إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق

130- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام على الأكثر [1]، واقتصر عليه في فرع «اليونينيَّة»، وهو البيكنديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ _بمُعجَمَتين_ الضَّرير التَّيميُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) وفي رواية ابن عساكر: (( [2] بن عروة)) (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) وفي رواية الأربعة: ((بنت)) (أُمِّ سَلَمَةَ) وأبوها عبد الله بن عبد الأسد المخزوميُّ، تُوفِّيت سنة ثلاثٍ وسبعين، ونُسِبت لأمِّها أمِّ المؤمنين أمِّ سلمة بيانًا لشرفها؛ لأنَّها ربيبته صلى الله عليه وسلم (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميَّة زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) بضمِّ المُهمَلَة وفتح اللَّام، بنت مِلْحان؛ بكسر الميم وسكون اللَّام وبالحاء المُهمَلَة والنُّون، النَّجَّاريَّة والأنصاريَّة، وهي والدة أنس بن مالكٍ (إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) ليس الاستحياء هنا على بابه، وإنَّما هو جارٍ [3] على سبيل الاستعارة التَّبعيَّة التَّمثيليَّة، أي: أنَّ الله لا يمتنع من بيان الحقِّ، فكذا أنا لا أمتنع من [4] سؤالي عمَّا أنا مُحتَاجةٌ إليه، وإنَّما قالت ذلك بسطًا لعذرها في ذكر ما يستحي النِّساء من ذكره عادةً بحضرة الرِّجال؛ لأنَّ نزول المنيِّ منهنَّ يدلُّ على قوَّة شهوتهنَّ للرِّجال (فَهَلْ) يجب (عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ) بضمِّ الغَيْن، وفي روايةٍ: ((من غَسْلٍ)) بفتحها، وهما مصدران عند أكثر أهل اللُّغة، وقال الآخرون [5]: بالضَّمِّ الاسم، وبالفتح المصدر، وحرف الجرِّ زائدٌ (إِذَا) هي (احْتَلَمَتْ) أي: رأت في منامها أنَّها تجامع (قَالَ) وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((فقال)) (النَّبِيُّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) عليها الغُسل [6] (إِذَا) أي: حين (رَأَتِ الْمَاءَ) أي: المنيَّ إذا استيقظت، فـ «إذا» ظرفيَّةٌ، ويجوز أن تكون شرطيَّةً، أي: إذا رأت وجب عليها الغسل، وجعلَ رؤيةَ المنيِّ منها شرطًا للغُسل، يدلُّ على أنَّها إذا لم ترَ الماء لا غُسْلَ عليها، قالت زينب: (فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ) رضي الله عنها، أو قالته أمُّ سلمة على سبيل الالتفات من باب التَّجريد، كأنَّها جرَّدت من نفسها شخصًا، فأسندت إليه التَّغطية، إذِ الأصل: فَغَطَّيْتُ، قال عروة أو غيره: (تَعْنِي وَجْهَهَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة، ولابن عساكر: بالتَّحتيَّة [7]، وعند مسلمٍ من حديث أنسٍ: أنَّ ذلك وقع لعائشة أيضًا، فيحتمل حضورهما معًا في هذه القصَّة (وَقَالَتْ) أمُّ سلمة: (يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟) بحذف همزة الاستفهام، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((أَوَ تحتلم)) بإثباتها، وهو معطوفٌ على مُقدَّرٍ يقتضيه السِّياق، أي: أترى المرأةُ الماءَ وتحتلم؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (نَعَمْ) تحتلم وترى الماء (تَرِبَتْ يَمِينُكِ) بكسر الرَّاء والكاف، أي: افتقرت وصارت على التُّراب، وهي كلمةٌ جاريةٌ على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدُّعاء على المُخاطَب (فَبِمَ) بحذف الألف (يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟) وفي حديث أنسٍ في «الصَّحيح»: «فمن أين يكون الشَّبه؟ ماء الرَّجل غليظٌ أبيضُ، وماء المرأة رقيقٌ أصفرُ، فأيُّهما [8] علا أو سبق يكون منه الشَّبه»، وفي هذا الحديث: ترك الاستحياء لمن عرضت له [9] مسألةٌ.
ج1ص222


[1] في (ب) و(س): «الأشهر».
[2] زيد في (م): «هشام».
[3] «جارٍ»: سقط من (د).
[4] في (ص): «عن».
[5] في (ب) و(س): «آخرون».
[6] في غير (د): «غسلٌ».
[7] قوله: «ولابن عساكر: بالتَّحتيَّة» سقط من (ب) و(د) و(ص).
[8] في غير (ب) و(س): «فمن أيهما».
[9] في (ص): «به».