إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: قام موسى النبي خطيبًا في بني إسرائيل

122- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو الجعفيُّ المُسنَدِيُّ؛ بفتح النُّون (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية ابن عساكر: ((أخبرنا)) (عَمْرٌو) بفتح العَيْن، وهو ابن دينارٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدَة (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما: (إِنَّ نَوْفًا) بفتح النُّون وسكون الواوِ آخره فاءٌ، منصوبًا اسم «إنَّ»، منصرفًا في الفصحى، بطنٌ من العرب، ولئن سلَّمنا عُجمته [1] فمنصرفٌ أيضًا، وإنَّما صُرِف لكونه ثلاثيًّا لسكون وسطه؛ كنوحٍ ولوطٍ، واسم أبي نوفٍ فَضَالة _بفتحتين_ القاصُّ (الْبكَالِيَّ) بكسر المُوحَّدَة وفتحها وتخفيف الكاف، وحُكِيَ: تشديدها مع فتح المُوحَّدَة، وعَزَاه في «المطالع» لأكثر المحدِّثين، والصَّواب: التَّخفيف نسبةً إلى بني بكَالٍ؛ بطنٌ من حِمْيَر، وهو نصبٌ نعتًا لـ «نوفٍ»، وكان تابعيًّا عالمًا، إمامًا لأهل دمشق، وهو ابن امرأة كعب الأحبار على المشهور (يَزْعُمُ أَنَّ) بفتح الهمزة مفعول يزعم، أي: يقول: إنَّ (مُوسَى) صاحب الخضر (لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) المُرسَل إليهم، والباء زائدةٌ للتَّوكيد حُذِفَت في رواية الأربعة، وأُضِيف لـ «بني إسرائيل» مع العلميَّة لأنَّه نُكِّر بأَنْ أُوِّلَ بواحدٍ من الأمَّة المُسمَّاة به، ثمَّ أُضِيف إليه (إِنَّمَا هُوَ مُوسًى آخَرُ) بتنوين «موسى» لكونه نكرةً، فانصرف لزوال علميَّته، وفي روايةٍ بترك التَّنوين، قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا في روايتنا بغير تنوين فيهما، وهو عَلَمٌ على شخصٍ مُعيَّنٍ، قالوا: إنَّه موسى بن مِيْشا؛ بكسر الميم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وبالشِّين المُعجَمَة (فَقَالَ) ابن عبَّاسٍ: (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ) نوفٌ، خرج منه مخرج الزَّجر والتَّحذير لا القدح في نوفٍ لأنَّ ابن عبَّاسٍ قال ذلك في حال غضبه، وألفاظ الغضب تقع على غير الحقيقة غالبًا، وتكذيبه له لكونه قال غير الواقع، ولا يلزم منه تعمُّده (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: ((حدَّثني)) (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) الصَّحابيُّ رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) أنَّه (قَالَ: قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) حال
ج1ص213
كونه (خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟) أي: منهم، على حدِّ الله أكبر، أي: من كلِّ شيءٍ (فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ) النَّاس، أي: بحسب اعتقاده، وهذا أبلغ من السَّابق في «باب الخروج في طلب العلم» [خ¦78]: «هل تعلم أنَّ أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا»، فإنَّه إنَّما نفى هناك علمه، وهنا على البتِّ (فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ) بسكون الذَّال للتَّعليل (لَمْ يَرُدّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ) فكأن يقول نحو: الله أعلم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عنِ [2] الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((إلى الله))، و«يردُّ»: بضمِّ الدَّال إتباعًا لسابقتها، وبفتحها لخفَّته، وبكسرها على الأصل في السَّاكن إذا حُرِّك، وجُوِّز الفكُّ أيضًا، والعتب من الله محمولٌ على ما يليق به، فيُحمَل على أنَّه لم يرضَ قوله شرعًا، فإنَّ العتب _الذي هو بمعنى: تغيير النَّفس_ مستحيلٌ على الله تعالى (فَأَوْحَى اللَّهُ) تعالى (إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا) بفتح الهمزة، أي: بأنَّ، وفي فرع «اليونينيَّة»: بكسرها، على تقدير: فقال: إنَّ عبدًا، والمُرَاد الخضر (مِنْ عِبَادِي) كائنًا (بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ) أي: ملتقى بَحْرَي فارسٍ والرُّوم من جهة الشَّرق، أو بإفريقية، أو طنجة (هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ) أي: بشيءٍ مخصوصٍ، كما يدلُّ عليه قول الخضر الآتي إن شاء الله تعالى: «إنِّي على علمٍ من علم الله علَّمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علمٍ علَّمك [3] لا أعلمه»، ولا ريبَ أنَّ موسى أفضل من الخضر بما اختُصَّ به من الرِّسالة، ومن سماع الكلام والتَّوراة، وأنَّ أنبياء بني إسرائيل كلَّهم داخلون تحت شريعته، ومُخاطَبُون بحكم نبوَّته، حتَّى عيسى عليه السلام، وغاية الخضر أن يكون كواحدٍ من أنبياء [4] بني إسرائيل، وموسى أفضلهم، وإن قلنا: إنَّ الخضر ليس بنبيٍّ بل وليٌّ فالنَّبيُّ أفضل من الوليِّ، وهو أمرٌ مقطوع به، والقائل بخلافه كافرٌ لأنَّه معلومٌ من الشَّرع بالضَّرورة، وإنَّما كانت قصَّة موسى مع الخضر امتحانًا لموسى ليعتبر، ووقع عند النَّسائيِّ: أنَّه عرض في نفس [5] موسى عليه السلام أنَّ أحدًا لم يُؤتَ من العلم ما أُوتي، وعلم الله بما حدَّث به نفسه، فقال: يا موسى، إنَّ مِنْ عبادي مَنْ آتيته من العلم ما لم أُوتِكَ (قَالَ: رَبِّ) بحذف أداة النِّداء وياء المتكلِّم تخفيفًا اجتزاءً بالكسرة، وفي بعض الأصول: ((يا ربِّ)) (وَكَيْفَ) لي [6] (بِهِ) أي: كيف السَّبيل إلى لقائه؟ (فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ) بالجزم على الأمر (حُوتًا) أي: سمكةً كائنةً (فِي مِكْتَلٍ) بكسر الميم وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، شبه الزَّنبيل يسع خمسة عشر صاعًا، كذا في «العُبَاب» (فَإِذَا فَقَدْتَهُ) بفتح القاف، أي: الحوت (فَهْوَ ثَمَّ) بفتح المُثلَّثة، ظرفٌ بمعنى: هناك، أي: العبد الأعلم منك هناك (فَانْطَلَقَ) موسى (وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ) مجرورٌ بالفتحة عطف بيان لـ «فتاه» غير منصرفٍ للعجمة والعلميَّة (ابْنِ نُونٍ) مجرورٌ بالإضافة منصرفٌ كنوحٍ ولوطٍ على الفصحى، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((وانطلق معه بفتاه [7])) فصرَّح بالمعيَّة للتَّأكيد، وإلَّا فالمُصاحَبَة مُستفادَةٌ من قوله: «بفتاه» (وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكْتَلٍ) كما وقع الأمر به، وقد قِيلَ: كانت سمكةً مملوحةً، وقِيلَ: شِقُّ سمكةٍ (حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ) التي عند ساحل البحر الموعود بلقيِّ الخضر عنده (وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَامَا) وفي رواية الأربعة: ((فناما)) بالفاء، وكلاهما للعطف على «وضعا» (فَانْسَلَّ الْحُوتُ) الميت المملوح (مِنَ الْمِكْتَلِ) لأنَّه أصابه من ماء عين الحياة الكائنة في أصل الصَّخرة شيءٌ إذ إصابتها مقتضيةٌ للحياة، كما عند المؤلِّف في رواية: ({فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ}) أي: طريقه ({فِي الْبَحرِ سَرَبًا}) أي: مسلكًا، زاد في سورة «الكهف»: «وأمسك الله عن الحوت جِرْيَةَ الماء، فصار عليه مثل الطَّاق» [خ¦4725] (وَكَانَ) إحياء الحوت المملوح وإمساك جِرْيَةَ الماء حتَّى صار مسلكًا (لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ) بالنَّصب على الظَّرف (لَيْلَتِهِمَا) بالجرِّ على الإضافة (وَيَوْمهمَا) بالنَّصب على إرادة سير جميعه، وبالجرِّ عطفًا على «ليلتهما»، والوجه الأوَّل هو الذي في فرع «اليونينيَّة» كهي [8]، وفي «مسلمٍ» _كالمؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4725]_: «بقيَّة يومهما وليلتهما» وهو الصَّواب لقوله: (فَلَمَّا أَصْبَحَ) إذ لا يُقَال: أصبح إلَّا عن ليلٍ ({قَالَ} مُوسَى {لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا}) بفتح الغَيْن مع المدِّ؛ وهو الطَّعام يُؤكَل أوَّل النَّهار ({لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا}) أي: تعبًا، والإشارة لسير البقيَّة والذي يليها، ويدلُّ عليه قوله: (وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى) عليه السلام (مَسًّا) وفي نسخةٍ: ((شيئًا)) (مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ) فأُلقيَ عليه الجوع
