متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

134- وبالسَّند إلى المؤلِّف رحمه الله قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ)؛ بكسر الذَّال المُعجَمَة، والهمزة السَّاكنة، واسمه: محمَّد بن عبد الرَّحمن المدنيُّ، (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر رضي الله عنه، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، (عَنْ سَالِمٍ)؛ هو ابن عبد الله، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ)؛ بضمِّ العين، وهو والد سالمٍ، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((والزُّهريِّ))؛ بإسقاط حرف الجرِّ، وكلاهما عطفٌ على قوله: «عن نافعٍ عن ابن عمر»، فهما إسنادان: أحدهما: عن آدم عن ابن أبي ذئبٍ عن نافعٍ عن [1] ابن عمر، والآخر: عن آدم عن ابن أبي ذئبٍ عن الزُّهريِّ عن سالمٍ عن ابن عمر، وفي بعض النُّسخ: ((ح)) للتَّحويل قبل [2] «وعنِ الزُّهريِّ»: (أَنَّ رَجُلًا) لم أعرف اسمه (سَأَلَهُ) صلى الله عليه وسلم: (مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، والمُوحَّدة، مضارع «لبِس»؛ بكسر المُوحَّدَة، (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (لَا يَلْبَسِ)؛ بفتح الأوَّل والثَّالث، ويجوز ضمُّ السِّين: على أنَّ «لا» نافيةٌ، وكسرها: على أنَّها ناهيةٌ، والأوَّل لأبي ذَرٍّ، (الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ) بكسر العَيْن (وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ) بضمِّ المُوحَّدَة والنُّون (وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ)؛ بفتح الواو، وسكون الرَّاء، آخره مُهمَلَةٌ: نبتٌ أصفرُ من اليمن يُصبَغُ به، (أَوِ الزَّعْفَرَانُ)؛ بفتح الزَّاي والفاء [3] ، وللأَصيليِّ: ((مسَّه الزَّعفران أوِ الورس))، (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ؛ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَليَقْطَعْهُمَا)؛ بكسر اللَّام، وسكونها، عطفٌ على «فليلبس»، (حَتَّى) أن (يَكُونَا)؛ أي: غاية قطعهما (تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ)، فإن قلت: السُّؤال قد وقع عمَّا يلبس، فكيف أجابه عليه السلام بما لا يُلْبس؟ أُجِيب: بأنَّ هذا من بديع كلامه عليه الصلاة والسلام وفصاحته؛ لأنَّ المتروك منحصرٌ؛ بخلاف الملبوس؛ لأنَّ الإباحة هي الأصل، فحصر ما يُترَك؛ ليبيِّن أنَّ ما سواهُ مباحٌ، انتهى.

وفي هذا الحديث: السُّؤال عن حالة الاختيار، فأجابه عليه الصلاة والسلام عنها، وزاده [4] حالة الاضطرار في قوله: «فإن لم يجدِ النَّعلين»، وليست أجنبيَّةً عنِ السُّؤال؛ لأنَّ حالة السَّفر تقتضي ذلك، وتأتي مباحث الحديث _إن شاء الله تعالى_ في «الحجِّ» [خ¦1838] ، بعون الله وقوَّته وفضله [5] ومنَّته، وهذا آخر أحاديث كتاب «العلم»، وعدَّة المرفوع منها مئةُ حديثٍ وثلاثةُ أحاديثَ.

ولمَّا فرغ المؤلِّف من ذكر «أحاديث الوحي» الذي هو [6] مادَّة الأحكام الشَّرعيَّة، وعقَّبه بـ: «الإيمان»، ثمَّ بـ: «العلم»؛ شرع يذكر أحكام [7] العبادات مرتِّبًا لذلك على ترتيب حديث [8] «الصَّحيحين»: «بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وحجِّ البيت، وصوم رمضان» [خ¦8] وقدَّم الصَّلاة بعد الشَّهادتين على غيرها؛ لكونها أفضل العبادات بعد الإيمان، وابتدأ المؤلِّف بـ: «الطَّهارة»؛ [/ج1ص224/]

لأنَّها مفتاح الصَّلاة، كما في حديث أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ، ولأنَّها أعظم شروطها، والشَّرط مُقدَّمٌ على المشروط طبعًا، فقُدِّم عليه وضعًا، فقال:

[1] «نافع عن»: سقط من (ب).
[2] في (ص): «قيل».
[3] «بفتح الزَّاي والفاء»: سقط من (ب) و(ص).
[4] في (د) و(م): «وزاد».
[5] «وقوَّته وفضله»: سقط من (د).
[6] في (م): «التي هي».
[7] في (ب) و(س): «أقسام».
[8] في (ص): «أحاديث».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

134-. حدَّثنا آدَمُ [1] : حدَّثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن نافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ [2] ، عن سالمٍ:

عن ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فقالَ: «لا يَلْبَسِ [3] القَمِيصَ، وَلا العِمامَةَ، وَلا السَّراوِيلَ، وَلا البُرْنُسَ، وَلا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرانُ [4] ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُما حَتَّىَ يَكُونا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ».

[1] في (ب، ص) زيادة: «قالَ».
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «والزهري». وعزاها في (ن) إلىَ رواية ابن عساكر بدل الأصيلي.
[3] في رواية أبي ذر: «لا يَلبَسُ» بالرفع (و، ب، ص).
[4] في رواية الأصيلي: «مسَّه الزعفران أو الورس».





134- ( لاَ يَلْبَسِ ) برفع السين وكسرها، ووجه استنباطه الزيادة في الجواب تَضَمُّنُ الجوابِ ما يجوز للمحرم لبسه وما لا يجوز؛ لأن المنهي عنه قد حُصِرَ، فدلَّ بلفظه على ما لا يجوز، ودلَّ بفحواه على أن ما عداه يجوز، وأيضًا فإنه فصل في لباس السراويل [1] ، فكان ذلك زائدًا على الجواب. [/ج1ص87/]

[1] قال ابن حجر رحمه الله: قد فصل في النعلين.





لا تتوفر معاينة

134- قوله: (حَدَّثَنَا آدَمُ): تقدَّم الكلام عليه، وأنَّه ابن أبي إياس، وتقدَّم أنَّه مصروف، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ [1] ): تقدَّم أنَّه محمَّد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن أبي ذئب، العامريُّ المدنيُّ، أحد الأعلام، وتقدَّم بعض ترجمته، وأنَّ ذيبًا يُهمَز ولا يُهمَز.

قوله: (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ...) إلى آخره: هذا السَّند معطوف على الذي قبله، وليس تعليقًا، وقائل عنِ الزُّهريِّ هو ابن أبي ذئب، وقد روى هذا الحديث الثَّاني [2] البخاريُّ عن آدم عنِ ابن أبي ذئب، عنِ الزُّهريِّ [3] ، عن سالم، عنِ ابن عمر، والذي قبله رواه عن آدم، عنِ ابن [4] أبي ذئب، عن نافع، عنِ ابن عمر، والله أعلم.

قوله: (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ): هذا الرجل لا أعرف أحدًا سمَّاه.

قوله: (لاَ يَلْبَس الْقَمِيصَ): يجوز كسر السِّين على النَّهي، ويجوز ضمُّها على الخبر.

قوله: (وَلاَ السَّرَاوِيلَ): السراويل: معروف، يذكَّر ويؤنَّث، والجمع السراويلات، قال سيبويه: (سراويل واحدة، أعجميَّة أُعربت فأشبهت من كلامهم ما لا ينصرف في معرفة، ولا نكرة، فهي مصروفة في النكرة) ، قال: (وإنْ [5] سمَّيت بها رجلًا؛ لم تصرفها، وكذلك [6] إنْ حقَّرتها اسم رجل؛ لأنَّها مؤنَّثة على أكثر من ثلاثة أحرف؛ مثل: «عناق»، وفي النحويِّين من لا يصرفه أيضًا في النكرة، ويزعم أنَّه جمع سِروال [7] وسِروالة) ، وقال شيخنا الشَّارح: (والسراويل فارسيٌّ معرَّب، يذكَّر ويؤنَّث، وبالنُّون بدل اللَّام، وبالشِّين المعجمة بدل المهملة) انتهى.

فائدة شاردة: حديثه صلَّى الله عليه وسلَّم في شراء السراويل في «السُّنن الأربعة»، ورواه الطَّبرانيُّ أيضًا.

