متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

137- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن عبد الله ابن [1] المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ، (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ، (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بفتح الياء (وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ)؛ بفتح العَيْن المُهمَلَة، وتشديد المُوحَّدة، ابن يزيد، الأنصاريِّ المدنيِّ، عدَّه الذَّهبيُّ في الصَّحابة، وغيره في التَّابعين، ووقع في رواية كريمة: سقوط واو العطف من قوله: «وعن عَبَّاد»، وهو خطأٌ؛ لأنَّه لا رواية لسعيد بن المُسيَّب عن عَبَّادٍ [2] أصلًا، وحينئذٍ فالعطف على قوله: عن سعيد بن المُسيَّب هو الصَّحيح؛ لأنَّ الزُّهريَّ يروي عن سعيدٍ وعَبَّادٍ، وكلاهما (عَنْ عَمِّهِ) عبد الله بن زيد بن عاصمٍ، الأنصاريِّ المازنيِّ، قُتِلَ في ذي الحجَّة بالحرَّة في آخر سنة ثلاثٍ وستِّين، له في «البخاريِّ» تسعة أحاديث، (أَنَّهُ شَكَا)؛ بالألف؛ أي: عبد الله بن زيدٍ، كما صرَّح به ابن خزيمة (إِلَى رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم الرَّجُلَ)؛ بالنَّصب على المفعوليَّة، وفي بعض الرِّوايات [3] : «شُكِيَ»؛ بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، موافقةً لـ: «مسلمٍ»، كما ضبطه النَّوويُّ رحمه الله تعالى: «الرَّجلُّ»؛ بالضَّمِّ، قال في «التَّنقيح»: وعلى هذين الوجهين _أي: في شكا_ يجوز في «الرَّجل»: الرَّفع والنَّصب، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّ الوجهين محتملان [4] على الأوَّل وحده؛ وذلك أنَّ ضمير «أنَّه» يحتمل أن يكون ضمير الشَّأن، و«شكا الرَّجل»: فعلٌ وفاعلٌ تفسيرٌ [5] للشَّأن، ويحتمل أن يعود إلى الرَّاوي، و«شكا» مَسنَدٌ إلى ضميرٍ يعود إليه أيضًا، و«الرَّجلَ» مفعولٌ به، (الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ)؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح المُعجَمَة، مبنيًّا لما لم يُسمَّ فاعله؛ أي: يُشبَّه [6] له (أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ)؛ أي: الحدث خارجًا من دبره، وهو (فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ) صلَّى الله عليه وسلَّم: (لَا يَنْفَتِلْ أَوْ لَا يَنْصَرِفْ)؛ بالجزم فيهما على النَّهيِ، وبالرَّفع: على النَّفيِ، والشَّكُّ من الرَّاوي، وكأنَّه من شيخ المؤلِّف عليٍّ (حَتَّى)؛ أي: إلى أن (يَسْمَعَ صَوْتًا) من دبره، (أَوْ يَجِدَ رِيحًا) منه، والمُرَاد: تحقُّق وجودهما حتَّى إنَّه لو كان أخشمَ لا يشمُّ أو أصمَّ لا يسمع؛ كان الحكم كذلك، وذكرهما [7] ليس لقصر الحكم عليهما [8] ، فكلُّ حدثٍ كذلك، إلَّا أنَّه وقع جوابًا لسؤالٍ [9] ، لأنَّ المعنى: إذا كان أوسع من الاسم؛ كان الحكم للمعنى، وهذا كحديث: «إذا استهلَّ الصَّبيُّ وُرِثَ وصُلِّي عليه»؛ إذ لم يَرِدْ تخصيص الاستهلال دون غيره من أمارات الحياة؛ كالحركة والنَّبض [10] ونحوهما، وهذا الحديث فيه قاعدةٌ لكثيرٍ من الأحكام؛ وهي استصحاب اليقين وطرح الشَّكِّ الطَّارئ، والعلماء متَّفقون على ذلك، فمن تيقَّن [/ج1ص230/] الطَّهارة وشكَّ في الحدث؛ عمل بيقين الطَّهارة، أو تيقَّن الحدث وشكَّ في الطَّهارة؛ عمل بيقين الحدث، فلو تيقَّنهما وجهل السَّابق منهما، كما لو تيقَّن بعد طلوع الشَّمس حدثًا وطهارةً ولم يعلمِ السَّابق؛ فأوجهٌ: أصحُّها: إسناد [11] الوهم لِمَا قبل الطُّلوع، فإن كان قبله محدثًا؛ فهو الآن متطهِّرٌ؛ لأنَّه تيقَّن أنَّ الحدث السَّابق ارتفع بالطَّهارة اللَّاحقة، وشكَّ هل ارتفع أم لا؟ والأصل بقاؤه، وإن كان قبله متطهِّرًا؛ نُظِر؛ إن كان ممَّن [12] يعتاد تجديد الوضوء؛ فهو الآن مُحْدِثٌ؛ لأنَّ الغالب أنَّه بنى وضوءه على الأوَّل، فيكون الحدث بعده، وإن لم يَعْتَدْ؛ فهو الآن متطهِّرٌ؛ لأنَّ طهارته بعد الحدث، وإن لم يتذكَّر ما قبلهما؛ توضَّأ للتَّعارض، واختار في «المجموع» لزوم الوضوء بكلِّ حالٍ احتياطًا.