ج1ص214
والنَّصَب (فَقَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: (({قَالَ})) (لَهُ فَتَاهُ: {أَرَأَيْتَ}) أي: أخَبِرْتَ [9] ما دهاني؟ ({إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ}) أي: فقدته، أو نسيت ذكره بما رأيت، زاد في رواية ابن عساكر: (({وَمَا أَنسَانِيهُ})) أي: وما أنساني ذكره (({إِلَّا الشَّيطَانُ})) وإنَّما نسبه للشَّيطان هضمًا لنفسه [10] ({قَالَ} مُوسَى: {ذَلِكَ}) أي: أمرُ الحوتِ ({مَا كُنَّا نَبْغِي}) هو الذي كنَّا نطلبه [11] لأنَّه علامة وجدان المطلوب، وحُذِفَ العائد ({فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا}) أي: فرجعا في الطَّريق الذي جاءا فيه يقصَّان ({قَصَصًا}) أي: يتَّبعان آثارهما اتِّباعًا (فَلَمَّا انْتَهَيَا [12] إِلَى الصَّخْرَةِ إِذَا رَجُلٌ) مُبتدَأٌ، وسُوِّغَ لتخصيصه بالصِّفة، وهي قوله: (مُسَجًّى) أي: مُغطًّى كلُّه (بِثَوْبٍ) والخبر محذوفٌ، أي: نائمٌ (أَوْ قَالَ: تَسَجَّى [13] بِثَوْبِهِ) شكٌّ من الرَّاوي (فَسَلَّمَ مُوسَى) عليه السلام [14] (فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى) بهمزةٍ ونونٍ مُشدَّدةٍ مفتوحتين، أي: كيف (بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟) وهو غير معروفٍ بها، وكأنَّها كانت دار كفرٍ، وكانت [15] تحيَّتهم غيره، وعنده في «التَّفسير» [خ¦4725]: وهل بأرضي من سلامٍ؟ (فَقَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: ((قال)): (أَنَا مُوسَى، فَقَالَ) له الخضر: أنت (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟) فهو خبر مبتدأٍ محذوفٍ (قَالَ: نَعَمْ) أنا موسى بني إسرائيل، فهو مقول القول ناب عن الجملة، وهذا يدلُّ على أنَّ الأنبياء ومَنْ دونَهم لا يعلمون من الغيب إلَّا ما علَّمهم الله تعالى؛ لأنَّ الخضر لو كان يعلم كلَّ غيبٍ لَعَرَفَ موسى قبل أن يسأله، قَالَ: ({هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ}) أي: من الذي علَّمك الله علمًا ({رُشْدًا}) ولا ينافي نبوَّته وكونه صاحب شريعةٍ أن يتعلَّم من غيره، ما لم يكن شرطًا في أبواب الدِّين، فإنَّ الرَّسول ينبغي أن يكون أعلمَ ممَّن أُرسِل إليه فيما بُعِثَ به [16] من أصول الدِّين وفروعه، لا مُطلَقًا، وقد راعى في ذلك غاية التَّواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا [17] له، وسأل منه أن يرشده، وينعم عليه بتعليم بعض [18] ما أنعم الله عليه به [19]، قاله البيضاويُّ، لكن لم يكن موسى مُرسَلًا إلى الخضر، فقد يوهم ما قاله دخوله فيهم من السِّياق، فليُتأمَّل. ({قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}) فإنِّي أفعل أمورًا ظاهرُها مناكيرُ، وباطنُها لم تُحِطْ به (يَا مُوسَى؛ إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ) جملةٌ من الفعل والفاعل والمفعولين: أحدهما ياء المفعول، والثَّاني الضَّمير الرَّاجع إلى «العلم»، صفةٌ لـ «علمٍ» (لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ) مبتدأٌ وخبره، معطوفٌ على السَّابق [20] (عَلَّمَكَ الله) جملةٌ كالسَّابقة، لكن الثَّاني محذوفٌ تقديره: علمَّك الله إيَّاه، وفي فرع «اليونينيَّة» كهي [21]: ((علَّمكه الله)) بهاء الضَّمير الرَّاجع إلى العلم (لَا أَعْلَمُهُ) صفةٌ أخرى، وهذا لا بدَّ من تأويله؛ لأنَّ الخضر كان يعرف من علم [22] الشَّرع ما لا غنى للمُكلَّف [23] عنه، وموسى كان يعرف من علم الباطن ما لا بدَّ منه، كما لا يخفى ({قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا}) معك غير منكرٍ عليك، وانتصاب {صَابِرًا} مفعولٌ ثانٍ لـ {سَتَجِدُنِي} و{إِن شَاءَ اللهُ} اعتراضٌ بين المفعولين ({وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا}) عطفٌ على {صَابِرًا} أي: ستجدني صابرًا وغير عاصٍ، قال القاضي: وتعليق الوعد بالمشيئة إمَّا للتَّيمُّن، وإمَّا لعلمه بصعوبة الأمر، فإنَّ مشاهدة الفساد و [24] الصَّبر على خلاف المُعتَاد شديدٌ (فَانْطَلَقَا) على السَّاحل حال كونهما (يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ) أي: موسى والخضر ويوشع كلَّموا أصحاب السَّفينة (أَنْ) أي: لأن (يَحْمِلُوهُمَا) أي: لأجل حملهم إيَّاهما [25] (فَعُرِفَ الْخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا) أي: الخضر وموسى (بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح النُّون، أي: بغير أجرةٍ، ولم يُذكَر يوشع معهما، كما في قوله: «فانطلقا يمشيان» لأنَّه تابعٌ غير مقصودٍ بالأصالة، ويحتمل أن يكون [26] يوشع لم يركب معهما لأنَّه لم يقع له ذكرٌ بعد ذلك، وضمَّه معهما في كلام أهل السَّفينة لأنَّ المقام يقتضي كلام التَّابع، لكن في روايةٍ بفرع «اليونينيَّة» كهي [27]: ((فعُرِفَ الخضر فحملوهم)) بالجمع، وهو يقتضي الجزم بركوبه معهما في السَّفينة (فَجَاءَ عُصْفُورٌ) بضمِّ أوَّله، وحكى ابن رشيقٍ في «كتاب الغرائب» فتحه، قِيلَ: وسُمِّي به لأنَّه عصى وفرَّ، قاله الدَّميريُّ، وقِيلَ: إنَّه [28] الصَّرد (فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ نَقْرَةً) بالنَّصب على المصدر (أَوْ نَقْرَتَيْنِ) عطفٌ عليه (فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى [29]؛ مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ) أي: من معلومه (إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ) وعند المؤلِّف [خ¦3401]
ج1ص215
أيضًا: «ما علمي وعلمك في جنب علم الله تعالى إلَّا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من هذا [30] البحر» أي: في جنب معلوم الله تعالى، وهو أحسن سياقًا من المسوق هنا، وأبعد عن الإشكال، ومُفسِّرٌ للواقع هنا، والعلم يُطلَق ويُرَاد به المعلوم بدليل دخول حرف التَّبعيض، وهو «من» في قوله: «مِن علم الله» لأنَّ العلم القائم بذات الله تعالى صفةٌ قديمةٌ لا تتبعَّض، فليس العلم هنا على ظاهره لأنَّ علم الله تعالى لا يدخله نقصٌ، وقِيلَ: «نقص» بمعنى أخذ لأنَّ النَّقص أخذٌ خاصٌّ، فيكون التَّشبيه واقعًا على الأخذ لا على المأخوذ منه، إذ [31] نقص العصفور لا تأثير له، فكأنَّه لم يأخذ شيئًا، فهو كقوله: [مِنَ الطَّويل]
~ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهمْ بِهِنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكتائبِ
أي: ليس فيهم عيبٌ، وقيل: كان [32] هذا الطَّائر من الطُّيور [33] التي تعلو مناقرهم دُهَينة، فلا [34] يعلق بها ماء البتَّة [35] (فَعَمَدَ الْخَضِرُ [36] ) بفتح الميم كضَرَب (إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ) بفأسٍ، فانخرقت ودخل الماء (فَقَالَ) له (مُوسَى) عليه السلام: هؤلاء (قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح أوَّله، أي: بغير [37] أجرٍ (عَمَدْتَ) بفتح الميم (إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا {لِتُغْرِقَ}) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الرَّاء على الخطاب، مضارع «أغرق» أي: لأن تُغْرِقَ ({أَهْلَهَا}) نُصِبَ على المفعوليَّة، ولا ريبَ أنَّ خرقها سببٌ لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها، وفي روايةٍ: (({لِيَغرَقَ})) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الرَّاء، على الغيب، مضارع «غرق» (({أَهلُهَا})) بالرَّفع على الفاعليَّة ({قَالَ}) الخضر: ({أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}؟) ذكَّره بما قال له قبل ({قَالَ}) موسى: ({لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ}) أي: بالذي نسيته، أو بنسياني، أو بشيءٍ نسيته؛ يعني: وصيَّته بألَّا يعترض عليه، وهو اعتذارٌ بالنِّسيان أخرجه في معرض النَّهيِ عن المُؤاخَذَة مع قيام المانع لها، زاد في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: (({وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا})) أي: ولا تغشني عسرًا من أمري بالمُضايَقَة والمُؤاخَذَة على المَنْسِيِّ، فإنَّ ذلك يعسِّر عليَّ مُتابَعَتَك (فَكَانَتِ) المسألة (الأُولَى مِنْ مُوسَى) عليه السلام (نِسْيَانًا) بالنَّصب: خبر «كان» (فَانْطَلَقَا) بعد [38] خروجهما من السَّفينة (فَإِذَا غُلَامٌ) بالرَّفع: مبتدأٌ لكونه تخصَّص بالصِّفة؛ وهي قوله: (يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ) والخبر محذوفٌ، و«الغلام» اسمٌ للمولود إلى أن يبلغ، وكان الغلمان عشرةً، وكان الغلامُ أظرفَهم وأوضأَهم، واسمه [39] جيسون أو جيسور [40]، وعنِ الضَّحَّاك: يعمل بالفساد ويتأذَّى منه أبواه، وعنِ الكلبيِّ: يسرق المتاع باللَّيل، فإذا أصبح لجأ إلى أبويه، فيقولان: لقد بات عندنا (فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ) أي: جرَّ الغلام برأسه (فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ) وعنده في «بدء الخلق» [خ¦3278]: فأخذ الخضر برأسه فقطعه هكذا، وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنَّه يقطف [41] شيئًا، وعنِ الكلبيِّ: صرعه، ثمَّ نزع رأسه من جسده فقتله [42]، و«الفاء» في «فاقتلع» للدَّلالة على أنَّه لما رآه اقتلع رأسه من غير تروٍّ واستكشاف حالٍ (فَقَالَ مُوسَى) للخضر عليهما السلام: ({أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً}) بتشديد الياء، أي: طاهرةً من الذُّنوب، وهي أبلغ من {زاكيةً} بالتَّخفيف، وقال أبو عمرو بن العلاء: الزَّاكية: التي لم تذنب قطُّ، والزَّكيَّة: التي أذنبت ثمَّ غَفَرَت ولذا اختار قراءة التَّخفيف، فإنَّها كانت صغيرةً لم تبلغِ الحُلْم، وزعم قومٌ: أنَّه كان بالغًا يعمل الفساد، واحتجُّوا بقوله: ({بِغَيْرِ نَفْسٍ}) والقصاص إنَّما يكون في حقِّ البالغ، ولم يرها قد أذنبت ذنبًا يقتضي قتلها، أو قتلت نفسًا فتُقَاد به، نبَّه به على أنَّ القتل إنَّما يُبَاح حدًّا أو قصاصًا، وكلا الأمرين منتفيان [43]، والهمزة في {أَقَتَلْتَ} ليست للاستفهام الحقيقيِّ، فهي كهي في قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوِى} [الضحى: 6] وكان قتل الغلام في أُبُلَّة؛ بضمِّ الهمزة والمُوحَّدة وتشديد اللَّام المفتوحة بعدها هاءٌ، مدينةٌ قرب بصرة وعبادان [44] ({قَالَ}) الخضر لموسى عليهما السلام: ({أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}) بزيادة {لك} في هذه المَّرة زيادةً في المُكافَحَة بالعتاب على رفض الوصيَّة، والوسم بقلَّة الثَّبات والصَّبر لمَّا تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار، ولم يرعوِ بالتَّذكير أوَّل مرَّةٍ حتَّى زاد في الاستنكار [45] ثاني مرَّةٍ [46] (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان: (وَهَذَا أَوْكَدُ) واستدلَّ عليه بزيادة {لك} في هذه المرَّة (فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا) وفي رواية غير أبي ذَرٍّ: (({حَتَّى إِذَا أَتَيَا})) مُوافقة للتَّنزيل ({أَهْلَ قَرْيَةٍ}) هي: أنطاكية أو أُبلَّة أو ناصرة أو برقة أو غيرهنَّ، فلمَّا وافياها بعد غروب الشمس ({اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا}) واستضافوهم