تنبيه وهو فائدة: اشتراه النَّبيُّ [8] صلَّى الله عليه وسلَّم بأربعة دراهم، كما رواه البزَّار، وفي كتاب «الإحياء» للإمام الغزاليِّ في (كتاب فضل الفقر والزُّهد) حديث أنَّه اشترى سراويل بثلاثة دراهم، والمعروف ما ذكرته عنِ البزَّار.

ثالثة: لَمْ يصحَّ أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام [9] [/ج1ص73/] لبس سراويل فيما أعلم، وسمعت بعض مشايخي الحلبيِّين يقول: (لَمْ يصحَّ ذلك، وصحَّ أنَّه اشتراه) انتهى.

وقد ذكر ابن القيِّم في «الهَدْي»: (أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام لبس الجُبَّة، والقباء، والقميص، والسراويل، والإزار) ، فجزم على ما في النُّسخة التي وقفت عليها بأنَّه لبسه، وقال قبله بقليل: «واشترى صلَّى الله عليه وسلَّم سراويل»، والظَّاهر أنَّه إنَّما اشتراها ليلبسها، وقد روي في غير حديث أنَّه لبس السراويل، وكانوا يلبسون السراويلات بإذنه) انتهى لفظه، والله أعلم.

قوله: (وَلاَ الْبُرْنُسَ): هو -بضم الموحَّدة والنُّون- كلُّ ثوب رأسه ملتزق به دراعة كان أو جبَّة، وقال ابن دريد: البُرنس؛ بضمِّ الباء: نوع من الطيالسة يلبسه العُبَّاد وأهل الخير، وفي «النهاية» لابن الأثير نحو ما تقدَّم غير كلام ابن دريد إلا أنَّه ذكر عوضه كلام الجوهريِّ، فقال: (وقال الجوهريُّ: هو قلنسوة طويلة كان النُّسَّاك [10] يلبسونها في صدر الإسلام، وهو من البِرْس؛ بكسر الباء؛ وهو القطن، والنُّون زائدة، وقيل: إنَّه غير عربيٍّ) انتهى، وقد راجعت كلام الجوهريِّ؛ فرأيته كذلك إلى قوله: (الإسلام) ، والباقي لابن الأثير، وهو ظاهر.

[1] في هامش (ق): (محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام بن شعبة) .
[2] (الثَّاني): ليس في (ج) .
[3] (عن الزُّهري): ليس في (ج) .
[4] (ابن): ليس في (ب) .
[5] في (ب): (فإن) .
[6] في (ب) و (ج): (ولذلك) .
[7] في (ب): (سروالة) .
[8] (النَّبي): ليس في (أ) .
[9] زيد في (ج): (أنه) ، وهو تكرار.
[10] في (ج): (النساء) .





134- (مَا يَلْبَسُ): (مَا) موصولةٌ، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ (سَأَلَ) ؛ أي: عمَّا يَلْبَسُهُ، أو موصوفةٌ، أو استفهاميَّةٌ.

قوله [1] : (لَا يَلْبَس): بضمِّ السِّين نفيٌ بمعنى النَّهي، وبكسرِها نَهْيٌ.

(وَلَا ثَوْبًا): وفي بعضِها مرفوعٌ، ورفعُه بتقديرِ فِعْلِ ما لم يُسمَّ فاعلُه؛ أي: لا يُلْبَسُ ثوبٌ [2] .

[1] (قوله): مثبت من (أ).
[2] قوله: (أي: لا يلبس ثوبٌ) سقط من (ب)، وانظر «الكواكب الدراري» (2/165-66).





