متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) [1]

(كِتَابُ البيوع) جمعُ: بيعٍ، وجُمِعَ لاختلافِ أنواعه؛ كبيعِ العينِ، وبيعِ الدَّينِ، وبيع المنفعة، والصَّحيحِ والفاسد، وغير ذلك، وهو في اللُّغة: المبادلةُ، ويُطلقُ أيضًا على الشِّراء، قال الفرزدق: [من الكامل]

~ إنَّ الشَّبابَ لَرابحٌ مَن باعهُ والشَّيبُ ليس لبائِعيه تِجارُ

يعني: من اشتراه، ويطلق الشِّراء أيضًا على البيع؛ نحو: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20] قيل: وسُمِّي البيعُ بيعًا؛ لأنَّ البائعَ يمدُّ باعه إلى المشتري حالة العقد غالبًا؛ كما يُسمَّى صفقةً؛ لأنَّ أحد المتبايعين يصفِّق يده على يد صاحبه، لكن رُدَّ كون البيع مأخوذًا من الباع؛ لأنَّ البيع يائيُّ العين، والباع واويٌّ، تقول منه: بُعْت الشيء؛ بالضَّمِّ، أبوعه بوعًا؛ إذا قستَه بالباع، واسم الفاعل من باع: بائعٌ: بالهمز، وتركه لحنٌ [2] ، واسم المفعول: مَبِيعٌ، وأصله: مَبْيُوعٌ، قيل: حُذِفت الياء؛ لأنَّ [3] الذي حُذِف من «مبيعٍ» واو مفعولٍ لزيادتها، وهي أَولى بالحذف، وقال الأخفش: المحذوف عين الفعل؛ لأنَّهم لمَّا سكَّنوا الياء؛ ألقَوا حركتها على الحرف الذي قبلها، فانضمَّت، ثم أبدلوا من الضمَّةِ كسرةً؛ للياء التي بعدها، ثم حُذِفت الياء، وانقلبت الواو ياءً؛ كما انقلبت واو «ميزانٍ» للكسرة، قال المازنيُّ [4] : كلا القولين حسنٌ، وقول الأخفش أقيس.

والبيع في الشَّرع: مقابلةُ مالٍ قابلٍ للتَّصرُّف بمالٍ قابلٍ للتَّصرُّف مع الإيجاب والقبول على الوجه المأذون فيه [5] ، وحكمته: نظام [6] المعاشِ وبقاء العالم؛ لأنَّ حاجة الإنسان تتعلَّق بما في يد صاحبه غالبًا، وقد لا يبذلها له بغير المعاملة، وتُفضي إلى التَّقاتل والتَّنازع وفناء العالم واختلال [7] نظام المعاش وغير ذلك، ففي تشريع البيع وسيلةٌ إلى بلوغ الغرض من غير حرجٍ، ومن ثمَّ عقَّب المؤلِّف كغيره المعاملات بالعبادات؛ لأنَّها ضروريَّةٌ، وأخَّر النِّكاح؛ لأنَّ شهوته متأخِّرةٌ عن شهوة الأكل والشُّرب ونحوهما، وقد ثبتت البسملةُ مقدَّمةً قبل «كتاب» في «الفرع»، ومؤخَّرةً عنه [8] لأبي ذرٍّ.

