متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

126- وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (ابْنُ مُوسَى) العبسيُّ مولاهم، الكوفيُّ، (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيِّ؛ بفتح المُهمَلَة، وكسر المُوحَّدة؛ نسبةً إلى سَبيع بن سبعٍ، المُتوفَّى سنة ستِّين ومئةٍ، (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد بن قيس النَّخعيِّ، أدرك الزَّمن النَّبويَّ وليست له رؤيةٌ، وتُوفِّي بالكوفة سنة خمسٍ وسبعين أنَّه (قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله الصَّحابيُّ المشهور: (كَانَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (تُسِرُّ إِلَيْكَ) أسرارًا (كَثِيرًا)؛ مِنَ الإسرار؛ ضدَّ الإعلان، وفي رواية ابن عساكر: ((تسرُّ إليك حديثًا كثيرًا))، فإن قلت: قوله: «كانت» للماضي و«تسرُّ» للمضارع، فكيف اجتمعا؟ أُجِيب: بأنَّ «تسرُّ» تفيد [1] الاستمرار، وذكره بلفظ المضارع؛ استحضارًا لصورة الإسرار، (فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي) شأن (الْكَعْبَةِ)؟ قال الأسود: (قُلْتُ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((فقلت)): (قَالَتْ لِي: قَالَ) النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (يَا عَائِشَةُ [2] لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ)؛ بتنوين «حديثٌ»، ورفع «عهدُهم» على إعمال الصِّفة، (قَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: ((فقال)) (ابْنُ الزُّبَيْرِ: بِكُفْرٍ)، كأنَّ الأسود نسيَ قولها: «بكفرٍ»، فذكره ابن الزُّبير، وأمَّا التَّالي [3] . .. وإلى آخره؛ فيحتمل أن يكون ممَّا نسي أيضًا، أو ممَّا ذكر، ورواه الإسماعيليُّ من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاقَ بلفظ: قلت: حدِّثني حديثًا حفظت أوَّله ونسيت آخره [4] ، وللتِّرمذيِّ كالمِّؤلف في «الحجِّ» [خ¦1584] : «بجاهليَّةٍ» [/ج1ص219/] بدل قوله: «بكفرٍ»؛ (لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ): جواب «لولا»، (فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ) منه (النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ) منه، ولأبي ذَرٍّ: ((بابًا)) في الموضعين؛ بالنَّصب على أنَّه بدلٌ أو بيانٌ لـ: «بابين»، وضمير المفعول محذوفٌ من «يدخل» و«يخرجون»، وفي رواية الحَمُّوييِّ والمُستملي [5] ، كما في «فرع اليونينيَّة»: إثبات ضمير الثَّاني وهي: ((يخرجون منه))، وهي منازعة الفعلين [6] ، (فَفَعَلَهُ)؛ أي: النقض المذكور والبابين، (ابْنُ الزُّبَيْرِ)، وهذه المرَّة الرَّابعة من بناء البيت، ثمَّ بناه الخامسةَ الحجَّاجُ واستمرَّ، وقد تضمَّن الحديث معنى ما تُرجِم له؛ لأنَّ قريشًا كانت تعظِّم أمر [7] الكعبة جدًّا، فخشي صلى الله عليه وسلم أن يظنُّوا _لأجل قرب عهدهم بالإسلام_ أنَّه غيَّر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك، انتهى.

[1] في (ص): «يفيد»، وفي (م): «مفيد».
[2] «يا عائشة»: سقط من (د) و(م).
[3] في (د): «الثَّاني».
[4] قوله: «ورواه الإسماعيليُّ من طريق زهير... حفظت أوَّله ونسيت آخره»، سقط من (ب) و(د) و(ص).
[5] «والمستملي»: سقط من (د) و(م).
[6] في (د): «وهو تنازعه الفعلان».
[7] «أمر»: سقط من (د).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

126-. حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَىَ، عن إسْرائيلَ، عن أَبِي إسْحاقَ، عن الأَسْوَدِ، قالَ:

قالَ لي ابنُ الزُّبَيْرِ: كانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ [1] كَثِيرًا، فَما حَدَّثَتْكَ في الكَعْبَةِ؟ قُلْتُ [2] : قالتْ لِي: قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يا عائِشَةُ، لَوْلا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ _قالَ [3] ابْنُ الزُّبَيْرِ: بِكُفْرٍ_ لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ، فَجَعَلْتُ لَها بابَيْنِ: بابٌ [4] يَدْخُلُ النَّاسُ [5] وَبابٌ يَخْرُجُونَ [6] ». فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ.