134- وبالسَّند إلى المؤلِّف رحمه الله قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ)؛ بكسر الذَّال المُعجَمَة، والهمزة السَّاكنة، واسمه: محمَّد بن عبد الرَّحمن المدنيُّ، (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر رضي الله عنه، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، (عَنْ سَالِمٍ)؛ هو ابن عبد الله، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ)؛ بضمِّ العين، وهو والد سالمٍ، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((والزُّهريِّ))؛ بإسقاط حرف الجرِّ، وكلاهما عطفٌ على قوله: «عن نافعٍ عن ابن عمر»، فهما إسنادان: أحدهما: عن آدم عن ابن أبي ذئبٍ عن نافعٍ عن [1] ابن عمر، والآخر: عن آدم عن ابن أبي ذئبٍ عن الزُّهريِّ عن سالمٍ عن ابن عمر، وفي بعض النُّسخ: ((ح)) للتَّحويل قبل [2] «وعنِ الزُّهريِّ»: (أَنَّ رَجُلًا) لم أعرف اسمه (سَأَلَهُ) صلى الله عليه وسلم: (مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، والمُوحَّدة، مضارع «لبِس»؛ بكسر المُوحَّدَة، (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (لَا يَلْبَسِ)؛ بفتح الأوَّل والثَّالث، ويجوز ضمُّ السِّين: على أنَّ «لا» نافيةٌ، وكسرها: على أنَّها ناهيةٌ، والأوَّل لأبي ذَرٍّ، (الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ) بكسر العَيْن (وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ) بضمِّ المُوحَّدَة والنُّون (وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ)؛ بفتح الواو، وسكون الرَّاء، آخره مُهمَلَةٌ: نبتٌ أصفرُ من اليمن يُصبَغُ به، (أَوِ الزَّعْفَرَانُ)؛ بفتح الزَّاي والفاء [3] ، وللأَصيليِّ: ((مسَّه الزَّعفران أوِ الورس))، (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ؛ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَليَقْطَعْهُمَا)؛ بكسر اللَّام، وسكونها، عطفٌ على «فليلبس»، (حَتَّى) أن (يَكُونَا)؛ أي: غاية قطعهما (تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ)، فإن قلت: السُّؤال قد وقع عمَّا يلبس، فكيف أجابه عليه السلام بما لا يُلْبس؟ أُجِيب: بأنَّ هذا من بديع كلامه عليه الصلاة والسلام وفصاحته؛ لأنَّ المتروك منحصرٌ؛ بخلاف الملبوس؛ لأنَّ الإباحة هي الأصل، فحصر ما يُترَك؛ ليبيِّن أنَّ ما سواهُ مباحٌ، انتهى.

وفي هذا الحديث: السُّؤال عن حالة الاختيار، فأجابه عليه الصلاة والسلام عنها، وزاده [4] حالة الاضطرار في قوله: «فإن لم يجدِ النَّعلين»، وليست أجنبيَّةً عنِ السُّؤال؛ لأنَّ حالة السَّفر تقتضي ذلك، وتأتي مباحث الحديث _إن شاء الله تعالى_ في «الحجِّ» [خ¦1838] ، بعون الله وقوَّته وفضله [5] ومنَّته، وهذا آخر أحاديث كتاب «العلم»، وعدَّة المرفوع منها مئةُ حديثٍ وثلاثةُ أحاديثَ.

ولمَّا فرغ المؤلِّف من ذكر «أحاديث الوحي» الذي هو [6] مادَّة الأحكام الشَّرعيَّة، وعقَّبه بـ: «الإيمان»، ثمَّ بـ: «العلم»؛ شرع يذكر أحكام [7] العبادات مرتِّبًا لذلك على ترتيب حديث [8] «الصَّحيحين»: «بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وحجِّ البيت، وصوم رمضان» [خ¦8] وقدَّم الصَّلاة بعد الشَّهادتين على غيرها؛ لكونها أفضل العبادات بعد الإيمان، وابتدأ المؤلِّف بـ: «الطَّهارة»؛ [/ج1ص224/]

لأنَّها مفتاح الصَّلاة، كما في حديث أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ، ولأنَّها أعظم شروطها، والشَّرط مُقدَّمٌ على المشروط طبعًا، فقُدِّم عليه وضعًا، فقال:

[1] «نافع عن»: سقط من (ب).
[2] في (ص): «قيل».
[3] «بفتح الزَّاي والفاء»: سقط من (ب) و(ص).
[4] في (د) و(م): «وزاد».
[5] «وقوَّته وفضله»: سقط من (د).
[6] في (م): «التي هي».
[7] في (ب) و(س): «أقسام».
[8] في (ص): «أحاديث».





134- ( لاَ يَلْبَس ): بالرَّفع خبر، والجزم نهي.