(وقولِ الله عزَّ وجلَّ)؛ بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق: ({وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ [9] وَحَرَّمَ الرِّبَا}) [البقرة: 275] ، لمَّا ذمَّ الله أَكَلَة الرِّبا بقوله تعالى: {الَّذِينَ [/ج4ص3/] يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275] ، وأخبر أنَّهم اعترضوا على أحكام الله تعالى، وقالوا: البيع مثل الرِّبا، فإذا كان الرِّبا حرامًا؛ فلا بدَّ أنْ يكون البيع كذلك، فردَّ [10] الله عليهم بقوله: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، واللَّفظ لفظ العموم، فيتناول كلَّ بيعٍ، فيقتضي إباحة الجميع، لكن قد منع الشَّارع بيوعًا أخرى وحرَّمها، فهو عامٌّ في الإباحة، مخصوصٌ بما لا يدلُّ الدَّليل على منعه، وقال إمامنا الشَّافعيُّ فيما رأيته في كتاب «المعرفة» للبيهقيِّ: وأصل البيوع [11] كلِّها مباحٌ، إذا كانت برضا المتبايعين الحائزين الأمر فيما تبايعا، إلَّا ما نهى عنه رسول الله [12] صلَّى الله عليه وسلَّم منه، أو ما [13] كان في معنى ما نهى عنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم انتهى.

(وقوله) بالجرِّ عطفًا على سابقه، ويجوز الرَّفع على الاستئناف: ({إِلَّا أَنْ تَكُونَ}) التِّجارة ({تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ}) [البقرة: 282] استثناءٌ من الأمر بالكتابة، والتِّجارة الحاضرة تعمُّ المبايعة بدينٍ أو عينٍ، وإدارتها بينهم: تعاطيهم إيَّاها يدًا بيد؛ أي: إلَّا أن تتبايعوا يدًا بيد؛ فلا بأس ألَّا تكتبوا؛ لبعده عن التَّنازع والنِّسيان، قاله البيضاويُّ، وقال الثَّعلبيُّ: الاستثناء منقطعٌ؛ أي: لكن إذا كانت تجارةٌ؛ فإنها ليست بباطلٍ، فأوَّل هذه الآية يدلُّ على إباحة البيوع المؤجَّلة، وآخرها على إباحة التِّجارة في البيوع الحالَّة، وسقطت الآيتان في رواية أبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر.

[1] في (م) زيادة: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم الحمد الله على إنعامه وإفضاله، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. وبالسَّند إلى الإمام البخاريِّ قال:»، وزيد في (ص) قبله: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم».
[2] في هامش (ص): «قوله: وتركه لحنٌ: قال في «المغني»: الفقهاء يلحنون في قولهم: البايع بغير همز، انتهى، وفي «الممتع» لابن عصفور: وأُبدِلت _أي: الهمزة_ باطِّرادٍ من الواو والياء إذا وقعتا عينينِ في اسم الفاعل بعد ألفٍ زائدةٍ؛ بشرط أن يكون الفعل الذي أُخذ منه اسمُ الفاعل قد اعتلَّت عينه؛ نحو: قائم وبائع، تحرَّكت الواو والياء وقبلهما فتحةٌ، وليس بينهما وبينها إلَّا الألف الزَّائدة، وهي حاجزٌ غير حصين، وقد كانتِ الواوُ والياء قد اعتلَّتا في الفعل في «قام وباع»، فاعتلَّت في اسم الفاعل؛ حملًا على الفعل، فقُلِبت ألفًا، فاجتمع ساكنان، فأُبدِل من الثَّانية همزة، وحُرِّكت؛ هروبًا من التقاء السَّاكنين، وكانت حركتُها الكسرَ على أصل التقاء ساكنين، فإن صحَّ حرف العلَّة في الفعل؛ صحَّ في اسم الفاعل؛ نحو: عاور، المأخوذ من عور، ولا يجوز اللفظ بالأصل في «قائم وبائع»، لا تقول: قايم ولا بايع. انتهى المراد منه، من خطِّ شيخنا رحمه الله تعالى، انتهى. العجمي».
[3] «حذفت الياء؛ لأنَّ»: سقط من (ب) و(س).
[4] في (د1): «الماوردي»، ولعلَّه تحريفٌ.
[5] في هامش (ص): «وأحسن ما قيل في حدِّه أنَّه عقد معاوضةٍ ماليةٍ تفيد ملك عينٍ، أو منفعةٍ على التَّأبيد، لا على وجه القربة، انتهى. فخرج بقولنا: «معاوضة» نحو الهبة والصدقة، وبقولنا: «ماليَّة» النكاح، فإنَّه وإن كان فيه مال ليس المقصود منه ذلك، وإنما المقصود البضع، وبقولنا: «تفيد ملك العين» خرج به الإجارة، وبقولنا: «على التأبيد» مدخل [الإجارة أيضًا] ، ، و بقولنا: «لا على وجه القربة» [القرض] ».
[6] في (د1): «انتظام».
[7] في (ص) و(م): «واختلاف».
[8] في (م): «فيه».
[9] في هامش (ص): «قوله: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ} فرعٌ: قال قوم: التِّجارة أحلُّ المكاسب وأطيبها، قال الماورديُّ: وهو أشبه بمذهب الإمام الشافعيِّ، وقال آخرون: الزِّراعة على المعتمد، ثمَّ الصناعة، ثمَّ التجارة، ورجَّحه النَّوويُّ؛ لما في «البخاريِّ»: «ما أكل أحد طعامًا خيرًا من عمل يده»، قال: فهذا تصريح في ترجيح الزِّراعة والصَّنعة، لكنَّ الزراعة أفضل؛ لعموم نفعها والحاجة إليها، وقال آخرون: الصِّناعة أطيب، انتهى. «ابن قاسم»».
[10] في (ب) و(س): «ردَّ».
[11] هنا نهاية السقط من (د).
[12] «رسول الله»: ليس في (د).
[13] «ما»: ليس في (ص).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(34) كِتَابُ البُيُوعِ [1]

