متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

122- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو الجعفيُّ المُسنَدِيُّ؛ بفتح النُّون، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ، (قَالَ: حَدَّثَنَا)، وفي رواية ابن عساكر: ((أخبرنا)) (عَمْرٌو)؛ بفتح العَيْن، وهو ابن دينارٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم، وفتح المُوحَّدَة (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما: (إِنَّ نَوْفًا)؛ بفتح النُّون وسكون الواوِ آخره فاءٌ، منصوبًا اسم «إنَّ»، منصرفًا في الفصحى، بطنٌ من العرب، ولئن سلَّمنا عُجمته [1] ؛ فمنصرفٌ أيضًا، وإنَّما صُرِف؛ لكونه ثلاثيًّا؛ لسكون وسطه؛ كنوحٍ ولوطٍ، واسم أبي نوفٍ فَضَالة _بفتحتين_ القاصُّ (الْبكَالِيَّ)؛ بكسر المُوحَّدَة وفتحها، وتخفيف الكاف، وحُكِيَ: تشديدها مع فتح المُوحَّدَة، وعَزَاه في «المطالع» لأكثر المحدِّثين، والصَّواب: التَّخفيف نسبةً إلى بني بكَالٍ؛ بطنٌ من حِمْيَر، وهو نصبٌ نعتًا لـ: «نوفٍ»، وكان تابعيًّا عالمًا، إمامًا لأهل دمشق، وهو ابن امرأة كعب الأحبار على المشهور، (يَزْعُمُ أَنَّ)؛ بفتح الهمزة، مفعول يزعم؛ أي: يقول: إنَّ (مُوسَى) صاحب الخضر (لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) المُرسَل إليهم، والباء زائدةٌ للتَّوكيد، حُذِفَت في رواية الأربعة، وأُضِيف لـ: «بني إسرائيل» مع العلميَّة؛ لأنَّه نُكِّر؛ بأن أُوِّل بواحدٍ من الأمَّة المُسمَّاة به، ثمَّ أُضِيف إليه، (إِنَّمَا هُوَ مُوسًى آخَرُ)؛ بتنوين «موسى»؛ لكونه نكرةً، فانصرف؛ لزوال علميَّته، وفي روايةٍ: بترك التَّنوين، قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا في روايتنا بغير تنوين فيهما، وهو عَلَمٌ على شخصٍ مُعيَّنٍ، قالوا: إنَّه موسى بن مِيْشا؛ بكسر الميم، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وبالشِّين المُعجَمَة، (فَقَالَ) ابن عبَّاسٍ: (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ) نوفٌ، خرج منه مخرج الزَّجر والتَّحذير لا القدح في نوفٍ؛ لأنَّ ابن عبَّاسٍ قال ذلك في حال غضبه، وألفاظ الغضب تقع على غير الحقيقة غالبًا، وتكذيبه له؛ لكونه قال غير الواقع، ولا يلزم منه تعمُّده، (حَدَّثَنَا)، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: ((حدَّثني)) (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) الصَّحابيُّ رضي الله عنه، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) حال [/ج1ص213/]

كونه (خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ)؟ أي: منهم، على حدِّ: الله أكبر؛ أي: من كلِّ شيءٍ، (فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ) النَّاس؛ أي: بحسب اعتقاده، وهذا أبلغ من السَّابق في باب «الخروج في طلب العلم» [خ¦78] : «هل تعلم أنَّ أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا»، فإنَّه إنَّما نفى هناك علمه، وهنا على البتِّ، (فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ) بسكون الذَّال للتَّعليل، (لَمْ يَرُدّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ)، فكأن يقول نحو: الله أعلم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عنِ [2] الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((إلى الله))، و«يردُّ»: بضمِّ الدَّال؛ إتباعًا لسابقتها، وبفتحها لخفَّته، وبكسرها على الأصل في السَّاكن إذا حُرِّك، وجُوِّز الفكُّ أيضًا، والعتب من الله محمولٌ على ما يليق به، فيُحمَل على أنَّه لم يرضَ قوله شرعًا، فإنَّ العتب _الذي هو بمعنى: تغيير النَّفس_ مستحيلٌ على الله تعالى، (فَأَوْحَى اللهُ) تعالى (إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا)؛ بفتح الهمزة؛ أي: بأنَّ، وفي «فرع اليونينيَّة»: بكسرها، على تقدير: فقال: إنَّ عبدًا، والمُرَاد: الخضر، (مِنْ عِبَادِي) كائنًا (بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ)؛ أي: ملتقى بَحْرَي فارسٍ والرُّوم من جهة الشَّرق، أو بإفريقية، أو طنجة، (هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ)؛ أي: بشيءٍ مخصوصٍ، كما يدلُّ عليه قول الخضر الآتي إن شاء الله تعالى: «إنِّي على علمٍ من علم الله علَّمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علمٍ علَّمك [3] لا أعلمه»، ولا ريبَ أنَّ موسى أفضل من الخضر بما اختُصَّ به من الرِّسالة، ومن سماع الكلام والتَّوراة، وأنَّ أنبياء بني إسرائيل كلَّهم داخلون تحت شريعته، ومُخاطَبُون بحكم نبوَّته، حتَّى عيسى عليه السلام، وغاية الخضر: أن يكون كواحدٍ من أنبياء [4] بني إسرائيل، وموسى أفضلهم، وإن قلنا: إنَّ الخضر ليس بنبيٍّ بل وليٌّ؛ فالنَّبيُّ أفضل من الوليِّ، وهو أمرٌ مقطوع به، والقائل بخلافه كافرٌ؛ لأنَّه معلومٌ من الشَّرع بالضَّرورة، وإنَّما كانت قصَّة موسى مع الخضر؛ امتحانًا لموسى ليعتبر، ووقع عند النَّسائيِّ: أنَّه عرض في نفس [5] موسى عليه السلام أنَّ أحدًا لم يُؤتَ من العلم ما أُوتي، وعلم الله بما حدَّث به نفسه، فقال: يا موسى، إنَّ مِنْ عبادي مَنْ آتيته من العلم ما لم أُوتِكَ، (قَالَ: رَبِّ) بحذف أداة النِّداء وياء المتكلِّم تخفيفًا؛ اجتزاءً بالكسرة، وفي بعض الأصول: ((يا ربِّ))، (وَكَيْفَ) لي [6] (بِهِ)؛ أي: كيف السَّبيل إلى لقائه؟ (فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ) بالجزم على الأمر، (حُوتًا)؛ أي: سمكةً كائنةً (فِي مِكْتَلٍ)؛ بكسر الميم، وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، شبه الزَّنبيل يسع خمسة عشر صاعًا، كذا في «العُبَاب»، (فَإِذَا فَقَدْتَهُ)؛ بفتح القاف؛ أي: الحوت؛ (فَهْوَ ثَمَّ)؛ بفتح المُثلَّثة، ظرفٌ بمعنى: هناك؛ أي: العبد الأعلم منك هناك، (فَانْطَلَقَ) موسى، (وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ) مجرورٌ بالفتحة، عطف بيان لـ: «فتاه»، غير منصرفٍ؛ للعجمة والعلميَّة، (ابْنِ نُونٍ)؛ مجرورٌ بالإضافة؛ منصرفٌ كنوحٍ ولوطٍ على الفصحى، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((وانطلق معه بفتاه [7] ))، فصرَّح بالمعيَّة، للتَّأكيد، وإلَّا؛ فالمُصاحَبَة مُستفادَةٌ من قوله: «بفتاه»، (وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكْتَلٍ) كما وقع الأمر به، وقد قِيلَ: كانت سمكةً مملوحةً، وقِيلَ: شِقُّ سمكةٍ، (حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ) التي عند ساحل البحر الموعود بلقيِّ الخضر عنده، (وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَامَا)، وفي رواية الأربعة: ((فناما))؛ بالفاء، وكلاهما للعطف على «وضعا»، (فَانْسَلَّ الْحُوتُ) الميت المملوح (مِنَ الْمِكْتَلِ)؛ لأنَّه أصابه من ماء عين الحياة الكائنة في أصل الصَّخرة شيءٌ؛ إذ إصابتها مقتضيةٌ للحياة، كما عند المؤلِّف في رواية: ({فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ})؛ أي: طريقه ({فِي الْبَحرِ سَرَبًا})؛ أي: مسلكًا، زاد في سورة «الكهف»: «وأمسك الله عن الحوت جِرْيَةَ الماء، فصار عليه مثل الطَّاق» [خ¦4725] ، (وَكَانَ) إحياء الحوت المملوح وإمساك جِرْيَةَ الماء حتَّى صار مسلكًا (لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ) بالنَّصب على الظَّرف (لَيْلَتِهِمَا) بالجرِّ على الإضافة (وَيَوْمهمَا)؛ بالنَّصب على إرادة سير جميعه، وبالجرِّ عطفًا على «ليلتهما»، والوجه الأوَّل هو الذي في «فرع اليونينيَّة» كهي [8] ، وفي «مسلمٍ» _كالمؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4725] _: «بقيَّة يومهما وليلتهما»، وهو الصَّواب؛ لقوله: (فَلَمَّا أَصْبَحَ)؛ إذ لا يُقَال: أصبح إلَّا عن ليلٍ؛ ({قَالَ} مُوسَى {لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا})؛ بفتح الغَيْن مع المدِّ؛ وهو الطَّعام يُؤكَل أوَّل النَّهار ({لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا})؛ أي: تعبًا، والإشارة لسير البقيَّة والذي يليها، ويدلُّ عليه قوله: (وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى) عليه السلام (مَسًّا)، وفي نسخةٍ: ((شيئًا))، (مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ)، فأُلقيَ عليه الجوع [/ج1ص214/]