وذكر في «شرح المُهذَّب» و«الوسيط»: أنَّ الجمهور أطلقوا المسألة، وأنَّ المُقيِّد لها المتولِّي والرَّافعيُّ، مع أنَّه نقله في «أصل الرَّوضة» عن الأكثرين، قال في «المُهمَّات»: وعليه الفتوى، وقد أخذ بهذه القاعدة _وهي العمل بالأصل_ جمهور العلماء؛ خلافًا لمالكٍ؛ حيث رُوِيَ عنه النَّقض مُطلَقًا، أو خارج الصَّلاة دون داخلها. ورُوِيَ هذا التَّفصيل عن الحسن البصريِّ، والأوَّل مشهورُ مذهب مالكٍ، قاله القرطبيُّ، وهو رواية ابن القاسم عنه، وروى ابن نافعٍ عنه: لا وضوء عليه مُطلَقًا؛ كقول [13] الجمهور، وروى ابن وهبٍ عنه: أحبُّ إليَّ أن يتوضَّأ [14] ، ورواية التَّفصيل لم تثبت عنه، وإنَّما هي لأصحابه، وقال القرافيُّ: ما ذهب إليه مالكٌ أرجحُ؛ لأنَّه احتاط للصَّلاة، وهي مقصدٌ، وألغى الشَّكَّ في السَّبب المبرِّئ، وغيره احتاط للطَّهارة، وهي وسيلةٌ، وألغى الشَّكَّ في الحدث النَّاقض لها، والاحتياط للمقاصد أَوْلى من الاحتياط للوسائل، وجوابه: أنَّ ذلك من حيث النَّظر أقوى، لكنَّه مغايرٌ لمدلول الحديث؛ لأنَّه أمرٌ بعدم الانصراف إلَّا أن يتحقَّق، والله سبحانه أعلم بالصَّواب [15] .

[1] «ابن» زيادة من (د) و (ص) و (م).
[2] في (د): «حمَّاد»، تحريفٌ.
[3] في (ب) و (د) و (س): «رواية أنَّه».
[4] في (ص): «المحتملين».
[5] في (ب) و (د) و (س): «مفسِّرٌ».
[6] في (ص): «يشتبه».
[7] في (ص): «ذكرها».
[8] في (ص): «عليها».
[9] في (ص): «بالسُّؤال».
[10] في (د): «والنفض».
[11] في (د) و(ص) و (م): «استناد».
[12] في (م): «مما».
[13] في (ص): «لقول».
[14] في (ص): «أتوضأ».
[15] قوله: «والله سبحانه أعلم بالصَّواب» ليس في (د).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

137-. حدَّثنا عليٌّ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، قالَ: حدَّثنا الزُّهرِيُّ، عن سَعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن [1] عَبَّادِ بنِ تَميمٍ:

عن عَمِّه: أَنَّهُ شَكا إلىَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَ الذّي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ في الصَّلَاةِ. فقالَ: «لا يَنْفَتِلْ _أَوْ: لا يَنْصَرِفْ_ حَتَّىَ يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا».

[1] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «وعن». وهو الصواب، وهذا الموضع من أوهام اليونينية، قال في الإرشاد: العطف علىَ قوله: «عن سعيد بن المسيب» هو الصحيح؛ لأنَّ الزهري يروي عن سعيد وعباد.اهـ.





137- ( ابْنِ الْمُسَيَّبِ ) بفتح الياء وكسرها.

( أَنَّهُ شَكَا ) هو بالفتح على البناء للفاعل، كذا الرواية هنا، وجوَّز النووي الضم، وعلى هذين [ القولين ] [1] يجوز في ( الرَّجُلُ ) الرفع والنصب.

( الشَّيْءَ ) المراد به الذي يوجب الحدث.

( فقال: لاَ يَنْصَرِفْ ) يجوز أن يقرأ بالرفع على الخبر، ويجوز أن يجزم على النهي.

[1] ما بين معقوفين زيادة من ( ظ ).





137# (أَنَّهُ شَكَا) كذا الرواية هنا بالبناء للمعلوم، وجوَّز النووي الضمَّ.

قال الزركشي: وعلى هذين يجوز في الرجلِ الرفعُ والنصبُ.

قلتُ: بل الوجهان محتملان على الأول وحدَه، وذلك أن ضميرَ ((أنه)) يحتملُ أن يكون ضمير الشأن، وشكا [1] الرَّجل فعلٌ وفاعلٌ تفسيرٌ للشأن، ويحتمل أن يعودَ إلى الراوي، وشكا [2] مسند إلى ضمير يعود إليه أيضاً [3] ، والرَّجل مفعولٌ به.

(حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً، أَوْ يَجِدَ

@%ج1ص119%

رِيحاً) محملُه عند المالكية على مَن استنكحه الشكُّ؛ بدليلِ شكا، والشكوى لا تكون إلا من علَّةٍ، أو على من شكَّ في سبب ناجز منحصر؛ كالذي تخيَّل في دُبُره حركةً، ولم يتيقَّنْ خروجَ الخارج، وهو قولٌ في المذهب، إن كان الشكُّ تخيلاً [4] من سببٍ ناجز، بَنى على الطَّهارة، وإن كان شكَّ هل بالَ [5] ونسيَ [6] ، أو لم يَبُل [7] ، فهذا يَبني على الحدث.

