متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

136- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة، وفتح الكاف، وإسكان المُثنَّاة التَّحتيَّة، المصريُّ، (قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ أيضًا، (عَنْ خَالِدٍ) هو ابن يزيد؛ مِنَ الزِّيادة، الإسكندرانيِّ، البربريِّ الأصل، المصريِّ الفقيه المفتي التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ) التَّيميِّ [1] مولاهم، المصريِّ [2] المولد، المدنيِّ المنشأ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ نُعَيْمٍ) بضمِّ النُّون، وفتح العَيْن، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، ابن عبد الله، المدنيِّ العدويِّ (الْمُجْمِرِ) [3] ؛ بضمِّ الميم الأولى، وكسر الثَّانية، اسم فاعلٍ، مِنَ الإجمار على الأشهر، وقِيلَ: بتشديد الميم الثَّانية، مِنَ التَّجمير، وهو صفةٌ لهما حقيقةً أنَّه [4] (قَالَ: رَقِيتُ)؛ بكسر القاف؛ أي: صعدت (مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ) النَّبويِّ، (فَتَوَضَّأَ)؛ بالفاء التَّعقيبيَّة، وفي نسخةٍ: بالواو، ولأبي ذَرٍّ [5] : «توضَّأ» بدونهما، وللكُشْمِيهَنِيِّ: «يومًا» بدل «توضَّأ»، وهو تصحيفٌ، وللإسماعيليِّ وغيره: «ثمَّ توضَّأ»، (فَقَالَ)، وفي رواية الأربعة: «قال»؛ بحذف حرف العطف على الاستئناف، كأنَّ قائلًا قال: ثمَّ ماذا؟ فقال: قال: (إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «رسول الله» (صلَّى الله عليه وسلَّم) حال كونه (يَقُولُ)؛ بلفظ المضارع؛ استحضارًا للصُّورة الماضية، أو لأجل الحكاية عنها: (إِنَّ أُمَّتِي) المؤمنين (يُدْعَوْنَ) _بضمِّ أوَّله، وفتح ثالثه_ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) على رؤوس الأشهاد حال كونهم (غُرًّا)؛ بضمِّ الغَيْن المُعجَمَة، وتشديد الرَّاء، جمع أَغَرَّ؛ أي: ذو غُرَّةٍ؛ وهي بياضٌ في الجبهة، والمُرَاد به: النُّور يكون في وجوههم، وحال كونهم (مُحَجَّلِينَ)؛ مِنَ التَّحجيل؛ وهو بياضٌ في اليدين والرِّجلين، والمُرَاد به: النُّور أيضًا؛ أي: يُدْعَوْن إلى يوم القيامة وهم بهذه الصِّفة، [فيكون مُعدًّى بـ: «إلى»؛ نحو: {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ} [آل عمران: 23] ، وتعقَّبه الدَّمامينيُّ: بأنَّ حذف مثل هذا الحرف، ونصب المجرور بعد حذفه غير مقيسٍ، قال: ولنا مندوحةٌ عن ارتكابه؛ بأن [6] يُجعَل [7] «يوم القيامة» ظرفًا؛ أي: يُدعَوْنَ فيه غُرًّا مُحجَّلين، انتهى.

وقال ابن دقيق العيد: أو مفعولٌ ثانٍ لـ: «يُدْعَون»؛ بمعنى: يُنادَون على رؤوس الأشهاد بذلك، أو بمعنى يُسمَّون بذلك] [8] .

فإن قلت: الغُرَّة والتَّحجيل في الآخرة [9] صفاتٌ لازمةٌ غير مُنتقلةٍ، فكيف يكونان حالين؟ أُجِيب: بأنَّ الحال تكون منتقلةً، أو في حكم المنتقلة إذا كانت وصفًا ثابتًا مُؤكِّدًا؛ نحو قوله تعالى: {وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا} [البقرة: 91] ، ومنه: خلق الله الزَّرافةَ يديها أطولَ من رجليها، فـ: «أطول»: حالٌ لازمةٌ غير منتقلةٍ، لكنَّها في حكم المنتقلة؛ لأنَّ المعلوم من سائر الحيوان [10] استواءُ القوائم الأربع، فلا يخبر بهذا الأمر إلَّا من يعرفه، وكذلك هنا المعلوم في [11] سائر الخلق عدم الغُرَّة والتَّحجيل، فلمَّا جعل الله ذلك [12] لهذه الأمَّة دون سائر الأمم؛ صارت في حكم المنتقلة بهذا المعنى، ويحتمل أن تكون هذه علامةً لهم في الموقف وعند الحوض، ثمَّ تنتقل عنهم عند دخولهم الجنَّة، فتكون منتقلةً بهذا المعنى [13] ، (مِنْ)؛ أي: لأجل (آثَارِ الْوُضُوءِ) [14] أو «من» سببيَّةٌ؛ أي: بسبب آثار الوضوء، ومثله قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهمْ أُغْرِقُوا} [نوح: 25] ؛ أي: بسبب خطاياهم أُغْرِقُوا، وحرف الجرِّ متعلِّقٌ بـ: «مُحَجَّلين»، أو بـ: «يُدْعَوْن»، على الخلاف في باب «التَّنازع» بين البصريِّين والكوفيِّين، والوضوء [15] ؛ بضمِّ الواو، [/ج1ص229/] ويجوز: فتحها، فإنَّ الغُرَّة والتَّحجيل نشآ عن الفعل بالماء، فيجوز أن يُنسَب إلى كلٍّ منهما، (فَمَنِ اسْتَطَاعَ)؛ أي: قدر (مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ) بأن يغسل شيئًا من مُقدَّم رأسه وما [16] يجاوز [17] وجهه زائدًا على القدر الذي يجب غسله لاستيعاب كمال الوجه، وأن يطيل تحجيله؛ بأن يغسل بعض عضده أو يستوعبها، كما رُوِيَ عن أبي هريرة وابن عمر: (فَلْيَفْعَلْ) ما ذُكِرَ من الغُرَّة والتَّحجيل، فالمفعول محذوفٌ؛ للعلم به، ولـ: «مسلمٍ»: «فَلْيُطِلْ غُرَّته وتحجيله»، وادَّعى ابن بطَّالٍ وعياضٌ، وابن التِّين: اتِّفاق العلماء على عدم استحباب الزِّيادة فوق المرفق والكعب، ورُدَّ: بأنَّه ثبت من فعله صلَّى الله عليه وسلَّم وفعل أبي هريرة، وأخرجه ابن أبي شيبة من فعل ابن عمر بإسنادٍ حسنٍ، وعمل العلماء وفتواهم عليه، وقال به القاضي حسينٌ وغيره من الشَّافعيَّة والحنفيَّة، وأمَّا قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «فمن [18] زاد على هذا أو نقص؛ فقد أساء وظلم»، فالمُرَاد به: الزِّيادة في عدد المرَّات أو النَّقص عن الواجب، لا الزِّيادة على تطويل الغُرَّة والتَّحجيل، وهما من خواصِّ هذه الأمَّة لا أصل الوضوء، واقتصر هنا على «الغُرَّة»؛ لدلالتها على الآخر، وخصَّها بالذِّكر؛ لأنَّ محلَّها أشرف أعضاء الوضوء، وأوَّل ما يقع عليه النَّظر من الإنسان، وحمل ابن عرفة _فيما نقله عنه أبو عبد الله الأُبِّيُّ_ الغُرَّة والتَّحجيل على أنَّهما [19] كنايةٌ عن إنارة كلِّ الذَّات، لا أنَّه مقصورٌ على أعضاء الوضوء، ووقع عند التِّرمذيِّ من حديث عبد الله بن بسرٍ [20] وصحَّحه: «أمَّتي يوم القيامة غُرٌّ من السُّجود مُحجَّلةٌ [21] من الوضوء»، قال في «المصابيح»: وهو مُعارَضٌ بظاهر ما في «البخاريِّ».