ج1ص216
({فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا}) ولم يجدوا في تلك القرية قِرًى ولا مأوًى، وكانت ليلةً باردةً ({فَوَجَدَا فِيهَا}) أي: في القرية ({جِدَارًا}) على شاطئ الطَّريق، وكان سُمْكُه مئتي ذراعٍ بذراع تلك القرية، وطوله على وجه الأرض خمسَ مئةِ ذراعٍ، وعرضه خمسين [47] ذراعًا!! ({يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ}) أي: يسقط، فاستُعِيرت الإرادة للمُشارَفَة، وإلَّا فالجدار لا إرادة له حقيقةً، وكان أهل القرية يمرُّون تحته على خوفٍ (قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ) أي: أشار بها، وفي روايةٍ: ((قال: فمسحه [48] بيده)) [خ¦2267] ({فَأَقَامَهُ}) وقِيلَ: نقضه وبناه، وقِيلَ: بعمودٍ عمده به، وفيه [49] إطلاق القول على الفعل، وفي رواية أبي ذرٍّ عن [50] المُستملي: (({يُرِيدُ [51] أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ})) ({قَالَ} [52] مُوسَى) وفي رواية غير أبي ذَرٍّ: ((فقال له موسى)) أي: للخضر ({لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ}) بهمزة وصلٍ وتشديد التَّاء وفتح الخاء، على وزن «افتعلت» من «تَخِذ»، كاتَّبع من تَبِع، وليس من الأخذ عند البصريِّين، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: (({لَتَخِذْتَ})) أي: لأخذت ({عَلَيْهِ أَجْرًا}) فيكون لنا قوتًا وبُلغةً على سفرنا، قال القاضي: كأنَّه لمَّا رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك نفسه ({قَالَ}) الخضر لموسى عليهما السلام: ({هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}) بإضافة «الفراق» إلى «البين» إضافة المصدر إلى الظَّرف على الاتِّساع، والإشارة في قوله: {هَذَا} إلى الفراق الموعود بقوله: {فَلَا تُصَاحِبنِي} أو تكون الإشارة إلى السُّؤال الثَّالث، أي: هذا الاعتراض سببٌ [53] للفراق، أو إلى الوقت، أي: هذا الوقت وقت الفراق.
(قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى) إنشاءٌ بلفظ الخبر (لَوَدِدْنَا) بكسر الدَّال الأولى وسكون الثَّانية، أي: والله لَوَدِدْنا (لَوْ صَبَرَ) أي: صَبْرَهُ؛ لأنَّه لو صبر لأبصر أعجب الأعاجيب (حَتَّى يُقَصَّ) على صيغة المجهول (عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا) مفعولٌ لم يُسمِّ فاعله، وفي هذه القصَّة حجَّةٌ على صحَّة الاعتراض بالشَّرع على ما لا يُسوَّغ فيه ولو كان مستقيمًا في باطن الأمر، على أنَّه ليس في شيءٍ ممَّا فعله الخضر مُناقَضَةٌ للشَّرع، فإذا نقض لوح السَّفينة لدفع الظَّالم عن غصبها، ثمَّ إذا تركها أُعِيد اللَّوح جائزٌ شرعًا وعقلًا، ولكن مُبادَرَة [54] موسى بالإنكار بحسب الظَّاهر، وقع ذلك صريحًا عند مسلمٍ، ولفظه: «فإذا جاء الذي يسخِّرها [55] وجدها منخرقةً»، وأمَّا قتله الغلام فلعلَّه كان في تلك الشَّريعة، وقد حكى القرطبيُّ عن صاحب «العرس والعرائس»: أنَّ موسى لمَّا قال للخضر: أقتلت نفسًا زاكية؟ اقتلع الخضر كتف الصَّبيِّ الأيسر وقشر عنه اللَّحم، فإذا في عظم كتفه كافرٌ لا يؤمن بالله [56] أبدًا، وفي «مسلمٍ»: «وأمَّا الغلام فطُبِع يوم طُبِع كافرًا لا يؤمن بالله»، وأمَّا إقامة الجدار فَمِنْ باب مُقابَلَة الإساءة بالإحسان، (قال محمَّد بن يوسف: حدَّثنا به عليُّ بن خَشْرَمٍ) بفتح الخاء وسكون الشِّين المُعجَمَتين وفتح الرَّاء آخره ميمٌ، مصروفٌ، قال: (حدَّثنا سفيان بن عُيَيْنَةَ بطوله [57])، وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ في أكثر من عشرة مواضع [خ¦3278] [خ¦3401] [خ¦4725] [خ¦4727] وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار بصيغة الإفراد والسُّؤال.
