متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

132- وبالسَّند إلى المؤلِّف رحمه الله قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ)؛ أي: ابن مسرهدٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ) بن عامرٍ الخُرَيْبِيُّ؛ نسبةً إلى خُرَيْبَة؛ بضمِّ الخاء المُعجَمَة، وفتح الرَّاء، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح [1] المُوحَّدَة، مَحِلَّةٌ بالبصرة [2] ، المُتوفَّى سنة ثلاثَ عشْرةَ ومئتين، (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران، (عَنْ مُنْذِرٍ)؛ بضمِّ الميم، وسكون النُّون، وكسر المُعجَمَة، وكنيته أبو يَعْلَى؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، وسكون المُهمَلَة، وفتح اللَّام، (الثَّوْرِيِّ)؛ بالمُثلَّثة، الكوفِّي، (عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ) المُتوفَّى سنة ثمانين أو إحدى وثمانين أو أربعَ عشْرةَ ومئةٍ [3] ، ودُفِنَ بالبقيع، والحنفيَّة أمُّه؛ وهي خولة بنت جعفرٍ، الحنفيِّ اليماميِّ [4] ؛ بميمَين، وكانت من سبي بني حنيفة، (عَنْ) أبيه (عَلِيٍّ) رضي الله عنه، وللأَصيليِّ زيادة: ((ابن أبي طالبٍ)) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً)؛ بالمُعجَمَة المُشدَّدة؛ للمُبالَغَة في كثرة المذْي؛ وهو _بإسكان المُعجَمَة_ الماء الذي يخرج من الرَّجل عند المُلاعَبَة، وهو منصوبٌ، صفةُ «رجلًا» المنصوب خبر كان، (فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ)؛ بكسر الميم، وسكون القاف، ابن عمرو، وزاد في رواية ابن عساكر: ((ابن الأسود))، وليس بأبيه، وإنَّما ربَّاه، أو تبنَّاه، أو حالفه، أو تزوَّج أمَّه، فنُسِبَ إليه، وإنَّما أبوه عمرو بن [5] ثعلبة، البهرانيُّ، وهو من السَّابقين إلى الإسلام، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه، (أَنْ يَسْأَلَ)؛ أي: بأنْ يسألَ (النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَهُ) عن حكم المذْي، (فَقَالَ) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (فِيهِ)؛ أي: في المَذْيِ (الْوُضُوءُ) لا الغسل، وقد استدلَّ بعضهم بهذا الحديث على جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع، وهو خطأٌ، ففي النَّسائيِّ: أنَّ السُّؤال وقع وعليٌّ حاضرٌ، قاله في «الفتح».

[1] في (م): «وكسر»، وليس بصحيحٍ.
[2] في (م): «للبصرة».
[3] بالأول قال الذهبي في «تاريخ الإسلام» وخطأ كل ما سواه، وتابعه ابن حجر في «التهذيب» أما قوله «أو أربع عشرة ومئة» فوهم محض إذ هو تاريخ وفاة محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب والله أعلم.
[4] في (ص) و (م): «اليمانِّي»، وهو تحريفٌ.
[5] «عمرو بن»: سقط من (ص).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

132-. حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قالَ: حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ داوُدَ، عن الأَعْمَشِ، عن مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عن مُحَمَّدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ:

عَنْ عَلِيٍّ [1] ، قالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ [2] أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَهُ، فقالَ: «فِيهِ الوُضُوءُ».

[1] في رواية الأصيلي زيادة: «بن أبي طالب».
[2] في رواية ابن عساكر زيادة: «بنَ الأسود».





لا تتوفر معاينة

132# (فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ) هو: ابنُ [1] عمرِو بنِ ثعلبة، ونُسب إلى الأسود؛ لأنه كان تبنَّاه في الجاهليَّة.

[1] ((ابن)): ليست في (د).





132- [قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ): هذا هو الخُرَيبِيُّ الإمام، أبو عبد الرَّحمن [1] الهمْدانيُّ الكوفيذُ، ثقة حجَّة صالح، مات سنة (213 هـ ) ، أخرج له البخاريُّ والأربعة] [2] .

