متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

138- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا)؛ بالجمع، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((حدَّثني)) (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن [1] المدينيِّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ، (عَنْ عَمْرٍو)؛ أي: ابن دينارٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (كُرَيْبٌ)؛ بضمِّ الكاف، وفتح الرَّاء، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره مُوحَّدَةٌ، ابن أبي مسلمٍ، القرشيُّ، مولى عبد الله بن عبَّاسٍ، المُكنَّى بأبي رِشْدِيْن؛ بكسر الرَّاء، وسكون المُعجَمَة، وكسر المُهمَلَة، وسكون المُثنَّاة التَّحتَّية، آخره نونٌ، المُتوفَّى بالمدينة سنة ثمانٍ وتسعين، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَامَ) مضطجعًا (حَتَّى)؛ أي: إلى أن (نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى)، وفي رواية ابن عساكر بإسقاط: ((ثمَّ صلَّى))، (وَرُبَّمَا قَالَ) سفيان: (اضْطَجَعَ) عليه الصلاة والسلام (حَتَّى)؛ أي: إلى أن (نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى)؛ أي: قالها بدون قوله: ((نام))، وبزيادة ((قام))، قال عليُّ بن المدينيِّ: (ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ تحديثًا (مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ)؛ أي: كان يحدِّثهم تارةً مُختَصرًا، وتارةً مُطوَّلًا، (عَنْ عَمْرٍو)؛ أي: ابن دينارٍ، (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ: بِتُّ) بكسر المُوحَّدَة (عِنْدَ خَالَتِي) أمِّ المؤمنين (مَيْمُونَةَ) بنت الحارث الهلاليَّة، (لَيْلَةً) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) مبتدئًا (مِنَ اللَّيْلِ)، وفي رواية ابن السَّكن: ((فنام [2] ))؛ مِنَ النَّوم، وصوَّبها القاضي عياضٌ لقوله: (فَلَمَّا كَانَ فِي)، وفي رواية الحَمُّوييِّ والمُستملي: ((من)) (بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ النَّبِيُّ)، وللأربعة: ((رسول الله)) [3] (صلى الله عليه وسلم فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ)؛ بفتح الشِّين المُعجَمَة، وتشديد النُّون؛ أي: من قربةٍ خَلِقَةٍ، (مُعَلَّقٍ) بالجرِّ صفةٌ لـ: «شنٍّ» على تأويله بالجلد أو الوعاء، وفي روايةٍ: ((مُعَلَّقةٍ)) بالتَّأنيث (وُضُوءًا خَفِيفًا)؛ بالنَّصب على المصدريَّة في الأولى، والصِّفة في الأخرى، (يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو) بن دينارٍ بالغسل الخفيف مع الإسباغ، (وَيُقَلِّلُهُ) بالاقتصار على المرَّة الواحدة، فالتَّخفيف من باب الكيف، والتَّقليل من باب الكمِّ، وذلك أدنى ما تجوز به الصَّلاة، (وَقَامَ) عليه الصلاة والسلام (يُصَلِّي)، وفي روايةٍ عنه: ((فصلَّى))، (فَتَوَضَّأْتُ) وضوءًا خفيفًا (نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ) صلى الله عليه وسلم، وفي روايةٍ تأتي إن شاء الله تعالى: ((فقمت فصنعت مثل ما صنع)) [خ¦183] ، وهي تردُّ على الكرمانيِّ حيث قال هنا: لم يقل: «مثلًا»؛ لأنَّ حقيقة مُماثَلَته صلى الله عليه وسلم لا يقدر عليها أحدٌ غيرُه. انتهى. ولا يلزم من إطلاق المثليَّة المُساوَاة من كلِّ وجهٍ، (ثُمَّ جِئْتُ [/ج1ص230/]

فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ: (عَنْ شِمَالِهِ)، وهو إدراجٌ من ابن المدينيِّ، (فَحَوَّلَنِي) عليه الصلاة والسلام، (فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى) عليه الصلاة والسلام (مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْمُنَادِي فَآذَنَهُ)؛ بالمدِّ؛ أي: أعلمه، وفي روايةٍ: ((يُؤْذِنُه))؛ بلفظ المضارع من غير فاءٍ، وللمُستملي: ((فناداه)) (بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ) المنادي (مَعَهُ) عليه الصلاة والسلام (إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى) عليه الصلاة والسلام، (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) من النَّوم، قال سفيان بن عُيَيْنَةَ: (قُلْنَا لِعَمْرٍو)؛ أي: ابن دينارٍ: (إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ)؛ ليعيَ الوحيَ إذا أُوحِيَ إليه في المنام، (قَالَ عَمْرٌو) المذكور: (سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ)؛ بالتَّصغير فيهما، ابن قتادة، اللَّيثيَّ المكيَّ التَّابعيَّ (يَقُولُ: رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ)، رواه مسلمٌ مرفوعًا، (ثُمَّ قَرَأَ: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}) [الصافات: 102] ، واستدلاله بهذه الآية من جهة أنَّ الرُّؤيا لو لم تكن وحيًا؛ لَما جاز لإبراهيم عليه السلام الإقدامُ على ذبح ولده.

