متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

125- وبالسَّند إلى المؤلِّف رحمه الله قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ)؛ هو ابن القعقاع الدَّارميُّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زيادٍ البصريُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ)، زاد في رواية ابن عساكر: ((بن مهران))، (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيِّ، (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ، (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ رضي الله عنه (قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ)؛ بفتح الخاء المُعجَمَة وكسر الرَّاء، آخره مُوحَّدةٌ، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: بكسرٍ، ثمَّ فتحٍ، جمع خربةٍ، وكلاهما في «فرع اليونينيَّة» كهي [1] ، بل الأوَّل في أصله، والثَّاني في هامشه، مرقومٌ عليه علامة أبي ذَرٍّ والكُشْمِيْهَنِيِّ، وعزا العينيُّ الأوَّل لضبط بعضهم أخذًا عن بعض الشَّارحين، وردَّه: بأنَّه ليس بجمع خربةٍ _كما زعموا_، وإنَّما جمع خَرِبَةٍ: خَرِبٌ [2] ؛ كَكَلِمَةٍ وكَلِمٍ، كما ذكره الصَّغَّانيُّ، وعند المؤلِّف في موضع آخر: بالحاء المُهمَلَة المفتوحة، وإسكان الرَّاء، وبالمُثلَّثة آخره، (وَهُوَ) صلى الله عليه وسلم (يَتَوَكَّأُ): جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا؛ أي: يعتمد (عَلَى عَسِيبٍ)؛ بفتح الأوَّل، وكسر الثَّاني المُهمَلَتين، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره مُوحَّدةٌ؛ أي: عصًا من جريد النَّخل، (مَعَهُ): صفةٌ لـ: «عسيبٍ»، (فَمَرَّ بِنَفَرٍ)؛ بفتح الفاء: عدَّة رجالٍ من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ، (مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ)؛ أي: النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (عَنِ الرُّوحِ، وَقَالَ)، وفي رواية أبي الوقت: ((فقال)) (بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ [3] تَكْرَهُونَهُ)؛ برفع «يجيءُ» على الاستئناف، وهو الذي في «الفرع» كـ: «أصله» [4] فقط، والمعنى: لا يجيء فيه بشيءٍ تكرهونه، وبجزمه: على جواب النَّهي، قال ابن حجرٍ: وهو الذي في روايتنا، والمعنى: لا تسألوه لا يجيء بمكروهٍ، وبنصبه: على معنى: لا تسألوه خشية أن يجيء [5] فيه بشيءٍ، و«لا»: زائدةٌ، وهو ماشٍ [/ج1ص218/] على مذهب الكوفيِّين، (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) لبعضٍ: والله؛ (لَنَسْأَلَنَّهُ) عنها، (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟) وسؤالهم بقولهم: ما الرُّوح؟ مشكلٌ؛ إذ لا يعلم مُرَادهم؛ لأنَّ الرُّوح جاء في التَّنزيل على معانٍ؛ منها: القرآن، وجبريل، أو مَلَكٌ غيره، وعيسى، لكنِ الأكثرون: على أنَّهم سألوه عن حقيقة الرُّوح الذي في الحيوان، ورُوِي: «أنَّ اليهود قالوا لقريشٍ: إن فسَّر الرُّوح؛ فليس بنبيٍّ»؛ ولذا قال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء بشيءٍ تكرهونه؛ أي: إن لم يفسِّره؛ لأنَّه يدلُّ على نبوَّته وهم يكرهونها، (فَسَكَتَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا سألوه، قال ابن مسعودٍ: (فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ) حتَّى لا أكون مشوِّشًا عليه، أو فقمت حائلًا بينه وبينهم، (فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ)؛ أي: انكشف عنه عليه الصلاة والسلام الكرب الذي كان يتغشَّاه حال الوحي، (فقَالَ)، وفي رواية الأربعة: ((قال)): (وَيَسْأَلُونَكَ)؛ بإثبات الواو، كالتنزيل، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: ((يسألونك)) (عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)؛ أي: من الإبداعيَّات الكائنة بـ: «كُنْ» من غير مادَّةٍ وتولُّدٍ من أصلٍ، واقتصر على هذا الجواب، كما اقتصر موسى عليه السلام في جواب: {وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ} [الشعراء: 23] ؛ بذكر بعض صفاته، إذِ الرُّوح لدقَّته لا يمكن معرفة ذاته إلَّا بعوارض تميِّزه عمَّا يلتبس؛ فلذلك اقتصر على هذا الجواب، ولم يبيِّن الماهيَّة؛ لكونها ممَّا استأثر الله بعلمها، ولأنَّ في عدم بيانها تصديقًا لنبوَّة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وقد كثر اختلاف العلماء والحكماء قديمًا وحديثًا في الرُّوح، وأطلقوا أعنَّة النَّظر في شرحه، وخاضوا في غمرات ماهيَّته، والذي اعتمد عليه عامَّة المتكلِّمين من أهل السُّنَّة: أنَّه جسمٌ لطيفٌ في البدن، سارٍ فيه سريان ماء الورد فيه، وعن الأشعريِّ: النَّفس الدَّاخل الخارج، (وَمَا أُوتُوا): بصيغة الغائب في أكثر نسخ «الصَّحيحين»، (مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا) علمًا، أو إيتاءً (قَلِيلًا)، أو إلَّا قليلًا منكم؛ أي: بالنِّسبة إلى معلومات الله تعالى التي لا نهاية لها، (قَالَ الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران: (هَكَذَا فِي)، وفي رواية الحَمُّوييِّ والمُستملي: ((هكذا هي في)) (قِرَاءَتِنَا)؛ أي: أُوتوا بصيغة الغائب، قال ابن حجرٍ: وقد أغفلها أبو عبيدٍ في كتاب «القراءات» له من قراءة الأعمش انتهى. وليست في طرق مجموعي: «المفرد في فنون القراءات» عن الأعمش، وهي مخالفة لخطِّ المصحف، وفي روايةٍ: ((وما أُوتيتم))؛ بالخطاب موافقةً للمرسوم، وهو خطابٌ عامٌّ، أو خاصٌّ باليهود، ويأتي البحث _إن شاء الله تعالى_ في «الرُّوح» في [6] كتاب «التَّفسير» [خ¦4721] ، والله الموفِّق والمعين، والحمد لله وحده [7] .