[1] هكذا في (د) و(م)، وفي باقي الأصول «التَّميميِّ»، وكلاهما غير صحيحٍ، والصَّواب: «اللَّيثيِّ» انظر «الكاشف» (1/445)، «تقريب التَّهذيب» (1/242»، «التَّعديل والتَّجريح» (3/1098).
[2] في (ب) و (س) و (م): «البصري»، وهو تحريفٌ.
[3] في (د): «المجمز»، وهو تصحيفٌ.
[4] «أنه» ليست في (د).
[5] في (د): «بأنه».
[6] في (ب) و (س): «نجعل».
[7] في (د): «وفي رواية أبي ذر».
[8] ما بين الحاصرتين جاء في (ص) بعد أسطر قبل قوله: «من آثار الوضوء».
[9] «في الآخرة»: سقط من (ص).
[10] في غير (د): «الحيوانات».
[11] في (ص): «المُعلَّق من»، وفي (د): «المعلوم من».
[12] في (ص): «كذلك».
[13] قوله: فإن قلت: الغُرَّة... فتكون منتقلةً بهذا المعنى، سقط من (م).
[14] قوله: (مِنْ)؛ أي: لأجل (آثَارِ الْوُضُوءِ)، سقط من (ص).
[15] قوله: أو «من» سببيَّةٌ؛... والكوفيِّين، والوضوء، سقط من (م).
[16] «ما»: ليست في (ص).
[17] في (م): «يجاور».
[18] في (م): «من».
[19] في (د): «أنه».
[20] في (ص): «سرة»، في (م): «بشر» ولعله أراد «بسرة»، وهو تحريفٌ.
[21] في (د): «ومُحجَّلةٌ».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

136-. حدَّثنا يَحْيَىَ بنُ بُكَيْرٍ، قالَ: حدَّثنا اللَّيْثُ، عن خالدٍ، عن سَعِيدِ بنِ أَبِي هِلالٍ، عَن نُعَيْمٍ المُجْمِرِ، قالَ:

رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ علىَ ظَهْرِ المَسْجِدِ فَتَوَضَّأَ [1] ، فقالَ [2] : إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ [3] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ».

[1] في رواية أبي ذر: «توضأ».
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «قال».
[3] في رواية أبي ذر و [عط] : «رسولَ الله».





136- ( غُرًّا مُحَجَّلِينَ ) فيه وجهان: أحدها: أنَّه مفعول [1] لـ ( يُدْعَوْنَ ) على تضمينه: يسمَّون.

وثانيهما: حال، أي: يدعون إلى يوم القيامة وهم بهذه الصفة، فيتعدى ( يُدعون ) في المعنى بالحرف؛ كقوله: { يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ } [آل عمران: 23] .

( وقال ابن عمر: إسباغ الوضوء: الإنقاء [2] ): المعروف في اللغة أن الإسباغ الإتمام والشمول، ومنه: درع سابغة، لكن يلزم من ذلك الإنقاء، فكأنه فسَّر الشيء بلازمه.

( مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ ) الرواية بضم الواو، وجوَّز ابن دقيق العيد الفتح على أنَّه الماء، وجَوَّز في ( مِنْ ) أن تكون للسبيبة أو لابتداء الغاية.

( الْمُجْمِرِ ) بإسكان الجيم وكسر الميم الثانية، وقيل: بفتح الجيم وتشديد الميم. قال النووي: هو صفة لعبد الله، ويطلق على أبيه نُعَيم مجازًا [3] . [/ج1ص89/]

( رَقِيتُ ) بكسر القاف وحكي الفتح.

[1] جاء في هامش [ب] : نسخة مفعول ثان.
[2] قال ابن حجر رحمه الله: هنا تقديم وتأخير، ثم قال المحشي رحمه الله: أثر ابن عمر بعد هذا بأبواب.
[3] قال ابن حجر رحمه الله: بل يطلق عليهما حقيقة لأنها وظيفة تعاطاها الأب وابنه.





136# (عَنْ نعيْمِ الْمُجْمِرِ) هو بضم الميم وإسكان الجيم وكسر الميم الثانية، وقيل: بفتح الجيم وتشديد الميم بعدها، وُصف به نُعيم؛ لأنه كان يجمِّر المسجد؛ أي: يبخِّره [1] .

وقال ابن حِبَّان: لأنه كان يأخذُ المجمَرَ قدَّامَ عمرَ بنِ الخطاب إذا خرج إلى الصلاة في شهر رمضان.

وقال النَّووي: هو صفة لعبد الله، ويطلق على ابنه [2] نُعيم مجازاً.

قال ابن دقيق العيد: ولا يتعينُ المجازُ حتى يتبين انتقال الحقيقة، وهو أنَّه لم يكن يُجَمِّرُ المسجد، وهذا يحتاج إلى نقلٍ ممن عاصره، قال: وكلام البخاري يدلُّ على أنه صفة لنعيم.

(رَقِيتُ) بكسر القاف على الصحيح المشهور، وحكي الفتح مع الهمز وعدمه، واختلف في أجودهما.

(عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجدِ) يوماً.

(فتوَضَّأَ) والأكثرون على جواز مثله؛ أي: الوضوء في المسجد، ولا فرق بين أعلاه وأسفله، وممَّن قال به من أصحابنا ابنُ القاسم، وكرهه بعضُ العلماء تنزيهاً للمسجد.

(إِنَّ أُمَّتِي) المراد بهم هنا أتباعه صلى الله عليه وسلم جعلنا الله منهم.