قوله: (عَنِ الأَعْمَشِ): تقدَّم مرَّات أنَّه سليمان بن مهران، أبو محمَّد الكاهليُّ الإمام، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ [3] ): هو بالثَّاء المثلَّثة؛ كسفيان.

قوله: (عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ): هو محمَّد بن عليِّ بن أبي طالب، السيِّد الجليل المشهور، واسم الحنفيَّة خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلم بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل [/ج1ص72/] ابن حنفيَّة، ترجمة محمَّد هذا معروفة، فلا نطوِّل بها، أخرج له الأئمَّة السِّتَّة، توفِّي سنة ثمانين على الأشهر من أقوال في وفاته عن بضع وستين سنة، روى عن أبيه، وعثمان، وعمَّار، وغيرهم [4] ، وعنه: بنوه، وعمرو بن دينار، والباقر وآخرون.

قوله: (مَذَّاءً): هو بتشديد الذَّال المعجمة وبالمدِّ (فعَّال) من المذي، والمذي معروف، وهو بإسكان الذَّال على الأفصح، وفيه لغة ثانية: كسر الذَّال مع التشديد في الياء، وثالثة: كسرها مع تخفيف الياء، وهذه الثلاث اللُّغات في المني والوَدْي.

قوله: (فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ): كذا هنا، وجاء في رواية: «أنَّه [5] أمر عمَّارًا»، ورواية [6] : «أنَّه أرسل رجلًا»، فقيل: المقداد، وقيل: عمَّار، وجاء أيضًا «أنَّه سأل بنفسه»، فيحتمل: أنَّه أرسلهما، ثمَّ سأل بنفسه، والله أعلم.

قوله: (وَالْفُتْيَا): اعلم أنَّ الاسم الفتيا [7] والفتوى لغتان مشهورتان.

قوله: (أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الْمَسْجِدِ): هذا الرجل [8] لا أعرف اسمه.

قوله: (أَنْ نُهِلَّ): هو بضمِّ أوَّله رباعيٌّ، والإهلال: رفع الصوت بالتلبية.

قوله: (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ): هي -بضم الحاء المهملة [9] ، وفتح اللَّام، ثمَّ مثنَّاة تحتُ، ثمَّ فاء، ثمَّ تاء التَّأنيث- ماء من مياه بني جُشَم، على ستَّة أميال من المدينة المشرَّفة، وقيل: أربعة، وقيل: سبعة، ووقع في «الشامل» لابن الصبَّاغ، و«البحر» لأبي المحاسن [10] الرُّويانيِّ، و«الرافعيِّ»: أنَّ بينها وبين المدينة ميلًا، وهو غريب مباين للمشاهدة، ولهم ذو الحليفة أخرى، لكنَّها من تهامة، وليست بهذه، ويأتي ذكر تلك، والله أعلم.

قوله: (الْجُحْفَةِ): هي قرية جامعة بين مكَّة والمدينة، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ السيل أجحفها؛ أي: استأصلها، وهي على ستَّة أميال من البحر، وهي مَهْيَعَة، وعلى ثمانية مراحل من المدينة، وهي بقرب رابغ [11] .

قوله: (مِنْ قَرْنٍ): هو بفتح القاف، وإسكان الرَّاء، ثمَّ نون، قال النوويُّ: (لا خلاف في هذا -يعني في سكون الرَّاء- بين رواة الحديث، وأهل اللُّغة، والفقهاء، وأصحاب الأخبار وغيرهم، وغلَّطوا الجوهريَّ في قوله: إنَّه بفتح الرَّاء، وفي [12] قوله: إنَّ أويسًا القَرَنيَّ منسوب إليها، فإنَّ الصَّواب المشهور لكلِّ أحد: أنَّ هذا ساكن الرَّاء، وأنَّ أويسًا منسوب إلى قرَن؛ بفتح الرَّاء؛ بطن من مراد القبيلة المعروفة) انتهى، قال ابن قُرقُول: (ورواه بعضهم: بفتح الرَّاء، وهو غلط، إِنَّمَا قَرَن قبيلة من اليمن) .