وَقَوْل اللهِ عَزَّ وَجلَّ: { وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } [البقرة:275]

وَقَوْله: { إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةًٌ حَاضِرَةًٌ [2] تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } [3] [البقرة:282]

[1] البسملة مؤخَّرة عن الكتاب في رواية أبي ذر.
[2] قوله: «تِجَارَة حَاضِرَة» ضبط بالنصب والرفع في (ب، ص)، وأهمل ضبطه في (ن)، وبالنصب ضبط في (و) وبه قرأ عاصم، وبالرفع قرأ الباقون.
[3] من قوله: «وقول الله عَزَّ وَجلَّ» إلىَ قوله: «{ بَيْنَكُمْ }» ليس في رواية ابن عساكر وأبي ذر، وزاد في (ب، ص) نسبة عدم وجوَّده إلىَ رواية السمعاني عن أبي الوقت أيضًا.





( كتاب البيوع إلى الشهادات )


((34)) (كِتَابُ البُيُوعِ) جمع: بَيع، وإنما جُمع؛ لإرادة الأنواع.

قال شيخُنا أبو عبد الله بن عرفة: والبيعُ يُطلق باعتبارين: أَعَمَّ، وأَخَصَّ؛ فالأَعَمُّ: عقد معاوضةٍ على غيرِ منافعَ ولا متعةِ لذةٍ، فيخرجُ النكاحُ، وتدخل هبةُ الثواب، والصرفُ، والمراطلة.

والأَخَصُّ: هو [1] الغالب بحسب العرف، ويعرَّف بقولنا: عقدُ معاوضةٍ على غيرِ منافعَ، ولا متعةِ لذةٍ [2] ذو مكايسة [3] ، معيَّن غير العين فيه، فتخرج الأربعةُ، والسَّلَم، والإجارةُ خارجةٌ منهما.

وقال ابن عبد السلام شارحُ ابنِ الحاجب: معرفة حقيقته ضرورية حتى الصبيان.

وعرفه بعضُهم: بأنه دفعُ عوضٍ في مُعَوَّضٍ، فيدخل الفاسدُ.

وخصَّص بعضُهم تعريفَ الحقائق الشرعية بصحيحها؛ لأنه المقصودُ بالذات، ومعرفتُه تستلزم معرفةَ الفاسد أو أكثره، فقال: نقلُ الملكِ بعوضٍ؛ لاعتقاده أن الفاسدَ لا ينقلُ الملكَ، بل شُبهته، وذكرُ لفظِ [4] العِوَض فيها خللٌ؛ لأنه لا يُعرف إلا بعد معرفة البيع، أو ما هو ملزوم له.