والنَّصَب، (فَقَالَ)، وفي رواية الأَصيليِّ: (({قال})) (لَهُ فَتَاهُ: {أَرَأَيْتَ})؛ أي: أخَبِرْتَ [9] ما دهاني؟ ({إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ})؛ أي: فقدته، أو نسيت ذكره بما رأيت، زاد في رواية ابن عساكر: (({وما أنسانيه}))؛ أي: وما أنساني ذكره (({إلَّا الشَّيطان}))، وإنَّما نسبه للشَّيطان؛ هضمًا لنفسه [10] ، ({قَالَ} مُوسَى: {ذَلِكَ})؛ أي: أمرُ الحوتِ ({مَا كُنَّا نَبْغِي}) هو الذي كنَّا نطلبه [11] ؛ لأنَّه علامة وجدان المطلوب، وحُذِفَ العائد، ({فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا})؛ أي: فرجعا في الطَّريق الذي جاءا فيه يقصَّان ({قَصَصًا})؛ أي: يتَّبعان آثارهما اتِّباعًا، (فَلَمَّا انْتَهَيَا [12] إِلَى الصَّخْرَةِ [13] ؛ إِذَا رَجُلٌ) مُبتدَأٌ، وسُوِّغَ؛ لتخصيصه بالصِّفة، وهي قوله: (مُسَجًّى)؛ أي: مُغطًّى كلُّه (بِثَوْبٍ)، والخبر محذوفٌ؛ أي: نائمٌ، (أَوْ قَالَ [14] : تَسَجَّى بِثَوْبِهِ)؛ شكٌّ من الرَّاوي، (فَسَلَّمَ مُوسَى) عليه السلام [15] (فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى)؛ بهمزةٍ ونونٍ مُشدَّدةٍ مفتوحتين؛ أي: كيف (بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟) وهو غير معروفٍ بها، وكأنَّها كانت دار كفرٍ، وكانت [16] تحيَّتهم غيره، وعنده في «التَّفسير» [خ¦4725] : وهل بأرضي من سلامٍ؟ (فَقَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: ((قال)): (أَنَا مُوسَى، فَقَالَ) له الخضر: أنت (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟) فهو خبر مبتدأٍ محذوفٍ، (قَالَ: نَعَمْ)، أنا موسى بني إسرائيل، فهو مقول القول ناب عن الجملة، وهذا يدلُّ على أنَّ الأنبياء ومَنْ دونَهم لا يعلمون من الغيب إلَّا ما علَّمهم الله تعالى؛ لأنَّ الخضر لو كان يعلم كلَّ غيبٍ؛ لَعَرَفَ موسى قبل أن يسأله، ({قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ})؛ أي: من الذي علَّمك الله علمًا ({رَشَدًا})، ولا ينافي نبوَّته وكونه صاحب شريعةٍ أن يتعلَّم من غيره، ما لم يكن شرطًا في أبواب الدِّين، فإنَّ الرَّسول ينبغي أن يكون أعلمَ ممَّن أُرسِل إليه فيما بُعِثَ به [17] من أصول الدِّين وفروعه، لا مُطلَقًا، وقد راعى في ذلك غاية التَّواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا [18] له، وسأل منه أن يرشده، وينعم عليه بتعليم بعض [19] ما أنعم الله عليه به [20] ، قاله البيضاويُّ، لكن لم يكن موسى مُرسَلًا إلى الخضر، فقد يوهم ما قاله دخوله فيهم من السِّياق، فليُتأمَّل. ({قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا})؛ فإنِّي أفعل أمورًا ظاهرُها مناكيرُ، وباطنُها لم تُحِطْ به (يَا مُوسَى؛ إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ): جملةٌ من الفعل والفاعل والمفعولين؛ أحدهما: ياء المفعول، والثَّاني: الضَّمير الرَّاجع إلى «العلم»، صفةٌ لـ: «علمٍ»، (لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ)؛ مبتدأٌ وخبره، معطوفٌ على السَّابق [21] ، (عَلَّمَكَ الله): جملةٌ كالسَّابقة، لكن الثَّاني محذوفٌ تقديره: علمَّك الله إيَّاه، وفي «فرع اليونينيَّة» كهي [22] : ((علَّمكه الله))؛ بهاء الضَّمير الرَّاجع إلى العلم، (لَا أَعْلَمُهُ) صفةٌ أخرى، وهذا لا بدَّ من تأويله؛ لأنَّ الخضر كان يعرف من علم [23] الشَّرع ما لا غنى للمُكلَّف [24] عنه، وموسى كان يعرف من علم الباطن ما لا بدَّ منه، كما لا يخفى، ({قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا}) معك غير منكرٍ عليك، وانتصاب {صابرًا} مفعولٌ ثانٍ لـ: {ستجدني}، و{إن شاء الله}: اعتراضٌ بين المفعولين، ({وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا}) عطفٌ على {صابرًا}؛ أي: ستجدني صابرًا وغير عاصٍ، قال القاضي: وتعليق الوعد بالمشيئة إمَّا للتَّيمُّن، وإمَّا لعلمه بصعوبة الأمر، فإنَّ مشاهدة الفساد و [25] الصَّبر على خلاف المُعتَاد شديدٌ، (فَانْطَلَقَا) على السَّاحل حال كونهما (يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ)؛ أي: موسى والخضر ويوشع كلَّموا أصحاب السَّفينة، (أَنْ)؛ أي: لأن (يَحْمِلُوهُمَا)؛ أي: لأجل حملهم إيَّاهما [26] ، (فَعُرِفَ الْخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا)؛ أي: الخضر وموسى (بِغَيْرِ نَوْلٍ)؛ بفتح النُّون؛ أي: بغير أجرةٍ، ولم يُذكَر يوشع معهما، كما في قوله: «فانطلقا يمشيان»؛ لأنَّه تابعٌ غير مقصودٍ بالأصالة، ويحتمل أن يكون [27] يوشع لم يركب معهما؛ لأنَّه لم يقع له ذكرٌ بعد ذلك، وضمَّه معهما في كلام أهل السَّفينة؛ لأنَّ المقام يقتضي كلام التَّابع، لكن في روايةٍ بـ: «فرع اليونينيَّة» كهي [28] : ((فعُرِفَ الخضر فحملوهم)) بالجمع، وهو يقتضي الجزم بركوبه معهما في السَّفينة، (فَجَاءَ عُصْفُورٌ)؛ بضمِّ أوَّله، وحكى ابن رشيقٍ في كتاب «الغرائب»: فتحه، قِيلَ: وسُمِّي به؛ لأنَّه عصى وفرَّ، قاله الدَّميريُّ، وقِيلَ: إنَّه [29] الصَّرد، (فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ نَقْرَةً) بالنَّصب على المصدر (أَوْ نَقْرَتَيْنِ) عطفٌ عليه (فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى [30] ؛ مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ)؛ أي: من معلومه (إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ)، وعند المؤلِّف [خ¦3401] [/ج1ص215/]