[1] «ابن»: سقط من (س).
[2] في (ص): «فقام».
[3] قوله: «وللأربعة: «رسول الله»»، سقط من (ص).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

138-. حدَّثنا [1] عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، عن عَمْرٍو، قالَ: أخبَرَني كُرَيْبٌ:

عن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ [/ج1ص39/] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نامَ حَتَّىَ نَفَخَ، ثُمَّ صَلَّىَ [2] . وَرُبَّما قالَ: اضْطَجَعَ حَتَّىَ نَفَخَ، ثُمَّ قامَ فَصَلَّىَ.

ثُمَّ حدَّثنا بِهِ سُفْيانُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، عن عَمْرٍو، عن كُرَيْبٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قالَ: بِتُّ عِنْدَ خالتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَقامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كانَ فِي [3] بَعْضِ اللَّيْلِ، قامَ النَّبِيُّ [4] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا _يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ_ وَقامَ يُصَلِّي [5] ، فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عن يَسارِهِ _وَرُبَّما قالَ سُفْيانُ: عن شِمالهِ_ فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عن يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّىَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنامَ حَتَّىَ نَفَخَ، ثُمَّ أَتاهُ المُنادِي فَآذَنَهُ [6] بِالصَّلاةِ، فَقامَ مَعَهُ إلى الصَّلاةِ، فَصَلَّىَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قُلْنا لِعَمْرٍو: إِنَّ ناسًا يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنامُ عَيْنُهُ وَلا يَنامُ قَلْبُهُ. قالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: رُؤْيا الأَنْبِياءِ وَحْيٌ. ثُمَّ قَرَأَ: { إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ } [الصافات: 102] .

[1] في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حدَّثني».
[2] قوله: «ثم صلىَ» ليس في رواية ابن عساكر (و، ب، ص).
[3] في رواية أبي ذر عن الحَمُّويِي والمستملي: «من».
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «رسول الله».
[5] في رواية [عط] : «وقام فصلىَ».
[6] بهامش اليونينية دون رقم: «يُوذِنُه» كتبت بالحمرة، وفي رواية أبي ذر والمستملي: «فناداه».





138- ( فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ ) كَذَا لِأَكْثرهم: ( فقام ) من القيام، ورواه أبو ذر: «فنام» بالنون من النوم. قال القاضي: وهو الصواب؛ لأن بعده: ( فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قامَ ). [1]

( الشَّن ) بفتح الشين المعجمة: القربة الخَلَق.

( مُعَلَّقٍ ) ذكَّره على إرادة الجلد [2] ، ويروى: «معلقة» على الأصل.

( فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ ): بالمد، أي: أعلمه.

[1] قال ابن حجر رحمه الله: الذي في روايتنا من طريق أبي ذر: «فقام» كرواية الباقين، نعم هو في الصلاة بهذا الإسناد بلفظ: «فنام النبي صلى الله عليه وسلم»، والذي رواه بلفظ «فنام» هنا هو أبو علي بن السكن، قاله ابن قرقول، وليست الأولى خطأ كما يفهمه كلام القاضي فإن قوله: «فلما» تفصيل لما أجمل في قوله: «فقام»؛ فالفاء في قوله «فلما» تفصيلية.
[2] قوله: ( الشَّنُّ ) القربة. ( مُعلَّق ) ذكره على إرادة الجلد. أو الوعاء أو الإناء.





138# (كُرَيْبٌ) مصغَّراً [1] .

(فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ اللَّيْلِ) كذا لأكثرهم: ((فقام)) من القيام، وعند أبي ذرٍّ: <فنام> من النوم، قال القاضي: وهو الصَّواب؛ لأن بعده: ((فلما كان في بعض الليل، قام)).

(شَنٍّ) بفتح الشين المعجمة، هي القِرْبَةُ [2] الخَلَق.

(مُعَلَّقٍ) بالتذكير على إرادة الجلد، ويروى: ((معلقة)) على الأصل.

(يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ [3] ) استظهر ابن المنيِّر احتمالَ أن يكون المراد: فعلَهُ مرةً لم يُكثر فيها من الدَّلك، فيكون التخفيفُ راجعاً إلى عدمِ الإكثار من الدَّلك، والتَّقليل راجع إلى عدم التَّعداد، والمعنى: فعله [4] مرة واحدة بغير إكثارٍ من الدلك فيها، فهي قليلةٌ خفيفة، وتوصل بذلك إلى الاستدلال على إيجابِ الدلك حيث فعل أبلغَ ما يكون في الاختصار، ولم يختصره.

قلت: لا ينهضُ مجرَّد هذا حُجةً له، فتأمله.

[1] في (ق): ((مصغر)).
[2] في (ق): ((قربة)).
[3] في (ق): ((ويثقله)).
[4] في (ق): ((فعل)).





138- قوله: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله): تقدَّم أنَّ هذا عليُّ ابن المدينيِّ أعلاه، وتقدَّم أيضًا بعض ترجمته.

قوله: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ): هذا هو ابن عيينة، تقدَّم في أوَّل هذا التَّعليق شيء من ترجمته.