قال شيخنا: والمعلوم ضرورةً وجودُه عند وقوعه؛ لكثرة تكرره، ولا يلزم منه علمُ حقيقته حسبما تقدم [5] في الحجِّ، والتعريف الأول [6] إلا ببيع المعاطاة، والثاني: لا يتناول شيئاً من البيع؛ لأن نقل الملك لازمٌ للبيع أعمُّ منه، وكونُه بعوض يخصصه بالبيع عن الهِبَة والصدقة، وليس هو نفس البيع،

@%ج1ص544%

ويدخلُ فيه النكاح والإجارة.

وقول ابن عبد السلام [7] : العوضُ أخصُّ من البيع يُرَدُّ بأنه أعمُّ منه؛ لثبوته في النكاح وغيره، فقد قال ابن بشير: النكاحُ: العقدُ على العِوضِ [8] بعِوَضٍ.

وقال ابن سِيدَه: العِوض: البدل.

وقسَّم النُّحاة التنوين أقساماً: أحدُها: تنوينُ عِوَضٍ، والأصل عدم النقل.

[1] من قوله: ((النكاح فتدخل... إلى... قوله: هو)): ليس في (ج).
[2] من قوله: ((فيخرج النكاح... إلى... قوله: متعة لذة)): ليس في (د).
[3] في (ق): ((ومكايسة)).
[4] ((لفظ)): ليست في (ج).
[5] من قوله: ((ضرورة وجوده... إلى... قوله: تقدم)): ليس في (ق).
[6] في (ق) زيادة: ((لا يتناول)).
[7] من قوله: ((والصدقة وليس... إلى... قوله: السلام)): ليس في (ق).
[8] في (ق): ((البضع)).





(كِتَاب البُيُوع) ... إلى (باب السُّهُولَة والسَّمَاحَة...) إلى آخر الترجمة

تنبيه: لمَّا فرغ البخاريُّ [1] من العبادات المقصود بها التَّحصيل الأخرويُّ؛ شرع في بيان المعاملات المقصود بها التَّحصيل الدُّنيويُّ، فقدَّم العبادات؛ للاهتمام بها، ثمَّ ثنَّى بالمعاملات؛ لأنَّها ضروريَّة، وأخَّر النِّكاح؛ لأنَّ شهوته متأخِّرة عن الأكل ونحوه، وأخَّر الجنايات والمخاصمات؛ لأنَّ وقوع ذلك في الغالب إنَّما هو بعد الفراغ من شهوة الفرج والبطن، وجمع (البيوع) باعتبار أنواعه، وغيره أفرده؛ تبرُّكًا بلفظ القرآن.

قال ابن المُنَيِّر بعد أن سرد ما ذكره في الباب: (جميعُ ما ذكره [2] ظاهر في إباحة التِّجارة إلَّا قوله: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً...}؛ الآية [الجمعة: 11] ، فإنَّها عتب على التِّجارة، وهي أدخل في النَّهي منها في الإباحة لها، لكنَّ مفهومَ النَّهي عن تركه قائمًا [اهتمامًا] [3] بها [4] يشعر أنَّها لو خلت من المُعارِض الرَّاجح؛ لم تدخل في [5] العتب؛ بل كانت حينئذٍ مباحة) انتهى.

[1] (البخاريّ): سقط من (ب) و (ج) .
[2] في (ج): (ذكر) .
[3] (اهتمامًا): ليس في النُّسخ، وأخلى لها في (أ) بياضًا، وفي (ج) بدلًا منها : (قوله) ، واستُفِيد من مصدره.
[4] في النُّسخ: (فإنَّها) ، والمثبت مستفاد من «المتواري» (*) .
[5] (في): سقط من (ب) .