قال ابن المنيِّر: وما [8] ينبغي [9] أن يكون هذا القول إلا تفسيراً، ولا يعدُّ خلافاً، وبالجملة: فقد بان أن الحديث [10] لا يرد علينا.

[1] في (ق): ((وأشكا)).
[2] في (د): ((وشكا الرجل)).
[3] ((أيضاً)): ليست في (ج).
[4] في (ج): ((تخييلاً)).
[5] في (ق): ((هديان)).
[6] في (ج): ((أو نسي)).
[7] في (ق): ((يند)).
[8] في (د): ((ولا)).
[9] في (ق): ((شعر)).
[10] في (ج): ((الحدث)).





137- قوله: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ): هذا هو عليُّ بن عبد الله بن جعفر ابن المدينيِّ الحافظ، أبو الحسن، عن أبيه، وحمَّاد بن زيد، وجعفر بن سليمان، وأبي حازم، وخلق، وعنه: البخاريُّ، وأبو داود، والبغويُّ، وأبو يعلى، قال شيخه عبد الرَّحمن بن مهديٍّ: (عليُّ ابن المدينيِّ أعلم الناس بحديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وخاصَّة بحديث ابن عيينة) ، وقال ابن عيينة [1] : (تلومونني على حبِّ عليِّ ابن المدينيِّ، والله لأتعلَّم منه أكثر ممَّا تعلَّم منِّي) ، وكذا قال يحيى القطَّان فيه، وقال البخاريُّ: (ما استصغرت نفسي إلا بين يدي عليٍّ) ، وقال النَّسائيُّ: (كأنَّ الله خلقه لهذا الشأن) ، مات في ذي القعدة بسامرَّاء سنة (234 هـ ) ، وله ثلاث وسبعون سنة، أخرج له البخاريُّ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، له ترجمة في «الميزان»، والمدينيُّ؛ نسبة إلى مدينة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال ابن الأثير في «الأنساب»: (والأكثر فيمن يُنسَب إلى المدينة: مدنيٌّ، ومن الأقلِّ) ، فذكر ابن المدينيِّ هذا، ثمَّ قال: [ (وأمَّا المدينيُّ؛ فنسبة إلى أماكن) ، وذكر من كلِّ مكان ترجمة شخص من ذلك المكان، وأمَّا الجوهريُّ؛ فقال: (المدنيُّ: نسبة إلى مدينة الرسول] [2] ، وأمَّا المدينيُّ؛ فنسبة إلى المدينة التي بناها المنصور) ، هذا معنى كلاميهما، وقال ابن الصَّلاح في الكلام على المسلسل بالأوَّليَّة ما لفظه: (والمدينيُّ: إلى مدينة أصبهان المسمَّاة بجيٍّ) انتهى، والله أعلم.

قوله: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ): هذا هو ابن عيينة، الإمام، تقدَّم في أوَّل التَّعليق بعض ترجمته.

قوله: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ): تقدَّم مرارًا أنَّه محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن شهاب، العلم الفرد المشهور.

قوله: (عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ): هو بفتح الياء، هذا هو المشهور، وقد تقدَّم ما قاله ابن قُرقُول: (إنَّ أهل العراق: يفتحون ياءه، وأهل المدينة: يكسرونها) ، ثمَّ قال: (قال لنا الصَّدفيُّ: وذكر لنا أنَّ سعيدًا كان يكره أنْ تُفتَح الياء من اسم أبيه) ، وأمَّا غير والد سعيد؛ فبفتح الياء من غير خلاف.

قوله: (عن عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عن عَمِّهِ): [صوابه أنْ يقال: وعن عبَّاد بن تميم؛ بالواو، وقد كانت كذلك في أصلنا، ولكن كُشِطت [3] الواو، وهي ثابتة في أصلنا الدمشقيِّ، والصَّواب: إثباتها؛ لأنَّ الزُّهريَّ رواه عن سعيد بن المُسَيّب وعبَّاد بن تميم؛ كلاهما عن عَبْد الله بن زيد، وما أحسن قول الحافظ المزِّيِّ في «أطرافه»: (عشرتهم عن سفيان، عنِ الزُّهريِّ، عن سعيد بن المُسَيّب وعبَّاد بن تميم؛ كلاهما عن عمِّه عَبْد الله بن زيد) انتهى.

قوله: (وعبَّاد بن تميم عن عمِّه)] [4] : قال الدِّمياطيُّ: (أخو أبيه تميم لأمِّه، وهو عَبْد الله بن زيد، أمُّهما أمُّ عمارة نَسِيبة بنت كعب، تزوَّجها ابن عمِّها زيد بن عاصم بن عمرو بن عوف، فولدت له عَبْد الله راوي الحديث) انتهى، و (نَسيبة) في كلام الدِّمياطيِّ: الصَّحيح فيها فتح النُّون، وهي صحابيَّة جليلة، من أهل العقبة.

