متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

133- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنا)؛ بالجمع، وفي رواية المُستملي: ((حدَّثني)) (قُتَيْبَةُ) ولغير أبوي ذَرٍّ والوقتِ وابن عساكر: ((بن سعِيدٍ))؛ بكسر العين، (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) إمام المصريِّين، (قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ) هو ابن سَرْجِس؛ بفتح المُهْمَلَة، وسكون الرَّاء، وكسر الجيم، آخره سينٌ مُهمَلَةٌ؛ وهو (مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) المُتوفَّى بالمدينة سنة سبْعَ عشْرَة ومئةٍ، وفي رواية ابن عساكر بإسقاط لفظة: ((ابن الخطَّاب))، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما: (أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الْمَسْجِدِ [1] ) النَّبويِّ، ولم يعرف اسم الرَّجل، (فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ)؟ أي: بالإهلال؛ وهو رفع الصَّوت بالتَّلبية في الحجِّ، والمُرَاد به هنا: الإحرام مع التَّلبية، والسُّؤال عن موضع الإحرام، وهو الميقات المكانيُّ، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يُهِلُّ)؛ بضمِّ الياء؛ أي: يُحْرِم (أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ)؛ بضمِّ المهملة [2] ، وفتح اللَّام، (وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأمِ [3] مِنَ الْجُحْفَةِ)؛ بضمِّ الجيم، وسكون المُهمَلَة، (وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ)؛ وهو: ما ارتفع من أرض تهامة إلى أرض العراق، (مِنْ [4] قَرْنٍ)؛ بفتح القاف، وسكون الرَّاء؛ وهو جبلٌ مُدوَّرٌ أملسُ كأنَّه هضبةٌ، مُطِلٌّ على عرفاتٍ، وقوله: «ويُهِلُّ» في الكلِّ [/ج1ص223/] على صورة الخبر في الظَّاهر، والظَّاهر: أن المُرَاد منه الأمر، فالتَّقدير: لِيُهِلَّ في الكلِّ [5] ، (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما؛ بواو العطف على لفظ «عن عبد الله بن عمر»، عطفًا من جهة المعنى، كأنَّه قال: قال نافعٌ: قال ابن عمر، وسقط ((الواو)) للأَصيليِّ وابن عساكر [6] ، (وَيَزْعُمُونَ) عطفٌ على مُقدَّرٍ؛ وهو «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم...إلى آخر ما تقدَّم [7] ))، ولا بدَّ من هذا التَّقدير؛ لأنَّ هذه الواو لا تدخل بين القول ومقوله، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ)؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح اللَّامين؛ جبلٌ من جبال تهامة على مرحلتين من مكَّة، (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ)؛ أي: لم أفهم (هَذِهِ)؛ أي: الأخيرة (مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، وهذا من شدَّة تحرِّيه وورعه، وأطلق الزَّعم على القول المُحقَّق؛ لأنَّه لا يريد من هؤلاء الزَّاعمين إلَّا أهل الحجَّة والعلم بالسُّنَّة، ومُحالٌ أن يقولوا ذلك بآرائهم؛ لأنَّ هذا ليس ممَّا يُقَال بالرَّأي، وتأتي بقيَّة مباحث الحديث _إن شاء الله تعالى_ في «الحجِّ» [خ¦1525] ، وبالله المُستَعَان.

[1] في (د): «بالمسجد».
[2] في (د): «أوَّله».
[3] في (س): «الشَّام».
[4] «من»: سقط من (د).
[5] «في الكلِّ»: سقط من (س).
[6] قوله: «وسقط «الواو» للأَصيليِّ وابن عساكر»، سقط من (د).
[7] في غير (د): «ذلك».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

133-. حدَّثني [1] قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ [2] ، قالَ: حدَّثنا اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، قالَ: حدَّثنا نافِعٌ مَوْلَىَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ [3] :

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا قامَ في المَسْجِدِ فقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأمُرُنا أَنْ نُهِلَّ؟ فقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ». وقالَ [4] ابْنُ عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ». وَكان ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [/ج1ص38/]

[1] هكذا في رواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا، وفي رواية أبي ذر وابن عساكر: «حدَّثنا».
[2] قوله: «بن سعيد» ليس في رواية ابن عساكر وأبي ذر ولا في رواية السمعاني عن أبي الوقت.
[3] قوله: «بن الخطاب» ليس في رواية ابن عساكر.
[4] في رواية ابن عساكر والأصيلي و [عط] : «قال».