@%ج1ص118%

(غُرّاً مُحَجَّلِينَ) الغُرة: بياض في جبهة الفرس، والتحجيل: بياض في يديها ورِجليها، فأطلق ذلك على النُّور الذي يكون في [3] مواضع الوضوء استعارةً.

وغراً [4] : جمع أغر، وهو والوصف [5] الآخر إما مفعولٌ بـ ((يدعون))؛ كأنه بمعنى: يسمَّون غراً، قاله [6] ابن دقيق العيد، والأقرب أنَّه حال.

قال الزركشي: أي: يُدعون إلى يوم القيامة، وهم بهذه الصفة، فيتعدى ((يُدعون)) في المعنى بالحرف؛ كقوله: {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ} [آل عمران:23].

قلت: حذفُ مثل هذا الحرف ونصبُ المجرور بعد حذفه غيرُ مَقيسٍ، ولنا مندوحةٌ عن [7] ارتكابه بأن نجعل يوم القيامة ظرفاً؛ أي: يُدعون فيه غرًّا محجلين، ولا نزاع فيه.

(مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ) الرواية فيه بضم الواو، وجوَّز ابنُ دقيقِ العيد فتحَها على أنَّ المراد: الماء، والظاهر أنَّ ((من)) فيه [8] تعليلية؛ فيكون هذا علةً للغُرَّة والتحجيل، فيتعلق إمَّا بـ ((يُدعون))، وإمَّا بأحد الوصفين على طريق التنازع.

وقد وقع في الترمذي من حديث عبد الله بن بُسْر وصححه: ((أُمَّتي يومَ القيامَةِ غُرٌّ مِن السُّجُودِ، مُحَجَّلَةٌ مِن الوُضُوءِ))، وهو معارِضٌ لظاهر [9] ما في البخاري.

[1] قوله: ((بعدها، وُصف به نُعيم؛ لأنه كان يجمِّر المسجد؛ أي: يبخِّره)): ليس في (د) و(ج).
[2] في (ق): ((عن أبيه)).
[3] في (ق): ((من)).
[4] في (ق): ((وغر)).
[5] في (د) و(ق): ((الوصف)).
[6] في (ق): ((قال)).
[7] في (ج): ((غير)).
[8] ((فيه)): ليست في (ج).
[9] في (ق): ((الظاهر)).





136- قوله: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ): هو ابن سعد، الإمام المشهور، أحد الأعلام، تقدَّم بعض ترجمته، وأنَّ الشافعيَّ قال: (هو أفقه من مالك، ولكنَّ أصحابه أضاعوه) .

قوله: (عَنْ خَالِدٍ): هذا هو ابن يزيد أبو عبد الرحيم المصريُّ الفقيه، عن عطاء، والزُّهريِّ، وعنه: اللَّيث، ومفضَّل بن فضالة، ثقة، توفِّي سنة تسع وثلاثين ومئة، أخرج له الجماعة.

قوله: (عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ [1] ): (نُعيم): مصغًّر، و (المُجْمِر): بضمِّ الميم، وإسكان الجيم، ثمَّ ميم مكسورة مخفَّفة، ويقال بتشديد الميم الثَّانية؛ كان [2] يبخِّر المسجد، وهو صفة لعبد الله _ وجُزم به- والد نُعيم، وقيل: صفة لنُعيم، وهو نُعيم بن عبد الله المدنيُّ مولى آل عُمر، عن أبي هريرة، وجابر، وعنه: مالك، وفُليح، ثقة، جالس أبا هريرة عشرين سنة، أخرج له الأئمَّة السِّتَّة، وثَّقه أبو حاتم وجماعة، ولا أعرف وفاته. [/ج1ص74/]

قوله: (رَقِيتُ): هو [3] بكسر القاف، هذه اللُّغة الفصحى، وحَكى صاحب «المطالع»: فتحها من غير همز ومعه، فحصل ثلاث لغات، وكذا قاله النَّوويُّ في «شرح مسلم»، وكذا قال غيره، والذي رأيته في «المطالع»: («فرَقِي على الصفا»؛ بكسر القاف وفتحها في المستقبل، ومنه: «فرِقي فوجد كلبًا»، وضبطناه عنِ ابن عتَّاب [4] وابن حمدين: «فرقأ»، وكلاهما مقولان [5] ، والأوَّل أفصح، والهمز مع فتح القاف لغة طيِّئ قليلة، انتهى.

قوله: (عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ): الظَّاهر أنَّه مسجد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

قوله: (يُدْعَوْنَ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

قوله: (غُرًّا مُحَجَّلِينَ): منصوبان على الحال من الضَّمير في (يدعون) ، أو مفعول لتضمين (يدعون): يسمَّون.

[قوله: (مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ): هي مدلَّسة في أصلنا، وهو بضمِّ الواو، ويجوز فتحها على إرادة الماء المستعمل في الوضوء، وقد تقدَّم اللُّغات في (الوضوء) ، وقال بعضهم في قوله: (من آثار الوُضوء): (بضم الواو، وجوَّز ابن دقيق العيد الفتحَ على أنَّه الماء) انتهى، وهذا هو ما ذكرتُه، ولكن وافق ما قلته] [6] .

قوله: (فَمَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ؛ فَلْيَفْعَلْ): اعلم أنَّ شيخنا الشَّارح قال: (رأيت من شرح هذا الموضع من شيوخنا، وادَّعى أنَّ قوله: «فمن استطاع... » إلى آخره من قول أبي هريرة، أدرجه في آخر الحديث، قال: وفي هذه الدعوى بعدٌ عندي) انتهى، ومراد شيخنا إمَّا مغلطاي، وإمَّا قطب الدين عبد الكريم [7] الحافظ وهو الظَّاهر، وذلك لأنَّه أعلم بالفنِّ من مغلطاي، والله أعلم، وكلاهما شرحاه، أمَّا مغلطاي؛ فإنَّ شيخنا قرأ عليه وانتفع به، وأمَّا قطب الدين؛ فإنِّي لا أعلمه قرأ عليه، إلا أنَّه أجازه في سنة (304 هـ ) ، لا عندما عرض عليه «العمدة»، كما أخبرني شيخنا، انتهى، وفيها توفِّي الشيخ قطب الدين، وقد ذكر ابن قيِّم الجوزيَّة الحافظ شمس الدين في كتابه «إغاثة اللَّهفان» ما لفظه حين ذكر هذا الحديث، ثمَّ قال: (راويه عن أبي هريرة نُعيم المجمر، وقال: لا أدري قوله: «فَمَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ؛ فَلْيَفْعَلْ» من قوله عليه السَّلام أو من قول أبي هريرة، وروي ذلك عنه الإمام أحمد في «المسند») انتهى.