[1] في رواية ابن عساكر زيادة: «حديثًا».
[2] في رواية أبي ذر و [عط] : «فقلتُ».
[3] في رواية الأصيلي: «فقال».
[4] في رواية أبي ذر: «بابًا» بالنصب في هذا الموضع والذي يليه.
[5] زاد في (و): «منه».
[6] في رواية أبي ذر عن الحَمُّويِي وأبي ذر زيادة: «منه».





126- ( حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ ) هو خبر ( قومك )، وإنَّما لم يحذف إذ لا دليل عليه، وهو بتنوين ( حديثٌ )، ورفع ( عهدُهم ) على إعمال الصفة المشبَّهة.

( ولجعلتُ لها بابين بابًا وبابًا ) بالنصب والرفع. [/ج1ص85/]


126# (لَوْلاَ قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ) فيه إثبات خبر المبتدأ بعد ((لولا))، وإنما أثبت؛ لكونه خاصاً [1] لا دليل عليه لو حُذِف.

وأتحققُ الآن أني وقعت [2] في كلام ابن أبي الرَّبيع في «شرح الإيضاح» على ما معناه أنه تتبع طرق هذا الحديث، فلم يجد فيه إثبات الخبر، وهذا يرد عليه، فحرِّره [3] .

(لَجَعَلْتُ [4] لَهَا بَابَيْنِ: بَاباً [5] ) بنصب ((باباً)) على أنه وما بعده بدلٌ من المنصوب، وبالرفع على أنه خبرٌ لمحذوف؛ أي: أحدُهما [6] بابٌ يدخل الناس منه، والآخر: بابٌ يخرجون منه، أو على أنه وما بعده خبرُ محذوف؛ أي: هما [7] باب كذا، وباب كذا.

وقد استدل الأصيلي بهذا الحديث في مسألة من [8] النِّكاح، وذلك أن يتيمةً غنيَّةً كان لها ابنُ عم فيه ميلٌ إلى الصبوة، فخطبها هو ورجلٌ غني، فمال الوصيُّ إلى الرجل، وكانت اليتيمةُ وابنُ عمها متحابين، فرُفع ذلك إلى القاضي، فأفتى فقهاء وقته [9] أن لا تُزَوَّجَ من ابن عمها، وأفتى الأصيلي بأن تُزوَّجَ منه؛ خشية أن يقعا [10] في المكروه استدلالاً بهذا الحديث، فزُوِّجَتْ منه.

وتعقبه ابن المنيِّر:

@%ج1ص111%

بأن هذا لا يؤخذ على إطلاقه، فإن المتزوجة لو هَوِيَتْ [11] غيرَ زوجها، وخُشي عليها الوقوعُ في الزنا، لم يُلزم زوجَها طلاقُها إجماعاً، وكذا الطالبُ لنكاح أمةٍ هَوِيَهَا [12] وهو غني لا نُزوجه [13] إياها، وإن خاف العنتَ فيها الذي هو أشدُّ، ويُلْزَمُ بالتعفف، أو الحد، والذي في الحديث إنما هو الخشيةُ على الجمَّاء [14] الغفير، فلا [15] تقاسُ عليه الضرورة القاصرة.

[1] في (ق): ((حاصلاً)).
[2] في (ق): ((وقفت)).
[3] في (د): ((وهذا يدل عليه خبره))، في (ج): ((وهذا يرد عليه خبره)).
[4] في (د): ((ولجعلت))، وفي (ق): ((فجعلت)).
[5] في المتن: ((فجعلت لها بابين باب)).
[6] في (ق): ((أحدها)).
[7] ((هما)): ليست في (م) و(ج).
[8] ((من)): ليست في (د).
[9] في (ق): ((فأفتى فيها وفيه)).
[10] في (ق): ((يقعها)).
[11] في (ق): ((هوت)).
[12] في (ق): ((هواها)).
[13] في (د): ((يزوجه)).
[14] في (ق): ((الجم)).
[15] في (ق): ((ولا)).