وجه استنباط الزِّيادة تضمُّن الجواب ما يجوز للمحرم لبسه وما لا يجوز؛ لأنَّ المنهيَّ قد حُصِرَ، فدلَّ بلفظه على ما لا يجوز، وبفحواه على ما يجوز، وفيه العدول عمَّا لا ينحصر إلى ما ينحصر طلبًا للإيجاز. [/ج1ص292/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

134# حَدَّثَنَا آدَمُ، ثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عبد الله بنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ: «لاَ يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلاَ العِمَامَةَ، وَلاَ السَّرَاوِيلَ، وَلاَ البُرْنُسَ، وَلاَ ثَوْباً مَسَّهُ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ».

الزائد على السؤال في الحديث قوله: «فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ» إلى آخره.

وقيل: إن البخاري نبه على مسألة أصولية، وهو أن اللفظ يحمل على عمومه لا على خصوص السبب، لأنه جواب وزيادة، فكأنه أشار إلى مطابقة الجواب للسؤال حتى لا يكون عاماً إذا كان السؤال خاصاً غير لازم، لا سيما إذا كان الزائد له تعلق.

أخرج البخاري هذا الحديث من هذا الطريق طريق سالم في «اللباس» عن علي عن سفيان، وعن آدم عن ابن أبي ذئب، وفي «العلم» وفي «الصلاة» عن عاصم بن علي، عن ابن أبي ذئب، وفي «الحج» عن أحمد بن يونس عن إبراهيم، وأخرجه من طريق نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر.

قال المازري وغيره: سئل عما يلبس فأجاب بما لا يلبس، لأن المتروك منحصر والملبوس لا ينحصر، لأن الإباحة هي الأصل، فحصر ما يترك ليبين أن ما سواه مباح، وهذا من بديع كلامه صلى الله عليه وسلم وجَزْله وفصاحته.

قلت: وفائدة أخرى وهي مراعاة المفهوم، فإنه لو أجاب بما يلبس لتوهم المفهوم، وهو أن غير المحرم لا يلبسه، فانتقل

@%ص293%

إلى ما لا يلبس لأن مفهومه مستعمل ومنطوقه، فكان أفصح وأبلغ وأوجه.

قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في الحديث [لا] يلبسه المحرم، وأنه نبه بالقميص والسراويل على كل مخيط، فنبه بالسراويل على كل ما يعم العورة من المخيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى به الرأس مخيطاً أو غيره، وبالخفاف على ما يستر الرجل، وأن لباس ذلك جائز للرجال في غير الإحرام؛ لأن الخطاب إنما كان لهم، ولأن النساء مأمورات بستر رؤوسهن.

قوله: «وَلاَ ثَوْباً [1] مَسَّهُ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ» قال عياض: أجمعت الأمة أن المحرم لا يلبس ما صبغ بزعفران أو ورس لما فيهما من الطيب الذي هو داعية الجماع.

قال غيره: فنبه به على جميع أنواع الطيب.

قال الجوهري: الورْس نبت يكون باليمن، يتخذ منه الغمرة للوجه، وهو طلاء يتخذ من الورس ليصفو لونها، يقال: أورس الرَّمْث؛ أي اصفر ورقه.

وقال غيره: نبت أصفر يصبغ به.

قوله: «لا يَجِد نعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ» ففي هذا زيادة على سؤال السائل، فزاده عليه الصلاة والسلام لعلمه بمشقة السفر، وما يلحق الناس من المشقة في الخفاف.

وجاء في هذا الحديث من رواية ابن عباس: «من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين»، ذكره البخاري في «اللباس»، ومسلم أيضاً، وجاء فيه من رواية جابر: أطلق الكل ولم يقيد بالقطع.

وجاء في رواية ابن عمر وهي في «الصحيحين»: ذكر القطع في الخفين لمن لم يجد النعلين.

واختلف العلماء في هذين الحديثين؛ فقال أحمد: يجوز لبسهما من غير قطع لإطلاق حديث ابن عباس وجابر، وأصحاب أحمد يزعمون أنهما ناسخان لحديث ابن عمر

@%ص294%

بالقطع، لأنه إضاعة مال.

وقال مالك والشافعي والجمهور: لا يجوز لبسهما إلا بعد القطع، والمطلق محمول على المقيد، وزيادة الثقة مقبولة، والإضاعة إنما تكون فيما نهي عنه، أما ما ورد الشرع به فليس إضاعة؛ بل هو حق يجب الإيمان به، وادعاء النسخ ضعيف جداً.