[فائدة: استدلَّ جماعة من العلماء بهذا الحديث: على أنَّ الوضوء من خصائص هذه الأمَّة زادها الله شرفًا، قال شيخنا الشَّارح: (وبه جزم الحليميُّ في «منهاجه») انتهى، وفي «الصَّحيح» أيضًا: «لكم سيما [8] ليست لأحد من الأمم، تردون عليَّ غرًّا محجَّلين من أثر الوضوء»، وقال آخرون: ليس الوضوء مختصًّا بها، وإنَّما الذي اختُصَّت به الغرَّة والتحجيل، وادَّعى شيخنا أنَّه المشهور من قول العلماء، واحتجُّوا بالحديث الآخر: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي»، وأجاب الأوَّلون عنه بوجهين؛ أحدهما: أنَّه حديث ضعيف، ثانيهما: أنَّه لو صحَّ؛ لاحتمل اختصاص الأنبياء دون أممهم، بخلاف هذه الأمَّة، وفي الثَّاني نظر بحديث جريج: (أنَّه توضَّأ وصلَّى) ، وحديث سارة حين أخذها الجبَّار، فقامت توضَّأ وتصلِّي، وكلاهما في هذا «الصَّحيح»، والله أعلم] [9] .

قوله: (غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ): (اقتصر فيه على ذكر الغرَّة دون التحجيل وإنْ ذكر معها في رواية أخرى) [10] في «الصَّحيح»؛ للعلم به.

[1] في (ج): (المجمري) ، وكذا في المواضع اللاحقة.
[2] (كان): ليس في (ب) .
[3] (هو): ليس في (ب) .
[4] في (ج): (عباس) .
[5] في «المطالع» (*): (فرقى وكلاهما منقولان) .
[6] ما بين معقوفين جاء متأخرًا في (ب) بعد قوله: (الإمام أحمد في «المسند» انتهى) .
[7] (عبد الكريم): ليس في (ب) .
[8] زيد في (ب): (مختصًا بها) .
[9] ما بين معقوفين جاء في (ب) بعد قوله: (فإنَّه مبني للفاعل) .
[10] ما بين معقوفين تكرر في (ب) سابقًا بعد قوله: (يطيل غرته فليفعل) .





136- (والْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ): وجهُهُ أنْ يكونَ (الغُرُّ) مبتدأً، وخبرُه محذوفًا؛ أي: مفضَّلون على غيرِهم، ونحوه، أو يكونَ (مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ) خبرُه؛ أي: الْغُرُّ المُحَجَّلُونَ مَنْشَؤُهم آثارُ الوُضوءِ، والـ (بَاب): مضافٌ إلى الجملة؛ أي: بابُ فضلِ الوضوء، وبابُ هذِه الجملةِ، ويَحتملُ أن يكونَ مرفوعًا على سبيل الحكايةِ ممَّا وَرَدَ هكذا: (أُمَّتِي الْغُرُّ المُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ) انتهى.

وقال البِرماويُّ بعد إيرادِ كلامِ الكرمانيِّ: (وفي ذلك بعضُ رِكَّةٍ.

وقال الزَّركشيُّ: «إنَّ الرِّوايةَ: الْمُحَجَّلُونَ؛ بالواو، وإنَّه إنَّما قطعَه ممَّا قبلَه؛ لأنَّه ليسَ مِن جملةِ التَّرجمةِ».

قلتُ: وفيهِ نَظَرٌ؛ إذ هو عينُ التَّرجمةِ؛ بدليل الحديث الَّذي أوردَه صريحًا فيه، وفضلُ الوضوءِ إنَّما يُفهَمُ مِنَ الحديث بطريقِ اللُّزومِ.

وبالجملةِ: فوجهُ الرَّفعِ على النُّسخة الَّتي فيها سقوط «بَابُ» ظاهرٌ، وعلى النُّسخة التي يكون فيها «بَابُ»: يكونُ «وَالْغُرُّ» عطفًا على «بَابُ»، وهو على تقدير «بَابُ» فيه؛ كأنَّه قيل: «وبَابُ الْغُرِّ المُحَجَّلِينَ»، فأُقيم المضافُ إليه مُقامَ «بَابُ» المحذوف).

وقال والدي رحمه الله تعالى: («الْغُرُّ» مبتدأٌ، و«الْمُحَجَّلُونَ» صفةٌ لهم، و«مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ» خبرُهُ).

وقال شيخُنا في «الفتح» بعدَما أعربَه بأنَّه على سبيلِ الحكايةِ: (لِمَا في الحديثِ في «مسلم» [ح:246] : «أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ»، أو الواو استئنافية، و«الْغُرُّ المُحَجَّلُونَ» مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ؛ تقديرُه: لهم فَضْلٌ، أو الخبرُ قولُه: «مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ» ).

وأمَّا (يَوْمَ) ؛ فهو مِنَ الأسماءِ الشَّاذَّةِ؛ لوقوع الفاء والعين فيه حرفَي عِلَّةٍ؛ فهو من باب (وَيْل)، و (وَيْح).

و (الْقِيَامَةِ) أصلُه: الْقِوَامَة، فقُلبتِ الواوُ فيه ياءً؛ لانكسار ما قبلَها [1] .

(غُرًّا مُحَجَّلِينَ): [انتصابُه] على الحال، ويَحتملُ أنْ يكونَ مفعولًا ثانيًا لـ (يُدْعَونَ) ؛ كما يُقال: فلانٌ يُدْعَى ليثًا، ومعناه: أنَّهم إذا دُعوا على رؤوس الأشهاد أو إلى الجنَّة؛ كانوا على هذه العلامة، أو أنَّهم يُسمَّونَ بهذا الاسم؛ لما يُرى عليهم مِنْ آثار الوضوء.

وقال ابنُ دقيق العيد: (يَحتمل «غُرًّا» وجهين:

أحدُهما: أنْ يكونَ مفعولًا لـ«يُدْعَونَ»، كأنَّه [2] بمعنى: يُسمَّون غُرًّا.

والثَّاني ـ وهو الأقربُ ـ: أنْ يكون حالًا، كأنَّهم يُدْعون إلى موقفِ الحساب والميزان أو غير ذلك ممَّا يُدْعَى النَّاسُ إليه في القيامة وهُم بهذِه الصفةِ؛ أي: غُرًّا محجَّلينَ، فيُعَدَّى «يُدْعَوْنَ» في المعنى بالحرف؛ كما قال تعالى: {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ} [آل عمران: 23] ، ويجوزُ ألَّا يُعدَّى بحرفِ الجرِّ، ويكونُ «غُرًّا» حالًا أيضًا) انتهى.

[1] قوله: (وأما يوم...) إلى هنا جاء في (ب) عقب كلام البرماوي السالف، وهو مستدرك في هامش (أ).
[2] (كأنه): سقط من (ب).





136- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة، وفتح الكاف، وإسكان المُثنَّاة التَّحتيَّة، المصريُّ، (قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ أيضًا، (عَنْ خَالِدٍ) هو ابن يزيد؛ مِنَ الزِّيادة، الإسكندرانيِّ، البربريِّ الأصل، المصريِّ الفقيه المفتي التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ) التَّيميِّ [1] مولاهم، المصريِّ [2] المولد، المدنيِّ المنشأ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ نُعَيْمٍ) بضمِّ النُّون، وفتح العَيْن، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، ابن عبد الله، المدنيِّ العدويِّ (الْمُجْمِرِ) [3] ؛ بضمِّ الميم الأولى، وكسر الثَّانية، اسم فاعلٍ، مِنَ الإجمار على الأشهر، وقِيلَ: بتشديد الميم الثَّانية، مِنَ التَّجمير، وهو صفةٌ لهما حقيقةً أنَّه [4] (قَالَ: رَقِيتُ)؛ بكسر القاف؛ أي: صعدت (مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ) النَّبويِّ، (فَتَوَضَّأَ)؛ بالفاء التَّعقيبيَّة، وفي نسخةٍ: بالواو، ولأبي ذَرٍّ [5] : «توضَّأ» بدونهما، وللكُشْمِيهَنِيِّ: «يومًا» بدل «توضَّأ»، وهو تصحيفٌ، وللإسماعيليِّ وغيره: «ثمَّ توضَّأ»، (فَقَالَ)، وفي رواية الأربعة: «قال»؛ بحذف حرف العطف على الاستئناف، كأنَّ قائلًا قال: ثمَّ ماذا؟ فقال: قال: (إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «رسول الله» (صلَّى الله عليه وسلَّم) حال كونه (يَقُولُ)؛ بلفظ المضارع؛ استحضارًا للصُّورة الماضية، أو لأجل الحكاية عنها: (إِنَّ أُمَّتِي) المؤمنين (يُدْعَوْنَ) _بضمِّ أوَّله، وفتح ثالثه_ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) على رؤوس الأشهاد حال كونهم (غُرًّا)؛ بضمِّ الغَيْن المُعجَمَة، وتشديد الرَّاء، جمع أَغَرَّ؛ أي: ذو غُرَّةٍ؛ وهي بياضٌ في الجبهة، والمُرَاد به: النُّور يكون في وجوههم، وحال كونهم (مُحَجَّلِينَ)؛ مِنَ التَّحجيل؛ وهو بياضٌ في اليدين والرِّجلين، والمُرَاد به: النُّور أيضًا؛ أي: يُدْعَوْن إلى يوم القيامة وهم بهذه الصِّفة، [فيكون مُعدًّى بـ: «إلى»؛ نحو: {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ} [آل عمران: 23] ، وتعقَّبه الدَّمامينيُّ: بأنَّ حذف مثل هذا الحرف، ونصب المجرور بعد حذفه غير مقيسٍ، قال: ولنا مندوحةٌ عن ارتكابه؛ بأن [6] يُجعَل [7] «يوم القيامة» ظرفًا؛ أي: يُدعَوْنَ فيه غُرًّا مُحجَّلين، انتهى.

وقال ابن دقيق العيد: أو مفعولٌ ثانٍ لـ: «يُدْعَون»؛ بمعنى: يُنادَون على رؤوس الأشهاد بذلك، أو بمعنى يُسمَّون بذلك] [8] .

فإن قلت: الغُرَّة والتَّحجيل في الآخرة [9] صفاتٌ لازمةٌ غير مُنتقلةٍ، فكيف يكونان حالين؟ أُجِيب: بأنَّ الحال تكون منتقلةً، أو في حكم المنتقلة إذا كانت وصفًا ثابتًا مُؤكِّدًا؛ نحو قوله تعالى: {وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا} [البقرة: 91] ، ومنه: خلق الله الزَّرافةَ يديها أطولَ من رجليها، فـ: «أطول»: حالٌ لازمةٌ غير منتقلةٍ، لكنَّها في حكم المنتقلة؛ لأنَّ المعلوم من سائر الحيوان [10] استواءُ القوائم الأربع، فلا يخبر بهذا الأمر إلَّا من يعرفه، وكذلك هنا المعلوم في [11] سائر الخلق عدم الغُرَّة والتَّحجيل، فلمَّا جعل الله ذلك [12] لهذه الأمَّة دون سائر الأمم؛ صارت في حكم المنتقلة بهذا المعنى، ويحتمل أن تكون هذه علامةً لهم في الموقف وعند الحوض، ثمَّ تنتقل عنهم عند دخولهم الجنَّة، فتكون منتقلةً بهذا المعنى [13] ، (مِنْ)؛ أي: لأجل (آثَارِ الْوُضُوءِ) [14] أو «من» سببيَّةٌ؛ أي: بسبب آثار الوضوء، ومثله قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهمْ أُغْرِقُوا} [نوح: 25] ؛ أي: بسبب خطاياهم أُغْرِقُوا، وحرف الجرِّ متعلِّقٌ بـ: «مُحَجَّلين»، أو بـ: «يُدْعَوْن»، على الخلاف في باب «التَّنازع» بين البصريِّين والكوفيِّين، والوضوء [15] ؛ بضمِّ الواو، [/ج1ص229/] ويجوز: فتحها، فإنَّ الغُرَّة والتَّحجيل نشآ عن الفعل بالماء، فيجوز أن يُنسَب إلى كلٍّ منهما، (فَمَنِ اسْتَطَاعَ)؛ أي: قدر (مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ) بأن يغسل شيئًا من مُقدَّم رأسه وما [16] يجاوز [17] وجهه زائدًا على القدر الذي يجب غسله لاستيعاب كمال الوجه، وأن يطيل تحجيله؛ بأن يغسل بعض عضده أو يستوعبها، كما رُوِيَ عن أبي هريرة وابن عمر: (فَلْيَفْعَلْ) ما ذُكِرَ من الغُرَّة والتَّحجيل، فالمفعول محذوفٌ؛ للعلم به، ولـ: «مسلمٍ»: «فَلْيُطِلْ غُرَّته وتحجيله»، وادَّعى ابن بطَّالٍ وعياضٌ، وابن التِّين: اتِّفاق العلماء على عدم استحباب الزِّيادة فوق المرفق والكعب، ورُدَّ: بأنَّه ثبت من فعله صلَّى الله عليه وسلَّم وفعل أبي هريرة، وأخرجه ابن أبي شيبة من فعل ابن عمر بإسنادٍ حسنٍ، وعمل العلماء وفتواهم عليه، وقال به القاضي حسينٌ وغيره من الشَّافعيَّة والحنفيَّة، وأمَّا قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «فمن [18] زاد على هذا أو نقص؛ فقد أساء وظلم»، فالمُرَاد به: الزِّيادة في عدد المرَّات أو النَّقص عن الواجب، لا الزِّيادة على تطويل الغُرَّة والتَّحجيل، وهما من خواصِّ هذه الأمَّة لا أصل الوضوء، واقتصر هنا على «الغُرَّة»؛ لدلالتها على الآخر، وخصَّها بالذِّكر؛ لأنَّ محلَّها أشرف أعضاء الوضوء، وأوَّل ما يقع عليه النَّظر من الإنسان، وحمل ابن عرفة _فيما نقله عنه أبو عبد الله الأُبِّيُّ_ الغُرَّة والتَّحجيل على أنَّهما [19] كنايةٌ عن إنارة كلِّ الذَّات، لا أنَّه مقصورٌ على أعضاء الوضوء، ووقع عند التِّرمذيِّ من حديث عبد الله بن بسرٍ [20] وصحَّحه: «أمَّتي يوم القيامة غُرٌّ من السُّجود مُحجَّلةٌ [21] من الوضوء»، قال في «المصابيح»: وهو مُعارَضٌ بظاهر ما في «البخاريِّ».

