متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

130- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام على الأكثر [1] ، واقتصر عليه في «فرع اليونينيَّة»، وهو البيكنديُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ _بمُعجَمَتين_ الضَّرير، التَّيميُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ)، وفي رواية ابن عساكر: (( [2] بن عروة))، (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام، (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ)، وفي رواية الأربعة: ((بنت)) (أُمِّ سَلَمَةَ)، وأبوها عبد الله بن عبد الأسد المخزوميُّ، تُوفِّيت سنة ثلاثٍ وسبعين، ونُسِبت لأمِّها أمِّ المؤمنين أمِّ سلمة؛ بيانًا لشرفها؛ لأنَّها ربيبته صلى الله عليه وسلم، (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميَّة زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ)؛ بضمِّ المُهمَلَة، وفتح اللَّام، بنت مِلْحان؛ بكسر الميم، وسكون اللَّام، وبالحاء المُهمَلَة، والنُّون، النَّجَّاريَّة والأنصاريَّة، وهي والدة أنس بن مالكٍ، (إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ)، ليس الاستحياء هنا على بابه، وإنَّما هو جارٍ على سبيل الاستعارة التَّبعيَّة التَّمثيليَّة؛ أي: أنَّ الله لا يمتنع من بيان الحقِّ، فكذا أنا لا أمتنع من [3] سؤالي عمَّا أنا مُحتَاجةٌ إليه، وإنَّما قالت ذلك بسطًا لعذرها في ذكر ما يستحي النِّساء من ذكره عادةً بحضرة الرِّجال؛ لأنَّ نزول المنيِّ منهنَّ يدلُّ على قوَّة شهوتهنَّ للرِّجال، (فَهَلْ) يجب (عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ)؛ بضمِّ الغَيْن، وفي روايةٍ: ((من غَسْلٍ))؛ بفتحها، وهما مصدران عند أكثر أهل اللُّغة، وقال الآخرون [4] : بالضَّمِّ: الاسم، وبالفتح: المصدر، وحرف الجرِّ زائدٌ، (إِذَا) هي (احْتَلَمَتْ)؛ أي: رأت في منامها أنَّها تجامع، (قَالَ) وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((فقال)) (النَّبِيُّ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم): عليها الغُسل [5] (إِذَا)؛ أي: حين (رَأَتِ الْمَاءَ)؛ أي: المنيَّ إذا استيقظت، فـ: «إذا»: ظرفيَّةٌ، ويجوز أن تكون شرطيَّةً؛ أي: إذا رأت الماء [6] ؛ وجب عليها الغسل، وجعلَ رؤيةَ المنيِّ منها شرطًا للغُسل، يدلُّ على أنَّها إذا لم ترَ الماء؛ لا غُسْلَ عليها، قالت زينب: (فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ) رضي الله عنها، أو قالته أمُّ سلمة على سبيل الالتفات من باب التَّجريد، كأنَّها جرَّدت من نفسها شخصًا، فأسندت إليه التَّغطية، إذِ الأصل: فَغَطَّيْتُ، قال عروة أو غيره: (تَعْنِي وَجْهَهَا)؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة، ولابن عساكر: بالتَّحتيَّة [7] ، وعند مسلمٍ من حديث أنسٍ: أنَّ ذلك وقع لعائشة أيضًا، فيحتمل حضورهما معًا في هذه القصَّة، (وَقَالَتْ) أمُّ سلمة: (يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟) بحذف همزة الاستفهام، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((أَوَ تحتلم))؛ بإثباتها، وهو معطوفٌ على مُقدَّرٍ يقتضيه السِّياق؛ أي: أترى المرأةُ الماءَ وتحتلم؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (نَعَمْ) تحتلم وترى الماء، (تَرِبَتْ يَمِينُكِ)؛ بكسر الرَّاء والكاف؛ أي: افتقرت وصارت على التُّراب، وهي كلمةٌ جاريةٌ على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدُّعاء على المُخاطَب، (فَبِمَ) بحذف الألف (يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟) وفي حديث أنسٍ في «الصَّحيح»: «فمن أين يكون الشَّبه؟ ماء الرَّجل غليظٌ أبيضُ، وماء المرأة رقيقٌ أصفرُ، فأيُّهما [8] علا أو سبق يكون منه الشَّبه»، وفي هذا الحديث: ترك الاستحياء لمن عرضت له [9] مسألةٌ.