({إِلَّا أَنْ تَكُوْنَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيْرُونَهَا بَيْنَكُمْ}): في هذا الاستثناءِ قولانِ:

أحدُهما: أنَّه متَّصلٌ، قال أبو البقاءِ: (والجملةُ المستثناةُ في موضعِ نصبٍ؛ لأنَّه استثناءٌ مِنَ الجنسِ؛ لأنَّه أمرَ بالاستشهادِ في كلِّ معاملةٍ، واستثنى منها التِّجارةَ الحاضرةَ؛ والتَّقديرُ: إلَّا في حالِ حضورِ التِّجارةِ).

الثَّاني: أنَّه منقطعٌ، قال مكيٌّ: (و{أَنْ} في موضعِ نصبٍ على الاستثناءِ المنقطعِ).

قلتُ: وهذا هو الظَّاهرُ؛ كأنَّه قيل: لكن التَّجارة؛ فإنَّه يجوزُ عدمُ الاستشهادِ والكَتْبِ فيها.

وقرأَ عاصمٌ هنا: {تِجَارَةً}؛ بالنَّصبِ، وكذلكَ {حَاضِرَةً}؛ لأنَّها صفتُها، وفي (النِّساءِ) وافقَه الأخوانِ [2] ، والباقونَ قرؤوا بالرَّفعِ فيهما.

فالرَّفعُ فيه وجهانِ:

أحدُهما: أنَّها التَّامَّةُ؛ أي: إلَّا أنْ تحدُثَ أو تقعَ تجارةٌ، وعلى هذا: فيكونُ {تُدِيرُونَهَا} في محلِّ رفعٍ صفةً لـ{تِجَارَةٌ} أيضًا، وجاءَ هذا على الفصيحِ، حيثُ قدَّمَ الوصفَ الصَّريحَ على المؤولِ.

الثَّاني: أنْ تكونَ النَّاقصةَ، واسمُها {تِجَارَةٌ}، والخبرُ هو الجملةُ مِنْ قولِهم: {تُدِيرُونَهَا}؛ كأنَّه قيلَ: إلَّا أنْ تكونَ تجارةٌ حاضرةٌ مُدَارةً.

وسوّغَ مجيءَ اسمِ (كانَ) نكرةً وصفُه [3] ، وهذا مذهبُ الفرَّاءِ، وتابعَه آخَرونَ.

وأمَّا قراءةُ عاصمٍ؛ فاسمُها مضمرٌ فيها، فقيلَ: تقديرُه: إلَّا أنْ تكونَ المعاملةُ، أو المبايعةُ، أو التِّجارةُ، وقدَّرَهُ [4] الزَّجَّاجُ: إلَّا أنْ تكونَ المداينةُ، وهذا حسنٌ.

وقال الفارسيُّ: (ولا يجوزُ أنْ يكونَ «التَّداينُ» اسمَ «كانَ»؛ لأنَّ التدايُنَ معنًى، والتِّجارةَ الحاضرةَ مرادٌ بها العينُ، وحكمُ الاسمِ أنْ يكونَ الخبرَ في المعنى، والتَّداينُ حقٌّ في ذمَّةِ المستدينِ، للمَدِينِ المطالبةُ به، وإذا كانَ كذلك؛ لم يَجُزْ أنْ يكونَ اسمَ «كانَ»؛ لاختلافِ التَّداينِ والتِّجارةِ الحاضرةِ)، وهذا الَّذي قالَه الفارسيُّ لا يظهَرُ ردًّا على أبي إسحاقَ؛ لأنَّ التِّجارةَ أيضًا مصدرٌ؛ فهي معنًى مِنَ المعاني، لا عينٌ مِنَ المعاني، وبين الفارسيِّ والزَّجَّاجِ محاورةٌ لأمرٍ ما.