قوله: (عن عَمْرٍو): هذا هو ابن دينار المكِّيُّ الأثرم، تقدَّم شيء من ترجمته، لا قهرمان آل الزبير، هذا الثَّاني إِنَّمَا روى له التِّرمذيُّ وابن ماجه.

قوله: (ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ [1] سُفْيَانُ مرَّةً بَعْدَ مرَّةً): قائل هذا الكلام هو عليُّ ابن المدينيِّ، وهذا ظاهر جدًّا، لكن لا يضرُّ التَّنبيه عليه.

قوله: (فَقَامَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ): قال ابن قُرقُول ما لفظه: («فنام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من اللَّيل»: كذا لابن السَّكن، وعند جماعة: «فقام»، والأوَّل الصَّواب؛ لأنَّ بعده: «فلمَّا كان في بعض اللَّيل؛ قام فتوضَّأ»، ويبيِّنُه في الرِّواية الأخرى: «فنام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى انتصف اللَّيل أو قبله بقليل، ثمَّ استيقظ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم» [خ¦1198] ) انتهى.

قوله: (مِنْ شَنٍّ): الشَّنُّ؛ بفتح الشِّين المعجمة؛ ثمَّ نون مشددةَّ، والشنَّة مثله: القربة البالية، وضبطه بعضهم: بكسر الشِّين، قال ابن قُرقُول: (وليس بشيء) .

قوله: (مُعَلَّقٍ): إن قلت: لم لَمْ يقل: (معلَّقة) ؟

قلت: ذكره على إرادة السِّقاء، وجاء في هذا الكتاب في (التفسير): (معلقة) على [2] إرادة القربة، والله أعلم.

قوله: (فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ): تقدَّم أنَّ اليسار؛ بالفتح ويكسر، وتقدَّم أنَّ المحوَّلين من الشمال [3] إلى اليمين أربعة [4] أشخاص: عَبْد الله بن عبَّاس في «البخاريِّ» و«مسلم»، وجابر بن عَبْد الله بن عمرو بن حرام في «مسلم»، وجبَّار بن صخر في «مسند أحمد»، والله أعلم، (وحذيفة بن اليمان أيضًا حُوِّل، وسيأتي دليله) [5] .

قوله: (الْمُنَادِي): الظَّاهر أنَّه بلال رضي الله عنه. [/ج1ص75/]

قوله: (فَآذَنَهُ): هو بمدِّ الهمزة؛ أي: أعلمه.

قوله: (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ): قال شيخنا الشَّارح في مكان آخر غير هذا: (يجوز في [6] «من لَمْ يتوضَّأ» روايتان؛ إثبات الهمزة وسكونها علامة الجزم، وهو الأشهر في اللُّغة، وحذف الألف علامة الجزم؛ مثل: لَمْ يخشَ) انتهى، وقال شيخنا الإمام أَبُو جعفر أحمد بن مالك الرعينيُّ الغرناطيُّ الأندلسيُّ في شرح «ألفيَّة ابن عبد المعطي»: (فإنْ كانت الألف والياء والواو في الفعل المضارع ليست بأصل، وإنَّما هي مبدلة من همزة؛ نحو: «يقرا»؛ بسكون الألف، والأصل: «يقرأ»؛ بالهمز، و«يقريْ»؛ بسكون الياء، والأصل: «يُقْرِئُ»؛ بالهمز، و«يَوْضَوْ»؛ بسكون الواو، والأصل: «يوضَأُ»؛ بالهمز، فاختلف النحويُّون في جزم ذلك؛ فذهب ابن عصفور: أنَّ لك في ذلك وجهين؛ أحدهما: إبقاء حروف العلَّة، وعلامة [7] الجزم تسكين هذه الحروف؛ لأنَّها كانت متحرِّكة، الثَّاني: حذف هذه الحروف؛ تشبيهًا لها بالحروف الأصليَّة، وذهب الأستاذ أَبُو الحسن ابن [8] الضَّائع _ يعني: بالضَّاد المعجمة، وهو عالم غرناطة، أَبُو الحسن عليُّ بن محمَّد الكتَّانيُّ ابن الضَّائع الإشبيليُّ، مات عام ثمانين وستِّ مئة- إلى [9] أنَّه لا يجوز في جزم هذا النوع من الفعل حذف حرف العلَّة، وإنَّما علامة الجزم التسكين؛ لأنَّ تسهيل الهمزة لتخفيفها) انتهى ملخَّصًا، فيجوز في «ولم يتوضَّأ» ثلاثة أوجه: يتوضَّ، ويتوضَّأْ، ويتوضَّا، والله أعلم.

قوله: (قُلْنَا لِعَمْرٍو): قائل هذا هو سفيان بن عيينة، والظَّاهر أنَّ معه غيره؛ لأنَّه جمع، ولو كان القائل وحده [10] ؛ لقال: قلت لعمرو، ويحتمل أنْ يكون وحده [11] ، وتقدَّم أنَّ عمرًا: هو ابن دينار المكِّيُّ.