133- ( قَرْنٍ ) بسكون الراء.


133# (أَنْ نُهِلَّ؟ [1] ) بضم حرف المضارعة؛ لأن الماضي: ((أهَلَّ)) رباعي.

(قَرْنٍ) بفتح القاف وإسكان الراء.

(يَلَمْلَمَ) قال القاضي: ويقال: ((ألَمْلَم))، وهو الأصل [2] ، والياء بدل منها، وهو على ليلتين من مكة.

[1] في (د): ((تهل)).
[2] من قوله: ((وإسكان الراء ... إلى قوله: ...وهو الأصل)): ليس في (ج).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

133- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنا)؛ بالجمع، وفي رواية المُستملي: ((حدَّثني)) (قُتَيْبَةُ) ولغير أبوي ذَرٍّ والوقتِ وابن عساكر: ((بن سعِيدٍ))؛ بكسر العين، (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) إمام المصريِّين، (قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ) هو ابن سَرْجِس؛ بفتح المُهْمَلَة، وسكون الرَّاء، وكسر الجيم، آخره سينٌ مُهمَلَةٌ؛ وهو (مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) المُتوفَّى بالمدينة سنة سبْعَ عشْرَة ومئةٍ، وفي رواية ابن عساكر بإسقاط لفظة: ((ابن الخطَّاب))، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما: (أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الْمَسْجِدِ [1] ) النَّبويِّ، ولم يعرف اسم الرَّجل، (فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ)؟ أي: بالإهلال؛ وهو رفع الصَّوت بالتَّلبية في الحجِّ، والمُرَاد به هنا: الإحرام مع التَّلبية، والسُّؤال عن موضع الإحرام، وهو الميقات المكانيُّ، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يُهِلُّ)؛ بضمِّ الياء؛ أي: يُحْرِم (أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ)؛ بضمِّ المهملة [2] ، وفتح اللَّام، (وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأمِ [3] مِنَ الْجُحْفَةِ)؛ بضمِّ الجيم، وسكون المُهمَلَة، (وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ)؛ وهو: ما ارتفع من أرض تهامة إلى أرض العراق، (مِنْ [4] قَرْنٍ)؛ بفتح القاف، وسكون الرَّاء؛ وهو جبلٌ مُدوَّرٌ أملسُ كأنَّه هضبةٌ، مُطِلٌّ على عرفاتٍ، وقوله: «ويُهِلُّ» في الكلِّ [/ج1ص223/] على صورة الخبر في الظَّاهر، والظَّاهر: أن المُرَاد منه الأمر، فالتَّقدير: لِيُهِلَّ في الكلِّ [5] ، (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما؛ بواو العطف على لفظ «عن عبد الله بن عمر»، عطفًا من جهة المعنى، كأنَّه قال: قال نافعٌ: قال ابن عمر، وسقط ((الواو)) للأَصيليِّ وابن عساكر [6] ، (وَيَزْعُمُونَ) عطفٌ على مُقدَّرٍ؛ وهو «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم...إلى آخر ما تقدَّم [7] ))، ولا بدَّ من هذا التَّقدير؛ لأنَّ هذه الواو لا تدخل بين القول ومقوله، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ)؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح اللَّامين؛ جبلٌ من جبال تهامة على مرحلتين من مكَّة، (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ)؛ أي: لم أفهم (هَذِهِ)؛ أي: الأخيرة (مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، وهذا من شدَّة تحرِّيه وورعه، وأطلق الزَّعم على القول المُحقَّق؛ لأنَّه لا يريد من هؤلاء الزَّاعمين إلَّا أهل الحجَّة والعلم بالسُّنَّة، ومُحالٌ أن يقولوا ذلك بآرائهم؛ لأنَّ هذا ليس ممَّا يُقَال بالرَّأي، وتأتي بقيَّة مباحث الحديث _إن شاء الله تعالى_ في «الحجِّ» [خ¦1525] ، وبالله المُستَعَان.