وقال الفارسيُّ أيضًا: (ولا يجوزُ أيضًا أنْ يكونَ اسمُها {الحقُّ} الَّذي في قولِه: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ} [البقرة: 282] ؛ للمعنى الذي ذكرنا في التَّدايُنِ؛ لأنَّ ذلكَ {الحقُّ} دَينٌ، وإذا لم يَجُزْ هذا؛ لم يَخْلُ اسمُ «كانَ» مِنْ أحدِ شيئينِ:

أحدُهما: أنَّ هذِه الأشياء الَّتي [/ص112/] اقتضتْ مِنَ الإشهادِ والارتهانِ قد عُلِمَ مِنْ فَحْواها التَّبايعُ، فأُضمِرَ (التَّبايعُ)؛ لدلالةِ الحالِ عليه؛ كما أُضمِرَ لدلالةِ الحالِ عليه فيما حَكى سيبويه: «إذا كان غدًا؛ فائْتِني»، ويُنشَد على هذا: [من الطويل]

~ أَعَيْنَيَّ هَلَّا تَبْكِيَانِ عِفَافَا إِذَا كَانَ طَعْنًا بَيْنَهُمْ وَعِنَاقَا

أي: إذا كانَ الأمرُ...).

والثاني: أنْ يكونَ أضمر (التِّجارةَ)؛ كأنَّه قيل: إلَّا أنْ تكونَ التجارةُ تجارةً؛ ومثلُه ما أنشدَ الفرَّاءُ: [من الطويل]

~ فِدًى لِبَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ نَاقَتِي [5] إِذَا كَانَ يَوْمًا ذَا كَوَاكِبَ أَشْهَبَا

وأنشدَ الزمخشريُّ: [من الطويل]

~ بَنِي أَسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلَاءَنَا إِذَا كَانَ يَوْمًا ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعَا

أي: إذا كانَ اليومُ يومًا.

و({بَيْنَكُمْ}): ظرفٌ لـ{تُدِيرُونَهَا}.

[1] في (ب): (البيع).
[2] أي: حمزة والكسائي.
[3] في (ب): (وصفة).
[4] في (ب): (وقيده).
[5] في النسختين: (يا فتى).





(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) [1]

(كِتَابُ البيوع) جمعُ: بيعٍ، وجُمِعَ لاختلافِ أنواعه؛ كبيعِ العينِ، وبيعِ الدَّينِ، وبيع المنفعة، والصَّحيحِ والفاسد، وغير ذلك، وهو في اللُّغة: المبادلةُ، ويُطلقُ أيضًا على الشِّراء، قال الفرزدق: [من الكامل]

~ إنَّ الشَّبابَ لَرابحٌ مَن باعهُ والشَّيبُ ليس لبائِعيه تِجارُ

يعني: من اشتراه، ويطلق الشِّراء أيضًا على البيع؛ نحو: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20] قيل: وسُمِّي البيعُ بيعًا؛ لأنَّ البائعَ يمدُّ باعه إلى المشتري حالة العقد غالبًا؛ كما يُسمَّى صفقةً؛ لأنَّ أحد المتبايعين يصفِّق يده على يد صاحبه، لكن رُدَّ كون البيع مأخوذًا من الباع؛ لأنَّ البيع يائيُّ العين، والباع واويٌّ، تقول منه: بُعْت الشيء؛ بالضَّمِّ، أبوعه بوعًا؛ إذا قستَه بالباع، واسم الفاعل من باع: بائعٌ: بالهمز، وتركه لحنٌ [2] ، واسم المفعول: مَبِيعٌ، وأصله: مَبْيُوعٌ، قيل: حُذِفت الياء؛ لأنَّ [3] الذي حُذِف من «مبيعٍ» واو مفعولٍ لزيادتها، وهي أَولى بالحذف، وقال الأخفش: المحذوف عين الفعل؛ لأنَّهم لمَّا سكَّنوا الياء؛ ألقَوا حركتها على الحرف الذي قبلها، فانضمَّت، ثم أبدلوا من الضمَّةِ كسرةً؛ للياء التي بعدها، ثم حُذِفت الياء، وانقلبت الواو ياءً؛ كما انقلبت واو «ميزانٍ» للكسرة، قال المازنيُّ [4] : كلا القولين حسنٌ، وقول الأخفش أقيس.