قوله: (أَنَّهُ شَكَا إلى رَسُولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم الرَّجُلَ): كذا في أصلنا (شكا): مبنيٌّ للفاعل، و (الرجلَ): منصوب بالقلم، والفاعل مضمر؛ أي: شكا عمُّ [5] عبَّاد [6] بن تميم -وهو عَبْد الله بن زيد- إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الرجلَ، وفي هامش أصلنا: (شُكِي): مبنيٌّ للمفعول، فعلى هذه: يكون (الرجلُ): مرفوعًا قائمًا [7] مقام الفاعل، وقد قال النوويُّ في «شرح مسلم»: («شُكِي»؛ بضمِّ الشِّين، وكسر الكاف، و«الرجلُ»: مرفوع، ولم يسمَّ الشاكي، وجاء في رواية في «البخاريِّ»: أنَّه عَبْد الله بن زيد الراوي، قال: ولا ينبغي أنْ يُتوهَّم من هذا أنَّ «شَكَا»؛ بفتح الشِّين والكاف، ويجعل الشاكي عمَّه، فإنَّ هذا الوهم غلط) انتهى، وهذا على رواية مسلم، وأمَّا على رواية البخاريِّ التي وقعت في أصلنا؛ فـ(شكا): مبنيٌّ للفاعل، وفاعله (هو) عائد على عمِّ عبَّاد بن تميم، وهو عَبْد الله بن زيد، و (الرجلَ) مفعول، وعلى النُّسخة التي في هامش أصلنا يجيء ما قاله النَّوويُّ، والله أعلم.

[1] (وقال ابن عيينة): ليس في (ج) .
[2] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[3] في (ب): (سقطت) .
[4] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[5] في (ج): (تميم) .
[6] في (ب): (عبادة) .
[7] في (ب) و (ج): (قائم) .





137- (الرَّجُلُ): فاعلُ (شَكَا)، و (الَّذَي يُخَيَّلُ): صفةٌ له، و (أَنَّ) مع الاسمِ والخبرِ: مفعولُ ما لم يسمَّ فاعلُه، ويَحتملُ أنْ يكونَ (الَّذِي يُخَيَّلُ) مفعولُ (شَكَا).

وقال شيخُنا في «الفتح»: («الرَّجُلُ» بالضَّمِّ على الحكايةِ، وهو وما بعدَه في موضعِ نَصْبٍ).

وقال الزَّركشيُّ: (بالرَّفعِ أو النَّصبِ على تقديرِ بناءِ «شَكَا» للفاعل أو المفعول).

قال البِرْماويُّ: (وجوَّزَ النَّوويُّ الضَّمَّ)، قال: (لكنَّ النَّووي إنَّما قالَه في لفظِ روايةِ مسلمٍ [ح:361] ، فقال [1] : ولم يُسَمَّ الشَّاكي هنا، لكن سُمِّيَ في روايةِ البخاريِّ أنَّه عبدُ الله بنُ زيدٍ [الراوي] ، قال: ولا يَنبغي أنْ يُتَوَهَّمَ مِنْ هذا أنَّ «شَكَا» بفتح الشين والكاف، ويكونَ الشَّاكي عمَّه المذكور؛ فإنَّ هذا التَّوهُّمَ غلطٌ. انتهى، قال البِرْماويُّ: وضُعِّفَ بأنَّه لا يَمتنعُ ما نَفاه).

(لَا يَنْفَتِل): رُويَ بالرَّفعِ على أنَّه خبرٌ، وبالجزْمِ على أنَّه نهيٌ.

[1] (فقال): سقط من (ب).





137- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن عبد الله ابن [1] المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ، (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ، (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بفتح الياء (وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ)؛ بفتح العَيْن المُهمَلَة، وتشديد المُوحَّدة، ابن يزيد، الأنصاريِّ المدنيِّ، عدَّه الذَّهبيُّ في الصَّحابة، وغيره في التَّابعين، ووقع في رواية كريمة: سقوط واو العطف من قوله: «وعن عَبَّاد»، وهو خطأٌ؛ لأنَّه لا رواية لسعيد بن المُسيَّب عن عَبَّادٍ [2] أصلًا، وحينئذٍ فالعطف على قوله: عن سعيد بن المُسيَّب هو الصَّحيح؛ لأنَّ الزُّهريَّ يروي عن سعيدٍ وعَبَّادٍ، وكلاهما (عَنْ عَمِّهِ) عبد الله بن زيد بن عاصمٍ، الأنصاريِّ المازنيِّ، قُتِلَ في ذي الحجَّة بالحرَّة في آخر سنة ثلاثٍ وستِّين، له في «البخاريِّ» تسعة أحاديث، (أَنَّهُ شَكَا)؛ بالألف؛ أي: عبد الله بن زيدٍ، كما صرَّح به ابن خزيمة (إِلَى رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم الرَّجُلَ)؛ بالنَّصب على المفعوليَّة، وفي بعض الرِّوايات [3] : «شُكِيَ»؛ بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، موافقةً لـ: «مسلمٍ»، كما ضبطه النَّوويُّ رحمه الله تعالى: «الرَّجلُّ»؛ بالضَّمِّ، قال في «التَّنقيح»: وعلى هذين الوجهين _أي: في شكا_ يجوز في «الرَّجل»: الرَّفع والنَّصب، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّ الوجهين محتملان [4] على الأوَّل وحده؛ وذلك أنَّ ضمير «أنَّه» يحتمل أن يكون ضمير الشَّأن، و«شكا الرَّجل»: فعلٌ وفاعلٌ تفسيرٌ [5] للشَّأن، ويحتمل أن يعود إلى الرَّاوي، و«شكا» مَسنَدٌ إلى ضميرٍ يعود إليه أيضًا، و«الرَّجلَ» مفعولٌ به، (الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ)؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح المُعجَمَة، مبنيًّا لما لم يُسمَّ فاعله؛ أي: يُشبَّه [6] له (أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ)؛ أي: الحدث خارجًا من دبره، وهو (فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ) صلَّى الله عليه وسلَّم: (لَا يَنْفَتِلْ أَوْ لَا يَنْصَرِفْ)؛ بالجزم فيهما على النَّهيِ، وبالرَّفع: على النَّفيِ، والشَّكُّ من الرَّاوي، وكأنَّه من شيخ المؤلِّف عليٍّ (حَتَّى)؛ أي: إلى أن (يَسْمَعَ صَوْتًا) من دبره، (أَوْ يَجِدَ رِيحًا) منه، والمُرَاد: تحقُّق وجودهما حتَّى إنَّه لو كان أخشمَ لا يشمُّ أو أصمَّ لا يسمع؛ كان الحكم كذلك، وذكرهما [7] ليس لقصر الحكم عليهما [8] ، فكلُّ حدثٍ كذلك، إلَّا أنَّه وقع جوابًا لسؤالٍ [9] ، لأنَّ المعنى: إذا كان أوسع من الاسم؛ كان الحكم للمعنى، وهذا كحديث: «إذا استهلَّ الصَّبيُّ وُرِثَ وصُلِّي عليه»؛ إذ لم يَرِدْ تخصيص الاستهلال دون غيره من أمارات الحياة؛ كالحركة والنَّبض [10] ونحوهما، وهذا الحديث فيه قاعدةٌ لكثيرٍ من الأحكام؛ وهي استصحاب اليقين وطرح الشَّكِّ الطَّارئ، والعلماء متَّفقون على ذلك، فمن تيقَّن [/ج1ص230/] الطَّهارة وشكَّ في الحدث؛ عمل بيقين الطَّهارة، أو تيقَّن الحدث وشكَّ في الطَّهارة؛ عمل بيقين الحدث، فلو تيقَّنهما وجهل السَّابق منهما، كما لو تيقَّن بعد طلوع الشَّمس حدثًا وطهارةً ولم يعلمِ السَّابق؛ فأوجهٌ: أصحُّها: إسناد [11] الوهم لِمَا قبل الطُّلوع، فإن كان قبله محدثًا؛ فهو الآن متطهِّرٌ؛ لأنَّه تيقَّن أنَّ الحدث السَّابق ارتفع بالطَّهارة اللَّاحقة، وشكَّ هل ارتفع أم لا؟ والأصل بقاؤه، وإن كان قبله متطهِّرًا؛ نُظِر؛ إن كان ممَّن [12] يعتاد تجديد الوضوء؛ فهو الآن مُحْدِثٌ؛ لأنَّ الغالب أنَّه بنى وضوءه على الأوَّل، فيكون الحدث بعده، وإن لم يَعْتَدْ؛ فهو الآن متطهِّرٌ؛ لأنَّ طهارته بعد الحدث، وإن لم يتذكَّر ما قبلهما؛ توضَّأ للتَّعارض، واختار في «المجموع» لزوم الوضوء بكلِّ حالٍ احتياطًا.

وذكر في «شرح المُهذَّب» و«الوسيط»: أنَّ الجمهور أطلقوا المسألة، وأنَّ المُقيِّد لها المتولِّي والرَّافعيُّ، مع أنَّه نقله في «أصل الرَّوضة» عن الأكثرين، قال في «المُهمَّات»: وعليه الفتوى، وقد أخذ بهذه القاعدة _وهي العمل بالأصل_ جمهور العلماء؛ خلافًا لمالكٍ؛ حيث رُوِيَ عنه النَّقض مُطلَقًا، أو خارج الصَّلاة دون داخلها. ورُوِيَ هذا التَّفصيل عن الحسن البصريِّ، والأوَّل مشهورُ مذهب مالكٍ، قاله القرطبيُّ، وهو رواية ابن القاسم عنه، وروى ابن نافعٍ عنه: لا وضوء عليه مُطلَقًا؛ كقول [13] الجمهور، وروى ابن وهبٍ عنه: أحبُّ إليَّ أن يتوضَّأ [14] ، ورواية التَّفصيل لم تثبت عنه، وإنَّما هي لأصحابه، وقال القرافيُّ: ما ذهب إليه مالكٌ أرجحُ؛ لأنَّه احتاط للصَّلاة، وهي مقصدٌ، وألغى الشَّكَّ في السَّبب المبرِّئ، وغيره احتاط للطَّهارة، وهي وسيلةٌ، وألغى الشَّكَّ في الحدث النَّاقض لها، والاحتياط للمقاصد أَوْلى من الاحتياط للوسائل، وجوابه: أنَّ ذلك من حيث النَّظر أقوى، لكنَّه مغايرٌ لمدلول الحديث؛ لأنَّه أمرٌ بعدم الانصراف إلَّا أن يتحقَّق، والله سبحانه أعلم بالصَّواب [15] .