[1] في (ب) و(س): «الأشهر».
[2] زيد في (م): «هشام».
[3] في (ص): «عن».
[4] في (ب) و(س): «آخرون».
[5] في غير (د): «غسلٌ».
[6] زاد في (د): «الماء».
[7] قوله: «ولابن عساكر: بالتَّحتيَّة»، سقط من (ب) و(د) و(ص).
[8] في غير (ب) و(س): «فمن أيهما».
[9] في (ص): «به».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

130-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ [1] ، قالَ: أخبَرَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، قالَ: حدَّثنا هِشامٌ [2] ، عن أَبِيهِ، عن زَيْنَبَ ابْنَةِ [3] أُمِّ سَلَمَةَ:

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قالَتْ: جاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إلىَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ على المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ [4] إذا احْتَلَمَتْ؟ قالَ [5] النَّبِيُّ [6] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذا رَأَتِ الماءَ». فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ - تَعْنِي [7] وَجْهَها- وقالتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وَتَحْتَلِمُ [8] المَرْأَةُ؟! قالَ: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُها وَلَدُها؟!».

[1] وضع علامة التَّخفيف على لام «سَلَامٍ» في اليونينيَّة.
[2] في رواية ابن عساكر زيادة: «بنُ عروةَ».
[3] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «بنت».
[4] في رواية [عط] : «غَسْلٍ» بفتح الغين.
[5] في رواية أبي ذر وابن عساكر: «فقالَ».
[6] في رواية أبي ذر: «رسولُ الله».
[7] في رواية ابن عساكر: «يعني» بالياء.
[8] في رواية أبي ذر: «أَوَ تحتلم».





130- ( مسْتَحْيِي ) بإسكان الحاء.

( وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ ) ولبعضهم: «أَوَ تحتلم المرأة».


130# (إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ) أي: في اليقظة، كما يراهُ الرجل في منامه إذا استيقظَ، ولو رأى أو رأت أنهما أنزلا، واستيقظا فلم يجدا ماءً، فلا غسل عليهما، فالرجلُ والمرأةُ في ذلك سواء، وإنما [1] يختلفان في اليقظة، فلا يغتسلُ الرجل حتى يرى الماء، أو يلتقي [2] الختانان، وأما المرأة تجد لذةَ الإنزالِ بغير التقاء الختان [3] ، فإنها تغتسل، وإن

@%ج1ص112%

لم ترَ الماء؛ لأنَّ ماءها تقذفُه [4] إلى داخلِ الفرجِ، ولا يكاد يخرج منه شيء [5] إلا في الحين [6] عند الامتلاء، كذا في ابن المنيِّر.

(إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِ مِنَ الْحَقِّ) تمهيدٌ لبسطِ عُذْرها في ذكرِ ما تستحيي [7] النساء من ذِكْره، وهو أصل فيما يصنعه الكُتَّاب والأدباء من استفتاح مكاتباتهم ومخاطباتهم بما يُناسب المقصود، ويُسمى: بَراعةَ الاستهلال.

وما يفعلونه في ابتداءِ ذلك من التَّمهيدات لما يأتون به، ويُحَسِّنُه [8] في مثل ذلك: أنَّ العذر إذا تقدَّمَ، دفَعَ النفسَ عن نسبة القُبْح إلى المعتذَر [9] عنه، فأدركتْهُ [10] صافياً من العيب، وإذا تأخر، أدركتْ قبحَه أولاً، ثم يأتي العذرُ رافعاً لا دافعاً كالأول.

وقد مرَّ في تأويل: ((إنَّ اللهَ لا يملُّ حتَّى تملُّوا)) ما يرشدُ إلى تأويل ما هنا.

(وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأة؟) هو على حذف همزة الاستفهام، وفي بعض النسخ: ((أَوَتحتلم؟)) بإثباتها.