والبيع في الشَّرع: مقابلةُ مالٍ قابلٍ للتَّصرُّف بمالٍ قابلٍ للتَّصرُّف مع الإيجاب والقبول على الوجه المأذون فيه [5] ، وحكمته: نظام [6] المعاشِ وبقاء العالم؛ لأنَّ حاجة الإنسان تتعلَّق بما في يد صاحبه غالبًا، وقد لا يبذلها له بغير المعاملة، وتُفضي إلى التَّقاتل والتَّنازع وفناء العالم واختلال [7] نظام المعاش وغير ذلك، ففي تشريع البيع وسيلةٌ إلى بلوغ الغرض من غير حرجٍ، ومن ثمَّ عقَّب المؤلِّف كغيره المعاملات بالعبادات؛ لأنَّها ضروريَّةٌ، وأخَّر النِّكاح؛ لأنَّ شهوته متأخِّرةٌ عن شهوة الأكل والشُّرب ونحوهما، وقد ثبتت البسملةُ مقدَّمةً قبل «كتاب» في «الفرع»، ومؤخَّرةً عنه [8] لأبي ذرٍّ.

(وقولِ الله عزَّ وجلَّ)؛ بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق: ({وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ [9] وَحَرَّمَ الرِّبَا}) [البقرة: 275] ، لمَّا ذمَّ الله أَكَلَة الرِّبا بقوله تعالى: {الَّذِينَ [/ج4ص3/] يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275] ، وأخبر أنَّهم اعترضوا على أحكام الله تعالى، وقالوا: البيع مثل الرِّبا، فإذا كان الرِّبا حرامًا؛ فلا بدَّ أنْ يكون البيع كذلك، فردَّ [10] الله عليهم بقوله: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، واللَّفظ لفظ العموم، فيتناول كلَّ بيعٍ، فيقتضي إباحة الجميع، لكن قد منع الشَّارع بيوعًا أخرى وحرَّمها، فهو عامٌّ في الإباحة، مخصوصٌ بما لا يدلُّ الدَّليل على منعه، وقال إمامنا الشَّافعيُّ فيما رأيته في كتاب «المعرفة» للبيهقيِّ: وأصل البيوع [11] كلِّها مباحٌ، إذا كانت برضا المتبايعين الحائزين الأمر فيما تبايعا، إلَّا ما نهى عنه رسول الله [12] صلَّى الله عليه وسلَّم منه، أو ما [13] كان في معنى ما نهى عنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم انتهى.

(وقوله) بالجرِّ عطفًا على سابقه، ويجوز الرَّفع على الاستئناف: ({إِلَّا أَنْ تَكُونَ}) التِّجارة ({تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ}) [البقرة: 282] استثناءٌ من الأمر بالكتابة، والتِّجارة الحاضرة تعمُّ المبايعة بدينٍ أو عينٍ، وإدارتها بينهم: تعاطيهم إيَّاها يدًا بيد؛ أي: إلَّا أن تتبايعوا يدًا بيد؛ فلا بأس ألَّا تكتبوا؛ لبعده عن التَّنازع والنِّسيان، قاله البيضاويُّ، وقال الثَّعلبيُّ: الاستثناء منقطعٌ؛ أي: لكن إذا كانت تجارةٌ؛ فإنها ليست بباطلٍ، فأوَّل هذه الآية يدلُّ على إباحة البيوع المؤجَّلة، وآخرها على إباحة التِّجارة في البيوع الحالَّة، وسقطت الآيتان في رواية أبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر.