قوله: (سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ): (عُمَير): بضمِّ العين، وفتح الميم، ووالد عُمَير: قتادة بن سعد، وعبيد كنيته: أَبُو عاصم الجندعيُّ المكِّيُّ، قاصُّ مكَّة، عن أُبيٍّ، وعمر، وعائشة، وطائفة، وعنه: ابنه، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وآخرون، وثَّقه أَبُو زرعة وجماعة، وذكر ثابت البنانيُّ: (أنَّه قصَّ على عهد عمر) ، وهذا بعيد، توفِّي سنة (74 هـ ) ، أخرج له الجماعة.

قوله: (رُؤْيَا): تقدَّم الكلام عليها في أوَّل هذا التَّعليق، أنَّها بغير تنوين على وزن (فُعْلَى) ، وجمعها: رُؤًى، على وزن (رُعًى) ، قاله الجوهريُّ.

[1] (به): ليس في (ج) .
[2] (على): ليس في (ب) .
[3] (من الشمال): ليس في (ب) .
[4] في (ج): (ثلاثة) ، وكذا كانت في (أ) قبل الإصلاح.
[5] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[6] زيد في النسخ: (في) ، ولعلَّ الصواب حذفها.
[7] في (ب): (علامة) .
[8] (ابن): ليس في (ب) .
[9] (إلى): مثبت من (ب) .
[10] في (ج): (واحد) .
[11] في (ج): (واحد) .





138- (فَلَمَّا كَانَ): أي: رسولُ اللهِ، ويَحتملُ أنَّ (كَانَ) تامَّةٌ، و (مِنْ) زائدةٌ؛ أي: فلمَّا وُجِدَ بعضُ اللَّيلِ، وفي بعضِها: (فِي) بدل: (مِنْ) انتهى.

وقال بعضُهم: (ويَحتملُ أنْ تكونَ للتَّبعيضِ، وأنْ تكونَ بمعنى: «في»؛ كقوله تعالى: {مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] ).

فإنْ قلتَ: ما هذهِ الفاءُ الدَّاخلةُ على (فَلَمَّا) ؛ إذْ مضمونُ هذهِ الجملةِ نفسُ مضمونِ (فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ)، ولا بُدَّ مِنَ المغايرةِ بينَ المعطوفِ والمعطوفِ عليه؟

قلتُ: ليسَ نفسَ مضمونِه؛ إذِ الأوَّلُ مُجْمَلٌ، والثَّاني مُفَصَّلٌ.

(وَلَمْ يَتَوَضَّأْ): قال ابنُ الملقِّن: (يجوزُ إثباتُ الهمزةِ، وسكونُها علامةُ الجَزْمِ، وهو الأشهرُ في اللُّغةِ، وحذفُ الألفِ علامةُ الجَزْمِ؛ مثل: لم يَخْشَ).

وقال العلَّامةُ ابنُ هشام: (إذا كانَ حرفُ العِلَّةِ بدلًا مِنْ همزةٍ؛ كـ«يقرا»، و«يُقْرِي»، و«يَوْضُو»؛ فإنْ كانَ الإبدالُ بعدَ دخولِ الجازمِ؛ فهو إبدالٌ قياسيٌّ، ويَمتنعُ حينئذٍ الحذفُ؛ لاستيفاءِ الجازمِ مُقتضاهُ، وإنْ كانَ قبلَه؛ فهو إبدالٌ شاذٌّ، ويجوزُ مع الجازم الإثباتُ والحذفُ؛ بناءً على الاعتدادِ بالعارض وعدمِه، وهو الأكثر ) انتهى.

وقال الأستاذ أبو جعفر: (فإنْ كانتِ الألفُ والواو والياء في الفعلِ المضارع ليستْ بأصلٍ، وإنَّما هي مبدلةٌ من همزةٍ؛ نحو: «يَقْرا»؛ بسكون الألف، والأصل: يَقْرَأ؛ بالهمز، ويُقْرِيْ؛ بسكون الياء، والأصل: يُقْرِئ؛ بالهمز، ويَوضُو؛ بسكون الواو، والأصل: يَوضُؤ؛ بالهمز؛ فاختلف النَّحْويُّون في جَزْمِ ذلك:

فذهب ابنُ عُصفُورٍ[/ص32/] إلى أنَّ لك وجهين:

أحدُهما: إبقاءُ حروفِ العِلَّة، وعلامةُ الجَزْمِ تسكينُ هذه الحروفِ؛ لأنَّها كانت متحرِّكةً.

الثَّاني: حذفُ هذه الحروفِ تشبيهًا لها بالحروفِ الأصليَّةِ.

وذهب ابنُ الضَّائعِ: أنَّه لا يجوزُ في جَزْمِ هذا النَّوعِ من الفعل حذفُ حرفِ العِلَّة، وإنَّما علامةُ الجَزْمِ التَّسكينُ؛ لأنَّ تسهيلَ الهمزةِ كتخفيفها) انتهى.

فيجوزُ في (لَمْ يَتَوَضَّأ) ثلاثةُ أوجُهٍ: (يتوضَّ)، (يتوضَّا)، (يتوضَّأْ).


138- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا)؛ بالجمع، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((حدَّثني)) (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن [1] المدينيِّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ، (عَنْ عَمْرٍو)؛ أي: ابن دينارٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (كُرَيْبٌ)؛ بضمِّ الكاف، وفتح الرَّاء، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره مُوحَّدَةٌ، ابن أبي مسلمٍ، القرشيُّ، مولى عبد الله بن عبَّاسٍ، المُكنَّى بأبي رِشْدِيْن؛ بكسر الرَّاء، وسكون المُعجَمَة، وكسر المُهمَلَة، وسكون المُثنَّاة التَّحتَّية، آخره نونٌ، المُتوفَّى بالمدينة سنة ثمانٍ وتسعين، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَامَ) مضطجعًا (حَتَّى)؛ أي: إلى أن (نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى)، وفي رواية ابن عساكر بإسقاط: ((ثمَّ صلَّى))، (وَرُبَّمَا قَالَ) سفيان: (اضْطَجَعَ) عليه الصلاة والسلام (حَتَّى)؛ أي: إلى أن (نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى)؛ أي: قالها بدون قوله: ((نام))، وبزيادة ((قام))، قال عليُّ بن المدينيِّ: (ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ تحديثًا (مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ)؛ أي: كان يحدِّثهم تارةً مُختَصرًا، وتارةً مُطوَّلًا، (عَنْ عَمْرٍو)؛ أي: ابن دينارٍ، (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ: بِتُّ) بكسر المُوحَّدَة (عِنْدَ خَالَتِي) أمِّ المؤمنين (مَيْمُونَةَ) بنت الحارث الهلاليَّة، (لَيْلَةً) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) مبتدئًا (مِنَ اللَّيْلِ)، وفي رواية ابن السَّكن: ((فنام [2] ))؛ مِنَ النَّوم، وصوَّبها القاضي عياضٌ لقوله: (فَلَمَّا كَانَ فِي)، وفي رواية الحَمُّوييِّ والمُستملي: ((من)) (بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ النَّبِيُّ)، وللأربعة: ((رسول الله)) [3] (صلى الله عليه وسلم فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ)؛ بفتح الشِّين المُعجَمَة، وتشديد النُّون؛ أي: من قربةٍ خَلِقَةٍ، (مُعَلَّقٍ) بالجرِّ صفةٌ لـ: «شنٍّ» على تأويله بالجلد أو الوعاء، وفي روايةٍ: ((مُعَلَّقةٍ)) بالتَّأنيث (وُضُوءًا خَفِيفًا)؛ بالنَّصب على المصدريَّة في الأولى، والصِّفة في الأخرى، (يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو) بن دينارٍ بالغسل الخفيف مع الإسباغ، (وَيُقَلِّلُهُ) بالاقتصار على المرَّة الواحدة، فالتَّخفيف من باب الكيف، والتَّقليل من باب الكمِّ، وذلك أدنى ما تجوز به الصَّلاة، (وَقَامَ) عليه الصلاة والسلام (يُصَلِّي)، وفي روايةٍ عنه: ((فصلَّى))، (فَتَوَضَّأْتُ) وضوءًا خفيفًا (نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ) صلى الله عليه وسلم، وفي روايةٍ تأتي إن شاء الله تعالى: ((فقمت فصنعت مثل ما صنع)) [خ¦183] ، وهي تردُّ على الكرمانيِّ حيث قال هنا: لم يقل: «مثلًا»؛ لأنَّ حقيقة مُماثَلَته صلى الله عليه وسلم لا يقدر عليها أحدٌ غيرُه. انتهى. ولا يلزم من إطلاق المثليَّة المُساوَاة من كلِّ وجهٍ، (ثُمَّ جِئْتُ [/ج1ص230/]

فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ: (عَنْ شِمَالِهِ)، وهو إدراجٌ من ابن المدينيِّ، (فَحَوَّلَنِي) عليه الصلاة والسلام، (فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى) عليه الصلاة والسلام (مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْمُنَادِي فَآذَنَهُ)؛ بالمدِّ؛ أي: أعلمه، وفي روايةٍ: ((يُؤْذِنُه))؛ بلفظ المضارع من غير فاءٍ، وللمُستملي: ((فناداه)) (بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ) المنادي (مَعَهُ) عليه الصلاة والسلام (إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى) عليه الصلاة والسلام، (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) من النَّوم، قال سفيان بن عُيَيْنَةَ: (قُلْنَا لِعَمْرٍو)؛ أي: ابن دينارٍ: (إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ)؛ ليعيَ الوحيَ إذا أُوحِيَ إليه في المنام، (قَالَ عَمْرٌو) المذكور: (سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ)؛ بالتَّصغير فيهما، ابن قتادة، اللَّيثيَّ المكيَّ التَّابعيَّ (يَقُولُ: رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ)، رواه مسلمٌ مرفوعًا، (ثُمَّ قَرَأَ: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}) [الصافات: 102] ، واستدلاله بهذه الآية من جهة أنَّ الرُّؤيا لو لم تكن وحيًا؛ لَما جاز لإبراهيم عليه السلام الإقدامُ على ذبح ولده.