[1] «كهي»: مثبتٌ من (م).
[2] في (د): «وإنما هو جمع خربة على خرب».
[3] في (ص): «بما».
[4] «كأصله»: سقط من (س)، وفي (د): «وهو الذي في فرع اليونينية».
[5] في (ص): «يجب»، وهو تحريفٌ.
[6] في (ص): «من».
[7] «والحمد لله وحده»: ليس في (د) و(ص).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

125-. حدَّثنا قَيْسُ بنُ حَفْصٍ، قالَ: حدَّثنا عَبْدُ الواحِدِ، قالَ: حدَّثنا الأَعْمَشُ سُلَيْمانُ [1] ، عن إِبْراهِيمَ، عن عَلْقَمَةَ:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: بَيْنا أَنا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في خَرِبِ [2] المَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ علىَ عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فقالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عن الرُّوحِ. وقالَ [3] بَعْضُهُمْ: لا تَسْأَلُوهُ، لا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فقالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ. فَقامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فقالَ: يا أَبا القاسِمِ، ما الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَىَ إِلَيْهِ، فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَىَ عَنْهُ، فقالَ [4] : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُوا [5] مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] . قالَ الأَعْمَشُ: هَكَذا في قِراءَتِنا [6] .

[1] في رواية ابن عساكر زيادة: «بنُ مِهْرانَ».
[2] بفتح الخاء وكسر الراء، وفي رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «خِرَبِ» بكسر الخاء وفتح الراء.
[3] في رواية السمعاني عن أبي الوقت: «فقال».
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «قال».
[5] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وفي رواية [عط] : {أُوتِيتُم } علىَ وفق القراءة المتواترة.
[6] في رواية الحَمُّويِي والمستملي: «هكذا هي قراءتُنا».





125- ( فِي خِرَبِ الْمَدِينَةِ ) بكسر الخاء وفتح الراء وعكسه، قال القاضي: كَذَا رواه البُخاريُّ بخاء معجمة وآخره باء موحدة، ورواه في غير هذا الموضع: «حرث» بحاء مهملة وآخره ثاء مثلثة.

( عَسِيبٍ ) جريد النخل.

( لاَ يَجِيءُ ) قال السهيلي: النصب فيه بعيد؛ لأنَّه على معنى «أن»، ويجوز الجزم على جواب النهي نحو: لا تدنُ من الأسد تسلم، أي: إن لا تدن من الأسد تسلم، وجوَّز أبو القاسم بن الأبرش الرفع على القطع، أي: لا يجيء منه شيء يكرهونه.


125# (خَرِبِ الْمَدِينَةِ) بفتح الخاء المعجمة [1] وكسر الراء، وعكسِهِ.

قال القاضي: كذا رواه البخاري بخاء معجمة وموحدة، ورواه في غير هذا الموضع بحاء مهملة وآخره ثاء مثلثة [2] .

[1] ((المعجمة)): ليست في (د) و(ج).
[2] في (ج): ((وثاء مثلثة آخره)).





125- قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ): هذا هو ابن زياد العبديُّ مولاهم، البصريُّ، عن عاصم الأحول، والأعمش، وعنه: ابن مهديٍّ، ومسدَّد، وقتيبة، قال النَّسائيُّ: (ليس به بأس) ، مات سنة (176 هـ ) ، أخرج له الجماعة.

قال الذَّهبيُّ في «الميزان»: (احتجَّا به في «الصَّحيحين»، وتجنَّبا تلك المناكير التي نُقِمت عليه) ، ثمَّ ذكر ما قيل فيه، وقد تقدَّم الكلام عليه [1] .

قوله: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ): أمَّا (إبراهيم) هذا؛ فهو إبراهيم بن يزيد النَّخعيُّ الكوفيُّ أبو عمران، عن علقمة، وخاله الأسود [2] ، ورأى عائشة، وعنه: الحكم، ومنصور، والأعمش، وخلق، وكان عجبًا في الورع والخير، متوقِّيًا للشهرة [3] ، رأسًا [4] في العلم، تقدَّم بعض ترجمته، وأنَّه تُوفِّي سنة (96 هـ ) ، أخرج له الجماعة.

قوله: (عَنْ عَلْقَمَةَ): هو ابن قيس النَّخعيُّ أبو شبل الفقيه، عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وخلق، وعنه: ابن أخيه عبد الرَّحمن بن يزيد، وابن أخته إبراهيم النَّخعيُّ، وسلمة بن كهيل، وآخرون، قال أبو معمر: (قوموا بنا إلى أشبه الناس بعبد الله هديًا ودلًّا وسمتًا، فقمنا إلى علقمة) ، مات سنة (62 هـ ) ، أخرج له الجماعة.

قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ): هو ابن مسعود الهذليُّ، الصحابيُّ الجليل المشهور، ترجمته معروفة.

قوله: (في خَرَبِ [5] الْمَدِينَةِ): هو بفتح الخاء المعجمة والرَّاء، وبكسرها أيضًا، وبالموحَّدة، كذا في أصلنا الاثنان بالقلم، قال في «المطالع»: (كذا في باب {وَمَا أُوتِيْتُم مِنَ العِلْمِ [6] إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] بجميعهم: «خرب»؛ بالخاء المعجمة) ، قال: (وفي غير هذا الموضع: «في حرث المدينة»، وكذا رواه مسلم، قيل: وهو الصَّواب، ومثله رواية مسلم في حديث آخر: «في نخل») انتهى، وقال ابن الأثير: (الخِرَب: يجوز أن يكون بكسر الخاء، وفتح الرَّاء، جمع: خَرِبَة؛ كنَقِمَة ونِقَم، ويجوز أن يكون جمع: خِرْبة؛ بكسر الخاء، وسكون الرَّاء على التخفيف؛ كنِعْمَة ونِعَم، ويجوز أن يكون الخَرِب: بفتح الخاء، وكسر الرَّاء؛ كنَبِقَة ونبِق، وكَلِمَة وكَلِم، وقد روي: بالحاء المهملة، والثَّاء المثلَّثة؛ يريد به: الموضع المحروث للزراعة) انتهى.