[1] في (م) زيادة: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم الحمد الله على إنعامه وإفضاله، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. وبالسَّند إلى الإمام البخاريِّ قال:»، وزيد في (ص) قبله: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم».
[2] في هامش (ص): «قوله: وتركه لحنٌ: قال في «المغني»: الفقهاء يلحنون في قولهم: البايع بغير همز، انتهى، وفي «الممتع» لابن عصفور: وأُبدِلت _أي: الهمزة_ باطِّرادٍ من الواو والياء إذا وقعتا عينينِ في اسم الفاعل بعد ألفٍ زائدةٍ؛ بشرط أن يكون الفعل الذي أُخذ منه اسمُ الفاعل قد اعتلَّت عينه؛ نحو: قائم وبائع، تحرَّكت الواو والياء وقبلهما فتحةٌ، وليس بينهما وبينها إلَّا الألف الزَّائدة، وهي حاجزٌ غير حصين، وقد كانتِ الواوُ والياء قد اعتلَّتا في الفعل في «قام وباع»، فاعتلَّت في اسم الفاعل؛ حملًا على الفعل، فقُلِبت ألفًا، فاجتمع ساكنان، فأُبدِل من الثَّانية همزة، وحُرِّكت؛ هروبًا من التقاء السَّاكنين، وكانت حركتُها الكسرَ على أصل التقاء ساكنين، فإن صحَّ حرف العلَّة في الفعل؛ صحَّ في اسم الفاعل؛ نحو: عاور، المأخوذ من عور، ولا يجوز اللفظ بالأصل في «قائم وبائع»، لا تقول: قايم ولا بايع. انتهى المراد منه، من خطِّ شيخنا رحمه الله تعالى، انتهى. العجمي».
[3] «حذفت الياء؛ لأنَّ»: سقط من (ب) و(س).
[4] في (د1): «الماوردي»، ولعلَّه تحريفٌ.
[5] في هامش (ص): «وأحسن ما قيل في حدِّه أنَّه عقد معاوضةٍ ماليةٍ تفيد ملك عينٍ، أو منفعةٍ على التَّأبيد، لا على وجه القربة، انتهى. فخرج بقولنا: «معاوضة» نحو الهبة والصدقة، وبقولنا: «ماليَّة» النكاح، فإنَّه وإن كان فيه مال ليس المقصود منه ذلك، وإنما المقصود البضع، وبقولنا: «تفيد ملك العين» خرج به الإجارة، وبقولنا: «على التأبيد» مدخل [الإجارة أيضًا] ، ، و بقولنا: «لا على وجه القربة» [القرض] ».
[6] في (د1): «انتظام».
[7] في (ص) و(م): «واختلاف».
[8] في (م): «فيه».
[9] في هامش (ص): «قوله: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ} فرعٌ: قال قوم: التِّجارة أحلُّ المكاسب وأطيبها، قال الماورديُّ: وهو أشبه بمذهب الإمام الشافعيِّ، وقال آخرون: الزِّراعة على المعتمد، ثمَّ الصناعة، ثمَّ التجارة، ورجَّحه النَّوويُّ؛ لما في «البخاريِّ»: «ما أكل أحد طعامًا خيرًا من عمل يده»، قال: فهذا تصريح في ترجيح الزِّراعة والصَّنعة، لكنَّ الزراعة أفضل؛ لعموم نفعها والحاجة إليها، وقال آخرون: الصِّناعة أطيب، انتهى. «ابن قاسم»».
[10] في (ب) و(س): «ردَّ».
[11] هنا نهاية السقط من (د).
[12] «رسول الله»: ليس في (د).
[13] «ما»: ليس في (ص).





(34 - كِتَاب الْبُيُوعُ ) [/ج4ص1496/]


((34)) [ كتاب البيوع]

ومن كتاب البيع وما يدخل فيه من أبواب المعاملات [1]

[1] قوله: (وما يدخل فيه من أبواب المعاملات) زيادة من (ط).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

((34)) (كِتَابُ البيوع) إلى آخره.


لا تتوفر معاينة