[1] «ابن»: سقط من (س).
[2] في (ص): «فقام».
[3] قوله: «وللأربعة: «رسول الله»»، سقط من (ص).





138- ( وَرُبَّمَا قَالَ ) أي: سفيان.

( لَيْلَةً فَقَامَ ): بالقاف، ولابن السَّكن: «فنام» بالنُّون.

( فِي بَعْضِ اللَّيْلِ ) للكُشْمِيهنيِّ: «مِنْ».

( شَنٍّ ): بفتح المعجمة وتشديد النُّون: القربة العتيقة.

( مُعَلَّقٍ ) ذكَّره على إرادة الجلد أو الوعاء، وفي موضع آخر: «معلَّقة».

( فَآذَنَهُ ) بالمدِّ: أعلمه، وللمُسْتملي: «فناداه».

( تَنَامُ عَيْنُهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ ) قال الخطَّابيُّ: إنَّما منع قلبه النَّوم ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه.

( رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ): هو حديث مرفوع رواه مسلم. [/ج1ص298/]


35/138# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ:

@%ص55%

حدَّثنا سُفْيانُ، عن عَمْرٍو، قالَ: أخبَرني كُرَيْبٌ:

عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قالَ: بِتُّ عِنْدَ خالتِي مَيْمُونَةَ، فَقامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ اللَّيْلِ، فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ [1] مُعَلَّقٍ وُضُوءاً خَفِيفاً، وَقامَ يُصَلِّي، فَتَوَضَّأْتُ نَحْواً مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عن يَسارِهِ _وَرُبَّما قالَ سُفْيانُ: عن شِمالهِ_ فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عن يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّىَ ما شاءَ اللهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنامَ حَتَّىَ [2] نَفَخَ، ثُمَّ أَتاهُ المُنادِي يُؤْذِنُه بِالصَّلاةِ، فَقامَ، فَصَلَّىَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.

[1] في (ر): (شيء) تصحيفاً.
[2] (حتى) سقطت من (ط).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

138- وبه قال: ((حدثنا)) بالجمع، وفي رواية: بالإفراد ((علي بن عبد الله)) المديني ((قال: حدثنا سفيان)) : هو ابن عيينة، ((عن عَمرو)) : هو ابن دينار المكي أنَّه ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((كُرَيْب)) ؛ بضم الكاف، وفتح الرَّاء، وسكون التحتية، آخره موحدة: ابن أبي مسلم القرشي، مولى عبد الله بن عباس، المكنى بأبي رِشْدِيْن _بكسر الرَّاء، وسكون الشين المعجمة، وكسر الدَّال المهملة، وسكون التحتية، آخره نون_، المتوفى بالمدينة سنة ثمان وتسعين، وهو من أفراد الكتب الستة؛ فافهم، ((عن ابن عباس)) رضي الله عنهما : ((أنَّ النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم نام)) : جملة محلها الرفع خبر (أنَّ) ؛ أي: مضجعًا ((حتى)) للغاية؛ أي: إلى أن ((نَفَخ)) ؛ بفتح النُّون والخاء؛ أي: خيشومه وهو المعبر عنه بالغطيط، ((ثم صلى)) : وفي رواية: بإسقاط (ثم صلى) ((وربما)) : أصله للتقليل، وقد تستعمل للتكثير، وهنا تحتمل الأمرين، ((قال)) أي: سفيان: ((اضطجع)) عليه السلام ((حتى)) أي: إلى أن ((نفخ، ثم قام فصلى)) : والاضطجاع: وضع الجنب بالأرض لغة، والمراد به: النوم، فبين قوله: (نام حتى نفخ) وبين قوله: (اضطجع حتى نفخ) مساواة، والمراد أنَّ سفيان قال: (اضطجع حتى نفخ) بدل قوله: (نام حتى نفخ) ، ولفظة (قام) لا بد منها في الروايتين؛ لأنَّ التقدير في الأولى: نام حتى نفخ ثم قام فصلى، وتقدير الثانية: اضطجع حتى نفخ ثم قام فصلى، فما زعمه الكرماني وابن حجر ليس بشيء، كما لا يخفى.

قال ابن المديني: ((ثم حدثنا به)) ؛ أي: بالحديث ((سفيان)) ابن عيينة تحديثًا ((مرةً بعد مرة)) ؛ فهو بالنصب صفة لمصدر محذوف، وقوله: (بعد مرة) : كلام إضافي صفة لـ (مرة) ؛ يعني: أنَّه كان يحدثهم به تارة مختصرًا وتارة مطولًا، ((عن عَمرو)) أي: ابن دينار، ((عن كُريب)) : مولى ابن عباس، ((عن ابن عباس)) رضي الله عنهماأنَّه ((قال: بِتُّ)) ؛ بكسر الباء الموحدة، من بات يبيت بيتوتة ((عند خالتي)) : أم المؤمنين ((ميمونة)) : غير منصرفة؛ للعلمية والتأنيث، بنت الحارث الهلالية، وأختها لُبابة _بضم اللام وبالموحدتين_ زوجة العباس عم النبي الأعظم عليه السلام أم عبد الله والفضل وغيرهما ((ليلةً)) ؛ بالنصب على الظرفية، ((فقام النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) مبتدئًا ((من الليل)) : فمعنى (من) الابتداء، أو قام من مضيِّ زمن من الليل، وفي رواية: (فنام) من النوم، وصوبها القاضي عياض؛ لقوله: ((فلمَّا)) : الفاء للعطف المحض، خلافًا لما زعمه ابن حجر ((كان)) ؛ أي: وجد، فهي تامة ((في)) : وفي رواية: (من) ((بعض الليل)) : ولفظة (في) زائدة؛ كقوله تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا} [هود: 41] ؛ أي: اركبوها، ولفظة: (من) في الرواية الأخرى زائدة أيضًا، وجواب (لمَّا) قوله: ((قام النبي)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم)) : وقيل: إنَّ (كان) ناقصة، واسمها عائد لـ (الرسول) .