126- قوله: (عَنْ إسْرَائيلَ): هو ابن يونس بن أبي [1] إسحاق السبيعيُّ، إسرائيل هذا يروي عن جدِّه أبي إسحاق، وزياد بن علاقة، وآدم بن عليٍّ، وخلق، وعنه: يحيى بن آدم، ومحمد بن [2] كثير، وأمم [3] ، وقال: (أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة) ، قال أحمد: (ثقة) ، وتعجَّب من حفظه، وقال أبو حاتم: (من أتقن أصحاب أبي إسحاق) ، وضعَّفه ابن المدينيِّ، توفِّي سنة (162 هـ ) ، أخرج له الجماعة، ذكره في «الميزان»، وصحَّح عليه.

قوله: (عَنْ أَبِي إسْحاقَ): تقدَّم أعلاه أنَّه جدُّه أبو إسحاق عمرو بن عبد الله الهمْدانيُّ السَّبِيعيُّ -بفتح السِّين المهملة، وكسر الموحَّدة- الكوفيُّ، أحد الأعلام، عن جرير، وعديِّ بن حاتم، وزيد بن أرقم، وابن عبَّاس، وعدَّة من الصَّحابة، وأمم من التَّابعين، وعنه: ابنه يونس، وإسرائيل حفيده، وشعبة، والسفيانان، وأبو بكر بن عيَّاش، وخلائق، وله نحو ثلاث مئة شيخ، وهو يشبه الزُّهريَّ في الكثرة، وقد غزا مرَّات، وكان صوَّامًا قوَّامًا تلَّاءً، مات سنة (127 هـ ) ، وله خمس وتسعين سنة، أخرج له الجماعة، له ترجمة في «الميزان».

قوله: (عَنِ الأَسْوَدِ): هو ابن يزيد النَّخعيُّ، يروي عن عمر، وعليٍّ، ومعاذ، وعدَّة، وعنه: ابن أخته إبراهيم، ومحارب بن دثار [4] ، وأبو إسحاق، له ثمانون حجَّة وعمرة، وكان يصوم حتَّى يخضرَّ، ويختم في ليلتين، مات سنة (74 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وثَّقه ابن معين والناس. [/ج1ص70/]

قوله: (قالَ لْي ابنُ الزُّبَيْرِ): هو عبد الله بن الزبير بن العوَّام بن خويلد بن أسد، الصحابيُّ المشهور ابن الصحابيِّ، وأمُّه أسماء صحابيَّة، وجدُّه أبو بكرٍ الصِّدِّيق لأمِّه [5] ، وجدَّته صفيَّة بنت عبد المطَّلب صحابيَّة رضي الله عنهم، ترجمته مشهورة رحمة الله عليه.

قوله: (حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ): (حديثٌ): مرفوع منوَّن، و (عهدُهم): مرفوع.

قوله: (بِكُفْرٍ): كذا في «الصَّحيح»، وفي حفظي أنَّه جاء: (بإسلام) أو (بإيمان) ، الشكُّ منِّي.

قوله: (فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ): سيأتي في (باب بنيان الكعبة) ، كم بُنِيت من مرَّة، والخلاف في ذلك وطولها، وكم زادوا فيه إن شاء الله تعالى في مكانه.

[1] (أبي): ليس في (ج) .
[2] (آدم، ومحمد بن): ليس في (ب) .
[3] (وأمم): وضعت في (ب) في غير موضعها.
[4] في (ب): (زياد) ، وهو تصحيف.
[5] (لأمه): ليس في (ج) .





126- (حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ): (عَهْدُهُمْ) فاعلُ (حَدِيثٌ)، و (حَدِيثٌ) خبرُ المبتدأِ، ولم يُحذف خبرُ (لَوْلَا) هنا؛ لأنَّ الخبرَ إنَّما يُحذفُ إذا كان عامًّا، أمَّا لو كان خاصًّا؛ فلا يجبُ حذفُه، قال الشَّاعر: [من الوافر]

~ وَلَوْلَا الشِّعْرُ بِالْعُلَمَاءِ يُزْرِي [1] لَكُنْتُ الْيَوْمَ أَشْعَرَ مِنْ لَبِيدِ

وفي بعضِها: (لَوْلَا أَنْ قَوْمُكِ) بزيادة الكلمة المخفَّفة. انتهى كلامُ الكرمانيِّ.