ج1ص217


[1] في (د): «أعجميَّته»، وفي (ص): «عجميَّته»، وفي (م): «عجميَّه».
[2] «أبي ذَرٍّ عن»: سقط من (د).
[3] في (د): «عُلِّمتَه».
[4] «أنبياء»: سقط من (د).
[5] «نفس»: سقط من (ص).
[6] «لي»: ليس في (ص) و(م).
[7] في (ب) و(س): «فتاه».
[8] «كهي»: مثبتٌ من (م).
[9] في (ب) و(س): «أخبرني».
[10] أي: نسب النسيان إلى الشيطان مع أنَّ فاعله الحقيقي هو الله تعالى وفاعله المجازي هو الاستغراق بمذكورٍ؛ هضمًا لنفسه بجعل ذلك الاستغراق نفسه وشغله. انظر «روح المعاني» 15/318.
[11] في (ب) و(س): «نطلب».
[12] في (ب) و(س): «أتيا».
[13] في (ص): «مسجًّى».
[14] «عليه السلام»: سقط من (د).
[15] في (ص): «أو كان».
[16] «به»: سقط من (د).
[17] في (د): «تبعًا له».
[18] في (م): «عليه ببعض».
[19] «به»: سقط من (ص) و(م).
[20] في (م): «السِّياق».
[21] «كهي»: مثبتٌ من (م).
[22] في (م): «حكم».
[23] في (م): «للمُكلَّفين».
[24] «مشاهدة الفساد و»: مثبتٌ من (م).
[25] في (ص): «إياهم».
[26] «يكون»: سقط من (ص).
[27] «كهي»: سقط من (د) و(ص).
[28] في (م): «هو».
[29] في (م): «لموسى».
[30] في (ص) و(م): «بمنقاره في».
[31] في (م): «أو أن».
[32] «كان»: سقط من (س).
[33] في (م): «الطَّوائر».
[34] في (ب) و(س): «تعلو مناقيرها بحيث لا».
[35] قوله: «وقيل: كان هذا الطَّائر من الطُّيور... فلا يعلق بها ماء البتَّة» سقط من (د) و(ص).
[36] «الخضر»: سقط من (د).
[37] «بغير»: سقط من (د).
[38] في (د): «عند».
[39] في (ب) و(س): «اسم الغلام».
[40] في (ب) و(س): «حيسون أو حيسور»، وفي (م): «ميسور».
[41] في (د): «يقطع».
[42] «فقتله»: سقط من (د).
[43] في غير (د): «مُنتَفٍ».
[44] في (د): «عبادن».
[45] في غير (س): «الاستكثار»، وفي (ص): «الاستعثار».
[46] زيد في (م): «قاله في «الأنوار»».
[47] في غير(ب): «خمسون».
[48] في (ب) و(س): «فمسح».
[49] في (ص): «عمده بيده وقيد».
[50] في (ب) و(س): «و»، وليس بصحيحٍ.
[51] في (د): «يزيد»، وهو تصحيفٌ.
[52] في (د): «فقال».
[53] في (ص): «بسبب».
[54] في (م): «بادرة».
[55] في (ص): «سخرها».
[56] «لا يؤمن بالله»: سقط من (ص) و(م).
[57] قوله: «قال محمَّد بن يوسف: حدَّثنا به عليُّ... حدَّثنا سفيان بن عُيَيْنَةَ بطوله» مثبتٌ من (م).