[1] في (د): «بالمسجد».
[2] في (د): «أوَّله».
[3] في (س): «الشَّام».
[4] «من»: سقط من (د).
[5] «في الكلِّ»: سقط من (س).
[6] قوله: «وسقط «الواو» للأَصيليِّ وابن عساكر»، سقط من (د).
[7] في غير (د): «ذلك».





133- ( قَرْنٍ ): بإسكان الرَّاء، وغلط من فتحها. [/ج1ص291/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

133# حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ، ثَنَا اللَّيْثُ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلاً قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ».

قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

وفي البخاري في «الحج»: «ولم أسمع هذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم».

قلت: ثبتت هذه من حديث ابن عباس، وقد أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: «وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم» وذكر الحديث، فهذه الزيادة التي هي ميقات أهل اليمن التي شك فيها ابن عمر ثابتة في رواية ابن عباس.

وفي رواية مسلم عن جابر وزاد مسلم فيه: «ومهل أهل العراق ذات عرق».

وفي رواية أبي داود والترمذي من حديث ابن عباس: «وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق».

وفي البخاري عن ابن عمر قال: «لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرناً، وهو جَور عن طريقنا، وإنا إذا أردنا أن نأتي

@%ص290%

قرناً شق علينا، قال: فانظروا حَذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق».

ومعنى: «جور عن طريقنا» أي مائل منحرف.

أكمل الأحاديث حديث ابن عباس لأنه ذكر فيه المواقت الأربعة، وحديث ابن عمر لم يحفظ فيه ميقات أهل اليمن، وحديث جابر لم يجزم برفعه.

قال أبو العباس القرشي [1]: أجمع العلماء على المواقيت الأربعة، واختلفوا في ذات عرق لأهل العراق، والجمهور على أنها ميقات لهم، واستحب الشافعي لأهل العراق أن يحرموا من العقيق معتمداً على ما خرجه د من حديث ابن عباس قال: «وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق»، قال: وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف.

قلت: أخرج الترمذي أيضاً وقال حديث حسن.

وإنما استحبه الشافعي لأنه أحوط؛ عملاً بالحديثين على تقدير الصحة، فإن العقيق فوق ذات عرق.

قال النووي: اختلف العلماء هل صارت ذات عرق ميقاتاً لأهل العراق بالنص أو الاجتهاد من عمر؟

قال: وفيه وجهان لأصحاب الشافعي، المنصوص عليه في «الأم» أنه بتوقيت عمر واجتهاده لحديث البخاري المذكور، ودليل الثاني حديث جابر، لكنه لم يجزم الراوي برفعه.

قلت: قد أخرج هذه الزيادة أبو داود بالجزم عن عائشة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل العراق ذات عرق»، وأخرجه النسائي أيضاً، لكن في حديث أبي داود أفلح بن حميد، وكان أحمد ابن حنبل ينكر عليه قوله هذا: «ولأهل العراق ذات عرق»، قال ابن عدي: تفرد به عنه المعافي ابن عمران.

قلت: قد أخرج لأفلح مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، ووثقه يحيى وأبو حاتم، وقال

@%ص291%

يحيى بن معين وأحمد بن عبد الله وغيرهما: المعافى بن عمران ثقة.

وروى للمعافى البخاري وأبو داود والنسائي، وقال بعضهم: هذه الزيادة رواها أبو داود وغيره من حديث عائشة وجابر وغيرهما، وفي أسانيدها ضعف، لكن يقوي بعضها بعضاً لما تقرر من أن الضعف إذا كان بغير فسق الراوي فإن الحديث ينتقل إلى درجة الحسن ويحتج به.