قوله: (مِنْ يَلَمْلَمَ): (يلملم) ، ويقال: أَلملم؛ بفتح الهمزة بدلًا من الياء، يصرف ولا يصرف؛ جبل من جبال تهامة، على ليلتين من مكَّة، قال شيخنا الشَّارح: (ويقال: يرمرم، قال لي شيخنا: إنَّ ابن السيِّد البَطَلْيَوْسِيَّ نقله) انتهى، وفي «الصِّحاح» في (رمم) ما لفظه: (ويرمرم جبل، وربَّما قالوا: يلملم) ، والظَّاهر أنَّه هذا.

قوله: (لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ): أي: لَمْ أفهم هذه، والفقه: الفهم.

[1] في (ب): (عبد الله) .
[2] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[3] في هامش (ق): (هو منذر أبو يعلى الثوريُّ الكوفي) .
[4] في (ج): (غيره) .
[5] (أنه): ليس في (ب) .
[6] في (ج): (وروي) .
[7] (الفتيا): ليس في (ج) .
[8] (هذا الرجل): ليس في (ج) .
[9] (المهملة): ليس في (ب) .
[10] في (ب): (لابن النحاس) ، وهو تصحيف.
[11] (وهي بقرب رابغ): ليس في (ج) .
[12] (في): ليس في (ب) .





132- (فِيهِ الوُضُوءُ): يَحتملُ كونَه مبتدأً وخبرًا، وأنْ يكونَ مبتدأً أو فاعلًا، وخبرُه أو فِعْلُه محذوفٌ؛ أي: واجبٌ، أو: يجبُ، ولفظ (فِيهِ) متعلِّقٌ بـ (قَالَ).


132- وبالسَّند إلى المؤلِّف رحمه الله قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ)؛ أي: ابن مسرهدٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ) بن عامرٍ الخُرَيْبِيُّ؛ نسبةً إلى خُرَيْبَة؛ بضمِّ الخاء المُعجَمَة، وفتح الرَّاء، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح [1] المُوحَّدَة، مَحِلَّةٌ بالبصرة [2] ، المُتوفَّى سنة ثلاثَ عشْرةَ ومئتين، (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران، (عَنْ مُنْذِرٍ)؛ بضمِّ الميم، وسكون النُّون، وكسر المُعجَمَة، وكنيته أبو يَعْلَى؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، وسكون المُهمَلَة، وفتح اللَّام، (الثَّوْرِيِّ)؛ بالمُثلَّثة، الكوفِّي، (عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ) المُتوفَّى سنة ثمانين أو إحدى وثمانين أو أربعَ عشْرةَ ومئةٍ [3] ، ودُفِنَ بالبقيع، والحنفيَّة أمُّه؛ وهي خولة بنت جعفرٍ، الحنفيِّ اليماميِّ [4] ؛ بميمَين، وكانت من سبي بني حنيفة، (عَنْ) أبيه (عَلِيٍّ) رضي الله عنه، وللأَصيليِّ زيادة: ((ابن أبي طالبٍ)) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً)؛ بالمُعجَمَة المُشدَّدة؛ للمُبالَغَة في كثرة المذْي؛ وهو _بإسكان المُعجَمَة_ الماء الذي يخرج من الرَّجل عند المُلاعَبَة، وهو منصوبٌ، صفةُ «رجلًا» المنصوب خبر كان، (فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ)؛ بكسر الميم، وسكون القاف، ابن عمرو، وزاد في رواية ابن عساكر: ((ابن الأسود))، وليس بأبيه، وإنَّما ربَّاه، أو تبنَّاه، أو حالفه، أو تزوَّج أمَّه، فنُسِبَ إليه، وإنَّما أبوه عمرو بن [5] ثعلبة، البهرانيُّ، وهو من السَّابقين إلى الإسلام، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه، (أَنْ يَسْأَلَ)؛ أي: بأنْ يسألَ (النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَهُ) عن حكم المذْي، (فَقَالَ) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (فِيهِ)؛ أي: في المَذْيِ (الْوُضُوءُ) لا الغسل، وقد استدلَّ بعضهم بهذا الحديث على جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع، وهو خطأٌ، ففي النَّسائيِّ: أنَّ السُّؤال وقع وعليٌّ حاضرٌ، قاله في «الفتح».