((فتوضأ)) : وضوءه للصلاة ((من شَنٍّ)) ؛ بفتح الشين المعجمة وتشديد النُّون؛ أي: من قربة خلقة ((معلقٍ)) ؛ بالجر صفة لـ (شَنٍّ) على تأويله بالجلد، وفي رواية: (معلقة) ؛ بالتأنيث؛ لتأويله بالقربة ((وضوءًا خفيفًا)) ؛ بنصب الأول على المصدرية، ونصب الثاني على أنَّه صفته، ((يخففه عَمرو)) ؛ أي: ابن دينار، وهذا إدراج من سفيان بين كلام ابن عباس، والمراد به أن يكون بين الوضوءين، وليس المراد منه ترك الإسباغ، بل الاكتفاء بالمرة الواحدة مع الإسباغ، ((ويقلله)) ؛ أي: عمرو [1] بالاقتصار على مرة مرة، فالتخفيف يقابله التثقيل، فهو من باب الكيف، والتقليل يقابله التكثير، فهو من باب الكمِّ، وليس فيه دليل على وجوب الدلك كما زعمه ابن بطال؛ لأنَّ قوله: (يخففه) ينافي الدلك، فكيف يكون فيه دليل على وجوبه؟ ولا شك أنَّ وجوب الدلك زيادة على النص؛ وهو غير جائز، فلا يعول عليه، والجملتان محلهما النصب صفتان لقوله: (خفيفًا) .

((وقام)) عليه السلام ((يصلي)) : وفي رواية: (فصلى) ، والجملة محلها النصب على الحال من الضمير الذي في (قام) ((فتوضأت)) ؛ أي: وضوءًا خفيفًا ((نحوًا)) ؛ بالنصب صفة لمصدر محذوف؛ أي: توضأ نحوًا ((مما توضأ)) عليه السلام، و (ما) يجوز أن تكون موصولة أو أن تكون مصدرية، وفي رواية تأتي: (فقمت فصنعت مثل ما صنع) ، وهي ترُدُّ على الكرماني؛ حيث زعم هنا أنَّه لم يقل: (مثلًا) ؛ لأنَّ حقيقة مماثلته عليه السلام لا يقدر عليها أحد غيره، انتهى.

ولا يلزم من إطلاق المثلية المساواة من كل وجه؛ فافهم.

قال ابن عباس: ((ثم جئت فقمت عن يساره)) ؛ أي: مجاوزًا، فمعنى (عن) : المجاوزة وتحتمل الظرفية، ((وربما قال سفيان)) ابن عيينة: ((عن شِماله)) ؛ بكسر الشين المعجمة: الجارحة، خلاف اليمين، وبالفتح: الريح التي تهب من ناحية القطب، وهي خلاف الجنوب، وهذا إدراج من علي ابن المديني، ((فحولني)) ؛ بالحاء المهملة، من التحويل؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام ((فجعلني عن يمينه، ثم صلى)) عليه السلام ((ما شاء الله)) : وذلك بأن جذبه فأداره من خلفه لا من قدامه؛ لئلا يمر بين يديه فإنَّه مكروه، ولم يذكر كيفية التحويل، ففي رواية: (أخذ برأسه فجعله عن يمينه) ، وفي أخرى: (وضع يده اليمنى على رأسي، فأخذ بأذني يفتلها) ، وفي أخرى: (فأخذ برأسي من ورائي) ، وفي بعضها: (بيدي أو عضدي) ، والرواية الثانية جامعة لهذه الروايات، وكلها عند المؤلف، فيستفاد منه أنَّ السُّنة أن يقوم المقتدي الواحد عن يمين الإمام، وهو مذهب الإمام الأعظم كما هو المنصوص عليه في كتب المذهب متونًا وشروحًا وفتاوًى، فإن وقف عن يساره أو خلفه؛ جاز ويكون مسيئًا، فما زعمه ابن بطال من أنَّ مذهب الإمام الأعظم: أن يقوم الواحد خلف الإمام؛ خطأ ظاهر، ووهم عاهر، وافتراء وجرأة، وسوء أدب، وجهل بالأحكام، وهو دليل على قلة علمه وأدبه.