أيضًا: «ما علمي وعلمك في جنب علم الله تعالى إلَّا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من هذا [31] البحر»؛ أي: في جنب معلوم الله تعالى، وهو أحسن سياقًا من المسوق هنا، وأبعد عن الإشكال، ومُفسِّرٌ للواقع هنا، والعلم يُطلَق ويُرَاد به المعلوم؛ بدليل دخول حرف التَّبعيض، وهو «من» في قوله: «مِن علم الله»؛ لأنَّ العلم القائم بذات الله تعالى صفةٌ قديمةٌ لا تتبعَّض، فليس العلم هنا على ظاهره؛ لأنَّ علم الله تعالى لا يدخله نقصٌ، وقِيلَ: «نقص» بمعنى: أخذ؛ لأنَّ النَّقص أخذٌ خاصٌّ، فيكون التَّشبيه واقعًا على الأخذ لا على المأخوذ منه، إذ [32] نقص العصفور لا تأثير له، فكأنَّه لم يأخذ شيئًا، فهو كقوله: [مِنَ الطَّويل]

~ ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهمْ بِهِنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكتائبِ

أي: ليس فيهم عيبٌ، وقيل: كان [33] هذا الطَّائر من الطُّيور [34] التي تعلو مناقرهم دُهَينة، فلا [35] يعلق بها ماء ألبتَّة [36] ، (فَعَمَدَ الْخَضِرُ [37] ) بفتح الميم؛ كضَرَب (إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ) بفأسٍ، فانخرقت ودخل الماء، (فَقَالَ) له (مُوسَى) عليه السلام: هؤلاء (قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ)؛ بفتح أوَّله؛ أي: بغير [38] أجرٍ، (عَمَدْتَ) بفتح الميم (إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا {لِتُغْرِقَ})؛ بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، وكسر الرَّاء، على الخطاب، مضارع «أغرق»؛ أي: لأن تُغْرِقَ ({أَهْلَهَا}): نُصِبَ على المفعوليَّة، ولا ريبَ أنَّ خرقها سببٌ لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها، وفي روايةٍ: (({ليَغرَق}))؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح الرَّاء، على الغيب، مضارع «غرق»، (({أهلُها})): بالرَّفع على الفاعليَّة، ({قَالَ}) الخضر: ({أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}؟)، ذكَّره بما قال له قبل، ({قَالَ}) موسى: ({لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ})؛ أي: بالذي نسيته، أو بنسياني، أو بشيءٍ نسيته؛ يعني: وصيَّته بألَّا يعترض عليه، وهو اعتذارٌ بالنِّسيان أخرجه في معرض النَّهيِ عن المُؤاخَذَة مع قيام المانع لها، زاد في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: (({وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا}))؛ أي: ولا تغشني عسرًا من أمري بالمُضايَقَة والمُؤاخَذَة على المَنْسِيِّ، فإنَّ ذلك يعسِّر عليَّ مُتابَعَتَك، (فَكَانَتِ) المسألة (الأُولَى مِنْ مُوسَى) عليه السلام (نِسْيَانًا) بالنَّصب: خبر «كان»، (فَانْطَلَقَا) بعد [39] خروجهما من السَّفينة، (فَإِذَا غُلَامٌ) بالرَّفع: مبتدأٌ؛ لكونه تخصَّص بالصِّفة؛ وهي قوله: (يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ)، والخبر محذوفٌ، و«الغلام»: اسمٌ للمولود إلى أن يبلغ، وكان الغلمان عشرةً، وكان الغلامُ أظرفَهم وأوضأَهم، واسمه [40] جيسون أو جيسور [41] ، وعنِ الضَّحَّاك: يعمل بالفساد ويتأذَّى منه أبواه، وعنِ الكلبيِّ: يسرق المتاع باللَّيل، فإذا أصبح؛ لجأ إلى أبويه، فيقولان: لقد بات عندنا، (فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ)؛ أي: جرَّ الغلام برأسه، (فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ)، وعنده في «بدء الخلق» [خ¦3278] : فأخذ الخضر برأسه فقطعه هكذا، وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنَّه يقطف [42] شيئًا، وعنِ الكلبيِّ: صرعه، ثمَّ نزع رأسه من جسده فقتله [43] ، و«الفاء» في «فاقتلع»؛ للدَّلالة على أنَّه لما رآه اقتلع رأسه من غير تروٍّ واستكشاف حالٍ، (فَقَالَ مُوسَى) للخضر عليهما السلام: ({أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً})؛ بتشديد الياء؛ أي: طاهرةً من الذُّنوب، وهي أبلغ من ((زاكيةٍ))؛ بالتَّخفيف، وقال أبو عمرو بن العلاء: الزَّاكية: التي لم تذنب قطُّ، والزَّكيَّة: التي أذنبت ثمَّ غَفَرَت؛ ولذا اختار قراءة التَّخفيف، فإنَّها كانت صغيرةً لم تبلغِ الحُلْم، وزعم قومٌ: أنَّه كان بالغًا يعمل الفساد [44] ، واحتجُّوا بقوله: ({بِغَيْرِ نَفْسٍ})، والقصاص إنَّما يكون في حقِّ البالغ، ولم يرها قد أذنبت ذنبًا يقتضي قتلها، أو قتلت نفسًا فتُقَاد به، نبَّه به على أنَّ القتل إنَّما يُبَاح حدًّا أو قصاصًا، وكلا الأمرين منتفيان [45] ، والهمزة في {أقتلت} ليست للاستفهام الحقيقيِّ، فهي كهي في قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوِى} [الضحى: 6] ، وكان قتل الغلام في أُبُلَّة؛ بضمِّ الهمزة، والمُوحَّدة، وتشديد اللَّام المفتوحة، بعدها هاءٌ، مدينةٌ قرب بصرة وعبادان [46] ، ({قَالَ}) الخضر لموسى عليهما السلام: ({أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا})؛ بزيادة {لك} في هذه المَّرة زيادةً في المُكافَحَة بالعتاب على رفض الوصيَّة، والوسم بقلَّة الثَّبات والصَّبر لمَّا تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار، ولم يرعوِ بالتَّذكير أوَّل مرَّةٍ حتَّى زاد في الاستنكار [47] ثاني مرَّةٍ [48] ، (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان: (وَهَذَا أَوْكَدُ)، واستدلَّ عليه بزيادة {لك} في هذه المرَّة، (فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا)، وفي رواية غير أبي ذَرٍّ: (({حتَّى إذا أتيا}))، مُوافِقةً للتَّنزيل ({أَهْلَ قَرْيَةٍ}) هي: أنطاكية أو أُبلَّة أو ناصرة أو برقة أو غيرهنَّ، فلمَّا وافياها بعد غروب الشمس؛ ({اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا}) واستضافوهم [/ج1ص216/]

({فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا})، ولم يجدوا في تلك القرية قِرًى ولا مأوًى، وكانت ليلةً باردةً، ({فَوَجَدَا فِيهَا})؛ أي: في القرية ({جِدَارًا}) على شاطئ الطَّريق، وكان سُمْكُه مئتي ذراعٍ بذراع تلك القرية، وطوله على وجه الأرض خمسَ مئةِ ذراعٍ، وعرضه خمسين [49] ذراعًا، ({يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ})؛ أي: يسقط، فاستُعِيرت الإرادة للمُشارَفَة، وإلَّا؛ فالجدار لا إرادة له حقيقةً، وكان أهل القرية يمرُّون تحته على خوفٍ، (قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ)؛ أي: أشار بها، وفي روايةٍ: ((قال: فمسحه [50] بيده)) [خ¦2267] ، ({فَأَقَامَهُ})، وقِيلَ: نقضه وبناه، وقِيلَ: بعمودٍ عمده به، وفيه [51] إطلاق القول على الفعل، وفي رواية أبي ذرٍّ عن [52] المُستملي: (({يريد [53] أن ينقضَّ فأقامه}))، ({قالَ} [54] مُوسَى)، وفي رواية غير أبي ذَرٍّ: ((فقال له موسى))؛ أي: للخضر ({لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ})؛ بهمزة وصلٍ، وتشديد التَّاء، وفتح الخاء، على وزن «افتعلت» من «تَخِذ»، كاتَّبع من تَبِع، وليس من الأخذ عند البصريِّين، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: (({لتَخِذْتَ}))؛ أي: لأخذت ({عَلَيْهِ أَجْرًا})، فيكون لنا قوتًا وبُلغةً على سفرنا، قال القاضي: كأنَّه لمَّا رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه؛ لم يتمالك نفسه، ({قَالَ}) الخضر لموسى عليهما السلام: ({هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ})؛ بإضافة «الفراق» إلى «البين» إضافة المصدر إلى الظَّرف على الاتِّساع، والإشارة في قوله: {هذا} إلى الفراق الموعود بقوله: {فلا تصاحبني}، أو تكون الإشارة إلى السُّؤال الثَّالث؛ أي: هذا الاعتراض سببٌ [55] للفراق، أو إلى الوقت؛ أي: هذا الوقت وقت الفراق.

(قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى): إنشاءٌ بلفظ الخبر، (لَوَدِدْنَا)؛ بكسر الدَّال الأولى، وسكون الثَّانية؛ أي: والله لَوَدِدْنا (لَوْ صَبَرَ)؛ أي: صَبْرَهُ؛ لأنَّه لو صبر؛ لأبصر أعجب الأعاجيب، (حَتَّى يُقَصَّ) على صيغة المجهول (عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا): مفعولٌ لم يُسمِّ فاعله، وفي هذه القصَّة حجَّةٌ على صحَّة الاعتراض بالشَّرع على ما لا يُسوَّغ فيه؛ ولو كان مستقيمًا في باطن الأمر، على أنَّه ليس في شيءٍ ممَّا فعله الخضر مُناقَضَةٌ للشَّرع، فإذا نقض لوح السَّفينة لدفع الظَّالم عن غصبها، ثمَّ إذا تركها أُعِيد اللَّوح؛ جائزٌ شرعًا وعقلًا، ولكن مُبادَرَة [56] موسى بالإنكار بحسب الظَّاهر، وقع ذلك صريحًا عند مسلمٍ، ولفظه: «فإذا جاء الذي يسخِّرها [57] ؛ وجدها منخرقةً»، وأمَّا قتله الغلام؛ فلعلَّه كان في تلك الشَّريعة، وقد حكى القرطبيُّ عن صاحب «العرس والعرائس»: أنَّ موسى لمَّا قال للخضر: أقتلت نفسًا زاكية؟ اقتلع الخضر كتف الصَّبيِّ الأيسر وقشر عنه اللَّحم، فإذا في عظم كتفه كافرٌ لا يؤمن بالله [58] أبدًا، وفي «مسلمٍ»: «وأمَّا الغلام فطُبِع يوم طُبِع كافرًا لا يؤمن بالله»، وأمَّا إقامة الجدار؛ فَمِنْ باب مُقابَلَة الإساءة بالإحسان، قال محمَّد بن يوسف: حدَّثنا به عليُّ بن خَشْرَمٍ؛ بفتح الخاء وسكون الشِّين المُعجَمَتين، وفتح الرَّاء، آخره ميمٌ، مصروفٌ، قال: حدَّثنا سفيان بن عُيَيْنَةَ بطوله [59] ، وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ في أكثر من عشرة مواضع [خ¦3278] ، [خ¦3401] ، [خ¦4725] ، [خ¦4727] ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار بصيغة الإفراد والسُّؤال.

[1] في (د): «أعجميَّته»، وفي (ص): «عجميَّته»، وفي (م): «عجميَّه».
[2] «أبي ذَرٍّ عن»: سقط من (د).
[3] في (د): «عُلِّمتَه».
[4] «الأنبياء»: سقط من (د).
[5] «نفس»: سقط من (ص).
[6] «لي»: ليس في (ص) و(م).
[7] في (ب) و(س): «فتاه».
[8] «كهي»: مثبتٌ من (م).
[9] في (ب) و(س): «أخبرني».
[10] أي: نسب النسيان إلى الشيطان مع أنَّ فاعله الحقيقي هو الله تعالى وفاعله المجازي هو الاستغراق بمذكورٍ؛ هضماً لنفسه بجعل ذلك الاستغراق نفسه وشغله. انظر روح المعاني (15/318).
[11] في (ب) و(س): «نطلب».
[12] في (ب) و(س): «أتيا».
[13] زيد في (ب) و(س): «وفي نسخة: انتهيا».
[14] في (ص): «مسجًّى».
[15] «عليه السَّلام»: سقط من (د).
[16] في (ص): «أو كان».
[17] «به»: سقط من (د).
[18] في (د): «تبعًا له».
[19] في (م): «عليه ببعض».
[20] «به»: سقط من (ص) و(م).
[21] في (م): «السِّياق».
[22] «كهي»: مثبتٌ من (م).
[23] في (م): «حكم».
[24] في (م): «للمُكلَّفين».
[25] «مشاهدة الفساد و»: مثبتٌ من (م).
[26] في (ص): «إياهم».
[27] «يكون»: سقط من (ص).
[28] «كهي»: سقط من (د) و(ص).
[29] في (م): «هو».
[30] في (م): «لموسى».
[31] في (ص) و(م): «بمنقاره في».
[32] في (م): «أو أن».
[33] «كان»: سقط من (س).
[34] في (م): «الطَّوائر».
[35] في (ب) و(س): «تعلو مناقيرها بحيث لا».
[36] قوله: «وقيل: كان هذا الطَّائر من الطُّيور... فلا يعلق بها ماء ألبتَّة»، سقط من (د) و(ص).
[37] «الخضر»: سقط من (د).
[38] «بغير»: سقط من (د).
[39] في (د): «عند».
[40] في (ب) و(س): «اسم الغلام».
[41] في (ب) و(س): «حيسون أو حيسور»، وفي (م): «ميسور».
[42] في (د): «يقطع».
[43] «فقتله»: سقط من (د).
[44] في: «بالفساد».
[45] في غير (د): «مُنتَفٍ».
[46] في (د): «عبادن».
[47] في غير (س): «الاستكثار»، وفي (ص): «الاستعثار».
[48] زيد في (م): «قاله في «الأنوار»».
[49] في غير(ب): «خمسون».
[50] في (ب) و(س): «فمسح».
[51] في (ص): «عمده بيده وقيد».
[52] في (ب) و(س): «و»، وليس بصحيحٍ.
[53] في (د): «يزيد»، وهو تصحيفٌ.
[54] في (د): «فقال».
[55] في (ص): «بسبب».
[56] في (م): «بادرة».
[57] في (ص): «سخرها».
[58] «لا يؤمن بالله»: سقط من (ص) و(م).
[59] قوله: ««قال محمَّد بن يوسف: حدَّثنا به عليُّ... حدَّثنا سفيان بن عُيَيْنَةَ بطوله»، مثبتٌ من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