[1] في (م): «وكسر»، وليس بصحيحٍ.
[2] في (م): «للبصرة».
[3] بالأول قال الذهبي في «تاريخ الإسلام» وخطأ كل ما سواه، وتابعه ابن حجر في «التهذيب» أما قوله «أو أربع عشرة ومئة» فوهم محض إذ هو تاريخ وفاة محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب والله أعلم.
[4] في (ص) و (م): «اليمانِّي»، وهو تحريفٌ.
[5] «عمرو بن»: سقط من (ص).





132- ( مَذَّاءً ): بتشديد المعجمة بعدها همزة والمدِّ، أي: كثير المذي، وهو بإسكان المعجمة: الماء الذي يخرج عند الملاعبة.

( فَسَأَلَهُ ) زاد النَّسائيُّ: أنَّ السُّؤال وقع وعليٌّ حاضر.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

132# حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ

@%ص285%

المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «فِيهِ الوُضُوءُ».

أخرجه البخاري هنا عن مسدد، عن عبد الله بن داود، وفي «الطهارة» في «باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين» عن قتيبة، عن جرير قال، ورواه شعبة عن الأعمش، وأخرجه أيضاً في «الطهارة» في «باب غسل المذي والوضوء منه» عن أبي الوليد، عن زائدة، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، عن علي، ولفظه: «فأمرت رجلاً أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته، فسأله فقال: توضأ واغسل ذكرك».

ورواه مسلم في «الطهارة» عن أبي بكر، عن وكيع وأبي معاوية وهشيم، وعن يحيى بن حبيب بن عربي، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، ستتهم عن الأعمش، عن منذر به.

وللبخاري في «الوضوء»: «توضأ واغسل ذكرك»، ولمسلم: «توضأ وانضح فرجك».

في المذي ثلاث لغات: إسكان الذال مع تخفيف الياء، وكسر الذال مع تشديد الياء، قال الجوهري وغيره: الأولى أفصح، وفيه لغة ثالثة: كسر الذال وتخفيف الياء.

ويقال: مَذَى ومَذَّى وأَمْذَى بتخفيف الذال المعجمة وتشديدها وبالألف أوله، والأول أفصح، وكذلك يقال في المني والودي، وَدَى ووَدَّى وأَوْدَى، وأمنى ومَنَي ومَنَّي، والأول أفصح، قال الله تعالى: {أفرأيتم ما تمنون}، قال ذلك القاضي عياض والنواوي.

والودي: ماء أبيض رقيق يخرج عند شهوة، لا بشهوة، وهو في النساء أكثر منه في الرجال، وفي المثل: كل ذكر يمذي، وكل أنثى تقذي، أي: كل أنثى تلقى بياضاً.

قوله: «مَذَّاءً» فعَّال من المذي، وهو بتشديد الذال، والمذاء كثير المذي.

في الحديث دلالة على أحكام، منها:

أنه لا يوجب الغسل ويوجب الوضوء.

وأنه نجس، ولهذا أوجب منه غسل الذكر، والمراد منه عند الشافعي غسل ما أصابه منه، واختلف عن مالك في غسل الذكر كله، قال عياض: والخلاف مبني على أنه هل يتعلق الحكم بأول الاسم أو بآخره لقوله

@%ص286%

يغسل ذكره، واسم الذكر يطلق على البعض وعلى الكل.

واختلف عند مالك أيضاً هل يحتاج إلى نية أم لا؟

ومنها: جواز الاستنابة في الاستفتاء، وأنه يجوز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع، لأن علياً بعث من يسأل له، مع القدرة على المشافهة.

قال بعضهم: لعل علياً كان حاضراً وقت السؤال، فلا دليل فيه، لكن يضعف هذا قوله في بعض طرقه: «فأرسلنا المقداد» وفي هذا إشارة إلى أنه لم يحضر مجلس السؤال.

قال المازري: لم يبين في هذا الحديث كيف أمره أن يسأل، ولا كيفية سؤال المقداد، هل سأله سؤالاً يخص المقداد أو يعمه وغيره، فإن كان علي لم يسأل على أي وجه وقع السؤال ففيه دليل على أن علياً كان يرى أن القضايا في الأعيان تتعدى، وقد اختلف فيه أهل الأصول؛ لأنه لو كان لا يتعدى لأمره أن يسميه؛ إذ قد يجوز أن يبيح له ما لا يبيح لغيره، لكنه قد جاء مبيناً في الصحيح: «فسأله المقداد عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ فقال: توضأ وانضح فرجك».