وأما تعليل الدارقطني للحديث بقوله: «إنه لم يكن عراق يومئذ» فقد ضعفه العلماء، وقالوا: مثل هذا لا يعلل به الحديث، فقد أخبر صلى الله عليه وسلم عما لم يكن في زمانه مما كان ويكون، وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم، فأخبر صلى الله عليه وسلم ما أخبر به [2] أنه سيكون لهم مُهَل ويحجون ويسلمون، فكان ذلك، وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم وقَّتَ لأهل الشام الجحفة ولم يكن فُتِحَ، وقد أقطع النبي صلى الله عليه وسلم بلد الخليل لتميم الداري وكتب له بذلك، ولم تكن الشام إذ ذاك.

قوله: «قَرْنٍ» قال القاضي عياض: هو بسكون الراء، وهو قرن المنازل وقرن الثعالب، وقد قاله بعضهم بفتح الراء، وهو خطأ، وهو تلقاء مكة، وأصل القرن: الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير.

قال القابسي: من قال بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن فتح أراد الطريق الذي يفترق منه، فإنه موضع فيه طرق كثيرة.

قال النواوي: قرْن هذا هو بسكون الراء بلا خلاف بين أهل العلم والحديث والتاريخ والأسماء وغيرهم، قال: وغلط الجوهري في «صحاحه» في موضعين أحدهما قوله: «هو بفتح الراء»، والثاني: أن أويساً القَرَني منسوب إليه.

قال: والصواب أنه منسوب إلى قبيلة

@%ص292%

معروفة، وقد يقال لهم: بنو قرن، بطن من مراد، وتقدم النواوي بهذا الرد الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، ويأتي بقية الكلام على المواقيت في «كتاب الحج» إن شاء الله تعالى.

[1] كذا في الأصل، وهو ما ثبته العيني في «عمدة القاري» (2/220)، والكلام بنحوه في المفهم لأبي العباس القرطبي، فالظاهر أنه تصحيف والصواب: «القرطبي»، وليس من نسب أبي العباس أنه قرشي، بل هو أنصاري.
[2] هذا ما ظهر لي في قراءة الأصل، وقبل ما مقدار حرفين لم يتضح لي ما هما؟





لا تتوفر معاينة

133- وبه قال: ((حدثنا)) ؛ بالجمع، وفي رواية: بالإفراد ((قُتيبة)) ؛ بضم القاف، وفي رواية زاد: (ابن سعِيد) ؛ بكسر العين، ((قال: حدثنا الليث)) ، زاد في رواية: (ابن سعد) ، ((قال: حدثنا نافع)) بن سَرْجَس؛ بفتح السين المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، آخره سين أخرى، وهو ((مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب)) : أصله من المغرب، أو من نيسابور، أو من سبي كابل، أو من جبال طالقان، أصابه عبد الله بن عمر في بعض غزواته وبعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر يعلمهم السنن، المتوفى بالمدينة سنة سبع عشرة ومئة.

((عن عبد الله بن عمر)) بن الخطاب رضي الله عنهما ((أن رجلًا)) ، قال في «عمدة القاري»: لم أقف على اسمه، ((قام في المسجد)) ؛ أي: النبوي في محل رفع خبر (إن) ، ((فقال: يا رسول الله؛ من أين)) : استفهام عن المكان ((تأمرنا أن نُهِلَّ)) ؛ أي: بأن نهل، و (أن) مصدرية، والتقدير: بالإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية في الحج والمراد به هنا الإحرام مع التلبية، فالسؤال عن موضع الإحرام، وهو الميقات المكاني.

((فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُهِلُّ)) ؛ بضم أوله؛ أي: يحرم ((أهل المدينة)) : جملة وقعت مقول القول ((من)) ابتدائية؛ أي: ابتداء إهلالهم من ((ذي الحُلَيفة)) ؛ بضم الحاء المهملة وفتح اللام، تصغير الحلَفة؛ باللام المفتوحة؛ كالقصبة[/ص86/] وهي تنبت في الماء، وجمعها: حلفاء، وقيل: هي سَلسَة غليظة المسِّ لا يكاد أحد يقبض عليها؛ مخافة أن تقطع يده، وقد تأكل منها الغنم والإبل أكلًا قليلًا، وهي أحب شجرة إلى البقر، والواحدة منها حلفاة، وهي موضع بينه وبين المدينة ميل أو ميلان، والميل: ثلث فرسخ، وهو أربعة آلاف ذراع، ومنه إلى مكة عشر مراحل، وهي الشجرة، وفي موضع آخر: منها إلى المدينة خمسة أميال ونصف مكتوب على الميل الذي وراءها: قريب من ستة أميال من البريد، ومن هذا البريد أهلَّ النبي الأعظم عليه السلام، وبذي الحليفة عدة آبار ومسجدان للنبي الأعظم عليه السلام، المسجد الكبير الذي يحرم منه الناس والآخر مسجد المعرس، وهي أبعد المواقيت من مكة؛ تعظيمًا لأجر النبي الأعظم عليه السلام.

((ويُهلُّ)) ؛ بضم أوله؛ أي: يحرم ((أهل الشام)) : عطف على قوله: (يُهلُّ أهل المدينة) ، وكذا قوله: (ويُهلُّ أهل نجد) : عطف عليه، والتقدير في الكل: ليهل؛ لأنَّه وإن كان في الظاهر على صورة الخبر، ولكنه في المعنى على صورة الأمر، والشآم؛ بالهمز وتركه، وهو طولًا من العريش إلى الفرات، وعرضًا من أيلة إلى بحر الروم.

((من الجُحْفة)) ؛ بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، موضع بين مكة والمدينة من الجانب الشامي يحاذي الحليفة، وكان اسمها مَهْيَعة؛ بفتح الميم، وسكون الهاء، وفتح التحتية، سماها النبي الأعظم عليه السلام بذلك فأجحف السيل بأهلها؛ أي: أذهبه فسميت جحفة، وهي على ستة أو سبعة مراحل من مكة، وكانت قرية كبيرة جامعة بها منبر بينها وبين البحر ستة أميال، وغدير خم على ثلاثة أميال منها، وهي ميقات المتوجهين من الشام، ومصر، والمغرب، وهي على ثمانية مراحل من المدينة، وكان أهلها العماليق بني عبيل، وهم أخوة عاد من يثرب.

((ويُهلُّ)) ؛ بضم أوله؛ أي: يحرم ((أهل نَجْد)) ؛ بفتح النون وضمها لغتان، وسكون الجيم، آخره دال مهملة، لغة: ما أشرف من الأرض واستوى، وسمِّيت نجد؛ لعلوه، أو لصلابة أرضه، وكثرة حجارته، وصعوبته، أو لفزع من يدخله؛ لاستيحاشه، وهو مذكَّر، ولو أريد البلد؛ أنِّث، وهي سبعة مواضع: الحجاز: والشام، والعذيب، والطائف، والمدينة، واليمامة، والبحرين إلى عمان، ونجد المشهورة فيها خلاف والأكثر على أنَّها اسم للأرض التي أعلاها تهامة وأسفلها العراق والشام، وقيل: إن نجد ما ارتفع من أرض تهامة إلى أرض العراق، وتمامه في «عمدة القاري».

((من قَرْن)) ؛ بفتح القاف وسكون الراء، جبل مدور أملس كأنه هضبة مطلٌّ على عرفات، فمن جاء على طريق نجد من جميع البلاد؛ فميقاته قرن المنازل، وهو شرق مكة ومنه إلى مكة اثنان وأربعون ميلًا، وقيل: من قال: بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال: بالفتح أراد الطريق الذي يفرق منه.

وقال ابن الأثير: الفتح ليس بصحيح، فضبط الجوهري لها بفتح الراء خطأ، وزعم الجوهري أيضًا: أن أويسًا [1] القرني بفتح القاف منسوب إليه وهو خطأ أيضًا، والصواب: سكون الراء، وإن أويسًامنسوب إلى قبيلة يقال لها بنوا قرن؛ فليحفظ.