قوله في هذا الحديث: «وَلاَ السَّرَاوِيلَ» أطلق المنع فيه، وجاء في حديث ابن عباس إباحة لبس السراويل لمن لم يجد الإزار بقوله: «من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل» فأخذ به الشافعي والجمهور، منهم عطاء والثوري وأحمد ابن حنبل وإسحاق وداود.

ومنعه أبو حنيفة ومالك، قال أصحابه: لسقوط هذه الزيادة من رواية ابن عمر، وقد قال مالك في «الموطأ» وسئل عن قوله: «من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل» فقال: لم أسمع بهذا، ولا أرى أن يلبس المحرم السراويل، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم منعه ولم يستثن كما استثنى في الخفين.

قال القاضي عياض: ظاهر هذا اللفظ من مالك يدل على أن هذه الزيادة لم تبلغه، ولم يبلغه لبسها على حالها.

قال أبو بكر بن العربي: لم يقل في السراويل: فليقطعه كما قال في النعل: «فليقطعهما» لأن شق السراويل فساد له، وقطع الخف من الكعب لا يفسده، فرخص عن وجه [2] لا فساد فيه.

وفيما قاله نظر، والله أعلم.

[1] في الأصل: «ولا ثوب»، والمثبت بتنوين النصب هو الصواب كما أثبته المؤلف في لفظ الحديث.
[2] في الأصل: «لا وجه»، والعبارة في المطبوع من «عارضة الأحوذي» (4/56) وقع فيها تصحيف عجيب.





لا تتوفر معاينة

134- وبه قال: ((حدثنا آدم)) ؛ بمد الهمزة، ابن أبي إياس، ((قال: حدثنا ابن أبي ذِئْب)) ؛ بكسر الذال المعجمة وبالهمزة الساكنة، محمد بن عبد الرحمن المدني، ((عن نافع)) : مولى ابن عمر، ((عن ابن عمر)) : عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ((عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم ح)) ؛ للتحويل، ((وعن الزهري)) : محمد بن مسلم بن شهاب، ((عن سالم)) : هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ((عن ابن عُمر)) ؛ بضم العين، عبد الله فهو والد سالم المذكور، ((عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ، وفي رواية: بإسقاط حرف الجر وكلاهما عطف على قوله: (عن نافع) ، فهما إسنادان أحدهما عن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، والآخر عن آدم، عن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر.

((أن رجلًا)) ، قال في «عمدة القاري»: لم أقف على اسمه، ((سأله)) عليه السلام، جملة محلها الرفع خبر (أن) ، ((ما)) استفهامية أو نكرة موصوفة أو موصولة، محلها النصب مفعول ثان لـ (سأل) ((يَلْبِس)) ؛ بفتح التحتية[/ص87/] والموحدة، مضارع: لبس؛ بكسر الموحدة.

((المحرم)) بالحج أو العمرة، وأصله: الداخل في الحرمة؛ لأنَّه يحرم عليه به ما كان حلالًا له قبله من صيد ونحوه، ((فقال)) عليه السلام: ((لا يلبسُ)) من اللُّبس؛ بضم اللام من باب (علم يعلم) ، وأما اللَّبس _بالفتح_؛ فهو من باب (ضرب يضرب) ، يقال: لبست عليه الأمر، إذا خلطت عليه ومنه التباس الأمر وهو اشتباهه، روي بالرفع على أن لا نافية، وبالجزم على أنها ناهية؛ أي: المحرم.

((القميصَ)) ؛ بالنصب على المفعولية وهو معروف يتخذ من القطن أو الصوف جمعه: قمص وأقمصة وقمصان، وهو مذكَّر وقد يؤنَّث، ((ولا العِمامة)) ؛ بكسر العين واحدة العمائم، وعمَّمته ألبسته العمامة، وعمِّمَ الرجل سوِّد؛ لأنَّ العمائم تيجان العرب، كما قيل في العجم توِّج واعتمَّ بالعمامة وتعمَّم بها بمعنى، وفلان حسن العمَّة؛ أي: الاعتمام، كذا في «عمدة القاري» عن الجوهري.