[1] «ابن» زيادة من (د) و (ص) و (م).
[2] في (د): «حمَّاد»، تحريفٌ.
[3] في (ب) و (د) و (س): «رواية أنَّه».
[4] في (ص): «المحتملين».
[5] في (ب) و (د) و (س): «مفسِّرٌ».
[6] في (ص): «يشتبه».
[7] في (ص): «ذكرها».
[8] في (ص): «عليها».
[9] في (ص): «بالسُّؤال».
[10] في (د): «والنفض».
[11] في (د) و(ص) و (م): «استناد».
[12] في (م): «مما».
[13] في (ص): «لقول».
[14] في (ص): «أتوضأ».
[15] قوله: «والله سبحانه أعلم بالصَّواب» ليس في (د).





137- ( وَعَنْ عَبَّادِ ): معطوف على قوله: ( عن سعيد )، وسقطت الواو لكريمة غلطًا؛ لأنَّ سعيدًا لا رواية له عن عبَّاد أصلًا، ثمَّ يحتمل أن يكون [/ج1ص296/]سعيد رواه عن عمِّ عَبَّاد، وعليه جرى صاحب «الأطراف»، ويحتمل حذف شيخه على أنَّه مرسل، ويؤيِّده رواية معمر له عن ابن المسيَّب عن أبي سعيد الخدريِّ، أخرجه ابن ماجه.

( عَنْ عَمِّهِ ) هو: عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيُّ.

( شَكَى ): بالبناء للفاعل؛ لأنَّه هو الشَّاكي كما عند ابن خزيمة: «سألتُ»، و«روي» بالبناء للمفعول.

( الرَّجُلُ ): بالضَّمِّ على الحكاية، وما بعده في موضع نصب.

( يُخَيَّلُ ): بضمِّ أوَّله وفتح المعجمة وتشديد التَّحتيَّة المفتوحة، أي: «يظن».

( يَجدُ الشَّيْءَ ) أي: الحدث خارجًا منه، وللإسماعيليِّ: «يخيَّل إليه في صلاته أنَّه يخرج منه شيء».

( لاَ يَنْفَتِلْ ): بالجزم على النَّهي، ويجوز الرَّفع على النَّفي.

( أَوْ لاَ يَنْصَرِفْ ): شكٌّ من شيخ البخاريِّ؛ لأنَّ غيره من الرُّواة عن سفيان رووه بلفظ: «لا ينصرف» بلا شكٍّ. [/ج1ص297/]


34/137# قال الإمام أبو عبد الله _ رحمه الله _: حدَّثنا عليٌّ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، قالَ: حدَّثنا الزُّهرِيُّ، عن سَعيدِ بنِ المسيَّبِ وعن عَبَّادِ بنِ تَميمٍ:

عن عَمِّه: أَنَّهُ شَكا [1] إلىَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرَّجُلَ الذي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ في الصَّلَاةِ. فقالَ: «لا يَنْفَتِلْ _أَوْ: لا يَنْصَرِفْ_ حَتَّىَ يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً».

قوله: (حتَّى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً) يريد: أنَّه يمضي في صلاته ما لم يتيقَّن الحَدَث، ولم يُرِدْ بذكر هذين النوعين مِن الحدث تخصيصهما وقَصر الحكم عليهما حتَّى لا يقع نَقضُ الطهارة بغيرهما، وإنَّما هو جوابٌ خرج على حُذو المسألة التي سأل عنها السائلُ، وقد دَخَل في معناه كُلُّ ما يخرجُ من السبيلين من غائط وبول ومَذي ووَدي [2] ودم ونحوها، وقد يخرج منه الريحُ ولا يسمع لها صوتاً ولا يجدُ لها ريحاً فيكونُ عليه استئنافُ الطَّهارة إذا تيقَّن ذلك.

وقد يكون بأذنه وَقْرٌ [3] لا يسمع معه [4] الصوت، وقد يكون أخشمَ فلا يجد الرِّيح، والمعنى إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى، وقد رُوي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «إذا استَهَلَّ الصَّبيُّ ورِّثَ وُصلِّي عليه» [5] . ولم يُرِدْ به

@%ص54%

تخصيص الاستهلال الذي هو رفع الصوت دون غيره من أمارات الحياة من حركة وقبض وبسط في عضو، ونحوها [6] من الأمور التي لا تتأتَّى [7] إلَّا من حَيٍّ [8] .

وهذا أصلٌ في كُلِّ أمر قد ثبت واستقر يقيناً، فإنَّه لا يُرفعُ حُكمه بالشَّكِّ، كمن تيقَّن نكاح امرأةٍ أو مِلْك رقبة، ثمَّ شَكَّ في فسخ النكاح أو زوال المِلك، فإنَّ الشكَّ في ذلك لا يُزاحم اليقين، والنِّكاح على صحتَه، والمِلك على أصله.