قوله: (يَتَوَكَّأُ): هو بهمزة [7] في آخره.

قوله: (عَسِيْبٍ): هو -بفتح العين، وكسر السِّين المهملة، ثمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثمَّ موحَّدة- عود قضبان النخل يكشطون خوصها، ويتَّخذونها عصِيًّا.

قوله: (لاَ تَسْأَلُوهُ، لاَ يَجِيءُ): قال الدِّمياطيُّ: (قال أبو القاسم بن الأبرش: يجوز في «يجيءُ» ثلاثة أوجه في العربيَّة: النصب على إرادة: أَنْ لا يجيء؛ والتَّقدير: ألَّا يجيء، و«لا» في نيَّة الزيادة؛ نحو: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] ، ويجوز الجزم على الجواب؛ والتَّقدير: إن لا تسألوه؛ لا يجِئْ، فالأوَّل سبب للثاني، ويجوز الرفع على الاستئناف؛ والتَّقدير: إنَّه لا يجيءُ فيه بشيء [8] تكرهونه) انتهى.

قوله: (فَقَامَ إِلَيهِ [9] رَجُلٌ مِنْهُمْ [10] ): هذا الرجل اليهوديُّ لا أعرف اسمه.

[تنبيه: سيجيء فيه تنبيه في (التفسير) في سورة (سبحان) إن شاء الله تعالى] [11] ، (وكذا الكلام على الروح) [12] .

قوله: ({وما أوتوا من العلم إلا قليلًا} [الإسراء: 85] قَالَ الأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا [13] ): كذا قرأ عبد الله والأعمش: بِضَمِير الغيبة.

[1] (عليه): ليس في (ب) .
[2] في (ج): (والأسود) .
[3] في (ج): (في الشهرة) .
[4] في (ب): (ورأسًا) .
[5] في (ق): (خرب) ، وفي هامشها: (كلاهما صحيح، قاله عياض) .
[6] (من العلم): مثبت من (ب) .
[7] في (ج): (بهمز) .
[8] في (ب) و (ج): (شيء) .
[9] (إليه): ليس في «اليونينيَّة» و (ق) .
[10] (منهم): ليس في (ب) .
[11] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[12] ما بين قوسين ليس في (ب) و (ج) .
[13] في هامش (ق): («هكذا في قرآتنا»: أي: في القرآن) .





125- (فمَرَّ): إِنْ قلتَ: ما جوابُ (بَيْنَا) والعاملُ فيه؛ إذِ الفاءُ الجزائيَّةُ تَمنعُ عملَ ما بعدَها فيما قبلَها، فلا تعمل (مَرَّ) في (بَيْنَا) ؟

قلتُ: لا نُسلِّمُ أنَّها جزائيَّةٌ؛ إذْ ليس في (بَيْنَ) معنى المجازاةِ الصَّريحةِ؛ بل فيه رائحةٌ منها، سلَّمنا، لكن لا نسلِّمُ أنَّ ما بعدَ الفاءِ الجزائيَّةِ لا يعملُ فيما قبلَها، قالوا: العاملُ في (زَيدًا) في قولنا: (أمَّا زيدًا [1] فأنا ضاربٌ) هو (ضاربٌ)، سلَّمنا، لكن في الظَّرفِ اتِّساعٌ؛ فيجوزُ فيه ما لا يجوزُ في غيرِه، سلَّمنا ذلك، ونقول: العاملُ فيه هو (مَرَّ) مقدَّرًا، والمذكورُ مفسِّرٌ له، أو نقول: بين الفاء و (إِذَا) أُخوَّةٌ؛ حيثُ استُعملَ (إِذَا) موضعَ الفاء في نحو قوله تعالى: {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36] ، وههنا أيضًا استُعملَ الفاء في موضع (إِذَا).

ثمَّ اعلم أنَّ السُّؤَالَ مشتركُ الإلزامِ؛ إذْ هو بعينه واردٌ في (إِذْ) و (إِذَا) حيثُ وقعَ شيءٌ منهما جوابًا لـ (بَيْنَ) ؛ لأنَّ (إِذْ) و (إِذَا) أيًّا كان هو مضافٌ إلى ما بعدَه، والمضافُ إليه لا يعملُ في المضاف، فبالطَّريقِ الأَولى لا [2] يعملُ في المقدَّم على المضافِ، فما هو جوابُكم في (إِذْ) ؛ فهو جوابُنا في الفاء.

(لَا يَجِيءَ): بالنَّصبِ على إرادةِ: أنْ لا يجيءَ، والتَّقديرُ: أنْ لا يجيءَ، و (لَا) في نِيَّةِ الزِّيادة؛ نحو: {مَا مَنَعَكَ أَن لا تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] ، والجزمِ على الجوابِ، والتَّقديرُ: إنْ لا تسألوه لا يَجِئْ، فالأوَّلُ سببٌ للثَّاني، والرَّفعِ على الاستئنافِ، والتَّقديرُ: إنَّه لا يجيءُ. انتهى، قاله ابن الأبرش.

وعن السُّهيليِّ أنَّه قال: (النَّصبُ فيه بعيدٌ؛ لأنَّه على معنى: أَنْ).

وقال البِرماويُّ: (قلتُ: إذا قُدِّر في النَّصب أنَّ «لَا» زائدةٌ، والأصلُ: لا تسألوه إرادةَ أَنْ يجيءَ؛ ساغَ على رأيِ الكوفيين).

(لَنَسْأَلَنَّهُ): جوابٌ لقَسَمٍ محذوفٍ.

[1] في النسختين: (زيد) في الموضعين.
[2] (لا): مضروبٌ عليها في (ب).