[1] هكذا في (د) و(م)، وفي باقي الأصول «التَّميميِّ»، وكلاهما غير صحيحٍ، والصَّواب: «اللَّيثيِّ» انظر «الكاشف» (1/445)، «تقريب التَّهذيب» (1/242»، «التَّعديل والتَّجريح» (3/1098).
[2] في (ب) و (س) و (م): «البصري»، وهو تحريفٌ.
[3] في (د): «المجمز»، وهو تصحيفٌ.
[4] «أنه» ليست في (د).
[5] في (د): «بأنه».
[6] في (ب) و (س): «نجعل».
[7] في (د): «وفي رواية أبي ذر».
[8] ما بين الحاصرتين جاء في (ص) بعد أسطر قبل قوله: «من آثار الوضوء».
[9] «في الآخرة»: سقط من (ص).
[10] في غير (د): «الحيوانات».
[11] في (ص): «المُعلَّق من»، وفي (د): «المعلوم من».
[12] في (ص): «كذلك».
[13] قوله: فإن قلت: الغُرَّة... فتكون منتقلةً بهذا المعنى، سقط من (م).
[14] قوله: (مِنْ)؛ أي: لأجل (آثَارِ الْوُضُوءِ)، سقط من (ص).
[15] قوله: أو «من» سببيَّةٌ؛... والكوفيِّين، والوضوء، سقط من (م).
[16] «ما»: ليست في (ص).
[17] في (م): «يجاور».
[18] في (م): «من».
[19] في (د): «أنه».
[20] في (ص): «سرة»، في (م): «بشر» ولعله أراد «بسرة»، وهو تحريفٌ.
[21] في (د): «ومُحجَّلةٌ».





136- ( المُجْمِرِ ): بضمِّ الميم الأولى وإسكان الجيم.

( رَقِيتُ ): بفتح الرَّاء وكسر القاف: صعدت.

( فَتَوَضَّأَ ) للكُشْمِيهنيِّ بدله: «يومًا» وهو تصحيف.

( يُدْعَوْنَ ): بضمِّ أوَّله، أي: يُنادَون أو يُسمَّون.

( غُرًّا ): بضمِّ المعجمة وتشديد الرَّاء: جمع أغرٍّ، أي: ذو غرَّة، وهي في الأصل: لمعةٌ بيضاء في جبهة الفرس، ثمَّ استعملت في الجمال والشُّهرة وطيب الذِّكر، والمراد بها هنا النُّور الكائن في وجوههم، ونصبه على المفعوليَّة أو الحال،

( مُحَجَّلِيْنَ ) بالمهملة والجيم: من التَّحجيل؛ وهو بياض يكون في ثلاث قوائم من الفرس، والمراد به هنا أيضًا: النُّور.

واستدلَّ الحَلِيميُّ بهذا على أنَّ الوضوء من خصائص هذه الأمَّة، قال: وأمَّا حديث: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» فضعيف لا يحتجُّ به، وعلى تقدير صحَّته فيحتمل كونه من خصائص الأنبياء دون أممهم إلَّا هذه الأمَّة.

قال ابن حجر: وفيه نظر؛ لأنَّه ثبت في «الصَّحيح» من قصَّة [/ج1ص295/] سارة مع الجبَّار: أنَّها قامت فتوضَّأت، وفي قصَّة جريج الرَّاهب: أنَّه قام فتوضَّأ، فالظَّاهر أنَّ الذي اختصَّت به هذه الأمَّة هو الغرَّة والتَّحجيل لا أصل الوضوء، وفي «صحيح مسلم»: «سيَّما ليست لأحد غيركم».

( مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ ): بضمِّ الواو، قال ابن دقيق العيد: ويجوز فتحها على إرادة الماء.

( أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ ) زاد مسلم: «وتحجيله»، ولأحمد: قال نُعَيم: «لا أدري قوله: من استطاع... إلى آخره من قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أو من قول أبي هريرة؟


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

136# قوله: (رَقِيتُ): أي [1] : صعِدت.

قوله: (غُرًّا مُحَجَّلِينَ): منصوبان على الحال.

(يُدْعَوْنَ): إلى موقف الحساب أو إلى الميزان.

و(الغُرَّة): بياض في جبهة الفرس.

و(التَّحْجِيْل): بياض في يديها ورجليها، فسمِّي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة بذلك، والغرة: غسل شيء من مقدَّم الرَّأس وما يجاوز الوجه زائدًا، والتَّحجُّل: غسل ما فوق المرفقين والكعبين.

وفيه: الزِّيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت إلى نصف العضد والسَّاق، فيه: ما أعدَّ الله تعالى من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة.

[1] (أي): ليس في (أ).





136- وبه قال: ((حدثنا يحيى بن بُكَيْر)) ؛ بضم الموحدة، وفتح الكاف، وإسكان التحتية، المصري ((قال: حدثنا الليث)) : هو ابن سعد المصري، ((عن خالد)) : هو ابن يزيد، من الزيادة، الإسكندراني البربري الأصل، أبو عبد الرحيم، المصري التابعي، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومئة، ((عن سعيد)) بكسر العين ((ابن أبي هلال)) الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، ولد بمصر، ونشأ بالمدينة، ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام، المتوفى سنة خمس وثلاثين ومئة، ((عن نُعَيْم)) ؛ بضم النُّون، وفتح العين، وسكون التحتية، ابن عبد الله أو محمد المدني العدوي ((المُجمِر)) ؛ بضم الميم الأولى وكسر الثانية: اسم فاعل من الإجمار على الأشهر، وقيل: بتشديد الميم الثانية من التجمير؛ وهو التبخير، سمي به نعيم وأبوه أيضًا؛ لأنَّهما كانا يبخران مسجد النبي الأعظم عليه السلام، فهو صفة لهما حقيقة، فلا تصح دعوى المجاز في نعيم كما زعمه النووي؛ فليحفظ.