وقد يَسْتدلُّ بهذا الحديث بعضُ مَن لا يرى في الدَّم يخرج من غير السبيلين الوُضُوءَ، والاستدلال به في مثل هذا ضعيف، وأضعف منه وأوهنُ استدلالُ من استدلَّ به في أنَّ رؤية المتيمِّم الماءَ في صلاته لا تنقض طهارته، ومثل هذا الاستدلال لا يصحُّ، وإن كان قد أُولع بذلك أصحابُ الجَدَل والشَّغب [9] ، ويتعلَّقون كثيراً به، وليس هذا من باب ما تقدَّم قولنا فيه من أنَّ المعنى إذا كان أوسعَ من الاسم كان الحكم للمعنى؛ لأنَّ ذلك إنِّما هو فيما يقع تحت الجنس [10] الواحد من معقول الباب.

وهذا بخلاف ذلك، فلا يصلح الاستدلال به إذا كان مَعقُولاً أنَّه إنَّما قَصَد به الجواب عن الخارجات من البدن إذا شكَّ في خروجها، وأنَّ الواجبَ فيها التَّمسُّكُ بالأصل حتَّى يتيقَّن الحَدَثَ [11] ، فدلَّ ببعض [12] المذكورات على سائر ما لم يذكر من نوعها، فمجاوزة المذكور والتعدِّي إلى غير جنس المقصود به اغتصابٌ للكلام وعُدوان فيه، وقد يُخاف أن يكون ذلك نوعاً من الافتراء.

ونحو هذا من استدلَّ في رُؤية المتيَمِّم الماءَ في الصلاة بقوله صلى الله عليه وسلم : «لا يقطع صلاة المسلم شيءٌ» [13] ؛ ومعلوم أنَّه إنَّما جاء في المارِّ بين يدي المُصلِّي؛ ولذلك قرن قوله: «وادرؤوا ما استطعتم»، وهذا بابٌ يجب أن يُراعَى ولا يغفل.

وفي الخبر حجَّة لمن أوجب الحدَّ على مَن وُجدت عليه [14] رائحة المُسكر وإن لم يشاهَد [15] شربه ولا شهد عليه الشهود ولا اعترف به. [16]

[1] في (م): (شلى) مصحفاً.
[2] (المذي) بالذال المعجمة: البلل اللزج الذي يخرج عند الملاعبة (التاج _مذى_)
و (الودي) بتخفيف الدال المهملة: الماء الرقيق الأبيض الذي يخرج في إثر البول (التاج_ ودى_)
[3] في (ط): (وفد) مصحفاً.
[4] (معه) سقطت من (ط).
[5] أخرجه الدارمي في «السنن» عن ابن عباس (3013).
[6] في النسخ الفروع: (ونحو ذلك)
[7] في (ط): (لا تأتي)
[8] في النسخ الفروع: (الحي)
[9] في النسخ الفروع: (أهل الجدل من أصحابنا).
[10] في (ط): (النجس) بتقديم النون على الجيم
[11] في (ط): (الحديث) محرفاً.
[12] في (ط): (بعض).
[13] أخرجه أبو داود في «السنن» عن أبي سعيد الخدري (719).
[14] في (ف): (معه).
[15] في (ف): (وإن المشاهد).
[16] قوله: (وفي الخبر حجة.... اعترف به) زيادة من النسخ الفروع.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

137- وبه قال: ((حدثنا علي)) : هو ابن عبد الله المشهور بابن المديني ((قال: حدثنا سفيان)) : هو ابن عيينة ((قال: حدثنا الزهري)) : محمد بن مسلم، ((عن سعيد بن المسيَّب)) ؛ بفتح المثناة التحتية، ((وعن عَبَّاد)) بفتح العين المهملة، وتشديد الموحدة ((بن تميم)) بن زيد بن عاصم الأنصاري المدني، قيل: صحابي، والمشهور: أنه تابعي، ووقع في رواية كريمة: سقوط واو العطف من قوله: (وعن عباد) وهو غلط قطعًا؛ لأنَّ سعيدًا لا رواية له عن عباد أصلًا، والعطف صحيح؛ لأنَّ الزهري يروي عن سعيد وعباد كليهما، وكلاهما يرويان ((عن عمه)) ؛ أي: عمُّ عباد المذكور، وهو عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب النجاري الأنصاري المازني المدني، له ولأبيه ولأخيه حبيب صحبة، قتل في ذي الحجة بالحرة سنة ثلاث وستين عن سبعين سنة: ((أنه شكا)) ؛ بالألف، وهو في محل رفع خبر (أن) ، وهو على صيغة المعلوم، والضمير فيه يرجع إلى عبد الله بن زيد؛ لأنَّه الشاكي، وبه صرح ابن خزيمة، والشكاية: الإخبار بسوء الفعل ((إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجلَ)) ؛ بالنصب على المفعولية، وفي رواية أنه بصيغة المجهول، و (الرجل) ؛ بالرفع مفعول ناب عن الفاعل، وما قاله النووي وزعمه الكرماني؛ فغلط؛ فتفحص، ((الذي يُخيَّل)) ؛ بالخاء المعجمة على صيغة المجهول؛ أي: يشبه ويخايل، والموصول مع صلته: صفة لـ (الرجل) على الوجهين، وسقط لفظ: (الذي) في رواية، وعليها؛ فالجملة حال من (الرجل) ((أنه يجد)) محله الرفع خبر (أن) ، ((الشيءَ)) ؛ بالنصب مفعوله؛ أي: الحدث خارجًا من دبره، وأمَّا القبل؛ فهو اختلاج لا ريح، فغير ناقض وإن تيقن به ((في الصلاة)) ، و (أنَّ) مع اسمها وخبرها: مفعول لقوله: (يخيل) ناب عن الفاعل.