[1] في (ق): ((وأن)).
[2] في (ق): ((ويلتقي)).
[3] في (د) و(ج): ((ختان)).
[4] في (ق): ((قذفه)).
[5] ((شيء)): ليست في (ق).
[6] في (ق): ((الخبر)).
[7] في (ق) زيادة: ((من)).
[8] في (ق): ((ويحسبه)).
[9] في (د): ((المتعذر)).
[10] في (د): ((فأدركه)).





130- قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ): تقدَّم مرَّات أنَّ سلامًا والد محمَّد الأصحُّ فيه التخفيف مُطوَّلًا؛ فانظره إنْ أردته.

قوله: (أَخْبَرَنَا [1] أَبُو مُعَاوِيَة [2] ): هو محمَّد بن خازم؛ بالخاء المعجمة، أبو معاوية الضَّرير، الحافظ، عن هشام بن عروة والأعمش، وعنه: أحمد، وإسحاق، وعليُّ بن المدينيِّ، وابن معين، ثبت في الأعمش، وكان مرجئًا، توفِّي في [3] صفر سنة (195 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وله ترجمة في «الميزان»، وهو أحد الأئمَّة الثِّقات.

قوله: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ): هذه أمُّ المؤمنين رَضِيَ اللهُ عنها هند بنت أبي أميَّة المخزوميَّة، تقدَّم بعض ترجمتها رَضِيَ اللهُ عنها، مناقبها كثيرة، وتقدَّم [4] متى توفِّيت [5] ، وأنَّها آخر أمَّهات المؤمنين موتًا، وأنَّها توفِّيت في إمرة يزيد بعد مقتل الحسين رَضِيَ اللهُ عنه، وتقدَّم كلام الواقديِّ في وفاتها، والردُّ عليه.

قوله: (أُمُّ سُلَيْمٍ): هي بضمِّ السِّين، وفتح اللَّام، بنت ملحان الخزرجية، والدة أنس بن مالك الخادم، واسمها سهلة، وقيل: رميلة، أو رميثة، أو أنيسة، أومُليكة، أو الرميصاء، أو الغميصاء، زوج أبي طلحة زيد بن سهل، كانت فاضلة، لبيبة، مناقبها كثيرة، وترجمتها طويلة.

فائدة هي تنبيه [6] : أخرج مسلم منفردًا به من حديث أنس أنَّ أمَّ سليم سألت ذلك بحضرة عائشة رضي الله عنهمَا، وأنَّ عائشة أنكرت، فيحتمل أنَّ عائشة وأمَّ سلمة أنكرتا عليها، فأجاب عليه السَّلام كلَّ واحدة [7] بما أجاب، وإنْ كان أهل الحديث يقولون: إنَّ الصَّحيح هنا أمُّ سلمة لا عائشة، وكون المنكرة أمَّ سلمة هو في «البخاريِّ» و«مسلم»، والله أعلم.

قولها [8] : (إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ): (يستحيي): فيها لغتان معروفتان قرىء بهما في السبع؛ ومعناه: إنَّ الله لا يستحيي أنَّ يبيَّن ما هو الحقُّ.

قوله: (أوَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟!): هو مُحرَّك الواو، استفهام إنكار، وقد تقدَّم متى تفتح، ومتى تسكَّن، وفي أصلنا الذي سمعنا فيه على العراقيِّ: ساكن الواو، وفيه نظر، والله أعلم، ولكن جاء (وتحتلم المرأةُ؟!) بالواو، [وهذه تقوِّي سكون الواو.

قوله: (تَرِبَتْ يَمِينُكِ): (تربت): أي: افتقرت، يقال: (ترِب الرجل) ؛ إذا افتقر، و (أترب) ؛ إذا استغنى، هذا هو المشهور] [9] ، وهذه الكلمة تجري على ألسنة العرب من غير [10] قصد للدُّعاء، وعليه يحمل كلُّ ما جاء من الأحاديث من هذا وشبهه، وقال في «المطالع»: (قال الدَّاوديُّ: إنَّما هو ثَرِبت؛ أي: استغنت، وهي لغة للقبط جرت على ألسنة العرب، وهي تردُّ الرِّواية الصَّحيحة، ومعروف كلام العرب) .