((وقال ابن عمر)) : عطف على لفظ (عن عبد الله بن عمر) عطفًا من جهة المعنى كأنه قال: قال نافع: قال ابن عمر، وقال: ((ويزعمون)) : عطف على مقدر؛ وهو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، ولا بدَّ من هذا التقدير؛ لأنَّ الواو لا تدخل بين القول ومقوله، والمراد من الزعم: إما القول المحقق، أو المعنى المشهور له؛ لأنَّه لا يراد من هؤلاء الزاعمين إلا أهل الحجة والعلم بالسنة، ومحال أن يقولوا ذلك بآرائهم؛ لأنَّ هذا ليس مما يقال بالرأي، كذا قرَّره الإمام بدر الدين في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ؛ بفتح الهمزة، فـ (أن) مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي (زعم) ، وفي رواية مالك قال: (وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، ((قال: ويُهل)) ؛ بضم أوله؛ أي: يحرم ((أهل اليمن من يَلَمْلَم)) ؛ بفتح الياء التحتية وفتح اللامين، جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة، فإن أريد الجبل؛ فمنصرف، وإن أريد البقعة؛ فغير منصرف ألبتة، بخلاف قرن، فإنه على إرادة البقعة يجوز صرفه؛ لأجل وسطه، وتمامه في «عمدة القاري».

((وكان ابن عمر)) رضي الله عنهما ((يقول)) : جملة محلها النصب خبر (كان) : ((لم أفقه)) ؛ أي: لم أفهم ولم أعرف، وفي رواية في (الحج) : (لم أسمع) ((هذه)) ؛ أي: هذه المقالة ((من رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وهي: (يُهلُّ أهل اليمن من يَلَمْلَم) ، ففي الحديث: بيان المواقيت الثلاثة بالقطع، والرابع شك فيه ابن عمر، وقد ثبت هذا أيضًا بالقطع في حديث ابن عباس أخرجه الشيخان وآخرون، وفي رواية مسلم عن جابر وزاد فيه مسلم: (ومهلُّ العراق ذات عرق) ، وهو قول الجمهور، وأخرج هذه الزيادة أبو داود بالجزم عن عائشة، وكذا أخرجه النسائي؛ كل منهما برجال ثقات، فصارت ذات عرق ميقاتًا لأهل العراق بالنصِّ القطعي.

وزعم قوم أن أهل العراق لا وقت لهم محتجين بالحديث، ورُدَّ بأن الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي أخرج في كون الميقات لأهل العراق ذات عرق أربعة أحاديث عن الصحابة؛ وهم ابن عمر، وأنس، وجابر، وعائشة، وفي الباب عن ابن عباس عند الترمذي، والحارث بن عمرو عند أبي داود، وعمرو بن العاص عند الدارقطني.

وقال الشافعي: ميقات أهل العراق من العقيق؛ لحديث الترمذي عن ابن عباس: (وقَّت النبي عليه السلام لأهل المشرق العقيق) ، ولا حجَّة فيه؛ لأنَّ في إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف لا يحتجُّ به.

وقال الشافعي في «الأم»: (ذات عرق لأهل العراق كان باجتهاد ابن عمر لا بالنص؛ لحديث الباب) ، ورُدَّ بأنه ثبت ذلك بالنصِّ لا بالاجتهاد، كما علمت من الأحاديث الطافحة الدالة على ثبوته بالنص، وفيه أيضًا من معجزات النبي الأعظم عليه السلام؛ حيث أخبر أنه سيكون عراق ولهم مهل، ويسلمون ويحجون فكان ذلك، ووقَّت لأهل الشام الجحفة ولم يكن فتح، وقطع بلد الخليل لتميم الداري وكتب له بذلك، ولم يكن الشام إذ ذاك؛ فكان ذلك.

وفي الحديث: أيضًا أن هذه المواقيت لا يجوز مجاوزتها بغير إحرام سواء أراد حجًّا أو عمرة، فإن جاوزها بغير إحرام؛ يلزمه دم ولا يفسد حجُّه، وسيأتي تمام الكلام على ذلك في (الحجِّ) إن شاء الله تعالى بعونه، وقوَّته، وتوفيقه، فهو القادر على كل شيء.

[1] في الأصل (أويس).