((ولا السراويل)) : أعجمية عرِّبت وجاء على لفظ الجمع وهي واحدة يذكر ويؤنث، ولم يعرف الأصمعي إلا التأنيث ويجمع على: السراويلات، وقد يقال: هو جمع ومفرده سروالة وهو غير منصرف على الأكثر، وقال سيبويه: سراويل واحدة أعجمية، فأعربت فأشبهت في كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، فهي مصروفة في النكرة، وإن سمَّيت بها رجلًا؛ لم تصرفها، ومن النحاة من لا يصرفه أيضًا في النكرة ويزعم أنه جمع: سروال والسراوين؛ بالنون لغة، والشراويل؛ بالشين المعجمة لغة أيضًا أفاده في «عمدة القاري».

((ولا البُرْنُس)) ؛ بضم الموحدة، وسكون الراء، وضم النون، ثوب رأسه منه ملتزق به، وقيل: قلنسوة طويلة، وكان النسَّاك يلبسونها في صدر الإسلام وهو من البِرس؛ بكسر الموحدة، وهو القطن والنون زائدة، وقيل: غير عربي، وكل ما جُبَّ فيه موضع لإخراج الرأس منه؛ فهو جبة، وكل ما خيط أو نسج في طرفه ليستمسك على اللَّابس؛ فهو برنس كالقفار ونحوها، وتمامه في «عمدة القاري».

((ولا ثوبًا)) ؛ بالنصب عطف على قوله (القميص) ، وروي بالرفع على تقدير فعل ما لم يسم فاعله؛ أي: ولا يلبس ثوب، ((مسَّه الوَرْس)) : فعل، ومفعول، وفاعل، والجملة محلها النصب أو الرفع صفة لـ (ثوب) ؛ بفتح الواو وسكون الراء آخره سين مهملة: نبت أصفر يكون باليمن تصبغ به الثياب ويتَّخذ منه الغمرة للوجه مثل: حب السمسم فإذا جف عند إدراكه؛ يفتق فيغض منه الورس، وتمامه في «عمدة القاري».

((أو الزعفران)) ، وللأصيلي: (مسه الزَّعْفَران أو الورس) وهو بفتح الزاي والفاء وسكون العين بينهما نبت معروف يصبغ به، يقال: إن الكركمَ عروقه، وإذا كان في مكان لا يدخله سام أبرص وإنما عدل عن طريقة أخواته؛ لأنَّ الطيب حرام على الرجل والمرأة، فأراد أن يعمِّم الحكم للمحرم والمحرمة، بخلاف الثياب المذكورة؛ فإنَّها حرام على الرجال فقط، كذا في «عمدة القاري».

((فإن لم يجد النَّعْلين)) : تثنية نعل وهي الحِذَاء؛ بكسر الحاء المهملة، والمد، وفتح النون، وسكون العين المهملة، جمعه: نعال، وكل ما وقيت به القدم من الأرض فهو نعل.

((فلِيلبس)) ؛ بكسر اللام وسكونها ((الخفين)) تثنية خفٍّ معروف جواب الشرط، فلذا دخلته الفاء، ((ولِيقطعهما)) ؛ بكسر اللام وسكونها عطف على (فليلبس) ؛ أي: الخفين، ((حتى)) للغاية؛ أي: أن ((يكونا)) ؛ أي: غاية قطعهما ((تحت الكعبين)) تثنية: كعب، والمراد به هنا: المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك لا العظم الناتئ عند مفصل الساق؛ فإنَّه في الوضوء، وهذا مذهب إمامنا المعظم الإمام الأعظم.

وقال الشافعي: إنه العظم الناتئ عند مفصل الساق، وجملة (تحت الكعبين) : خبر (يكونا) : المنصوب بحذف النون، والواو في (وليقطعهما) لا تدل على الترتيب، ومعناها الشركة والجمع مطلقًا من غير دلالة على تقديم أو مصاحبة، كما نص عليه سيبويه، وله شواهد في القرآن العظيم وإنما أجاب بما لا يلبس عمَّا يلبس؛ لأنَّ المتروك منحصر والملبوس لا ينحصر؛ لأنَّ الإباحة هي الأصل فحصر ما يترك؛ ليبيِّن أن ما سواه مباح، وهو من بديع كلامه وفصاحته.

