ماءٍ، فَمَضْمَضَ [4] بها واسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ ماءٍ [5] ، فَجَعَلَ بها هَكَذا، أَضافَها إلىَ يَدِهِ الأُخْرَىَ، فَغَسَلَ بِهِما [6] وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ ماءٍ، فَغَسَلَ بها يَدَهُ اليُمْنَىَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ ماءٍ فَغَسَلَ بها يَدَهُ اليُسْرَىَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ ماءٍ، فَرَشَّ علىَ رِجْلِهِ اليُمْنَىَ حَتَّىَ غَسَلَها، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَىَ، فَغَسَلَ بها رِجْلَهُ _يَعْنِي اليُسْرَىَ [7] _ ثُمَّ قالَ: هَكَذا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ [8] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ [9] .

[1] في رواية الأصيلي: «حدَّثني».
[2] في رواية الأصيلي: «حدَّثنا».
[3] في رواية الأصيلي: «حدَّثنا». وزاد في (و) نسبتها إلىَ رواية ابن عساكر.
[4] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «فتمضمض».
[5] قوله: «من ماء» ليس في رواية ابن عساكر والأصيلي و [عط] .
[6] في رواية أبي ذر و [عط] : «بها».
[7] في رواية أبي ذر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «فغسل بها يعني رجله اليسرىَ».
[8] في رواية السمعاني عن أبي الوقت: «النَّبيَّ».
[9] في رواية ابن عساكر: «توضأ».





140- ( غُرْفَةً ) بضم الغين وفتحها.

( فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ ) أي: غسلها بدليل قوله بعده: ( حَتَّى غَسَلَهَا ) وكأنَّه أراد أن الابتداء بالماء كان خفيفًا.


140# (غَرْفَةً) بضم الغين المعجمة وفتحها.

(فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ [1] ) أي: رَشًّا عمَّها؛ بدليل قوله: ((حتى غسلها))، وكأنه أراد: أن الماء كان خفيفاً.

[1] في (د): ((رجليه))، وفي (ق): ((رجل)).





140- قوله: (أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ): هو بفتح اللَّام.

قوله: (أَخَذَ غرْفَةً): تقدَّم الكلام أعلاه على الغرفة [1] .

قوله: (وَاسْتَنْشَقَ): اعلم أنَّ الاستنشاق جذبُ الماء بالنفس إلى داخل المنخر، والاستنثار: إخراجه بالنفس من الأنف، هذا هو الصَّحيح، وقال ابن قتيبة: (هما سواء، مأخوذ من النثرة، وهي الأنف) ، ولم يقل شيئًا، وقد فرَّق بينهما في قوله: «فليجعل في أنفه ماء، ثمَّ لينتثر [2] »، فدلَّ على أنَّهما غيران كما ذكرت.

قوله: (فَغَسَلَ [3] بِهَا [4] يَدَهُ اليُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ): قال شيخنا الشَّارح: (لَمْ يذكر في هذا الحديث أخذ للماء للرأس، فقال بعضهم: فيه مسح الرَّأس بفضل الذراع، [/ج1ص76/] وفي «أبي داود»: أنَّه عليه السَّلام مسح رأسه من فضل كان في يده، وهذا قول الأوزاعيِّ، والحسن، وعروة، وقال الشافعيُّ ومالك: لا يجزئه أنْ يمسح بفضل ذراعيه ولا لحيته، وأجازه ابن الماجشون: في بلل اللِّحية إذا نفذ منه الماء، وقال القاضي عبد الوهَّاب: يشبه أن يكون قول مالك: «لا يجزئه» عبارة عن شدَّة الكراهية) انتهى.

[1] زيد في (ب): (أعلاه) .
[2] في (ب) و (ج): (لينثر) ، وكلاهما مروي.
[3] في (ج): (فيغسل) .
[4] (بها): مثبت من (ب) .