((فقال)) عليه السلام له: ((لا يَنْفَتِل)) ؛ بفتح التحتية، وسكون النُّون، وفتح الفاء، وكسر الفوقية، بعدها لام، من الانفتال؛ وهو الانصراف، بالرفع على أن (لا) نافية، والجزم على أنها ناهية، ((أو لا ينصرف)) بالوجهين، والشك من الراوي وممن دونه، وفي رواية: (لا ينصرف) من غير شك ((حتى)) للغاية؛ أي: إلى أن ((يسمعَ)) ؛ بالنصب؛ بتقدير: (أن) الناصبة ((صوتًا)) ؛ أي: من الدبر، وزاد في رواية: (خارجًا) ، ((أو يجد ريحًا)) ؛ أي: من دبره أيضًا، وفي «صحيح ابن خزيمة»، و«ابن حبان»، و«الحاكم» من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله عليه السلام قال: «إذا جاء أحدَكم الشيطانُ، فقال: إنك أحدثت؛ فليقل: كذبت، إلا ما وجد ريحًا بأنفه أو سمع صوتًا بأذنه»؛ أي: فليقل: (كذبت) في نفسه لا ينطق بلسانه؛ لأنَّه يفسد عليه صلاته، والمراد: تحقق وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بالإجماع؛ لأنَّ الأصم لا يسمع شيئًا، والأخشم _الذي راحت منه حاسة الشم_ لا يشم أصلًا، وخصَّ النوعين بالذكر وإن كان غيرهما كذلك؛ لأنَّه خرج على حرف المسألة التي سأل عنها السائل، وإنَّما عبَّر بالوجدان دون الشم؛ ليشمل ما لو لمس المحل بيده ثم شم يده، وفيه دليل على أن لمس الدبر غير ناقض للوضوء؛ فليحفظ.

وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة من قواعد الفقه: وهي أنَّ الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلافها، ولا يضر الشك الطارئ عليها، واتفق العلماء عليها، فمن تيقن الطهارة وشكَّ في الحدث؛ يحكم ببقائه على طهارته سواء حصل الشك في الصلاة أو خارجها، وهو بالإجماع إلا عن مالك روايتان؛ أحدهما: أنه يلزمه الوضوء إن كان شكه خارج الصلاة، ولا يلزمه إن كان في الصلاة، والأخرى: يلزمه بكل حال، وحكيت الأولى عن الحسن البصري، والأولى والثانية عن بعض الشافعية، وروي عن مالك أيضًا: أنَّه لا وضوء عليه.

فإن تيقن الحدث وشكَّ في الطهارة؛ فإنه محدث يلزمه الوضوء بالإجماع.

وعلى هذا الأصل مَن شَكَّ في طلاق زوجته، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، أو طهارة النجس، أو نجاسة الثوب أو غيره، أو أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، أو أنه ركع أو سجد أم لا، أو نوى الصوم، أو الصلاة، أو الاعتكاف وهو في أثناء هذه العبادات وما أشبهها؛ فكل هذه الشكوك لا تأثير لها والأصل عدم الحادث.

واستدلَّ بعضهم بالحديث على أنَّ رؤية المتيمم الماء في صلاته لا تنقض طهارته، وهو استدلال فاسد لا يصح؛ لأنَّه ليس من باب ما ذكر؛ لأنَّ المقصود به جنس الخارج من البدن فالتعدي إلى غير الجنس المقصود به اغتصاب للكلام.

نكتة: جاء رجل إلى الإمام الأعظم فقال: شربت البارحة نبيذًا فلا أدري أطلقت امرأتي أم لا؟ فقال له: المرأة امرأتك حتى تستيقن أنَّك طلقتها، فتركه وذهب إلى سفيان الثوري فسأله، فقال: اذهب فراجعها، فإن كنت طلقتها؛ فقد راجعتها، وإلَّا؛ فلا تضرك المراجعة، فتركه وذهب إلى شريك فسأله، فقال: اذهب فطلقها ثم راجعها، فتركه وذهب إلى الإمام زفر فسأله، فقال: هل سألت أحدًا قبلي؟ قال: نعم، وقص عليه القصة، فقال في جواب الإمام الأعظم: الصواب قال لك، وقال في جواب سفيان: ما أحسن ما قال، ولما بلغ إلى قول شريك؛ ضحك مليًّا، ثم قال: لأضربنَّ لهم مثلًا؛ رجل مر بمشعب يسيل دمًا فشك في ثوبه هل أصابته نجاسة؟ قال له الإمام الأعظم: [/ص98/]

ثوبك طاهر حتى تستيقن، وقال سفيان: اغسله، فإن كان نجسًا؛ فقد طهرته، وإلا؛ فقد زدته طهارة، وقال شريك: بُلْ عليه ثم اغسله، انتهى.

فانظر إلى فقه الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وإلى جودة الإمام زفر، وحسن ضرب المثل رضي الله عنهم أجمعين.