فائدة: قال شيخنا الشَّارح: جاء عن جماعة من الصحابيَّات أنَّهن سألن كسؤال [11] أمِّ سليم؛ منهنَّ: خولة بنت حَكِيم، أخرجه ابن ماجه، كذا قال، وقد رأيته في «النَّسائيِّ»، وقد عزاه شمس الدين ابن القيِّم في «معاليم [12] الموقعين» في أواخره إلى «مسند الإمام أحمد» ولم يذكر رجال إسناده، انتهى، وقد أخرجه المزِّيُّ في «أطرافه» وعزاه إلى النَّسائيِّ، وكلاهما في (الطَّهارة) ، ولم أره في أصلنا وَقْفِ الملك المحسن بـ«ابن ماجه»، قال شيخنا: وبسرة بنت صفوان ذكره ابن أبي شيبة [13] ، وسهلة بنت سهيل، رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط»، وفي إسناده ابن لهيعة، انتهى.

[1] في (ب) و (ج): (حدثنا) .
[2] في هامش (ق): (محمد بن خازم الكوفي) .
[3] (في): ليس في (ج) .
[4] في (ب) و (ج): (تقدمت) .
[5] في (ج): (دفنت) .
[6] (هي تنبيه): ليس في (ب) .
[7] في (ب): (واحد) .
[8] في (ب) و (ج): (قوله) .
[9] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[10] (غير): ليس في (ج) .
[11] في (ب): (سؤال) .
[12] في (ج): (معالم) .
[13] في (ب): (ذكره ابن قتيبة) .





130- (مِنْ غُسْلٍ): (مِنْ) زائدةٌ.

(إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ): (إِذَا) ظرفيَّةٌ، أو: إِذَا رَأَتْ؛ وجب عليها الغسل؛ فـ (إِذَا) شرطيَّةٌ.

(أَوَتَحْتَلِمُ؟ ): العطفُ على مقدَّرٍ؛ أي: أتقول ـ أو أترى، أو نحوه ـ وتَحْتَلِم؟ والكرمانيُّ كثيرًا يُكرِّرُ ذلك، وهو طريقةٌ، ورجَّحَ المحقِّقونَ خلافَها.

فائدةٌ:

قولُه: (نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ): (نِعْمَ) و (بِئْسَ): فعلان عند البصريين والكِسائي، واسمان عند باقي الكوفيين، ويُذكر المخصوصُ بالمدح والذَّم بعد فاعلِ (نِعم) و (بئس) ؛ فيُقال: نِعم الرَّجلُ أبو بكرٍ! وبئس الرَّجلُ أبو لهب! وهو مبتدأٌ، والجملةُ قبلَه خبرُه، ويجوزُ أن يكون خبرًا لمبتدأٍ واجبِ الحذفِ؛ أي: الممدوحُ أبو بكر، والمذمومُ أبو لهب، وقد يتقدَّم المخصوصُ؛ فيتعيَّنُ كونُه مبتدأً؛ نحو: «زيدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ!»، وقد يتقدَّم ما يُشعرُ به فيُحذف؛ نحو: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ} [ص: 44] ؛ أي: هو، وليس منه: (العِلْمُ نِعْمَ المُقْتَنَى)، وإنَّما ذلك مِنَ التَّقديم، والله أعلم.


130- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام على الأكثر [1] ، واقتصر عليه في «فرع اليونينيَّة»، وهو البيكنديُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ _بمُعجَمَتين_ الضَّرير، التَّيميُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ)، وفي رواية ابن عساكر: (( [2] بن عروة))، (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام، (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ)، وفي رواية الأربعة: ((بنت)) (أُمِّ سَلَمَةَ)، وأبوها عبد الله بن عبد الأسد المخزوميُّ، تُوفِّيت سنة ثلاثٍ وسبعين، ونُسِبت لأمِّها أمِّ المؤمنين أمِّ سلمة؛ بيانًا لشرفها؛ لأنَّها ربيبته صلى الله عليه وسلم، (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميَّة زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ)؛ بضمِّ المُهمَلَة، وفتح اللَّام، بنت مِلْحان؛ بكسر الميم، وسكون اللَّام، وبالحاء المُهمَلَة، والنُّون، النَّجَّاريَّة والأنصاريَّة، وهي والدة أنس بن مالكٍ، (إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ)، ليس الاستحياء هنا على بابه، وإنَّما هو جارٍ على سبيل الاستعارة التَّبعيَّة التَّمثيليَّة؛ أي: أنَّ الله لا يمتنع من بيان الحقِّ، فكذا أنا لا أمتنع من [3] سؤالي عمَّا أنا مُحتَاجةٌ إليه، وإنَّما قالت ذلك بسطًا لعذرها في ذكر ما يستحي النِّساء من ذكره عادةً بحضرة الرِّجال؛ لأنَّ نزول المنيِّ منهنَّ يدلُّ على قوَّة شهوتهنَّ للرِّجال، (فَهَلْ) يجب (عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ)؛ بضمِّ الغَيْن، وفي روايةٍ: ((من غَسْلٍ))؛ بفتحها، وهما مصدران عند أكثر أهل اللُّغة، وقال الآخرون [4] : بالضَّمِّ: الاسم، وبالفتح: المصدر، وحرف الجرِّ زائدٌ، (إِذَا) هي (احْتَلَمَتْ)؛ أي: رأت في منامها أنَّها تجامع، (قَالَ) وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((فقال)) (النَّبِيُّ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم): عليها الغُسل [5] (إِذَا)؛ أي: حين (رَأَتِ الْمَاءَ)؛ أي: المنيَّ إذا استيقظت، فـ: «إذا»: ظرفيَّةٌ، ويجوز أن تكون شرطيَّةً؛ أي: إذا رأت الماء [6] ؛ وجب عليها الغسل، وجعلَ رؤيةَ المنيِّ منها شرطًا للغُسل، يدلُّ على أنَّها إذا لم ترَ الماء؛ لا غُسْلَ عليها، قالت زينب: (فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ) رضي الله عنها، أو قالته أمُّ سلمة على سبيل الالتفات من باب التَّجريد، كأنَّها جرَّدت من نفسها شخصًا، فأسندت إليه التَّغطية، إذِ الأصل: فَغَطَّيْتُ، قال عروة أو غيره: (تَعْنِي وَجْهَهَا)؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة، ولابن عساكر: بالتَّحتيَّة [7] ، وعند مسلمٍ من حديث أنسٍ: أنَّ ذلك وقع لعائشة أيضًا، فيحتمل حضورهما معًا في هذه القصَّة، (وَقَالَتْ) أمُّ سلمة: (يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟) بحذف همزة الاستفهام، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((أَوَ تحتلم))؛ بإثباتها، وهو معطوفٌ على مُقدَّرٍ يقتضيه السِّياق؛ أي: أترى المرأةُ الماءَ وتحتلم؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (نَعَمْ) تحتلم وترى الماء، (تَرِبَتْ يَمِينُكِ)؛ بكسر الرَّاء والكاف؛ أي: افتقرت وصارت على التُّراب، وهي كلمةٌ جاريةٌ على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدُّعاء على المُخاطَب، (فَبِمَ) بحذف الألف (يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟) وفي حديث أنسٍ في «الصَّحيح»: «فمن أين يكون الشَّبه؟ ماء الرَّجل غليظٌ أبيضُ، وماء المرأة رقيقٌ أصفرُ، فأيُّهما [8] علا أو سبق يكون منه الشَّبه»، وفي هذا الحديث: ترك الاستحياء لمن عرضت له [9] مسألةٌ.

[1] في (ب) و(س): «الأشهر».
[2] زيد في (م): «هشام».
[3] في (ص): «عن».
[4] في (ب) و(س): «آخرون».
[5] في غير (د): «غسلٌ».
[6] زاد في (د): «الماء».
[7] قوله: «ولابن عساكر: بالتَّحتيَّة»، سقط من (ب) و(د) و(ص).
[8] في غير (ب) و(س): «فمن أيهما».
[9] في (ص): «به».





130- ( أُمِّ سُلَيْمٍ ): هي بنت مِلْحان والدة أنس.

( احْتَلَمَتْ ) أي: رأتْ في منامها أنها تجامع.

( فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ ) في مسلم: أن ذلك وقع لعائشة، فكأنَّهما كانتا حاضرتين.

( تَعْنِي وَجْهَهَا ): هو بالتَّاء الفوقيَّة، والقائل عروة، وفاعل تعني زينب، والضَّمير لأمِّ سلمة.

( وَتَحْتَلِمُ )، للكُشْمِيهنيِّ: «أو تحتلم».

( تَرِبَتْ يَمِينُكِ ) أي: افتقرتْ وصارتْ على التُّراب، وهي من الألفاظ التي يطلقها مريد الزَّجر، ولا يُرَاد بها ظاهرها. [/ج1ص290/]

( فَبِمَ ): بكسر الموحَّدة.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

130# حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، أنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثَنَا هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَتِ المَاءَ»، فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ _ تَعْنِي وَجْهَهَا _ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا».


لا تتوفر معاينة

130- وبه قال: ((حدثنا محمد بن سلَام)) ؛ بتخفيف اللام، البيكندي، ((قال: أخبرنا)) وفي رواية: (أنبأنا) ، ((أبو معاوية)) : محمد بن خازم؛ بالمعجمتين، التميمي، ((قال: حدثنا هشام)) : زاد في رواية: (ابن عروة) ، ((عن أبيه)) : عروة بن الزبير بن العوام، ((عن زينب بنت)) : وفي رواية: (ابنة) ، ((أم سلمة)) : نسبة لأمها؛ لشرفها؛ لأنَّها ربيبته عليه السلام، وإلَّا فأبوها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي أبي سلمة، توفيت [1] سنة ثلاث وسبعين.

((عن أم سلمة)) : هند بنت أبي أمية زوج النبي الأعظم عليه السلام، ((قالت: جاءت أم سُلَيم)) ؛ بضم السين المهملة وفتح اللام، بنت مِلْحان؛ بكسر الميم، وسكون اللام، وبالحاء المهملة والنون، النجارية الأنصارية، واسمها: سهلة، أو رميلة، أو رميثة؛ بالراء فيهما وبالمثلثة في الثاني، تزوجها مالك بن النضر؛ بالضاد المعجمة، أبو أنس بن مالك، فولدت له أنسًا، ثم قتل عنها مشرك، فأسلمت، فخطبها أبو طلحة وهو مشرك، فأبت، ودعته إلى الإسلام، فأسلم، فقالت: إنِّي أتزوجك ولا آخذ منك صداقًا؛ لإسلامك، فتزوجها.

((إلى رسول اله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله؛ إن الله)) عزَّ وجلَّ ((لا يستحيي)) : جملة محلها الرفع خبر (إن) ، وهو باليائين على أفصح، ((من الحق)) : ضد الباطل؛ أي: لا يمتنع من بيان الحق، فكذا أنا لا أمتنع من سؤالي عما أنا محتاجة إليه مما تستحي النساء عادة من السؤال عنه؛ لأنَّ نزول المني منهن يدل على شدة شهوتهن للرجال، فالحياء محال على الله عزَّ وجلَّ فيكون هذا جاريًا على سبيل الاستعارة التبعية التمثيلية، كما في حديث سلمان قال: قال عليه السلام: «إن الله حيي كريم، يستحي إذا رفع العبد يديه؛ أن يردهما صفرًا حتى يضع فيهما خيرًا»، وتمامه في «عمدة القاري».