125- وبالسَّند إلى المؤلِّف رحمه الله قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ)؛ هو ابن القعقاع الدَّارميُّ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زيادٍ البصريُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ)، زاد في رواية ابن عساكر: ((بن مهران))، (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيِّ، (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ، (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ رضي الله عنه (قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ)؛ بفتح الخاء المُعجَمَة وكسر الرَّاء، آخره مُوحَّدةٌ، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: بكسرٍ، ثمَّ فتحٍ، جمع خربةٍ، وكلاهما في «فرع اليونينيَّة» كهي [1] ، بل الأوَّل في أصله، والثَّاني في هامشه، مرقومٌ عليه علامة أبي ذَرٍّ والكُشْمِيْهَنِيِّ، وعزا العينيُّ الأوَّل لضبط بعضهم أخذًا عن بعض الشَّارحين، وردَّه: بأنَّه ليس بجمع خربةٍ _كما زعموا_، وإنَّما جمع خَرِبَةٍ: خَرِبٌ [2] ؛ كَكَلِمَةٍ وكَلِمٍ، كما ذكره الصَّغَّانيُّ، وعند المؤلِّف في موضع آخر: بالحاء المُهمَلَة المفتوحة، وإسكان الرَّاء، وبالمُثلَّثة آخره، (وَهُوَ) صلى الله عليه وسلم (يَتَوَكَّأُ): جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا؛ أي: يعتمد (عَلَى عَسِيبٍ)؛ بفتح الأوَّل، وكسر الثَّاني المُهمَلَتين، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره مُوحَّدةٌ؛ أي: عصًا من جريد النَّخل، (مَعَهُ): صفةٌ لـ: «عسيبٍ»، (فَمَرَّ بِنَفَرٍ)؛ بفتح الفاء: عدَّة رجالٍ من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ، (مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ)؛ أي: النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (عَنِ الرُّوحِ، وَقَالَ)، وفي رواية أبي الوقت: ((فقال)) (بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ [3] تَكْرَهُونَهُ)؛ برفع «يجيءُ» على الاستئناف، وهو الذي في «الفرع» كـ: «أصله» [4] فقط، والمعنى: لا يجيء فيه بشيءٍ تكرهونه، وبجزمه: على جواب النَّهي، قال ابن حجرٍ: وهو الذي في روايتنا، والمعنى: لا تسألوه لا يجيء بمكروهٍ، وبنصبه: على معنى: لا تسألوه خشية أن يجيء [5] فيه بشيءٍ، و«لا»: زائدةٌ، وهو ماشٍ [/ج1ص218/] على مذهب الكوفيِّين، (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) لبعضٍ: والله؛ (لَنَسْأَلَنَّهُ) عنها، (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟) وسؤالهم بقولهم: ما الرُّوح؟ مشكلٌ؛ إذ لا يعلم مُرَادهم؛ لأنَّ الرُّوح جاء في التَّنزيل على معانٍ؛ منها: القرآن، وجبريل، أو مَلَكٌ غيره، وعيسى، لكنِ الأكثرون: على أنَّهم سألوه عن حقيقة الرُّوح الذي في الحيوان، ورُوِي: «أنَّ اليهود قالوا لقريشٍ: إن فسَّر الرُّوح؛ فليس بنبيٍّ»؛ ولذا قال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء بشيءٍ تكرهونه؛ أي: إن لم يفسِّره؛ لأنَّه يدلُّ على نبوَّته وهم يكرهونها، (فَسَكَتَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا سألوه، قال ابن مسعودٍ: (فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ) حتَّى لا أكون مشوِّشًا عليه، أو فقمت حائلًا بينه وبينهم، (فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ)؛ أي: انكشف عنه عليه الصلاة والسلام الكرب الذي كان يتغشَّاه حال الوحي، (فقَالَ)، وفي رواية الأربعة: ((قال)): (وَيَسْأَلُونَكَ)؛ بإثبات الواو، كالتنزيل، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: ((يسألونك)) (عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)؛ أي: من الإبداعيَّات الكائنة بـ: «كُنْ» من غير مادَّةٍ وتولُّدٍ من أصلٍ، واقتصر على هذا الجواب، كما اقتصر موسى عليه السلام في جواب: {وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ} [الشعراء: 23] ؛ بذكر بعض صفاته، إذِ الرُّوح لدقَّته لا يمكن معرفة ذاته إلَّا بعوارض تميِّزه عمَّا يلتبس؛ فلذلك اقتصر على هذا الجواب، ولم يبيِّن الماهيَّة؛ لكونها ممَّا استأثر الله بعلمها، ولأنَّ في عدم بيانها تصديقًا لنبوَّة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وقد كثر اختلاف العلماء والحكماء قديمًا وحديثًا في الرُّوح، وأطلقوا أعنَّة النَّظر في شرحه، وخاضوا في غمرات ماهيَّته، والذي اعتمد عليه عامَّة المتكلِّمين من أهل السُّنَّة: أنَّه جسمٌ لطيفٌ في البدن، سارٍ فيه سريان ماء الورد فيه، وعن الأشعريِّ: النَّفس الدَّاخل الخارج، (وَمَا أُوتُوا): بصيغة الغائب في أكثر نسخ «الصَّحيحين»، (مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا) علمًا، أو إيتاءً (قَلِيلًا)، أو إلَّا قليلًا منكم؛ أي: بالنِّسبة إلى معلومات الله تعالى التي لا نهاية لها، (قَالَ الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران: (هَكَذَا فِي)، وفي رواية الحَمُّوييِّ والمُستملي: ((هكذا هي في)) (قِرَاءَتِنَا)؛ أي: أُوتوا بصيغة الغائب، قال ابن حجرٍ: وقد أغفلها أبو عبيدٍ في كتاب «القراءات» له من قراءة الأعمش انتهى. وليست في طرق مجموعي: «المفرد في فنون القراءات» عن الأعمش، وهي مخالفة لخطِّ المصحف، وفي روايةٍ: ((وما أُوتيتم))؛ بالخطاب موافقةً للمرسوم، وهو خطابٌ عامٌّ، أو خاصٌّ باليهود، ويأتي البحث _إن شاء الله تعالى_ في «الرُّوح» في [6] كتاب «التَّفسير» [خ¦4721] ، والله الموفِّق والمعين، والحمد لله وحده [7] .