قلت: قد جاء مبيناً كلاهما أمر علي وسؤال المقداد؛ أما الأول ففي «الموطأ»: «أن علياً أمر المقداد أن يسأل له رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه، قال المقداد: فسألته عن ذلك».

وجاء أيضاً في النسائي ما يثبت الاحتمال المتقدم: «فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله، فقال: فيه الوضوء».

وفيه: استحباب حسن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج ينبغي أن لا يذكر ما يتعلق بالجماع والاستمتاع بحضرة أبوي المرأة وأختها وغيرهما من أقاربهما؛ لأن المعنى أن المذي يكون غالباً عند مداعبة

@%ص287%

الزوجة.

ومنها: أن أبا حنيفة والشافعي استدلا بمطلق حديث علي على وجوب الوضوء من المذي مطلقاً، سواء كان عند ملاعبة أو استنكاح أو غيره.

وقال أصحاب مالك: المراد به ما كان عن ملاعبة، واستدل عياض وغيره لذلك بما وقع في «الموطأ» في الحديث أنه قال في السؤال عن الرجل إذا دنا من أهله وأمذى ما عليه؟ قال: فجواب النبي صلى الله عليه وسلم في مثله في المعتاد بخلاف المستنكح والذي به علة؛ فإنه لا وضوء عليه، قالوا: وإنما يتوضأ مما جرت العادة أنه يخرج للذة.

وقال القاضي عبد الوهاب مؤيداً لمذهبهم: السؤال صدر عن المذي الخارج على وجه اللذة لقوله: «إذا دنا من أهله»، وأيضاً مما يدل عليه استحياء علي لأنه لو كان على مرض أو سلس لم يستح من ذلك.

قلت: فيما قالوه نظر؛ لأن سؤال المقداد النبي صلى الله عليه وسلم أولاً مطلق غير مقيد، فإنه جاء في «الصحيح»: «فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ قال: اغسل ذكرك وتوضأ» فالحكم متعلق بسؤال المقداد الذي وقع الجواب عنه، فصار أمر علي أجنبياً عن الحكم.

وقول القاضي عبد الوهاب حكاية قول علي للمقداد وهو حاضر، وأما سؤال المقداد فكان عاماً، وهو من فقه المقداد، فوقع السؤال من المقداد عاماً، والجواب من النبي صلى الله عليه وسلم مترتب عليه، والتمسك بقول المقداد: «فسألته عن ذلك» لا يعارض النص بصريح سؤاله، والأول محتمل للتأويل في تعيين ما ترجع الإشارة إليه.

وأما ثانياً فإنه قد جاء في «سنن» أبي داود ما يدل على خلافه، وهو عن علي قال: «كنت رجلاً مذاءً، فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري» فهذا يدل على كثرة وقوعه منه

@%ص288%

ومعاودته.

وجاء فيه أيضاً: «أن علياً أمر عماراً أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يغسل مذاكيره ويتوضأ».

وفي بعضها: «كنت رجلاً مذاءً فأمرت عمار بن ياسر يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل ابنته عندي».

وفي بعض طرقه في أبي داود: «فليغسل ذكره وأنثييه».

وروي عن عائشة وغيرها: «أنه يجب غسل أنثييه»، وهذا خلاف قول الجمهور، وأوَّلَ الجمهورُ هذه الرواية على الاستظهار في بعض أحوال انتشاره، ويقال: إن الماء البارد إذا أصاب الأنثيين رد المذي وكسره، على أن الحديث الذي فيه هذه الزيادة قد علل بالإرسال وغيره.

وفي السند:

عبد الله بن داود بن عامر بن الربيع، الخُرَيبي البصري الهَمْداني الشَّعبي، أصله كوفي نزل البصرة بالخُرَيبة، وهي محلة بها.

قال يحيى بن معين: «ثقة مأمون».

وقال أبو زرعة ومحمد بن سعد: «كان ثقة ناسكاً».