لا تتوفر معاينة

140- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا)، وللأَصيليِّ: بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) بن أبي زهيرٍ البغداديُّ، المُلَّقب بصاعقةٍ؛ لسرعة حفظه وشدَّة ضبطه، البزَّاز [1] ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وخمسين ومئتين، (قَالَ: أَخْبَرَنَا)، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (أَبُو سَلَمَةَ) بفتح السِّين واللَّام (الْخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ) البغداديُّ الحافظ، المُتوفَّى بالمصِّيصة سنة عشرين ومئتين، أو سنة عشرٍ، أو سبعٍ، أو تسعٍ ومئتين، (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلَالٍ؛ يَعْنِي: سُلَيْمَانَ) السَّابق في باب «أمور الإيمان» [خ¦9] (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما: (أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ)؛ من باب عطف المُفصَّل على المُجمَل، ثمَّ بيَّن الغسل على وجه الاستئناف، فقال: (أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ [2] بِهَا)، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((فتمضمض بها)) [3] ، (وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا؛ أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرَى)؛ أي: جعل الماء الذي في يده في يديه جميعًا؛ لكونه أمكن في الغسل؛ لأنَّ اليد قد لا تستوعب الغسل وسقط للأَصيليِّ وابن عساكر: ((من ماءٍ)) [4] (فَغَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ)؛ أي: بالغَرْفة، وللأَصيليِّ وكريمة: ((فغسل بهما))؛ أي: باليدين، وظاهر قوله: «إنَّه توضَّأ فغسل وجهه» مع قوله: «أخذ غَرْفَةً»: أنَّ المضمضة والاستنشاق بغَرفةٍ [5] من جملة غسل الوجه، لكنَّ المُرَاد بالوجه أوَّلًا ما هو أعمُّ من المفروض والمسنون؛ بدليل أنَّه أعاد ذكره ثانيًا بعد ذكر المضمضة والاستنشاق بغَرْفةٍ مستقلَّةٍ، (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ) أيضًا، (فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) بعد أن قبض قبضةً من الماء، ثمَّ نفض [6] يده كما في رواية أبي داودَ مع زيادة: ((مسح أُذنيه [7] ))، ففي الحديث هنا حذفٌ دلَّ عليه ما رواه أبو داود، (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ)؛ أي: صبَّ الماء قليلًا قليلًا (عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى)؛ أي: إلى أن (غَسَلَهَا)، والرَّشُّ قد يُرَاد به الغسل، ويؤيِّده قوله هنا: «حتَّى غسلها»، والرَّشُّ القويُّ يكون معه الإسالة، وعبَّر به؛ تنبيهًا على الاحتراز عن الإسراف؛ لأنَّ الرِّجْلَ مظنَّته في الغسل (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ؛ يَعْنِي: الْيُسْرَى)، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: ((فغسل بها؛ يعني: رجله اليسرى))، والقائل؛ يعني: زيد بن أسلم، أو من هو دونه من الرُّواة، (ثُمَّ قَالَ)؛ أي: ابن عبَّاسٍ: (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ)، ولأبي الوقت: ((النَّبيَّ)) [8] (صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ)، حكاية حالٍ ماضيةٍ، وفي رواية ابن عساكر: ((توضَّأ))، وفي هذا الحديث: دليل الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغَرْفةٍ واحدةٍ، المحكيِّ في «الكفاية» عن نصِّه في «الأمِّ»، وهو يحتمل وجهين: أن يتمضمض منها ثلاثًا ولاءً، ثمَّ يستنشق كذلك، وأن يتمضمض ثمَّ يستنشق، ثمَّ يفعل كذلك ثانيًا وثالثًا، وأَوْلى الكيفيَّات: أن يجمع بين ثلاث [9] غَرْفاتٍ يتمضمض من كلِّ واحدةٍ، ثمَّ يستنشق، فقد صحَّ من حديث عبد الله بن زيدٍ، وغيره، وصحَّحه النَّوويُّ، وتأتي بقيَّة الكيفيَّات _إن شاء الله تعالى_ في باب «المضمضة في الوضوء» [خ¦164] .

[1] في (ص) و(م): «البزَّار»، وهو تصحيفٌ.
[2] في (ص): «تمضمض».
[3] في (د): «أخذ غرفةً من ماءٍ فمضمض بها».
[4] قوله: «وسقط للأَصيليِّ وابن عساكر: «من ماءٍ»»، سقط من (ب) و(د) و(ص).
[5] «بغرفةٍ»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[6] في (ص): «قبض».
[7] في (م): «أذنه».
[8] قوله: «ولأبي الوقت: «النَّبيَّ»»، سقط من (د).
[9] في (ص) و(م): «بثلاث».





140- ( فَغَسَلَ بِهَا ) أي: بالغرفة، وللأَصِيلي وكريمة: «بهما»، أي: باليدين.

( ثمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ) لأبي داود: «ثمَّ قبض قبضة من الماء، ثمَّ نفض يده ثمَّ مسح رأسه»، وزاد النَّسائيُّ: «وأذنيه مرَّة واحدة»، ومن طريق أخرى: «باطنهما بالسَّبَّابتين وظاهرهما بإبهاميه»، وزاد ابن خزيمة: «وأدخل إصبعيه فيهما».

( فَرَشَّ ) أي: سكب الماء قليلًا بدليل قوله: «حين غسلها».


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

140- وبه قال: ((حدثنا)) وفي رواية بالإفراد ((محمد بن عبد الرحيم)) ؛ أي: ابن أبي زهير أبو يحيى البغدادي، المعروف بصاعقة، لُقِّب به؛ لسرعة حفظه، وكان بزازًا، المتوفى سنة خمس وخمسين ومئتين في شعبان ((قال: أخبرنا)) وفي رواية: (حدثنا) ((أبو سَلَمة)) بفتح السين واللام ((الخُزاعي)) بضم الخاء المعجمة ((منصور بن سَلمة)) ؛ بفتح المهملة: البغدادي، المتوفى بالمصيصة سنة عشرين ومئتين، أو عشر، أو سبع، أو تسع ومئتين ((قال: أخبرنا ابن بلال؛ يعني: سليمان)) : أبو محمد المدني، والعناية تحتمل من كلام المؤلف أو من كلام ابن عبد الرحيم، والظاهر الأول، ((عن زيد بن أَسْلم)) ؛ بفتح الهمزة وسكون السين المهملة، ((عن عطاء بن يَسار)) ؛ بفتح التحتية أوله بعدها سين مهملة، ((عن ابن عباس)) عبد الله رضي الله عنهما ((أنَّه)) أي: ابن عباس ((توضأ)) : زاد أبو داود في أوله: (أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله عليه السلام يتوضأ؟ فدعا بإناء فيه ماء) ، ((فغسل وجهه)) : من عطف المفصل على المجمل، ثم بين الغسل على وجه الاستئناف، فقال: ((أخذ غَرفة)) بفتح الغين ((من ماء)) بالمد ((فمضمض)) : وفي رواية: (فتمضمض) ؛ بالمثناة الفوقية ((بها واستنشق)) : وإنَّما ترك العاطف؛ لأنَّه بيان لغسل الوجه، فإن كان بيانًا والمضمضة والاستنشاق ليسا من غسل الوجه، وأجيب: بأنَّه أعطى لهما حكم الوجه؛ لكونهما في الوجه.

والمضمضة: تحريك الماء في الفم، وعند الفقهاء: استيعاب الماء جميع الفم، والإدارة والمج ليسا بشرط، فلو شرب الماء عبًّا _بالعين المهملة_؛ أجزأه، ولو مصًّا؛ لا يجزئه، كما في «فتح القدير»، لكن الأفضل أن يمجه؛ لأنَّه ماء مستعمل، كما في «السراج».

والاستنشاق: جذب الماء بريح الأنف إليه، وعند الفقهاء: إيصال الماء إلى المارن؛ وهو ما لان من الأنف، فالجذب ليس شرطًا فيه شرعًا بخلافه لغة، كما في «النهر الفائق».

ولفظ الراوي يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يجمع بينهما بغرفة يتمضمض منها، ثم يستنشق منها ثلاثًا، والثاني: أن يجمع بينهما أيضًا بغرفة لكن يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق، والوجهان قول للشافعي، وقال أحمد: إنَّه مخير بين أن يتمضمض ويستنشق ثلاثًا من غرفة أو بثلاث غرفات، فإنَّ عبد الله بن زيد روى عن النبي الأعظم عليه السلام: (أنَّه مضمض واستنشق ثلاثًا ثلاثًا من غرفة واحدة) ، وروى ابن ماجه: (أنَّه عليه السلام توضأ فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا من كف واحدة) ، وإن أفرد لكل عضو ثلاث غرفات؛ جاز؛ لأنَّ الكيفية في الغسل غير واجبة، كذا في «المغني الحنبلي».