122-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، قالَ: حدَّثنا [1] عَمْرٌو، قالَ: أخبَرَني سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، قالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ [2] يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَىَ لَيْسَ بِمُوسَىَ [3] بَنِي إِسْرائِيلَ، إِنَّما هو مُوسًى آخَرُ. فقالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ؛ حدَّثنا [4] أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قامَ [5] مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا في بَنِي إِسْرائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فقالَ: أَنا أَعْلَمُ. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ [/ج1ص35/] إِلَيْهِ [6] ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، هو أَعْلَمُ مِنْكَ. قالَ: يا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا في مِكْتَلٍ، فَإِذا فَقَدْتَهُ فَهْوَ ثَمَّ. فانْطَلَقَ وانْطَلَقَ بِفَتاهُ [7] يُوشَعَ بنِ نُونٍ، وَحَمَلا حُوتًا في مِكْتَلٍ، حَتَّىَ كانا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعا رُؤُوسَهُما وَناما [8] ، فانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ {فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا}، وَكان لِمُوسَىَ وَفَتاهُ عَجَبًا، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِما وَيَوْمَهُما [9] ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قالَ مُوسَىَ لِفَتاهُ: {آتِنا غَداءَنا، لقد لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا}. وَلَمْ يَجِدْ مُوسَىَ مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّىَ جاوَزَ المَكانَ الذِي أُمِرَ بِهِ، فقالَ [10] لَهُ فَتاهُ: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ [11] }. قالَ مُوسَىَ: {ذلكَ ما كُنَّا نَبْغِي [12] فارْتَدَّا علىَ آثارِهِما قَصَصًا}، فَلَمَّا انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، إذا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ _أَوْ قالَ: تَسَجَّىَ بِثَوْبِهِ_ فَسَلَّمَ مُوسَىَ، فقالَ الخَضِرُ: وَأَنَّىَ بِأَرْضِكَ السَّلامُ؟! فقالَ [13] : أَنا مُوسَىَ. فقالَ: مُوسَىَ بَنِي إِسْرائِيلَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: {هَلْ أَتَّبِعُكَ علىَ أَنْ تُعَلِّمَنِي [14] مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا؟ [15] قالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي [16] صَبْرًا}، يا مُوسَىَ إِنِّي علىَ عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ علىَ عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ [17] لا أَعْلَمُهُ. قالَ: {سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا. فانْطَلَقا } يَمْشِيانِ علىَ ساحِلِ البَحْرِ، لَيْسَ لَهُما سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بهما سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُما، فَعُرِفَ الخَضِرُ، فَحَمَلُوهُما [18] بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ علىَ حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ في البَحْرِ، فقالَ الخَضِرُ: يا مُوسَىَ، ما نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هذا العُصْفُورِ في البَحْرِ. فَعَمَدَ الخَضِرُ إلىَ لَوْحٍ مِنْ أَلْواحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ، فقالَ مُوسَىَ: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إلىَ سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها {لِتُغْرِقَ أَهْلَها [19] ؟! قالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي [20] صَبْرًا؟ قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ [21] }. فَكانَتِ الأُولَىَ مِنْ مُوسَىَ نِسْيانًا. فانْطَلَقا، فَإِذا غُلامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأسِهِ مِنْ أَعْلاهُ فاقْتَلَعَ رَأسَهُ بِيَدِهِ. فقالَ مُوسَىَ: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ}؟! {قالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟} _قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهذا أَوْكَدُ_ {فانْطَلَقا حَتَّىَ إِذا [22] أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، فَوَجَدا فيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ [23] }، قالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ فَأَقامَهُ، فقالَ لَهُ [24] مُوسَىَ: {لَوْ شِيتَ [25] لاتَّخَذْتَ [26] عَلَيْهِ أَجْرًا، قالَ: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}». قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَىَ، لَوَدِدْنا لَوْ صَبَرَ حَتَّىَ يُقَصَّ عَلَيْنا مِنْ أَمْرِهِما». [27]

[1] في رواية ابن عساكر: «أخبَرَنا».
[2] هكذا ضبطت الباء في (و)، وأهمل ضبطها في (ن)، وضبطت في (ب، ص) بكسرها وفتحها معًا.
[3] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «ليس موسىَ».
[4] في رواية أبي ذر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «حدَّثني». كتبت بالحمرة.
[5] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «قال: قام». كتبت بالحمرة.
[6] في رواية أبي ذر عن الحَمُّويِي ورواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلى الله».
[7] في رواية أبي ذر و [عط] : «وانطلق معه بفتاه».
[8] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «فناما».
[9] صحَّح عليها في اليونينيَّة فوق الميم.
[10] في رواية الأصيلي: «قال».
[11] في رواية ابن عساكر زيادة: «{وما أنسانيه إلا الشيطان}» وبها قرأ الجمهور غير حفص.
[12] في رواية الأصيلي: «قال».
[13] بالياء وصلًا قرأ نافع وأبو عمرو والكسائي وأبو جعفر، وفي الحالين ابن كثير ويعقوب.
[14] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت زيادة: «الله». كتبت بالحمرة، وزاد في (و) نسبتها إلىَ رواية المستملي.
[15] بفتح الراء والشين على قراءة أبي عمرو ويعقوب، وضبطت في (ص) بضمها على قراءة الجمهور.
[16] بسكون الياء على قراءة الجمهور غير حفص.
[17] بالياء وصلًا قرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر، وفي الحالين ابن كثير ويعقوب.
[18] في رواية [ح] و [عط] : «فحملوهم».
[19] في رواية [عط] : «{ليَغْرَقَ أهْلُها}» وبها قرأ حمزة والكسائي وخلف.
[20] بسكون الياء على قراءة الجمهور غير حفص.
[21] في رواية أبي ذر ورواية السمعاني عن أبي الوقت زيادة: «ولا ترهقني من أمري عسرًا». و{تؤاخذني} في اليونينية بالإبدال على قراءة ورش وأبي جعفر.
[22] لفظة: «إذا» ليست في رواية أبي ذر و [عط] .
[23] لفظة: «فأقامه» ليست في رواية الأصيلي وابن عساكر و [عط] ولا في رواية السمعاني عن أبي الوقت.
[24] لفظة: «له» ليست في رواية أبي ذر.
[25] هكذا ضبطت في (ن) بالإبدال على قراءة السوسي وأبي جعفر، وضبطت في (و، ب، ص) بالهمز على قراءة الجمهور.
[26] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر وعط: «{لتَخِذْتَّ}» وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
[27] في متن (ن، ق) زيادة: «قال محمد بن يوسف الفربري: حدَّثناه [في (ق) : حدَّثنا به] عليُّ بن خَشْرَم: حدَّثنا سفيان بن عيينة بطوله». ورمز في (ق) إلىَ أنَّها ليست في رواية الأصيلي.





122- ( حدَّثَنَا سُفْيَانُ ) بالرفع غير منصرف. [/ج1ص79/]

( نَوْفٌ ) بفتح النون وإسكان الواو وآخره فاء: ابن فضالة، أبو رشيد ابن امرأة كعب، كان من علماء التابعين.

وقول ابن عباس: ( كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ) خرج مخرج التنفير عن قوله هذا لا القدح في القائل.

( الْبِكَالِيَّ ) بكسر الباء وتخفيف الكاف، وقيل: بفتح الباء وتشديد الكاف، والأول أجود، وبكال من حِميَر.

( إِنَّمَا هُوَ مُوسًى آخَرُ ) منوَّن مصروف؛ لأنَّه نكرة، و( آخر ) بالرفع نعت له، وقال ابن مالك: قد يُنكَّرُ العلم تحقيقًا أو تقديرًا فيجري مجرى نكرة، وجعل هذا مثال التحقيق، وفي تَقْدِيْرِهِ بَحث.

( فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ ) هذا خلاف الرواية السابقة في باب الخروج في طلب العلم: «تعلم [1] أن أحدًا أعلم منك، قال: لا» وهي أيسر من هذه؛ لأنها على نفي العلم وهذه على البت.

( فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ) أي: لم يرض قوله شرعًا؛ فإن العتب بمعنى المَوجدة وتغيُّر النفس ويستحيل على الله تعالى، وعَتَبَ يَعتِبُ كضرب يضرب.

( مِكْتَلٍ ) بميم مكسورة وتاء مثناة: القفة.

( فَإِذَا فَقَدْتَهُ ) بفتح القاف.

( فَهْوَ ثَمَّ ) بثاء مثلثة مفتوحة: ظرف، أي: هناك.

( يُوشَعَ ) بالفتح لا ينصرف. [/ج1ص80/]

( فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا ) أما الأول فمجرور على الإضافة، والثاني ضبطوه بالجر عطفًا عليه، وبالنصب على إرادة سير جميعه.

( مُسَجًّى ) أي: مغطًّى.

( وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ ) بهمزة مفتوحة ونون مشددة، كلمة تعجب، أي: السلام بهذه الأرض غريب؛ لأن أهلها لا يعرفون آداب السلام، و ( أنى ) فيها وجهان:

أحدهما: بمعنى: من أين؛ كقوله تعالى: { أَنَّى لَكِ هَذَا } [ آل عمران: 37 ] ، فهي ظرف مكان و( السلام ) مبتدأ، والظرف خبر عنه، وهو نظير ما في قوله تعالى: { أَنَّى لَكِ هَذَا } {أنى} خبر مقدم، و{هذا} مبتدأ و{لك} تبيين.

والثاني: بمعنى كيف، أي: كيف بأرضك السلام، ويشهد له الرواية التي سنذكرها في تفسير سورة الإسراء: « هل بأرضي من سلام».

ووجه هذا الاستفهام: أنَّه لمَّا رأى ذلك الرجل في قفر من الأرض استبعد علمه بكيفية السلام، ذكره أبو البقاء العكبري، قال: فأَمَّا قوله: ( بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ ) فموضعه نصب على الحال من السلام، والتقدير: من أين استقرَّ السلام كائنًا بأرضك.

وَقَوْلُهُ: ( مُوْسَى بَنِيْ إِسْرَائِيلَ )؛ أَيْ: أنت موسى بني إسرائيل، فأنت مبتدأ وموسى خبره.

وقوله: ( فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعرَفوا الْخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا ) هكذا ورد الضمير أولًا جمعًا ثم مثنى، والمعنى أن موسى والخضر ويوشع قالوا لأصحاب السفينة: هل تحملوننا؟ فعرفوا الخضر فحملوهم، فجمع الضميرين في ( كلموهم ) على الأعداد [2] ، وثنَّى ( فحملوهما ) لأنهما المتبوعان، ويوشع تبع لهما، ومثله قوله تعالى: { إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى } [طه: 117 ] فثنَّى ثم وحَّد لما ذكرنا. [/ج1ص81/]

وقوله: ( قَوْمٌ حَمَلُونَا ) أي: هؤلاء قوم، أو هم قوم، فالمبتدأ المحذوف و ( قوم ) خبره.

( بغير نَول ) بفتح النون وإسكان الواو، أي: بغير أجرة.

( فَجَاءَ عُصْفُورٌ ) بضم العين، ذكر بعضهم أنَّه الصُّرَد.

( ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا ما نقص هذا العصفور ) أوردوا: كيف صحَّ هذا التشبيه فإن العصفور ينقص نقصًا ما، وهو مستحيل في علم الله ؟ وأجيب بثلاثة أوجه:

أحدها: أن ( إلا ) بمعنى: ولا، أي ما نقص علمي وعلمك ولا ما أخذ هذا العصفور من البحر شيئًا من علم الله، أي: أن علم الله لا يدخله نقص.

والثاني: ( إلا ) على حقيقتها والمراد بالنقص التقريب [3] الذي له تأثير محسوس، ونقص العصفور ليس يُنْقِص [4] البحر بهذا المعنى، فكذلك علمنا لا يَنقُصُ من علمه شيئًا كقوله:

~ وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوْفَهُمْ بِهِنَّ فُلُوْلٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ

أي: ليس فيهم [ب:15] عيب، قاله الإسماعيلي.

والثالث: العلم هنا بمعنى المعلوم، كقوله تعالى: { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ } [ البقرة: 255] ولولا ذلك لما صحَّ دخول التبعيض فيه؛ لأن الصفة القديمة لا تتبعَّض.

( فَعَمَدَ الْخَضِرُ ) بفتحتين، عَمَدتُ بفتح الميم.

( فأخذ برأسه ) في الباء وجهان:

أحدهما: زائدة. [/ج1ص82/]

والثاني: على بابها؛ لأنَّه ليس المعنى أنَّه تناول رأسه ابتداءً، وإنَّما المعنى أنَّه جرَّه إليه برأسه ثم اقتلعه، ولو كانت زائدة لم يكن لقوله: ( اقتلعه ) معنىً زائدًا على أخذه.

وقوله: ( لوددنا لو صبر ) ( لو ) هنا بمعنى أن الناصبة للفعل؛ كقوله تعالى: { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ } [القلم: 9] ، { وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ } [ الممتحنة: 2 ] ، وقد جاء بـ«أن» في قوله: { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ } [ البقرة: 266 ] و( صبر ) بمعنى تصبَّر، أي: وددنا أن يتصبر. [/ج1ص83/]

[1] جاء في هامش [ب] : نسخة فقيل له: تعلم...
[2] في [ب] : على الأصل.
[3] قال محب الدين البغدادي: قوله: والمراد بالنقص التقريب. كأنه التفويت.
[4] قال محب الدين البغدادي: قوله: ونقص العصفور: ليس بمنقص. لعله: ونقر العصفور.





122# (إِنَّ نَوْفاً) بفتح النون وإسكان الواو وآخره فاء: هو أبو رُشَيْدِ [1] بنُ فَضَالَةَ ابنُ امرأةِ كعب، كان من علماء التابعين.

(الْبِكَالِيَّ) بكسر الموحدة وتخفيف الكاف. وقيل: بفتحها مع تشديد الكاف، وبكال من حِمْيَر.

(إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ) أي: شخصٌ آخرُ مسمًّى [2] بموسى [3] ، فهو نكرة، فينصرف؛ لزوال علميته.

وجعله ابن مالك من قبيل ما نُكِّرَ تحقيقاً، يريد:

@%ج1ص107%

باعتبار جعله بمعنى شخصٍ مسمًّى بهذا الاسم، وذلك موجود كثيراً، فيتحقق [4] له شياع [5] في أمته بالاعتبار المذكور، بخلاف مثل: لا بصرةَ [6] لكم؛ أي: لا بلدَ مسمَّاة بالبصرة، فهذا ليس محققاً، إنما هو أمر [7] مقدر ضرورةَ أن لا شيءَ من البلاد مسمًّى بالبصرة غير تلك المدينة الواحدة.

فأما [8] وجود أشخاص يسمَّى كلٌّ منهم بموسى، فمن قَبيل المحقَّق، لا المقدَّر، فلا وجه حينئذٍ لاستشكال الزركشيِّ جعلَ ابن مالك تنكيرَ موسى مثالاً للتحقيقي، فتأمله.

(فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ) أي: قال غيرَ الواقع، ولا يلزم منه تعمُّدُه، وهذا الكلام من ابن عباس رضي الله عنهما خرجَ مخرَجَ التنفير عن هذا القول، لا القدح في القائل [9] .

(فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أي [10] : لم يرضَ قوله شرعاً، وأما العَتْبُ بمعنى المَوْجِدَة وتغيُّر النفس، فمستحيلٌ على الله تعالى، وعَتَبَ كضربَ وخرج.

قال ابن المنيَّر: وأورد الشارح _ يعني: ابن بطَّال _ كلاماً كثيراً عن السلف في التَّحذير من دعوى العلم، والتَّحضيضِ [11] على قول القائل [12] : لا أدري، وما [13] كان لائقاً بهذا السياق؛ فإن فيه إشعاراً بأن الآحاد بلغوا من التحرز [14] ما لم يبلغه موسى عليه السلام، وهذا لا يجوز اعتقادُه، ولا إيرادُه في سياق العتب على موسى، بل يُقتصر على ما ورد في الحديث.