وقال ابنُ مالكٍ: (تضمَّنَ هذا الحديثُ ثبوتَ خبرِ المبتدأِ بعدَ «لَوْلَا»؛ أعني: قولَه: «لولا قومُكِ حديثٌ عهدُهم بكفْرٍ»، وهو ممَّا خَفِي على النَّحْويين إلَّا الرُّمَّانيَّ والشَّجريَّ، وأقولُ: المبتدأُ المذكورُ بعدَ «لَوْلَا» على ثلاثةِ أضربٍ...) إلى أنْ قال: (الثَّاني: وهو المخبرُ عنه بكونٍ مقيَّدٍ لا يُدرَكُ معناهُ عندَ حذفِه إلَّا بذكرِه؛ نحو: «لولا زيدٌ غائبٌ؛ لم أزرْك»، فخبرُ هذا النَّوعِ واجبُ الثُّبوتِ؛ لأنَّ معناهُ يُجهلُ عند حذفِه، ومنه: «لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ»، أو [2] «حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ»، فلوِ اقتصرَ في مثلِ هذا على المبتدأِ؛ لظُنَّ أنَّ المرادَ: لولا قومُكِ على كلِّ حالٍ مِنْ أحوالهم؛ لنقضتُ الكعبة، وهو خلافُ المقصودِ؛ لأنَّ مِنْ أحوالِهم بُعْدَ عهدِهم بالكفر فيما يُستقبَل، وتلكَ الحالُ لا تمنعُ مِنْ نقضِ الكعبة وبنائِها على الوجهِ المذكور، ومن هذا النَّوعِ قولُ عبدِ الرحمن بنِ الحارثِ لأبي هريرةَ رضي الله عنه: «وَلَوْلَا مَرْوَانُ أَقْسَمَ عَلَيَّ فِيهِ؛ لَمْ أَذْكُرْهُ لَكَ»)، وسيأتي الكلامُ على هذا في (الصَّوم) [خ¦1926] .

(بَابًا): بالنَّصبِ بدلٌ، أو بيانٌ، وفي بعضِها بالرَّفعِ ؛ أي: أحدُهما بابٌ يدخُلُه النَّاسُ، والآخرُ بابٌ يخرجونُ منه، وضميرُ المفعولِ محذوفٌ مِنْ (يَدْخُلُ)، أو هو من بابِ تنازعِ الفعلينِ ـ يعني: (يَدْخُلُ) و (يَخْرُجُ) ـ في لفظ [3] (مِنْهُ).

وقال شيخُنا العلَّامةُ ابنُ حَجَرٍ: («بَابٌ» هكذا رواه الكافَّةُ على الاستئنافِ، ورواهُ أبو ذرٍّ: «بَابًا... وبَابًا» على البدلِ).

[1] في النسختين: (عار)، والمثبت من هامش (ب) والمصادر.
[2] في النسختين: (و).
[3] في (ب): (لفظة).





126- وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (ابْنُ مُوسَى) العبسيُّ مولاهم، الكوفيُّ، (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيِّ؛ بفتح المُهمَلَة، وكسر المُوحَّدة؛ نسبةً إلى سَبيع بن سبعٍ، المُتوفَّى سنة ستِّين ومئةٍ، (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد بن قيس النَّخعيِّ، أدرك الزَّمن النَّبويَّ وليست له رؤيةٌ، وتُوفِّي بالكوفة سنة خمسٍ وسبعين أنَّه (قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله الصَّحابيُّ المشهور: (كَانَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (تُسِرُّ إِلَيْكَ) أسرارًا (كَثِيرًا)؛ مِنَ الإسرار؛ ضدَّ الإعلان، وفي رواية ابن عساكر: ((تسرُّ إليك حديثًا كثيرًا))، فإن قلت: قوله: «كانت» للماضي و«تسرُّ» للمضارع، فكيف اجتمعا؟ أُجِيب: بأنَّ «تسرُّ» تفيد [1] الاستمرار، وذكره بلفظ المضارع؛ استحضارًا لصورة الإسرار، (فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي) شأن (الْكَعْبَةِ)؟ قال الأسود: (قُلْتُ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((فقلت)): (قَالَتْ لِي: قَالَ) النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (يَا عَائِشَةُ [2] لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ)؛ بتنوين «حديثٌ»، ورفع «عهدُهم» على إعمال الصِّفة، (قَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: ((فقال)) (ابْنُ الزُّبَيْرِ: بِكُفْرٍ)، كأنَّ الأسود نسيَ قولها: «بكفرٍ»، فذكره ابن الزُّبير، وأمَّا التَّالي [3] . .. وإلى آخره؛ فيحتمل أن يكون ممَّا نسي أيضًا، أو ممَّا ذكر، ورواه الإسماعيليُّ من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاقَ بلفظ: قلت: حدِّثني حديثًا حفظت أوَّله ونسيت آخره [4] ، وللتِّرمذيِّ كالمِّؤلف في «الحجِّ» [خ¦1584] : «بجاهليَّةٍ» [/ج1ص219/] بدل قوله: «بكفرٍ»؛ (لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ): جواب «لولا»، (فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ) منه (النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ) منه، ولأبي ذَرٍّ: ((بابًا)) في الموضعين؛ بالنَّصب على أنَّه بدلٌ أو بيانٌ لـ: «بابين»، وضمير المفعول محذوفٌ من «يدخل» و«يخرجون»، وفي رواية الحَمُّوييِّ والمُستملي [5] ، كما في «فرع اليونينيَّة»: إثبات ضمير الثَّاني وهي: ((يخرجون منه))، وهي منازعة الفعلين [6] ، (فَفَعَلَهُ)؛ أي: النقض المذكور والبابين، (ابْنُ الزُّبَيْرِ)، وهذه المرَّة الرَّابعة من بناء البيت، ثمَّ بناه الخامسةَ الحجَّاجُ واستمرَّ، وقد تضمَّن الحديث معنى ما تُرجِم له؛ لأنَّ قريشًا كانت تعظِّم أمر [7] الكعبة جدًّا، فخشي صلى الله عليه وسلم أن يظنُّوا _لأجل قرب عهدهم بالإسلام_ أنَّه غيَّر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك، انتهى.

[1] في (ص): «يفيد»، وفي (م): «مفيد».
[2] «يا عائشة»: سقط من (د) و(م).
[3] في (د): «الثَّاني».
[4] قوله: «ورواه الإسماعيليُّ من طريق زهير... حفظت أوَّله ونسيت آخره»، سقط من (ب) و(د) و(ص).
[5] «والمستملي»: سقط من (د) و(م).
[6] في (د): «وهو تنازعه الفعلان».
[7] «أمر»: سقط من (د).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

126# حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ،

@%ص270%

قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ، كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيراً فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الكَعْبَةِ؟ فقُلْتُ: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَائِشَةُ لَوْلاَ قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ _ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ _ بِكُفْرٍ، لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ منه وَبَابٌ يَخْرُجُونَ منه، فَفَعَلَهُ عبد الله بْنُ الزُّبَيْرِ.

قد جاء في بعض طرق حديث الأسود أن ابن الزبير قال له: «ما نسيت أذكرك»، وهذه الزيادة تبين أن ابن الزبير يروي الحديث عن عائشة بغير واسطة كما جاء في «الصحيح»، لكنه أراد أن يثبت ذلك برواية غيره عن عائشة يرد به على من يتكلم عليه.

وأخرجه البخاري مطولاً في «كتاب الحج» من حديث الأسود فقال فيه: «لولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم، أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض».

وفي حديث عروة: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: باباً شرقياً، وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم».

فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه، قال يزيد راوي الحديث: «وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل»، وفيه قال جرير: «فحزرت من الحجر ستة أذرع ونحوها».

حديث الأسود هذا أخرجه البخاري في «الحج» و«التمني» عن مسدد، عن أبي الأحوص عن أشعث، وفي «كتاب العلم» عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، وأخرجه م في «المناسك»: عن سعيد بن منصور، عن أبي الأحوص، عن أشعث

@%ص271%

وعن أبي بكر عن عبيد الله بن موسى [1]، عن شيبان، عن أشعث، عن الأسود.

وأخرجه من حديث عروة، وحديث عبد الله بن الزبير وفيه: سمعت عائشة، أخرجه مسلم.

وأخرج أيضاً فيما انفرد به أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت قال: «قاتل الله ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين، يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة لولا حدثان قومك بالكفر، لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحِجر، فإن قومك اقتصروا في البناء»، فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، أنا سمعتها تحدث بهذا، قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه، لتركته على ما بنى ابن الزبير».

قوله في رواية: «في أشر منه» قالوا: قال الجوهري: يقال فيه: شر الناس، ولا يقال: أشر الناس.

قال المهلب: في حديث عائشة هذا دليل على أنه يترك شيء من الأمر بالمعروف إذا خشي منه فتنة قوم ينكرونه ويستبشعونه وينزعون إلى خلافه.

قال أبو الزناد: خشي أن تُنكِرَ ذلك قلوبُهم لحدثانها بالكفر، ويظنون أنه فعله لينفرد بالفخر دونهم.

وهذا يدل أن الفرض بالبيت البقعة من الأرض إلى السماء؛ إذ لو كان من الفرائض لرده عليه السلام على ما كان في عهد إبراهيم عليه السلام [2]، وقد بين ذلك البخاري في تبويبه حيث قال: «من ترك بعض الاختيار»، فأفهم هذا المعنى، وفعله ابن الزبير لما أمن ذلك، وقال غيره: هذه المصلحة عارضتها مفسدة أشد منها وهو خوف الفتنة لبعض من أسلم قريباً، لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة فيرون تغييرها عظيماً.

وقالوا: بني البيت خمس مرات، بنته الملائكة، ثم إبراهيم عليه السلام، ثم قريش في الجاهلية

@%ص272%

وحضر النبي صلى الله عليه وسلم هذا البناء، وهو ابن خمس وثلاثين، وقيل: خمس وعشرين، وفيه سقط على الأرض حين رفع إزاره، ثم بناه ابن الزبير، ثم بناه الحجاج بن يوسف، واستمر، وقيل مرتين أخريين أو ثلاثاً.

ويروى أن هارون الرشيد سأل مالكاً عن هدمها وردها إلى بناء ابن الزبير للأحاديث المذكورة، فقال مالك: نشدت الله يا أمير المؤمنين أن تجعل [3] هذا البيت لعبة للملوك، لا يشاء أحد إلا نقضه وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس.

وفي السند:

إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهَمْداني، واسم أبي إسحاق: عمرو بن عبد الله، وإسرائيل أخو عيسى، وكنية إسرائيل أبو يونس.

سمع جده وغيره، وعنه قال: كنت أحفظ حديث أبي إسحاق السبيعي كما أحفظ السورة من القرآن.

قال أحمد ابن حنبل ويحيى بن معين: «ثقة»، وقال أبو حاتم الرازي: «ثقة من أتقن أصحاب أبي إسحاق».

أخرج البخاري في «العلم»، و«الوضوء»، و«الصلاة» عن عبيد الله بن موسى، ومالك بن إسماعيل، ويحيى بن آدم، والنضر بن شميل، وشبابة، عنه، عن أبي إسحاق، وأبي حصين، وعاصم، ومنصور، والمغيرة، ومجزأة وغيرهم.

قال ابن الجنيد: قلت ليحيى: أيما أثبت شريك أو إسرائيل؟ قال: إسرائيل أقريب حديثاً، وشريك أحفظ.

وعن أحمد لما سئل عنهما قال: «إسرائيل يؤدي ما سمع، كان أثبت من شريك، قلت: من أحب إليك منهما في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل لأنه صاحب كتاب».

وعن شبابة: «قلت ليونس: أملِ عليَّ حديث أبيك، قال: اكتب عن إسرائيل، فإن أبي أملاه عليه».