والسنة عندنا: أن يتمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، يأخذ لكل واحدة ماءً جديدًا، ولو تمضمض ثلاثًا بغرفة واحدة؛ أقام السنة في المضمضة لا سنة التكرار، وأمَّا الاستنشاق؛ فلا يصح أن يكون التثليث من غرفة واحدة؛ لعدم انطباق الأنف على باقي الماء فيصير الباقي مستعملًا، كما في «الجوهرة» و«الشرنبلالية».

ويدل لما قلنا ما رواه الترمذي عن علي الصديق الأصغر: أنَّه غسل كفيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم،[/ص101/] ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ومدلوله ظاهر، وهو أن يتمضمض ثلاثًا يأخذ لكل مرة ماءً جديدًا، ثم يستنشق كذلك.

ويدل لذلك ما رواه الطبراني عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده كعب: أنَّ النبي الأعظم عليه السلام توضأ فمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، فأخذ لكل واحدة ماءً جديدًا، ورواه أبو داود في «سننه» وسكت عنه، وما سكت عنه؛ فهو صحيح، وأمَّا ما في حديث الباب وغيره مما ورد من أنَّه تمضمض واستنشق بكف واحد بماء واحد؛ فهو محمول على بيان الجواز، ويحتمل أنَّه فعل ذلك بكف واحد بمياه متعددة، والمحتمل لا تقوم به حجة، أو يُرَدُّ هذا المحتمل إلى المحكم الذي ذكرناه؛ توفيقًا بين الدليلين، وقد يقال: إنَّ المراد استعمال الكف الواحد بدون الاستعانة بالكفين، كما في الوجه، وقد يقال: إنَّه فعلهما باليد اليمنى؛ ردًّا على من يقول: يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى؛ لأنَّ الأنف موضع الأذى كموضع الاستنجاء، كذا في «المبسوط».

والسنة: أن يكون المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى، وقال بعضهم: المضمضة باليمنى، والاستنشاق باليسرى؛ لأنَّ الفم مطهرة، والأنف مقذرة، واليمين للأطهار، واليسار للأقذار، ولنا ما روى الحسن بن علي رضي الله عنهما: أنَّه استنثر بيمينه، فقال معاوية له: جهلت السنة، فقال: كيف أجهل والسنة من بيوتنا خرجت، أمَا علمت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليمين للوجه، واليسار للمقعدة»، كذا ذكره «صاحب البدائع».

والترتيب بينهما سنة، كما في «الخلاصة»؛ لأنَّه لم ينقل عن النبي الأعظم عليه السلام في صفة وضوئه إلا هكذا، فالمضمضة والاستنشاق في الوضوء سنة، وفي الغسل فرض؛ لأنَّهما من تمام البدن، ولا حرج في غسلهما، هذا مذهب الإمام الأعظم ومن قال بقوله، وقال مالك والشافعي: إنَّهما سنتان في الوضوء والغسل معًا، والمشهور عن أحمد: أنَّهما واجبتان فيهما كمذهبنا، وذهب داود إلى أنَّ الاستنشاق فرض في الوضوء والغسل، وأنَّ المضمضة سنة فيهما، والله تعالى أعلم.

((ثم أخذ غَرفة)) -بفتح الغين المعجمة- واحدة ((من ماء)) ؛ بالمد، و (من) : للبيان مع إفادة التبعيض، ((فجعل بها هكذا)) : وإنَّما عطف بـ (ثم) ؛ لوجود المهلة بين الغَرفتين، ثم بيَّن الإشارة بقوله: ((أضافها)) ؛ أي: الغرفة، فترك العاطف؛ لبيان الإشارة ((إلى يده الأخرى)) : بأن جعل الماء في يديه معًا؛ لكونه أمكن في الغسل، ((فغسل بها)) أي: بالغرفة ((وجهه)) وللأصيلي: (فغسل بهما) ؛ أي: باليدين، وظاهره أنَّه غسله مرة واحدة، وكذا فيما سيأتي؛ اقتصارًا على أدنى الوضوء، وعلى هذا فالظاهر أنَّ الغرفة الأولى تمضمض بها مرة، واستنشق بها مرة؛ ليطابق الجميع، كذا قيل، ((ثم أخذ غَرفة)) بفتح المعجمة ((من ماء)) ؛ بالمد، و (من) : للبيان مع إفادة التبعيض كما قلنا، ((فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة)) أخرى ((من ماء)) أيضًا ((فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه)) ؛ يعني: بعد أن قبض قبضة من الماء، (ثم نفض يده) ، كما في رواية أبي داود مع زيادة: (مسح أذنيه) ، ففي الحديث حذفٌ دل عليه ما رواه أبو داود، وقد خفي هذا على الكرماني فقدر المحذوف، زاد النسائي: (ومسح أذنيه مرة واحدة، باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه) ، وزاد ابن خزيمة: (وأدخل أصبعيه فيهما) انتهى.