[1] «كهي»: مثبتٌ من (م).
[2] في (د): «وإنما هو جمع خربة على خرب».
[3] في (ص): «بما».
[4] «كأصله»: سقط من (س)، وفي (د): «وهو الذي في فرع اليونينية».
[5] في (ص): «يجب»، وهو تحريفٌ.
[6] في (ص): «من».
[7] «والحمد لله وحده»: ليس في (د) و(ص).





125- ( خِرَبِ الْمَدِينَةِ ): بكسر الخاء المعجمة وفتح الرَّاء، وعكسه، جمع خربة، ضدُّ العامرة، وفي التَّفسير: «حَرْث» بفتح المثلَّثة وإسكان الرَّاء بعدها مثلَّثة. [خ:7462]

( يَتَوَكَّأُ ): يعتمد.

( عَسِيبٍ ): بمهملتين آخره موحَّدة، بوزن عظيم: عصًا من جريد النَّخل لا خوص فيها.

( لاَ يَجِئ ): بالجزم: جواب النَّهي، ويجوز النَّصب، أي: لئلَّا يجيء، والرَّفع استئنافًا.

( انْجَلَى ) أي: الكرب، الذي كان يتغشَّاه حال الوحي. [/ج1ص285/]

( وَمَا أُوتُوا ) هكذا في جميع الرِّوايات هنا.

تنبيه:

يخالف هذا ما في التِّرمذيِّ بسند صحيح عن ابن عبَّاس قال: «قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل هذا الرَّجل، فقالوا: سلوه عن الرُّوح، فسألوه، فأنزل الله: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ } الآية [الإسراء:85] ».

قال ابن حجر: ويمكن الجمع بتعدُّد النُّزول، ويحمل سكوته في المرَّة الثَّانية على توقُّع مزيد بيان في ذلك. [/ج1ص286/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

125# حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، ثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، ثَنَا

@%ص265%

الأَعْمَشُ، ثنا إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي خَرِبِ المَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ تَسْأَلُوهُ، لاَ يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، قَالَ: «{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُوا مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً}».

قَالَ الأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا.

أخرجه البخاري هنا عن قيس بن حفص، وفي «التوحيد» عن موسى بن إسماعيل، كلاهما عن عبد الواحد بن زياد، وفي «التفسير» عن عمر بن حفص عن أبيه، وفي «الاعتصام» في «باب ما يكره من كثرة السؤال وتَكلُّف ما لا يعنيه» عن محمد بن عبيد بن ميمون، عن عيسى بن يونس، وفي «التوحيد» عن يحيى، عن وكيع.

ورواه مسلم في «الرقاق» عن عمر بن حفص، عن أبيه، وعن أبي بكر والأشج عن وكيع، وعن إسحاق وابن خشرم عن عيسى، كلهم عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله.

وجاء فيه في «الاعتصام»: «لا تسألوه لا يسمعكم ما تكرهون».

قوله: «وَمَا أُوتُوا» كذا جاء في هذه الرواية وثبته البخاري، يقول الأعمش: «هي كذا في قراءتنا».

قال النواوي: «أكثر نسخ البخاري ومسلم: وما أوتوا، وذكر مسلم الاختلاف في هذه اللفظة عن الأعمش، فرواه عن وكيع على القراءة المشهورة، ورواه عيسى بن يونس عنه: وما أوتوا».

قال القاضي عياض: اختلف المحدثون فيما وقع من ذلك، فذهب بعضهم إلى الإصلاح على

@%ص266%

الصواب، واحتج بأنه إنما قصد به الاستدلال على ما سيقت بسببه، ولا حجة إلا في الصحيح الثابت في المصحف، وقال قوم: تترك على حالها وينبه عليها، لأن من البعيد خفاء ذلك على المؤلف ومن نقل عنه وهلم جراً، فلعلها قراءة شاذة.

قال عياض: هذا ليس بشيء لأن الشاذ مروي لكنه يقال ولا يحتج به في حكم ولا يقرأ في صلاة.

قال: واختلف أصحاب الأصول فيما نُقِلَ آحاداً، ومنه القراءة الشاذة كمصحف ابن مسعود وغيره، هل هو حجة أم لا؟ فنفاه الشافعي، وأثبته أبو حنيفة وبنى عليه وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين بما نقل عن مصحف ابن مسعود من قوله: (ثلاثة أيام متتابعات)، وبقول الشافعي قال الجمهور، واستدلوا بأن الراوي له إن ذكره على أنه قرآن فخطأ، وإلا فهو متردد بين أن يكون خبراً أو مذهباً له، فلا يكون حجة بالاحتمال ولا خبراً؛ لأن الخبر ما صرح الراوي فيه بالتحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيحمل على أنه مذهب له.

وقال أبو حنيفة: إذا لم يثبت كونه قرآناً فلا أقل من كونه خبراً.

والجواب: أن خبر الواحد لا دليل على كونه كذباً، وهذا خطأ قطعاً، والخبر المقطوع بكذبه لا يجوز أن يعمل به، ونقله قرآناً خطأ، هذا كلام الغزالي والفخر الرازي وغيرهما.

قوله: «فِي خَرِبِ المَدِينَةِ» قال القاضي عياض: رواه البخاري هنا بالخاء والباء المعجمتين، ورواه في غير هذا الموضع: «حرث» بالحاء المهملة والثاء المثلثة، وكذا رواه مسلم في جميع طرقه، قال بعضهم: وهو الصواب.

والعسب:

@%ص267%

جريد النخل، وهو عود قضبان النخل يكشطون خوصها ويتخذونها عصيا، والمعنى: معتمد على جريدة نخل، كانوا يكتبون في طرفه العريض منه، ومنه قوله في الحديث: «فجعلت أتتبعه في العسب» يعني: القرآن.

قوله: «مَا الرُّوحُ؟» هذا من المشكل؛ إذ لا يعلم سؤالهم ومرادهم، لأن الروح جاء في القرآن على معان، قال الله تعالى: {نزل به الروح الأمين } [الشعراء:193] وقال: {تنزل الملائكة والروح فيها} [القدر:4]، وقال: {روحا من أمرنا} [الشورى:52] {يوم يقوم الروح} [النبأ:38].