((فهل)) : للاستفهام، يجب ((على المرأة)) ، وكذا على الرجل؛ لأنَّ حكمه عليه السلام على الواحد كحكمه على الجماعة إلا إذا دلَّ دليل على التخصيص، ((من)) : زائدة، ((غُسل)) ؛ بضم الغين المعجمة، وفي رواية: بفتح الغين وبالكسر: اسم ما يغسل به كالصابون، وأكثر أهل اللغة على أن الغسل بالفتح والضم: مصدران، وبعضهم فرق بينهما بأن الفتح: مصدر، والضم: اسم للفعل المشهور؛ أي: هل غسل يجب على المرأة ((إذا)) هي ((احتلمت)) مشتق من الحُلُم؛ بالضم، وهو ما يراه النائم؛ أي: رأت في منامها أنها تجامع، ((قال)) وفي رواية: (فقال) ، ((النبي)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ، ((صلى الله عليه وسلم)) : يجب عليها الغسل ((إذا)) : ظرف بمعنى: حين ((رأت الماء)) ؛ أي: المني إذا انتبهت، ويجوز أن تكون (إذا) شرطية؛ تقديره: إذا رأته؛ وجب عليها الغسل، و (الماء) : منصوب بقوله: (رأت) من رؤية العين، وجعل المني شرطًا للغسل؛ يدل على أنَّها إذا لم تر الماء؛ لا غسل عليها كالرجل، وهو ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم، وعليه الفتوى.

وقيل: يلزمها الغسل بالاحتلام وإن لم تر الماء إذا وجدت اللذة؛ لأنَّ الماء ينزل من صدرها إلى رحمها بخلاف الرجل؛ حيث يشترط ظهور المني حقيقة.

قالت زينب: ((فغطت أم سُلَيم)) رضي الله عنها، فالحديث ملفق من رواية صحابيتين، وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون من أم سلمة على سبيل الالتفات، كأنها جردت من نفسها شخصًا، فأسندت إليه التغطية؛ إذ أصل الكلام: فغطيْتُ، قال عروة أو غيره من الرواة: ((تعني وجهَها)) ؛ بالمثناة الفوقية، ونصب (وجهَها) وهذا إدراج من عروة ظاهر، أو من غيره فيكون إدراج في إدراج.

((وقالت)) أم سلمة: ((يا رسول الله؛ وتحتلم المرأة؟)) بحذف همزة الاستفهام، وللكشميهني: (أو تحتلم) ؛ بإثباتها، عطف على مقدر يقتضيه السياق؛ أي: أتقول ذلك أو أترى المرأة الماء وتحتلم؟ ((قال)) عليه السلام: ((نعم)) ؛ تحتلم وترى الماء، ((ترِبت يمينكِ)) ؛ بكسر الراء والكاف: فعل وفاعله، والجملة خبرية؛ أي: افتقرت وصارت على التراب، فهي كلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب ولا وقوع الأمر بها كما يقولون: قاتله الله، وقيل: أراد بها المثل، يرى المأمور بذلك الجد، وأنه إن خالفه؛ فقد أساء، وما زعمه ابن حجر ردَّه في «عمدة القاري».

((فبم)) : أصله: فبما؛ فحذفت الألف، (يشبهها ولدها؟) ؛ بالرفع فاعل، وفي «الصحيح» من حديث أنس: «فمن أين يكون الشبه؟ ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيها علا أو سبق يكون منه الشبه»، وفي حديث عائشة: «وهل يكون الشَّبه إلا من قبل ذلك، إذا علا ماؤها ماء الرجل؛ أشبه الولد أخواله، وإذا علا الرجل ماءها؛ أشبه أعمامه.

وهذا الحديث جاء عن جماعة[/ص85/] من الصحابيات أنهن سألن كسؤال أم سليم؛ منهن: خولة بنت حكيم، أخرجه ابن ماجه، وبسرة، ذكره ابن أبي شيبة، وسهلة بنت سهيل، رواه الطبراني، والأحاديث فيه عن أم سلمة وعائشة وأنس، ولم يخرج المؤلف غير حديث أم سلمة، وأخرج مسلم أحاديث الثلاثة، فيحتمل حضورهن معًا في هذه القصة، ويحتمل تعدد القصة والله أعلم.

وفي الحديث: إثبات أن المرأة لها ماء.

وفيه: إثبات القياس وإلحاق النظير بالنظير، وقد بين في «عمدة القاري» مذهب الشافعي وأوضحه؛ لغلط جماعة من الشافعية فيه؛ فراجعه إن شئت.

[1] في الأصل: (توفت) .