إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: دفع رسول الله من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال

139- وبالسَّند إلى البخاريِّ رحمه الله تعالى قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بن [1] أبي عيَّاشٍ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة إحدى وأربعين ومئةٍ، ذي «المغازي» التي هي أصحُّ المغازي (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابن حارثة الكلبيُّ المدنيُّ، الحِبُّ ابن الحِبِّ، وأمُّه أمُّ أيمن، المُتوفَّى بوادي القرى سنة أربعٍ وخمسين، له في «البخاريِّ» سبعة عشر حديثًا (أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ) أي: رجع (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم مِنْ) وقوف (عَرَفَةَ) بعرفات، الأوَّل: غير مُنوَّنٍ، وهو اسمٌ للزَّمان؛ وهو التَّاسع من ذي الحِجِّة، والثَّاني: الموضع الذي يقف به الحاجُّ، وحينئذٍ فيكون المُضَاف فيه [2] محذوفًا (حَتَّى إِذَا كَانَ) عليه السلام (بِالشِّعْبِ) بكسر الشِّين المُعجَمَة وسكون العَيْن المُهمَلَة؛ الطَّريق المعهودة للحاجِّ (نَزَلَ) صلى الله عليه وسلم (فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ) بماء زمزم كما في «زوائد المُسنَد» بإسنادٍ حسنٍ (وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ) أي: خفَّفه لإعجاله [3] الدَّفع إلى المزدلفة، وفي «مسلمٍ»: «فتوضَّأ وضوءًا خفيفًا»، وقِيلَ: معناه: توضَّأ مرَّةً مرَّةً لكن بالإسباغ، أو خفَّف استعمال الماء بالنِّسبة إلى غالب عاداته، واستُبعِد القول بأنَّ المُرَاد به: الوضوء اللُّغويُّ، وأبعدُ منه القولُ بأنَّ المُرَاد به: الاستنجاء، وممَّا يقوِّي استبعاده: قوله في الرِّواية الآتية _إن شاء الله تعالى_ في «باب الرَّجل يوضِّئ صاحبه»: «أنَّه صلى الله عليه وسلم عدل إلى الشِّعب فقضى حاجته، فجعلت أصبُّ الماء عليه ويتوضَّأ» [خ¦181] إذ لا يجوز أن يصبَّ عليه أسامةُ إلَّا وضوء الصَّلاة؛ لأنَّه كان لا يقرب منه أحدٌ وهو على حاجته (فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ) بالنَّصب على الإغراء، أو بتقدير: «أتريد»؟ أو «أتصلِّي» [4] الصَّلاة (يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((قال)): (الصَّلَاةُ) بالرَّفع على الابتداء، وخبره: (أَمَامَكَ) بفتح الهمزة، أي: وقت الصَّلاة أو مكانها قدَّامك، وهو من قبيل ذكر الحالِّ وإرادة المحلِّ، وهو أعمُّ من أن يكون زمانًا أو مكانًا (فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ) بماء زمزم أيضًا (فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ) فإن قلت: لم أسبغ هذا الوضوء وخفَّف ذلك؟ أُجِيب: بأنَّ الأوَّل لم يُرِدْ به الصَّلاة، وإنَّما أراد به دوام الطَّهارة، وفيه: استحباب تجديد الوضوء وإن لم يصلِّ بالأوَّل، لكن ذهب جماعةٌ إلى أنَّه ليس له ذلك قبل أن يصلِّيَ به لأنَّه لم يُوقِع به عبادةً، ويكون كمن زاد على ثلاثٍ في وضوء واحدٍ، وهذا هو الأصحُّ عند الشَّافعيَّة، قالوا: ولا يُسنُّ تجديده إلَّا إذا صلَّى بالأوَّل صلاةً فرضًا أو نفلًا (ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ) قبل حطِّ الرِّحال (ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ) منَّا (بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ
ج1ص231
أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ) بكسر العَيْن وبالمدِّ، أي: صلاتُها (فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا) وتأتي مباحث الحديث في «كتاب الحجِّ» [خ¦1669] _إن شاء الله تعالى_ بعون الله وقوَّته.
ج1ص232


[1] في (ص): «عن»، وهو خطأٌ.
[2] في (ص): «إليه».
[3] في (د) و(ص): «لإعجال».
[4] في (د) و(م): «تصلِّي».