فلو عينوا سؤالهم لأمكنه أن يجيبهم، قال: قال هذا القائل: ويمكن أن يكون سؤالهم عن روح بني آدم؛ ومذكور في التوراة أنه لا يعلمه إلا الله تعالى، وقالت اليهود: إن فسر الروح فليس بنبي، فلذلك لم يجبهم.

قال عياض وغيره: اختلف المفسرون في الروح المسؤول عنها، فقيل: سألوه عن عيسى، فقال لهم: الروح من أمر الله، أي: إنما هو شيء من أمر الله وخلقه، لا كما تقول النصارى، وكان ابن عباس يكتم تفسير الروح. وعن ابن عباس وعلي: هو ملك من الملائكة يقوم صفاً، وتقوم الملائكة صفاً، قال الله تعالى: {يوم يقوم الروح والملائكة صفاً} [النبأ:38]، وقيل: جبريل، وقيل: القرآن، لقوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} [الشورى:52].

وقال أبو صالح: هو خلق كخلق بني آدم ليسوا ببني آدم لهم أيد وأرجل.

وقيل: طائفة من الخلق لا ينزل ملك إلى الأرض إلا نزل معه أحدهم.

وقيل: ملك له أحد عشر ألف جناح، وألف وجه يسبح الله تعالى إلى يوم القيامة.


وقيل: علم الله أن الأصلح لهم أن لا يخبرهم ما هو، لأن اليهود قالوا:

@%ص268%

إن فسر الروح فليس بنبي، وهذا معنى قوله: «لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه»، فقد جاءهم بذلك لأن عندهم في التوراة كما ذكره لهم أنه من أمر الله تعالى، لن يطلع عليه أحد.

وذكر ابن إسحاق أن نفراً من اليهود قالوا: «يا محمد أخبرنا عن أربعٍ نسألك عنهن» وذكر الحديث، وفيه: «قالوا: فأخبرنا عن الروح، قال: أنشدكم بالله هل تعلمون جبريل، وهو الذي يأتيني؟ قالوا: اللهم نعم، ولكنه يا محمد هو لنا عدو، وهو ملك يأتي بالشدة وسفك الدماء، ولولا ذلك لاتبعناك، فأنزل الله: {من كان عدواً لجبريل} [البقرة:97]، قال بعضهم: هذا يدل أن سؤالهم عن الروح الذي هو جبريل، والله أعلم.

وأما روح ابن آدم فقد قال المازري: الكلام على الروح مما يدق، وقد أُلِّفَتْ فيه التواليف، وأشهرها ما قاله الأشعري: إنه النفس الداخل والخارج.

وقال القاضي أبو بكر: هو متردد بين ما قاله الأشعري وبين الحياة.

وقيل: جسم مشارك للأجسام الظاهرة والأعضاء الظاهرة.

وقيل: جسم لطيف خلقه الباري سبحانه، وأجرى العادة بأن الحياة لا تكون مع فقده فإذا شاء الله موته أعدم هذا الجسم منه عند انعدام الحياة، وهذا الجسم وإن كان حياً فلا يحيى إلا بحياة تختص به، وهو مما يصح عليه البلوغ إلى جسم ما من الجسم [1]، ويكونه في مكان في العالم، أو في حواصل طير خضر، إلى غير ذلك مما وقع في الظواهر، إلى غيره من جواهر القلب والجسم الحيَّة.

وقال غيرهما: هو الدم، وقد ذكر بعضهم في الروح سبعين قولاً.

وأما

@%ص269%

الآية الكريمة فقد قال أكثر العلماء ليس فيها دليل على أن الروح لا تعلم، ولا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلمها.

قوله: «لاَ تَسْأَلُوهُ، لاَ يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ» جُوِّز فيه النصب على معنى: لا تسألوه إرادة أن لا يجيء فيه، ولا زائدة، وهذا ماشٍ على مذهب الكوفيين، والجزم على الجواب، تقديره: أن لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء، فالأول سبب للثاني، وجوز بعضهم الرفع على القطع، التقدير: لا يجيء فيه بشيء تكرهونه.

والروح: تذكر وتؤنث، واختلف هل الروح والنفس شيء واحد أم لا؟

وفي السند:

قيس بن حفص بن القعقاع الدارمي.

أخرج البخاري في «العلم» و«اللباس»، و«الجزية»، و«بدء الخلق» وغيره، عنه، عن عبد الواحد بن زياد، وخالد بن الحارث، وابن علية، وروى عنه في غير البخاري أحمد بن سعيد الدارمي، وأبو زرعة، وأبو حاتم.

قال يحيى بن معين: «ثقة»، وقال أحمد بن عبد الله: «لا بأس به»، وقال أبو حاتم: «شيخ».

وهو شيخ للبخاري، انفرد بالإخراج عنه عن أئمة الكتب الخمسة، وليس في مشايخهم من اسمه قيس.

توفي سنة سبع وعشرين ومئتين.

[1] كذا في الأصل، وفي «عمدة القاري»: «الأجسام».





125# معناه (خَرِبِ): [وقال القاضي عياض: كذا رواه البخاريُّ هنا، ورواه في غير هذا] الموضع [1] : (حرث).

(العَسِيْب): جريد النَّخل، وهو عود قضبان النَّخل، يكشطون خوصها، ويتَّخذونها عصيًّا، والمعنى: معتمد على جريدة نخل.

قوله: (الرُّوْح): اختُلِف هل الرُّوح والنَّفس واحدٌ أم لا؟ والرُّوح جاء في القرآن على معانٍ، وسؤالهم عن روح بني آدم؛ لأنَّ في التُّوراة أنَّه لا يعلمه إلا الله، فقالوا: إن فسَّرها؛ فليس بنبيٍّ؛ فلذلك لم يجبهم.

اختلف المفسرون في الرُّوح المسؤول عنها؛ فقيل: سلوه عن عيسى، فقال لهم: الرُّوح من أمر الله، وكان ابن عبَّاس يكتم تفسيره، وعن عليٍّ: هو مَلَك من الملائكة يقوم صفًّا، وتقوم الملائكة صفًّا، وقيل: جبريل، وقيل: القرآن؛ لقوله: {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى:52] .