ولد إسرائيل سنة مئة، وتوفي سنة ستين ومئة.

وفيه: الأسود بن يزيد بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان بن ذهل بن بكر بن عوف، النخعي، أخو عبد الرحمن بن يزيد، وابن أخي علقمة بن قيس، يكنى أبا عبد الرحمن، وهو أسن من علقمة، وهو أيضاً خال إبراهيم النخعي.

أخرج البخاري في «العلم» وغيره عن إبراهيم النخعي، وأبي إسحاق السبيعي، وغيرهما عنه، عن ابن مسعود، وعائشة، وأبي موسى، وغيرهم.

وقال أحمد ابن حنبل: «ثقة

@%ص273%

من أهل الخير».

وقال محمد بن سعد: «ثقة، وله أحاديث صالحة».

وعن غيره قال: سافر ثمانين حجة وعمرة لم يجمع بينهما، وقيل: إنه كان يصلي كل يوم سبع مئة ركعة، وكانوا يقولون: إنه أقل [أهل] بيته اجتهاداً، قال: وقد بلغني أنه صار عظماً وجلداً، وكان يسمون آل الأسود: من أهل الجنة.

قال عمرو بن علي: توفي سنة خمس وسبعين، روى له الجماعة.

[1] في الأصل: عبد الله بن موسى، والصواب مثبت.
[2] كذا في الأصل، وكأن في العبارة خللاً أو نقصاً.
[3] كذا في الأصل، وكذا هو اللفظ في المطبوع من الاستذكار والتمهيد لابن عبد البر، وفي مصادر أخرى: «ألا».





لا تتوفر معاينة

126- وبه قال: ((حدثنا عبيد الله)) ؛ بالتصغير ((ابن موسى)) العبسي مولاهم الكوفي، ((عن إسرائيل)) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي؛ بفتح المهملة، وكسر الموحدة، بعدها مثناة تحتية، الهمداني الكوفي منسوب إلى سبيع بن سبع، المتوفى سنة ستين ومئة عن ستين سنة، ((عن أبي إسحاق)) : جد إسرائيل المذكور.

((عن الأسود)) بن يزيد بن قيس النخعي، أدرك زمن النبي الأعظم عليه السلام ولم يره، وحجَّ ثمانين حجَّة، توفي بالكوفة سنة خمس وسبعين، وكذا ابنه عبد الرحمن حجَّ ثمانين حجَّة وعمرة، وكان يقول في تلبيته: أنا الحاجُّ بن الحاجِّ، وكان يصلي كلَّ يوم سبع مئة ركعة، وصار عظمًا وجلدًا، وكانوا يسمَّون آل الأسود أهل الجنة، مات سنة خمس وتسعين رحمهما الله تعالى أنَّه ((قال: قال لي ابن الزُبير)) ؛ بضم الزاي: عبد الله الصحابي المشهور ((كانت عائشة)) رضي الله عنها ( (تسرُّ)) ؛ من الأسرار خلاف الإعلان.

فإن قلت: قوله: (كانت) للماضي و (تسرُّ) للمضارع فكيف اجتمعا؟!

قلت: (تسرُّ) تفيد الاستمرار وذكر بلفظ المضارع؛ استحضارًا لصورة الأسرار، وهو جملة محلها النصب خبر (كانت) أفاده في «عمدة القاري».

((إليك كثيرًا)) ؛ بالنصب على أنَّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: أسرارًا كثيرًا، وفي رواية: (تسرُّ إليك حديثًا كثيرًا) ، ((فما)) : استفهامية مبتدأ، ((حدَّثتك)) : جملة من الفعل، والفاعل، وهو الضمير فيه الراجع إلى عائشة، والمفعول؛ وهو الكاف محلها رفع خبر المبتدأ، ((في)) شأن ((الكعبة)) ؛ مشتقة من الكعوب؛ وهو النشوز من الأرض؛ بمعنى: مرتفعة، أو لتربعها، قال الأسود: ((قلت)) ، وفي رواية: (فقلت) : ((قالت لي)) مقول القول: ((قال النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم: يا عائشة لولا)) ؛ لربط امتناع الثانية بوجود الأولى ((قومكِ)) ؛ بكسر الكاف، كلام إضافيٌّ مبتدأ ((حديثٌ)) ؛ بالتنوين خبر ((عهدهم)) ؛ بالرفع على إسناد حديث إليه؛ لأنَّه صفة مشبهة، وهو أيضًا يعمل عمل فعله، وفي رواية: (لولا أنَّ قومك) ؛ بزيادة (أنَّ) ، وليس بمشهور، كما في «عمدة القاري».