ويقال عنه أنه قال: ما كذبت كذبة قط إلا مرة في صغري قال لي أبي: ذهبتَ إلى الكتاب؟ فقلت: بلى، ولم أكن ذهبت.

وعنه قال: كانوا يستحبون أن يكون للرجل خبية من عمل صالح لا تعلم به زوجته ولا غيرها.

وعنه قال: كم من مرة دخلت من الخُرَيبة إلى البصرة في شراء حاجة لأهلي فأسمع ملبياً يلبي فأجمع ذيلي فأضعه على رأسي وأمر على وجهي إلى مكة.

أخرج البخاري في «العلم» و«اللباس» وغيره، عن مسدد، وعمرو بن علي، ونصر بن علي، عنه، عن الأعمش، وهشام بن عروة، وابن جريج، وفضيل بن غزوان.

قال أبو حاتم: «كان يميل إلى الرأي، وكان صدوقاً».

روى له الجماعة إلا مسلماً، توفي سنة ثلاث عشرة ومئتين.

وفيه: المُنْذر بن يعلى، أبو يعلى الثوري الكوفي.

أخرج البخاري في «العلم»

@%ص289%

و«الرقاق»، و«الخمس» عن محمد بن سوقة، والأعمش، وجامع بن أبي راشد، عنه، عن محمد بن الحنفية، والربيع بن خثيم.

قال منذر: لزمت محمد بن الحنفية حتى قال بعض ولده: لقد غلبنا هذا النبطي على أبينا.

قال أحمد بن عبد الله وعبد الرحمن: «ثقة»، روى له الجماعة.

وفيه: محمد بن علي بن أبي طالب، يعرف بابن الحنفية، وأمه خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلم، كانت من سبي اليمامة من بني حنيفة، دخل على عمر وسمع عثمان وأباه.

أخرج له البخاري عن ابنيه عبد الله والحسن [1]، ومنذر الثوري، عنه، عن أبيه علي في «العلم» و«الوضوء» و«الذبائح» و«النكاح» و«الكفالة».

وكان له من الولد: الحسن وعبد الله وإبراهيم وعون.

وعنه عن علي قال: «قلت يا رسول الله إن ولد لي مولود بعدك أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال نعم، فسماني محمداً، وكناني بأبي القاسم، وكانت رخصة لعلي».

وقال: «الحسن والحسين خير مني، وأنا أعلم بحديث أبي منهما».

وقال الجنيد: ما أعلم أحداً سئل عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أصح ولا أكثر من محمد بن الحنفية.

قال أبو نعيم: مات سنة ثمانين ... [2].

[1] في الأصل: «عن ابنه والحسن»، والصواب المثبت كما في التعديل والتجريح.
[2] ثمة عدة كلمات أذهبتها الأرضة.





132# (المَذِي): ماء أبيض رقيق يخرج بلا شهوة عند الشَّهوة، وهو مِن النِّساء أغلب منه في الرِّجال [1] ، وفي المثل: كلُّ ذكر يمذي وكلُّ أنثى تقذي؛ أي: تُلقِي بياضًا، والمراد: إيجاب الوضوء منه، وهو إجماع.

(تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ [2] ): والمراد: غسل ما أصاب منه؛ لأنَّ عليًّا بعث من

@%ج1ص13%

يسأل، سأل مع القدرة على المشافهة.

فيه: استحباب حسن العشرة مع الأصهار، وأنَّ الزَّوج ينبغي [أن] لَا يذكر ما يتعلَّق بالجماع والاستمتاع بحضرة أمِّ المرأة وأقاربها، والمذي غالبًا عند المداعبة.

[3] في (ب): (حال الرجال).
[4] في (اليونينيَّة): (فِيهِ الْوُضُوءُ).





132- وبه قال: ((حدثنا مسدد)) بن مسرهد ((قال: حدثنا عبد الله بن داود)) بن عامر بن الربيع الخُريْبي نسبة إلى خُريْبة؛ بضم الخاء المعجمة، وفتح الراء، وسكون التحتية، وفتح الموحدة: محلة بالبصرة، الهمداني، الكوفي الأصل، المتوفى سنة ثلاث عشرة ومئتين.