قوله: (لا تسألوه لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ): فقد جاءهم ذلك؛ لأنَّ عندهم في التَّوراة كما ذُكِر أنَّه من أمر الله لن يطلع عليه أحدٌ، لمَّا سألوه عن الروح؛ قال عليه الصلاة والسَّلام: أنشدكم بالله هل تعلمون جبريل وهو الذي يأتيني؟ قالوا: اللَّهم نعم، ولكنَّه يا محمَّد لنا عدوٌّ، وهو ملك يأتي بالشِّدَّة ويسفك الدِّماء، ولولا ذلك؛ لاتَّبعناك فأنزل الله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ}...؛ الآية [البقرة:97] .

وقوله: ({وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85] ): يدلُّ على أنَّ من العلم أشياء لم يُطلِع الله عليها نبيًّا ولا غيره، أراد الله تعالى: أن يختبر خلقه فيوقفهم على العجز عن علم ما لا يدركون؛ حتى يضطَّرهم إلى ردِّ العلم إليه، ألا تسمع إلى قوله تعالى: {ولَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة:255] ؟

[1] في الأصل: (موضع).





125- وبه قال: ((حدثنا قيس بن حفص)) بن القعقاع؛ بعين مهملة بين القافين، الدارمي أبو محمد البصري، المتوفى سنة سبع وعشرين ومئتين، ((قال: حدثنا عبد الواحد)) : هو ابن زياد أبو بشر البصري، ((قال: حدثنا الأعمش سليمان)) ، وفي رواية زاد: (ابن مهران) ((عن إبراهيم)) : هو ابن يزيد النخعي، ((عن علقمة)) : هو ابن قيس النخعي، ((عن عبد الله)) : هو ابن مسعود رضي الله عنه.

((قال بينا)) أصلها: بين؛ فأشبعت الفتحة بالألف، والعامل فيها: جوابها وهو قوله: (فمرَّ...) إلخ: لا يقال: الفاء الجزائية تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها، فلا يعمل مرَّ في (بينا) ؛ لأنا نقول: بين الفاء وإذا أخوة؛ حيث استعملت الفاء هنا موضع إذا، والغالب أنَّ جواب (بينا) يكون بإذا أو إذا، وإن كان الأصمعي يستفصح تركهما، وتمامه في «عمدة القاري».

((أنا أمشي مع النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: مصاحبًا له ((في خِرَب المدينة)) المنورة؛ بكسر الخاء المعجمة، وفتح الراء، آخره موحدة، جمع: خربة، أو بفتح الخاء، وكسر الراء؛ جمع: خرب؛ مثل: كلمة وكلم يستوي فيه المفرد والجمع، وتحقيقه في «عمدة القاري»، وما زعمه ابن حجر مخالف لأهل اللغة، وعند المؤلف في غير هذا الموضع: (حَرْث بالمدينة) ؛ بالحاء المهملة المفتوحة، وسكون الراء، والثاء المثلثة، وكذا رواه مسلم في جميع طرقه.

((وهو)) عليه السلام ((يتوكأ)) ؛ أي: يعتمد، والجملة إسمية وقعت حالًا ((على عَسِيْب)) ؛ بفتح العين، وكسر السين المهملتين، وسكون التحتية، وهو العصا من جريد النخل ((معه)) : صفة لـ (عسيب) ، ((فمر بنفَر)) ؛ بفتح الفاء: عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة ((من اليهود)) ؛ باللام وبدونها معرفة، والمراد به: اليهوديون فحذفوا النسبة؛ للفرق بين المفرد والجمع، وسمُّوا بذلك؛ لتهوُّدهم؛ أي: تمايلهم في قراءة التوراة، وهذا بيان لـ (النفر) .

((فقال بعضهم لبعض سلوه)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام ((عن الروح)) ، وعن فئة فقدوا في أول الزمان، وعن رجل بلغ مشرق الأرض ومغربها، ((وقال)) وفي رواية: (فقال) ((بعضهم: لا تسألوه لا يجيء)) ؛ بالرفع على الاستئناف، والجزم على جواب النهي، والنصب على معنى: أن ((بشيء تكرهونه)) ، فإنهم قالوا: إن فسَّر ذلك كله؛ فليس بنبي، وإن لم يفسر ذلك؛ فليس بنبي، وإن فسَّر البعض وأمسك عن البعض؛ فهو نبي، وذلك يكرهونه؛ لأنَّه مذكور عندهم في التوراة، وهو دليل على نبوته.

((فقال بعضهم)) لبعض والله: ((لنسألنه)) عن ذلك، فهو جواب قسم محذوف، ((فقام رجل منهم)) لم يسم، ((فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟)) وما الفئة التي فقدوا أول الزمان، وما الرجل الذي بلغ مشرق الأرض ومغربها، وسؤالهم عن الروح مشكل؛ لأنَّ الروح جاء في القرآن على معان منها: القرآن، وجبريل، أو الملائكة، أو عيسى، أو ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه يسبح الله إلى يوم القيامة، وكان ابن عباس يكتم أمر الروح، والتحقيق أنَّ سؤالهم كان عن روح بني آدم وغيره من الحيوان؛ لأنَّه مذكور عندهم في التوراة أنَّه لا يعلمه إلا الله.

((فسكت)) عليه السلام لمَّا سألوه، قال ابن عباس ((فقلت)) في نفسي: ((إنه يوحى إليه)) في ذلك؛ أي: أوحي إليه، وعبَّر بالمضارع عن الحال، ((فقمت)) عنه حتَّى لا أكون مشوِّشًا عليه، أو فقمت حائلًا بينه وبينهم، ((فلما انجلى)) ؛ أي: انكشف وذهب ((عنه)) عليه السلام الغمُّ الذي كان يغشاه حال الوحي على عادته عليه السلام.

((فقال)) وفي رواية: (قال: {أَمْ حَسِبْتَ [1] أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ}... [الكهف: 9] ) إلى آخر القصة، و (قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القَرْنَيْنِ}... [الكهف: 83] ) إلى آخر القصة، وقال: (({وَيَسْأَلُونَكَ})) ؛ بإثبات الواو كالتنزيل، وفي رواية: بدونها (({عَنِ الرُّوحِ قُلِ})) يا محمد لهم (({الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي})) ؛ أي: من الأمور التي اختصَّ الله بعلمها.