قال: فإن قلت: يجب كون خبر لولا كونًا مطلقًا محذوفًا، كما قاله النحاة، فما باله هنا لم يحذف؟!

قلت: إنَّما يجب الحذف إذا كان الخبر عامًا، وأمَّا إذا كان خاصًا؛ فلا يجب حذفه، قال الشاعر:

~ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد

((قال)) ، وفي رواية: (فقال) : ((ابن الزبير بكفر)) أراد أنَّه: ذكره ابن الزبير بقولها فكأنَّ الأسود نسي ذلك، وأمَّا وقوله: (لنقضت...) إلخ؛ فيحتمل ممَّا نسي أيضًا، أو ممَّا ذكر ورواه المؤلف في (الجهاد) والترمذي بتمامه إلا قوله: (بكفر) ، فقال: بدَّله بجاهلية، فمقصود الأسود إنِّي لمَّا رويت أوَّل الحديث؛ بادر ابن الزبير إلى رواية آخره؛ إشعارًا بأنَّ الحديث معلوم عنده؛ لأنَّه رواه عن عائشة، فلا حاجة إلى ما قاله الكرماني، كما بسطه في «عمدة القاري»، وقوله: (بكفر) يتعلق بقوله: (حديث عهدهم) ، ولكنه من كلام ابن الزبير لا يقال: إنَّه موقوف؛ لأنا نقول: السياق يدلَّ على رفعه، ومن علم أنَّ ابن الزبير روى الحديث المذكور عن عائشة؛ لم يحتج [1] إلى السؤال والجواب؛ فافهم.

وقوله: ((لنقضت الكعبة)) : جواب لولا، ورددتها إلى قواعد إبراهيم عليه السلام، ((فجعلت)) : عطف على (نقضت) ((لها بابين بابٌ)) ؛ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أحدهما باب، وبالنصب بدله أو بيان لبابين ((يدخل الناس)) : جملة وقعت صفة لـ (باب) ، وضمير المفعول محذوف تقديره: يدخله الناس، وفي رواية (يدخل الناس منه) ، ((وباب يخرجون)) وفي رواية: (منه) وعليها لا يقدَّر وعلى الأولى يقدَّر، وفي رواية: (بابًا) في الموضعين؛ بالنصب على البدل أو البيان، كما تقدم.

((ففعله)) ؛ أي: فعل النقض والبابين ((ابن الزبير)) ، وهذه المرة السادسة من بناء البيت؛ لأنَّه بَنَتْهُ أولًا الملائكة، ثمَّ إبراهيم، ثمَّ العمالقة، ثمَّ جُرْهُم، ثمَّ قريش في الجاهلية، وحضر النبيُّ الأعظم عليه السلام هذا البناء وهو ابن خمس وثلاثين أو خمس وعشرين سنة، وفيه سقط على الأرض حين رفع إزاره، ثمَّ بناه ابن الزبير، ثمَّ بناه الحجاج بن يوسف واستمرَّ، وروي أن هارون سأل مالكًا عن هدمها وردُّها إلى بناء ابن الزبير، فقال: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت لعبة للملوك لا يشاء أحد إلا نقضه وبناءه، فتذهب هيبته من صدور الناس.

وفي الحديث دليل: على أنَّه إذا تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذَّر الجمع بينهما؛ تركت المصلحة؛ لأجل المفسدة؛ لأنَّه عليه السلام أخبر أنَّ ردَّ الكعبة إلى قواعد إبراهيم مصلحة، ولكن يعارضه مفسدة أعظم منه، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا؛ لما كانوا عليه من تعظيم البيت، فتركها عليه السلام لذلك.

وفيه: المطابقة للترجمة، كما لا يخفى.

[1] في الأصل (يحتاج).