ولا يصير الماء مستعملًا؛ لأنَّ الماء ما دام على العضو لا يوصف بالاستعمال، فإذا انفصل عنه؛ صار مستعملًا سواء استقر في مكان أو لا على المعتمد، وعليه الفتوى، وقيل: لا يوصف بالاستعمال إلَّا إذا استقر في مكان، والثمرة تظهر فيما لو وضع أحد يده مثلًا تحت ماء الوجه فغسلها به؛ فعلى الأول لا يجزئه، وعلى الثاني يجزئه، والأصح الأول.

((ثم أخذ غرفة من ماء فرشَّ)) ؛ أي: صبه قليلًا قليلًا حتى صار غسلًا ((على رجله اليمنى)) : فالمراد بالرش: الغسل؛ بدليل قوله: ((حتى)) ؛ أي: إلى أن ((غسلها)) لكن عبر عنه بالرش؛ احترازًا عن الإسراف الذي هو مظنة الرجلين، ووقع في رواية أبي داود والحاكم: (فرش على رجله اليمنى وفيها النعل، ثم مسحها بيديه؛ يد فوق القدم، ويد تحت النَّعل) ، والجواب: أنَّ المراد بالمسح الغسل؛ لأنَّ المسح في كلام العرب يكون غسلًا، كما قاله ابن الأعرابي وأبو زيد الأنصاري.

وأمَّا قوله: (تحت النَّعل) ؛ فمحمول على التجوز عن القدم على أنَّ هذه الرواية شاذة رواها هشام بن سعد، وهو ممن لا يحتج به عندهم عند الانفراد، فكيف إذا خالفه غيره؟! كذا في «عمدة القاري».

((ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله)) ؛ بغين معجمة وسين مهملة، من الغسل، كذا وقع في الأصول، وقال ابن التين: إنَّه بالعين المهملة، قال في «عمدة القاري»: إنَّه غريب، وتكلف، وتصحيف، والصواب ما في الأصول: (فغسل بها رجله) ، قال زيد بن أسلم أو من هو دونه من الرواة: ((يعني: اليسرى)) : وفي رواية: (فغسل بها؛ يعني: رجله اليسرى) .

((ثم قال)) أي: ابن عباس: ((هكذا رأيت رسول الله)) : ولأبي الوقت: (النبي) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم يتوضأ)) : جملة محلها النصب على الحال، وعبَّر بالمضارع؛ لأجل حكاية الحال الماضية، وفي رواية: (توضأ) ؛ بحذف التحتية، وفي الحديث: البداءة باليمين، وهو مستحب على الصحيح، كما صرح به الإمام القدوري، وتبعه صاحب «الملتقى»، و«التنوير»، وغيرهما.

قال ابن قدامة في «المغني»: التيامن مستحب، ولا نعلم قائلًا بخلافه، ولأنَّه لا يعقل فيها إلَّا شرف اليمين، وذلك لا يقتضي عدمه العقاب، واختار المحقق الكمال بن الهمام في «فتح القدير»: أنَّه سنة، وتبعه العلامة الشرنبلاليُّ في كتبه، فيستحب التيامن في الوضوء والغسل، وكذا في التيمم، وكذا في مسح الخف، كما حرره في «منهل الطلاب»، وأمَّا الأذنان والخدان؛ فلا يستحب التيامن فيهما؛ لأنَّ الأذنين تبع للرأس وهو عضو واحد، والخدين تبع للوجه وهو عضو واحد، فإن كان المتوضئ أقطع؛ بأن كان له يد واحدة أو كان في إحدى يديه علة ولا يمكنه مسحهما معًا؛ فيستحب له أن يبدأ بالأذن اليمنى ثم باليسرى، وكذا يستحب له أن يبدأ بغسل الخد الأيمن ثم بالأيسر، كما يستفاد من كلام السراج، فقولهم: لا يستحب التيامن فيهما؛ مقيَّد بالصحة، كذا في «منهل الطلاب»، والله أعلم.