((قال: رَقِيت)) ؛ بكسر القاف؛ أي: صعدت، وفي «المطالع»: (أنه بفتح القاف بالهمز وبدونه) انتهى، فهي ثلاث لغات، واللغة الصحيحة المشهورة: كسر القاف، كذا في «عمدة القاري» ((مع أبي هريرة)) رضي الله عنه ((على ظهر المسجد)) ؛ أي: مسجد النبي الأعظم عليه السلام، فـ (أل) للعهد، ((فتوضأ)) بالفاء، وفي رواية: (ثم توضأ) ، وفي أخرى: (توضأ) بدون حرف عطف، وفي أخرى: (وتوضأ) بواو العطف، وفي رواية: (يومًا) : بدل (توضأ) ، واتفق الشراح على[/ص96/] أنه تصحيف.

وقال العجلوني: (المعنى صحيح فلا ينبغي الجزم بالتصحيف؛ فتأمل) .

قلت: تأملته فوجدت المعنى غير مستقيم؛ لأنَّه تفوت المناسبة بين قولهما، وسياق الحديث يدل على ما قلنا؛ فافهم.

ولم يبيِّن هنا كيفية الوضوء، وفي رواية مسلم من طريق عمارة بن غزيَّة عن نعيم قال: (فتوضأ، فغسل وجهه، ويديه فرفع في عضديه، وغسل رجليه فرفع في ساقيه) ، وزاد فيه أنَّ أبا هريرة قال: (هكذا رأيت رسول الله عليه السلام يتوضأ) ، فأفاد رفع الوضوء، وفيه الرد على من زعم أن ذلك من رأي أبي هريرة، بل هو من روايته ورأيه معًا كذا قيل.

((فقال)) وفي رواية: (قال) بحذف حرف العطف على الاستئناف، كأنَّ قائلًا قال: ثمَّ ماذا؟ فقال: قال ((إني)) بكسر الهمزة ((سمعت النبي)) الأعظم؛ مقول القول، وفي رواية: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم يقول)) ؛ جملة وقعت حالًا من (النبي) ، وإنَّما عبر بالمضارع؛ لأجل الاستحضار للصورة الماضية، أو لأجل الحكاية عنها، وإلا؛ فالأصل أن يقال: قال؛ بلفظ الماضي: ((إن)) ؛ بكسر الهمزة مقول القول ((أمتي)) ؛ اسم إن، والمراد بها: أمة الإجابة؛ لأنَّ الأمة في اللفظ واحد، وفي المعنى جمع، وهي في اللغة: الجماعة، وكل جنس من الحيوان أمة، ففي الحديث: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم؛ لأمرت بقتلها»، ويستعمل في اللغة لمعان كثيرة: الطريقة، والدين، والحين، والملك، والرجل الجامع للخير، والرجل المنفرد بدينه، والأمة: أتباع الأنبياء عليهم السلام، وأمة محمد عليه السلام تطلق على معنيين: أمَّة الدعوة؛ وهي من بعث إليهم، وأمة الإجابة؛ وهي من صدَّقه وآمن به، وهذه هي المرادة هنا، كما قلنا، كذا في «عمدة القاري».

((يُدعون)) ؛ بضم أوله على صيغة المجهول، في محل رفع خبر (إنَّ) ، وأصله: يدعوون؛ بواوين، تحركت الأولى، وانفتح ما قبلها؛ قلبت ألفًا، فاجتمع ساكنان الألف والواو بعدها، فحذفت الألف؛ لالتقاء الساكنين، فصار (يدعون) ، وهو إمَّا من الدعاء؛ بمعنى: النداء؛ أي: يدعون إلى الموقف؛ للحساب، وإما من الدعاء؛ بمعنى: التسمية؛ نحو: دعوت ابنِي عبدَ الرزاق؛ أي: سميته به، ((يوم القيامة)) ؛ بالنصب على الظرفية، و (يوم) من الأسماء الشاذة؛ لوقوع الفاء والعين فيه حرفي علة، فهو من باب (ويح) و (ويل) ، وهو اسم لبياض النهار من طلوع الفجر الصَّادق إلى غروب الشمس، و (القيامة) : (فعالة) من قام يقوم، وأصلها: قوامه، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها ((غُرًَّا)) ؛ بالنصب حال من ضمير (يدعون) ، أو مفعول ثان لـ (يدعون) على تضمنه معنى: يسمَّون، وهو بضم الغين المعجمة وتشديد الرَّاء، جمع أغر؛ أي: ذو غُرَّة؛ بالضم: وهي بياض في جبهة الفرس، والأغر من الخيل: الذي غرته أكثر من الدرهم، والتحقيق: أن الغرة نفس القدر الذي يشغله البياض، والأغر: الأبيض من كل شيء، والمراد بها: النور الكائن في وجوه أمَّة النبي الأعظم عليه السلام ((مُحَجَّلين)) ؛ بالنصب حال بعد حال، أو مفعول ثان، أو صفة لـ (غرًا) : جمع مُحَجَّل؛ بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الجيم المفتوحة: اسم مفعول من التحجيل؛ وهو بياض يكون في قوائم الفرس كلها، وقيل: في ثلاث قوائم منهنَّ دون الأخرى؛ في رجل ويدين، ولا يكون التحجيل في اليدين خاصة إلا مع الرجلين، ولا في يد واحدة دون الأخرى إلا مع الرجلين، والأحجال: جمع حَجل؛ بالفتح؛ وهو القيد والخلخال أيضًا، والحِجل؛ بالكسر لغة فيهما، والأصل فيه: القيد، والحجلان: مشيه للقيد، والمراد به هنا أيضًا: النور في اليدين والرجلين؛ كالغرة في الوجه، فيُدعَون يوم القيامة وهم بهذه الصفة، و (يدعون) : يتعدى في المعنى بالحرف، والتقدير: إلى يوم القيامة؛ كما في قوله تعالى: {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ} [آل عمران: 23] ، واعتُرِض بأن حذف الحرف ونصب المجرور غير مقيس، ورُدَّ بأن نجعل: (يوم القيامة) ظرفًا؛ أي: يدعون فيه غرًا محجلين ((من)) للتعليل؛ أي: لأجل ((آثار)) ؛ بالمد: جمع أثر، وهو بقية الشيء ((الوضوء)) ؛ بضم الواو وفتحها، فإن الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء، فيجوز أن ينسب إلى كل منهما، أو (من) : للسببية؛ أي: بسبب آثار الوضوء؛ كما في قوله: {مِمَّا خَطَايَاهُمْ أُغْرِقُوا} [نوح: 25] ؛ أي: بسبب خطاياهم أغرقوا، وهو متعلق بـ (محجلين) أو بـ (يدعون) على الخلاف في التنازع بين الكوفيين والبصريين.