((ثم اضطجع)) عليه السلام ((فنام حتى)) أي: إلى أن ((نفخ ثم أتاه المنادِي)) ؛ بكسر الدَّال؛ أي: المؤذن بلال أو غيره ((فآذنه)) ؛ بالمد؛ أي: أعلمه، وفي رواية: (يؤذنه) ؛ بلفظ المضارع بدون الفاء، وفي أخرى: (فناداه) ((بالصلاة)) ؛ أي: صلاة الفجر، كما لا يخفى، ((فقام)) أي: المنادِي ((معه)) عليه السلام ((إلى الصلاة)) : ويجوز أن يقال: فقام النبي عليه السلام مع المنادي إلى الصلاة، وما زعمه الكرماني؛ فليس بشيء، ((فصلى)) عليه السلام ((ولم يتوضأ)) من النوم، قال سفيان بن عيينة: ((قلنا لعمرو)) أي: ابن دينار: ((إن ناسًا)) ؛ بغير همز في الأول؛ أي: جماعة ((يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه)) ؛ أي: ليعي الوحي إذا أوحي إليه في المنام، وهذا حديث صحيح كما سيأتي من وجه آخر، ففيه: دليل على أنَّ النوم ليس حدثًا، بل مظنته والنبي الأعظم عليه السلام كان لا ينام قلبه، فلو أحدث؛ لعلم بذلك، ولهذا تارة كان يتوضأ إذا قام من النوم، وتارة لا يتوضأ.

((قال عمرو)) المذكور: ((سمعت عبيد بن عمير)) ؛ بالتصغير فيهما؛ أي: ابن قتادة الليثي المكي، قاضي مكة، مات قبل ابن عمر، وعبيد هذا من كبار التابعين، وقيل: إنَّه رأى النبي الأعظم عليه السلام، وعمير من الصحابة ((يقول: رؤيا الأنبياء وحي)) : رواه مسلم مرفوعًا عن أنس في (التوحيد) ، والرؤيا: مصدر؛ كـ (الرجعى) ، تختص برؤيا المنام، كما اختص الرأي بالقلب والرؤية بالعين، فإذا كانت وحيًا؛ فيترتب عليها ما يترتب على الوحي يقظة؛ لأنَّها حق.

((ثم قرأ)) أي: عبيد بن عمير: (({إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي[/ص99/] أَذْبَحُكَ})) [الصافات: 102] : وجه الاستدلال بالآية من جهة أنَّ الرؤيا لو لم تكن وحيًا؛ لما جاز لإبراهيم عليه السلام الإقدام على ذبح ولده؛ لأنَّه محرَّم، فلولا أنَّه أبيح له في الرؤيا بالوحي؛ لما ارتكب الحرام؛ لأنَّه معصوم عنه كغيره من الأنبياء.

واختلف في الذبيح؛ فقيل: إنَّه إسحاق، وقيل: إسماعيل وهو الأصح، وقال الداودي: قول ابن عمير لا تعلق له بالباب، ورُدَّ بأنَّه ما زاده إلا لأجل أنَّ فيه من نوم العين دون نوم القلب، ولم يلتزم المؤلف ألَّا يذكر من الحديث إلا ما يتعلق بالترجمة فقط، وهذا لم يشترطه أحد.

وفي الحديث: أنَّ نومه عليه السلام مضطجعًا لا ينقض الوضوء، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام؛ لأنَّ يقظة قلوبهم تمنع عنهم الحدث، وما روي أنَّه عليه السلام توضأ بعد النوم؛ فذلك لعلمه أنَّه استثقل يومًا فاحتاج إلى الوضوء معه، أو أنَّه أحس بالحدث.

وفيه: جواز مبيت من لم يحتلم عند مَحرَمِه.

وفيه: مبيته عند الرجل مع أهله، وقد روي: أنَّها كانت حائضًا.

وفيه: جواز الإمامة في النافلة وصحة الجماعة فيها.

وفيه: جواز ائتمام واحد بواحد، وجواز ائتمام صبي ببالغ.

وفيه: أنَّ أقل الوضوء المجزئ إذا أسبغ مرة مرة مع التقاطر ولو قطرة واحدة.

وفيه: التعليم بالصلاة إذا كان بحركة، لا بحركات، فإنَّه مبطل.

وقال الداودي: فيه: أنَّ النوم الخفيف غير ناقض، ورُدَّ بأنَّه لا دلالة على ما قاله، فإنَّ نومه عليه السلام ليس خفيفًا، بل هو نوم معتاد وهو ناقض في حقِّنا.

وفيه: أنَّ النافلة كالفريضة في تحريم الكلام؛ لأنَّه عليه السلام لم يتكلم.

وفيه: دليل على منع الكلام في الصلاة مطلقًا ولو حرفًا واحدًا مفهمًا، وهو مذهب الإمام الأعظم، وهو حجة على الشافعي في إباحته الكلمة؛ لأنَّه لا دليل عليه.

وفيه: أنَّ الأدب أن يمشي الصغير عن يمين الكبير، والمفضول عن يمين الفاضل، وتمامه في «عمدة القاري».

[1] في الأصل: (عمر) ، وليس بصحيح.