والأكثر على أنَّ النبي الأعظم عليه السلام لم يكن عالمًا به، لكن قال جماعة: ليس في الآية دليل على أن الروح لا تعلم، ولا على أن النبي الأعظم عليه السلام لم يكن يعلمها، فاختلفوا فيها فقيل: إنَّها جسم لطيف خلقه الله تعالى وأجرى العادة بأنَّ الحياة لا تكون مع فقده، فإذا شاء موته؛ أعدم هذا الجسم منه عند إعدام الحياة، وهذا الجسم وإن كان حيًّا فلا يحيى إلا بحياة تختصُّ به، وهو ممَّا يصحَّ عليه البلوغ إلى جسم ما من الجسم، وبكونه في مكان في العالم أو في حواصل طيور [2] خضر.

وقيل: إنَّه صورة لطيفة على صورة الجسم لها عينان، وأذنان، ويدان، ورجلان في داخل الجسم يقابل كلُّ جزء منه وعضو نظيره من البدن، وهو خيال، وقيل: إنَّها جوهر محدث قائم بنفسه غير متحيِّز وإنَّه ليس بداخل الجسم ولا خارج عنه، وليس متصلًا به، ولا منفصلًا عنه، واعترض عليه بوجوه.

والذي اعتمده أهل السنة من المتكلَّمين: أنَّها جسم لطيف في البدن سار فيه سريان ماء الورد فيه، وقد ذكر بعضهم في الروح سبعين قولًا، واختلف هل الروح والنفس واحد أم لا؟ والأصح أنَّهما متغايران؛ لأنَّ النفس الإنسانية هي الأمر الذي يشير إليه كل واحد منا بقوله: أنا، وأكثر الفلاسفة لم يفرَّقوا بينهما، وقال بعض الحكماء والغزالي: النفس المجردة؛ أي: غير جسم ولا جسماني.

((«وما أوتوا»)) ؛ بصيغة الغائب في أكثر نسخ «الصحيحين»، وفي رواية: ({وَمَا أُوتِيتُم}) ؛ بالخطاب؛ موافقةً للمرسوم (({مِّنَ العِلْمِ})) ، وهو خطاب عامٌّ؛ لأنَّه عليه السلام لمَّا قال لهم ذلك؛ قالوا: (نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؛ فقال: «بل نحن وأنتم») ، وقيل: خطاب لليهود خاصة؛ لأنَّهم قالوا للنبي الأعظم عليه السلام: (قد أوتينا التوراة فيها، وقد تلوت {وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] ) ، فقيل لهم: إن َّعلم التوراة قليل في جنب علم الله تعالى، ولذا قال (({إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] )) : استثناء من (العلم) ؛ أي: إلا علمًا قليلًا، أو من الإيتاء؛ أي: إلا إيتاءً قليلًا، أو من الضمير؛ أي: إلا قليلًا منكم.

((قال الأعمش)) ؛ أي: سليمان بن مهران: ((هكذا في)) ، وفي رواية: (كذا في) ، وفي أخرى: (هكذا هي في) ((قراءتنا)) ؛ يعني: (أوتوا) ؛ بصيغة الغائب، قال في «عمدة القاري»: وليست هذه القراءة في السبعة، ولا في المشهور في غيرها، وقد أغفلها أبو عبيد في كتاب القراءة من قراءة الأعمش، وذكر مسلم الاختلاف في هذه اللفظة عن الأعمش، وهي مخالفة للثابت في المصحف؛ فهي قراءة شاذة.

واختلف الأصوليِّون فيما نقل آحادًا، ومنه: القراءة الشاذة؛ كمصحف ابن مسعود وغيره هل هو حجَّة أم لا؟

فأثبته إمامنا الإمام الأعظم والجمهور، ونفاه الشافعي، وبنى عليه الإمام الأعظم وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين؛ بما نقل عن مصحف ابن مسعود من قوله: (ثلاثة أيام متتابعات) ، فإذا لم يثبت كونه قرآنًا؛ فلا أقلَّ من كونه خبرًا، وقال الشافعي: إنَّ الراوي له إن ذكر أنه قرآن؛ فخطأ، وإلَّا فهو متردِّد بين أن يكون خبرًا أو مذهبًا له،[/ص82/] فلا يكون حجَّة بالاحتمال ولا خبرًا.

وقال الغزالي والرازي: خبر الواحد دليل على أنَّه كذب، وهو خطأ قطعًا، وهو لا يجوز العمل به، وردَّ بأن هذا خبر صحابي أو خبر عنه، وقول الصحابي حجة عنده، وأيُّ دليل قام على أنَّه خبر مقطوع بكذبه؛ فهو ممنوع؛ فليحفظ.

وقال عياض: (القراءة الشاذة لا يحتجُّ بها في حكم، ولا يقرأ بها في صلاة) ، وكأنَّه مذهب مالك.

أقول: والقرآن الذي تجوز فيه الصلاة اتفاقًا: هو المضبوط في مصاحف [3] الأئمة التي بعث بها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار، وهو الذي أجمع عليها الأئمة العشرة، وهو المتواتر جملة وتفصيلًا؛ فما فوق السبعة إلى العشرة غير شاذٍّ، وإنَّما الشاذُّ ما وراء العشرة، وهو الصحيح، كذا قاله زين الدين قاسم في فتاويه، فإن قرأ في الصلاة بالشاذِّ؛ فإن كان المقروء من مكان القصص، والأمر، والنهي؛ تفسد صلاته، وإن كان ذكرًا أو تنزيهًا؛ فلا تفسد ولا يجزئ لو اقتصر عليه، فإن قرأ بغيره؛ صحَّت وإلا فسدت، كذا حقَّقه في «البحر والنهر»، وسيأتي في محله إن شاء سبحانه.

[1] في الأصل: (حسبتم) .
[2] في الأصل: (صيور) .
[3] في الأصل: (المصاحف) .