((فمن)) موصولة تتضمن معنى الشرط ((استطاع)) أي: قدر ((منكم)) الخطاب للمؤمنين، ((أن)) مصدرية ((يطيل غرته)) ؛ أي: الإطالة، وذلك بأن يغسل قدرًا زائدًا عن دائرة الوجه واليدين والرجلين؛ بأن يجاوز القدر المفروض في ذلك؛ ((فليفعل)) ؛ أي: الغرة أو الإطالة، ففيه الاختصار؛ حيث حذف المفعول، واقتصر على الغرة، ولم يذكر التحجيل؛ للعلم به، ففيه: الاكتفاء؛ كما في قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ} [النحل: 81] ؛ أي: الحر والبرد، والدليل على أن المراد كلاهما: ما في رواية مسلم: (فليطل غرته وتحجيله) .

واقتصاره على الغرة؛ وهي مؤنثة، دون التحجيل؛ وهو مذكر؛ لأنَّ محل الغرة أشرف أعضاء الوضوء، وقيل: إنه من باب التغليب، ورُدَّ بأنه ليس بتغليب حقيقي؛ لأنَّه لم يؤت فيه إلا بأحد الاسمين، والتغليب: اجتماع الاسمين أو الأسماء ويغلبا أحدهما على الآخر؛ كالقمرين، وهذا على تقدير كون قوله: (فمن استطاع...) إلخ من الحديث؛ لأنَّ المرفوع منه إلى قوله: «من آثار الوضوء»، والباقي إدراج في آخر الحديث من أبي هريرة، وقد أنكر ذلك بعضهم، ورد بما رواه أحمد من طريق فليح عن نعيم، وفي آخره: قال نعيم: (لا أدري قوله: «فمن استطاع...» إلخ من قول النبي عليه السلام أو من قول أبي هريرة) ، وقد روى ذلك الحديث عشرة من الصحابة، وليس في رواية واحد منهم هذه الجملة، فهو دليل ظاهر على أنَّه إدراج.

وفي الحديث التشبيه البليغ؛ حيث شبَّه النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة بغرة الفرس وتحجيله، ويجوز أن يكون كناية؛ بأن كنى بالغرة عن نور الوجه.

وادعى ابن بطال وعياض وابن التين: اتفاق العلماء على عدم استحباب الزيادة فوق المرفق والكعب، وهي دعوى باطلة؛ لأنَّه قد ثبت عن فعل النبي الأعظم عليه السلام وأبي هريرة، وعمل العلماء وفتواهم عليه، وهو قول الإمام الأعظم، وأصحابه، والشافعي وغيرهم، فهم محجوجون بالإجماع، وقد ثبت عن ابن عمر من فعله؛ كما أخرجه ابن أبي شيبة.

واستدل ابن بطال ومن تبعه بقوله عليه السلام: «فمن زاد على هذا أو نقص؛ فقد أساء وظلم»، وهو استدلال فاسد؛ لأنَّ المراد به: الزيادة في عدد المرات، أو النقص عن الواجب أو الثواب المرتب على نقص العدد، لا الزيادة على تطويل الغرة والتحجيل، وأوهام ابن بطال كثيرة بيَّنها مع ردِّها في «عمدة القاري».

وفي الحديث: جواز الوضوء على ظهر المسجد، وهو من باب الوضوء في المسجد؛ فإنَّ حرمة الأعلى كحرمة الداخل، وقد كره ذلك جمع؛ منهم الإمام الأعظم؛ لأنَّ ماء الوضوء مستعمل، وهو نجس في رواية، فينبغي حفظ المسجد عنه، ولأن إلقاء النخامة، والبصاق، والاستنشاق مما يستقذر وتعافه الطباع، فبالأولى أن يحفظ بيت العبادة عن المستقذرات، [/ص97/] إلا إذا كان في المسجد مكان معد للوضوء من زمن الواقف؛ فلا كراهة.

وقال ابن المنذر: (أباح كل من يحفظ العلم الوضوء فيه إلا أن يبله ويتأذى به الناس؛ فإنه يكره، فالمقصود حفظ المسجد من الغسالة وغيرها من الأوخام، وينبغي لمريد الوضوء في المسجد أن يتوضأ بإناء، ويجمع الماء فيه، ثم يلقيه في محلِّه المعدِّ له) .

واستُدِل بالحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وعند المؤلف: «لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تردون عليَّ غرًَّا محجَّلين من آثار الوضوء»، وقال بعضهم: ليس الوضوء مختصًّا بهذه الأمة، وإنَّما الذي اختصَّت به الأمَّة الغرَّة والتحجيل، وهو المشهور؛ لقوله عليه السلام: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي»، وأجاب: بأن الحديث ضعيف، ولو صحَّ؛ لاحتمل اختصاص الأنبياء دون أمتهم بخلاف هذه الأمة، وفيه شرف عظيم؛ حيث استووا مع الأنبياء في هذه الخصوصية، وامتازت بالغرَّة والتحجيل، ولكن ورد في حديث جريج عند المؤلف: (أنَّه قام، فتوضأ وصلى، ثم كلَّم الغلام) ، وثبت عند المؤلف أيضًا في قصة سارة: لمَّا همَّ الملك بالدنو منها؛ قامت تتوضأ وتصلي، وفيهما دلالة على أنَّ الوضوء كان مشروعًا لهم، وعلى هذا؛ فيكون خاصيَّة هذه الأمة الغرَّة والتحجيل الناشئين عن الوضوء، لا أصل الوضوء.

ونقل الزناتي: (أن الغرَّة والتحجيل حكم ثابت لهذه الأمة من توضأ منهم ومن لم يتوضأ؛ كما قالوا: لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب) ، وهو نقل غريب، وظاهر الأحاديث تقتضي خصوصية ذلك لمن توضأ منهم، وعند ابن حبان في «صحيحه»: يا رسول الله؛ كيف تعرف من لم تره من أمتك؟ قال: «غر محجلون بلق من آثار الوضوء»، كذا في «عمدة القاري».

ووقع عند الترمذي من حديث عبد الله بن بسر وصحَّحه: «أمتي يوم القيامة غرٌّ من السجود، محجَّلة من الوضوء»، قيل: هو معارض؛ لظاهر الحديث، ورُدَّ بعدم ظهور وجه المعارضة، وعليها فحديث جريج وسارة يرُدُّه؛ فليحفظ.