وقد راعى [1] المفهوم أيضًا فإنه لو أجاب بما يلبس؛ لتوهم المفهوم، وهو أن غير المحرم لا يلبسه فانتقل إلى ما لا يلبس؛ لأنَّ مفهومه مستعمل منطوقه، فكان أفصح، ونبَّه بـ (القميص) و (السراويل) على كل ما يعمُّ العورة من المخيط وبـ (العمائم) و (البرانس) على كل ما يغطى به الرأس مخيطًا أو غيره، وبالخفاف على ما يستر الرجل، وأن لباس ذلك جائز للرجال في غير الإحرام وإنما كان لهم؛ لأنَّ النساء مأمورات بستر رؤوسهن، وبـ (الورس) و (الزعفران) على ما سواهما من أنواع الطيب وهو حرام على الرجل والمرأة والخصوص للرجال؛ من حيث أن الألفاظ كلها للمذكَّرين، والعموم من الأدلة الخارجة عن هذا الحديث، ويدل له رواية قوله: (ولا ثوبُ) ؛ بالرفع، وحكمة تحريم اللباس على المحرم: التذلل والخضوع، وفي الطيب: ترك زينة الدنيا، وقطع الخف عند عدم وجود النعل واجب عند إمامنا الإمام الأعظم والجمهور، فإن لم يقطعه؛ فعليه الفدية؛ للأمر بالحديث.

وقال الشافعي: إذا لم يجد النعل؛ لا يجب قطع الخف، والحديث حجَّة عليه أيضًا، وقال أحمد: يجوز لبس الخف بدون قطع، وزعم أصحابه: أن القطع إضاعة؛ لما روى مسلم: (فإن لم يجد النعلين؛ فليلبس الخفين) ، ولا دليل في هذا؛ لأنَّ الجمهور على أن المطلق محمول على المقيَّد، وزيادة الثقة مقبولة يجب الإيمان بها، والإضاعة منهي عنها فيما لم يأمر الشرع به، ودعوى النسخ باطلة؛ لما في «صحيح ابن خزيمة» وغيره من بطلانها، كما أوضحه في «عمدة القاري».

فالحديث حجَّة عليه أيضًا، وهو القول بالرأي بعينه، ومنازعة السنة به؛ فليحفظ.

وقال مجاهد، وهشام بن عروة، وعروة، وابن الزبير، ومالك في رواية: لا يجوز لبس الثوب الذي مسَّه ورس أو زعفران للمحرم سواء كان مغسولًا أو لم يكن؛ لإطلاق الحديث.

وقال إمامنا الإمام الأعظم، ومالك في رواية، وأبو يوسف، ومحمد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، وأبو ثور، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: يجوز لبس الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران إذا كان غسيلًا لا ينفض؛ لأنَّه ورد في حديث ابن عمر المذكور: (إلا أن يكون غسيلًا) ، وأخرج هذه الزيادة الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي في «معاني الآثار» وساقه بتمامه برجال ثقات، وزعم ابن حزم أنه لا يعلم صحته، وزعمه باطل؛ لأنَّ نفي علمه لا يستلزم النفي عن غيره؛ فافهم.

وفي حديث ابن عباس: «من لم يجد إزارًا؛ فليلبس السراويل»، فأخذ به إمامنا الأعظم والإمام مالك، والشافعي، وأحمد، إلا أن إمامنا الأعظم ومالك أوجبا عليه الفدية بدليل آخر، والشافعي وأحمد أخذا بظاهره؛ فلم يجب عليه الفدية عندهما.

قال في «البدائع»: المحرم إذا لم يجد الإزار وأمكنه فتق السراويل والتستر فيه؛ فعل، فإن لبسه ولم يفتقه؛ فعليه دم في قول أئمتنا، وإن لم يجد رداء وله قميص؛ فلا بأس أن يشق قميصه ويرتدي به؛ لأنَّه لمَّا شقَّه؛ صار بمنزلة الرداء، وكذا إذا لم يجد الإزار؛ فلا بأس أن يفتق سراويله خلاف موضع التكة ويأتزر به؛ لأنَّه إذا فتقه؛ صار بمنزلة الإزار، والله أعلم.

[1] في الأصل: (راع) .