((عن الأعمش)) سليمان بن مهران، ((عن مُنْذر)) ؛ بضم الميم، وسكون النون، وكسر الذال المعجمة: بن يَعلى؛ بفتح التحتية، وسكون العين المهملة، وفتح اللام، ((الثوري)) ؛ بالمثلثة، الكوفي الثقة، ((عن محمد بن الحنفية)) ؛ أي: محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم، والحنفية: أمه، وهي خولة بنت جعفر الحنفي اليمامي، وكانت من سبي بني حنيفة، ولد لسنتين بقيا من خلافة عمر رضي الله عنه، المتوفى سنة ثمانين، أو إحدى وثمانين، أو أربع عشرة ومئة، ودفن باليقيع.

((عن)) أبيه ((علي)) الصديق الأصغر، وللأصيلي زيادة: (ابن أبي طالب) ((قال)) علي: ((كنت رجلًا)) ؛ بالنصب خبر (كان) ، ((مذَّاءً)) ؛ بالنصب صفته على وزن (فَعَّال) ؛ بالتشديد؛ للمبالغة في كثرة المذي، والمَذْيُّ؛ بفتح الميم، وسكون الذال المعجمة، وبكسر الذال، وتشديد الياء التحتية، وبكسر الذال، وتخفيف الياء التحتية؛ وهو الماء الرقيق الذي يخرج عند الملاعبة ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، وهو في النساء أكثر منه في الرجال، والوَدْي؛ بفتح الواو وسكون الدال المهملة: البلل اللزج، يخرج من الذكر بعد البول؛ أي: عقبه، ((فأمرت المِقْداد)) ؛ بكسر الميم وسكون القاف وبالمهملتين: بن عمرو بن ثعلبة البهراني الكندي، ويقال له: ابن الأسود؛ لأنَّ الأسود بن عبد يغوث ربَّاه، أو تبنَّاه، أو حالفه، أو تزوج بأمِّه، وهو قديم الصحبة من السابقين في الإسلام، وسادس ستة، شهد بدرًا، المتوفى بالجرف، وهو على عشرة أميال من المدينة، ثم حمل على رقاب الرجال إليها سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه، عن سبعين سنة.

((أن يسأل)) ؛ أي: بأن يسأل، فـ (أن) مصدرية، ((النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: بالسؤال منه عليه السلام، ((فسأله)) عن حكم المذي، ((فقال)) النبي الأعظم عليه السلام: ((فيه)) ؛ أي: في المذي، ((الوضوء)) لا الغسل، فيجب بخروجه الوضوء، ويجب غسله؛ لأنَّه نجس، وهذا بالإجماع إلا في رواية عن أحمد أنه أوجب الغسل، والحديث حجة عليه.

وأطلق إمامنا الإمام الأعظم والشافعي في ذلك؛ أي: سواء كان خروجه عن ملاعبة أو استنكاح أو غيره، وقيده مالك بما كان عن ملاعبة، فإن كان عن استنكاح أو علة؛ فلا وضوء فيه، وإطلاق الحديث يردُّه، وما استدل به من أن السؤال كان عن الخارج على وجه اللذة؛ لقوله في حديث: «إذا دنى من أهله» فيه نظر؛ لأنَّ السؤال مطلق، ففي «الصحيح»: سأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ قال: «اغسل ذكرك وتوضأ»، فلا فرق بين المعتاد وغيره، كما دلت عليه الأحاديث الصحاح.

واستدل بهذا الحديث على جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع، وهو خطأ، ففي «النسائي» وغيره: أن السؤال وقع على حاضر، وكذا في «الموطأ» كما أوضحه في «عمدة القاري».

وفي الحديث: استحباب حسن المعاشرة مع الأصهار، وأن الزوج ينبغي ألَّا يذكر ما يتعلق بالجماع والاستمتاع بحضرة أبوي المرأة، وأختها، وغيرهما من أقاربها؛ لأنَّ المذي يكون غالبًا عند ملاعبة الزوجة، ولهذا ترك علي السؤال وأمره غيره، وفي بعض الروايات: (أمر عمار بن ياسر) ، وفي بعضها: أنه سأل بنفسه، فيحتمل أنه أرسلهما، ثم سأل بنفسه وتمامه في «عمدة القاري».