وليس قولُ موسى عليه السلام: ((أنا أعلم)) كقول الآحاد لهذا القول، ولا نتيجةُ قولهِ [15] كنتيجة قولهم، بل كانت نتيجةُ قوله المزيدَ من العلم، وتمهيدَ قواعدِ ما جرى بينه وبين الخضر،

@%ج1ص108%

والتنبيه [16] بتلك الكلمة إلى زيادات في التواضع، وإلى مزيد حرصٍ في طلب العلم.

وإطلاقُ الشارح الخطأ عليه؛ حيثُ بين له الخضرُ ما بيَّن، غلطٌ؛ فإن موسى عليه السلام قضى بالظاهر المتعَبَّد [17] به، وكشفُ الغيب لمخالفة الباطن له لا يطَّرَّق [18] له خطأ؛ كما لو قضى القاضي ببراءة الخصم بيمينه حيث لم يُحضر المدعي بيِّنتَه [19] ، فقامت البينةُ بعدُ، فلا يكون القاضي مخطئاً [20] ، بل لو أقرَّ الخصمُ نفسُه أنه حلف يميناً فاجرةً، استحلفه القاضي إياها، فلا يكون القاضي مخطئاً [21] بالإجماع، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((فمَنْ قضَيْتُ لهُ بشيءٍ مِن حقِّ أخيهِ، فلاَ يأخُذهُ، إنَّما [22] أقطَعُ لهُ قطعَةً مِن نارٍ)).

أفترى ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم إلا صواباً محضاً لا يُنسب إليه فيه خطأ بالإجماع؟!!

وإنما عاد موسى على نفسه بالاعتراف بالنسيان؛ لأنه كان واعدَ الخضر ألَّا [23] يُنْكِر عليه، ثم غلبه في الأولى النسيانُ، وفي الثانية اعتيادُ الغَيرة والحميَّة لظاهر الشرع الذي [24] هو متعبَّدٌ به [25] .

والأدبُ مع جميع الأنبياء واجب {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة:285]، والله الموفق.

(فِي مِكْتَلٍ) بميم مكسورة ومثناة من فوق مفتوحة: القُفَّة [26] .

(يُوشَعَ) بالفتح لا ينصرف.

(فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا) أما الليلة، فمضاف إليه ((بقية))، و((يومِهما)): إما بالجر عطفاً عليه، وإما بالنصب عطفاً على البقية، والمراد: سيرُ جميعه، كذا جاء هنا.

وفي التفسير: ((بقيةَ يومِهما وليلِهما))، وهو الظاهر.

(مُسَجًّى) مغطًّى.

(وَأنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ؟) أنى بمعنى: من أين؟ أو

@%ج1ص109%

بمعنى: كيف؟ وهي خبر مقدم على المبتدأ، وهو السلام، وبأرضك إما متعلق بما تعلق به الظرف، أو في محل نصب على الحال من الضمير المستتر فيه العائد على السلام، والاستفهام هنا تعجبي، وذلك أنه لما رآه في أرضٍ قفرٍ [27] ، استبعد علمَه بالسلام وكيفيتهِ.

(فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا) هكذا ورد بصيغة [28] الجماعة أولاً، وصيغة ضمير الاثنين ثانياً، والمعنى: أن موسى والخضر ويوشَع [29] كلموا أصحاب السفينة، فأتى بضمير الجماعة على الأصل، وأتى بضمير الاثنين في ((يحملوهما)) عائداً إلى الخضر وموسى [30] عليهما السلام، ويوشعُ تبعٌ لهما، وقد قال الله تعالى: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه:117] , فخاطبهما [31] ، ثم خاطبه؛ لأنها [32] في حكم التبع له.

(قَوْمٌ حَمَلُونا) قال الزركشي: أي: هؤلاء قومٌ، أو: هم قومٌ، فالمبتدأ محذوف، وقومٌ خبره.

قلت: ويجوز أن يكون قومٌ مبتدأ، وإن كان نكرة؛ لأنه قد وُجد مسوِّغُ الابتداء، وخبرُه: ((عمدتَ إلى سفينتهم)).

(بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح النون وإسكان الواو؛ أي [33] : بغير أجرة.

(عُصْفُورٌ) بضم العين، وذكر بعضهم أنه [34] الصُّرَد.

(نَقْرَةً) بفتح النون وإسكان القاف.

(مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْم اللَّهِ إلَّا كنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ) لفظ [35] النقص هنا ليست [36] على ظاهرها؛ إذ علمُ الله تعالى لا تدخله زيادةٌ ولا نقص، وإنما هذا على طريقِ التمثيل؛ أي: إن علمَنا بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة هذه النقرة؛ فإنها لحقارتها لا تظهر، فكأنه [37] لم يأخذ شيئاً.

قال القاضي: أو يرجع ذلك

@%ج1ص110%

في حقهما؛ أي: ما نقص علمنا مما جهلناه من معلومات الله إلا كهذا [38] تقديراً، وجاء في البخاري: ((ما علمي وعلمك في جنب الله)) أي: معلومه إلا [39] كما أخذ هذا العصفور وقيل: ((إلا)) بمعنى: ((ولا))، والظاهر أنَّه على التمثيل وما عداه فيه تكلُّف.

(فَعَمَدَ) بفتحتين.

(فَأَخَذَ بِرَأْسِهِ) الباء للإلصاق، المعنى: أنه ألصق أخذه برأسه؛ أي: جرَّه إليه برأسه، ثم [40] اقتلعه، ولو كانت زائدة كما قيل، لم يكن لقوله [41] : ((اقتلعه)) معنى زائد على أخذه، مع أن هذا ليس من محالِّ زيادة الباء.

(لَوَدِدْنَا) على وزن شربنا.

(لَوْ صَبَرَ) أي: صبرَه، فلو فيه مصدرية؛ مثل: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ} [القلم:9].

[1] في (ق): ((أرشيد)).
[2] في (ق): ((يسمى)).
[3] في (د): ((مسمى بآخر)).
[4] في (ق): ((فتحقق)).
[5] في (ق): ((يشاع)).
[6] في (ج): ((نصرة)).
[7] ((أمر)): ليست في (ج).
[8] في (ج): ((فأنى)).
[9] من قوله: ((فقال كذب عدو الله... إلى قوله: ...في القائل)): ليست في (ق).
[10] في (ق): ((أن)).
[11] في (ق): ((والتخصيص)).
[12] في (ق): ((العالم)).
[13] في (ق): ((ولا ما)).
[14] في (د): ((التحذر)).
[15] في (ق): ((يتجه كقوله)).
[16] في (ق): ((والشبه)).
[17] في (ق): ((المعتد)).
[18] في (ق): ((يتطرق)).
[19] في (د) و(ج): ((ببينة))، وفي (ق): ((بينة)).
[20] في (ق): ((محيطاً)).
[21] من قوله: ((بل لو أقر ... إلى قوله: ...القاضي مخطئاً)): ليس في (د).
[22] في (ق): ((فإنما)).
[23] في (د) و(ج): ((أن لا)).
[24] ((الذي)): ليست في (ق).
[25] في (ق): ((متعذر به)).
[26] في (ق) زيادة: ((والله أعلم)).
[27] في (د) و(ج) و(ق): ((أنه لما أراه في أرض قفراً)).
[28] في (ق) زيادة: ((ضمير)).
[29] في (ق): ((أن يوشع والخضر وموسى)).
[30] في (ق): ((إلى موسى والخضر)).
[31] في (ج): ((فخاطبها)).
[32] في (ق): ((لأنهما)).
[33] ((أي)): ليست في (ق).
[34] في (ق): ((أن)).
[35] في (د) و(ق): ((لفظة)).
[36] في (ق): ((ليست هنا)).
[37] في (ق): ((وكأنه)).
[38] في (د): ((هكذا)).
[39] في (ج) زيادة: ((كهذا تقديراً وجاء في البخاري)).
[40] ((ثم)): ليست في (ق).
[41] في (ج): ((لقول)).





122- قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ): هذا هو المسنَديُّ، وهو بفتح النُّون، وإنَّما قيل له ذلك؛ لأنَّه كان وقت الطلب يتَّبع الأحاديث المسندة، ولا يرغب في المقاطيع والمراسيل، وقال الحاكم: (إنَّه أوَّل من جمع مسند [1] الصَّحابة على التراجم بما وراء النهر) ، وكنيته: أَبُو جعفر، وقد تقدَّم، وهو عَبْد الله بن محمَّد بن عَبْد الله بن جعفر بن يمان بن أخنس بن خنيس الجعفيُّ البخاريُّ الحافظ [2] .

[وتقدَّم أَنَّ البخاريَّ يروي عن أربعة أشخاص كلٍّ منهم اسمه: عبد الله بن محمَّد في (باب أمور الإيمان) ؛ فانظره، والمسنديُّ هذا يروي] [3] عن فضيل، ومعتمر [4] ، وعنه: البخاريُّ، ومحمد بن نصر المروزيُّ، توفِّي سنة (229 هـ ) ، أخرج له البخاريُّ والتِّرمذيُّ، قال أَبُو حاتم: (صدوق) .

قوله: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ): هذا هو سفيان بن عيينة، تقدَّم فيما مضى في أوَّل التَّعليق، ويدلُّك على أنَّه هو قوله في آخر الحديث: (قال ابن عيينة) ، وهذا أوكد.

قوله: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو): هذا هو ابن دينار أَبُو محمَّد مولى قريش، مكِّيٌّ إمام، عنِ ابن عبَّاس، وابن عمر، وجابر، وعنه: شعبة، والسفيانان، وخلق، مات سنة (126 هـ ) في أوَّلها، وله ثمانون سنة، تقدَّم، وأنَّه ما قيل عنه من التشيُّع؛ باطل، وهو عالم حجَّة.

(تنبيه: لهم عمرو بن دينار آخر [5] ، كنيته: أَبُو يحيى، وهو قهرمان آل الزبير، أخرج له التِّرمذيُّ وابن ماجه [6] ، ضعَّفوه) [7] .

قوله: (إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ): (نَوْفٌ) ؛ بفتح النُّون، وإسكان الواو، ثمَّ بفاء، مصروف، و (البِكاليُّ) ؛ بكسر الموحَّدة وبالكاف المخفَّفة، وفي آخره لام: نسبة إلى بكال؛ بطن من حمير، وهو نوف بن فَضالة، قال ابن الصَّلاح في «علومه»: (إنَّه كما قيَّدته، ونسبه إلى ما نسبته إليه، وغلب على ألسنة أهل الحديث فيه: فتح الباء، وتشديد الكاف) انتهى.

وقال ابن قُرقُول: (أكثر المحدِّثين يفتحون الباء، ويشدِّدون الكاف، وآخره لام، وكذا قيَّدناه عن أبي بحر وابن أبي جعفر عنِ العذريِّ، وقال: قاله أبو ذرٍّ، وقُيِّد عنِ المهلَّب بكسر الباء، وكذلك عنِ الصَّدَفيِّ، وأبي الحسين بن سِراج: بتخفيف الكاف، وهو [/ج1ص67/] الصَّواب؛ نسبة إلى بكال من حمير) انتهى.

وهو ابن امرأة كعب [8] ، روى عن كعب، وعليٍّ، وثوبان، وعبد الله بن عمرو، وأبي أيُّوب الأنصاريِّ، وعنه: شهر [9] بن حوشب، وابن جبير، وأبو إسحاق السبيعيُّ، وأبو عمران الجونيُّ، كان أحد العلماء، وقال يحيى بن أبي عمرو السّيبانيُّ: (كان نوفٌ إمامًا لأهل دمشق رحمه الله) .

قوله: (يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ...) إلى آخره: إن قال قائل: من موسى الآخر؟

فالجواب: أنَّ الحاكم ذكر في «مستدركه» في (المناقب) في موسى وهارون صلَّى الله عليهما وسلَّم [10] : (قال ابن إسحاق: ولد موسى بن مَنْشا [11] [بالنُّون والياء صح] بن يوسف بن يعقوب، فتنبَّأ في بني إسرائيل قبل موسى بن عمران فيما يزعمون، ويزعمون -أهل السَّفر بها- أنَّه هو الذي صَحِبَ الخضر) ، كذا نقلتُه من «تلخيص المستدرك» للذهبيِّ، وموسى هذا ذكر ابن الجوزيِّ في أوَّل «تلقيحه» في ترتيب كبار الأنبياء: (من بعد يوسف موسى بن مَنْشا [12] [بالنُّون والياء صح] ، ثمَّ من بعده موسى بن عمران) انتهى، وسيأتي من كلام شيخنا الشَّارح حكاية أنَّه هو.

قوله: (مُوسًى [13] آخَرُ): هو منوَّن في أصلنا، ويجوز تنوينه وترك تنوينه، قال أبو عمرو بن العلاء: (إنَّ موسى مصروف في النكرة) انتهى، وقوله: (موسًى آخر): هو نكرة.

قوله: (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ): هذا قاله على سبيل الإغلاظ على القائل، وكان ذلك في حال غضبه؛ لشدَّة إنكاره، وحالة الغضب تُطلق الألفاظ ولا يُراد بها حقائقها.

فائدة: السَّائل هنا هو سعيد بن جبير، وابن عبَّاس هو المخبر، وفيما مضى ابن عبَّاس تمارى هو والحرُّ بن قيس في صاحب موسى، فقال ابن عبَّاس: هو خضر، فمرَّ بهما أُبيُّ بن كعب فسأله ابن عبَّاس فأخبره، فيحتمل أنَّ سعيدًا سأل ابن عبَّاس بعد الواقعة الأولى المتقدِّمة لابن عبَّاس مع الحرِّ، فأخبره ابن عبَّاس لمَّا سأله عن قول نوف، ولأجل ذلك -والله أعلم- قدَّم البخاريُّ تلك الواقعة وأخَّر هذه.

قال شيخنا الشَّارح: (وجاء أنَّ السَّائل غير ابن جبير) ، روي عن سعيد قال: جلست إلى ابن عبَّاس وعنده قوم من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا عبد الله؛ إنَّ نوفًا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أنَّ موسى الذي طلب العلم إنَّما هو موسى بن منشا، فقال ابن عبَّاس: كذب نوف، حدثني أُبيٌّ...؛ وذكر الحديث.

قوله: (أَنَّ عَبْدًا): هو بفتح همزة (أَنَّ) ، وكسرها.

قوله: (بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ): هما بحر الروم ممَّا يلي الغرب، وبحر فارس ممَّا يلي الشَّرق، قاله قتادة، وحَكى الثعلبيُّ عن أُبيِّ بن كعب أنَّه بإفريقية، وقيل: بحر الأردنِّ وبحر القلزم، قال السُّهيليُّ: (وقيل: بحر المغرب وبحر الزقاق) ، قال ابن عبَّاس: (اجتمع البحران موسى والخضر بمجمع البحرين) ، قاله شيخنا الشَّارح، وقال ابن عبد السلام: (عند عين الحياة، وقيل: الروم وفارس [14] ، وقيل: طنجة، وقيل: إفريقية، وقيل: بحري العلم موسى والخضر) انتهى.

قوله: (فِي مِكْتَلٍ): هو بكسر الميم، وإسكان الكاف، وفتح المثنَّاة فوق، ثمَّ لام؛ وهو فوق الزِّنبيل [15] ، وقيل: القفَّة، وقال ابن وهب: (هو وعاء يسع خمسة عشر صاعًا إلى عشرين) ، قال في«المطالع»: (قلت: قاله سعيد في الفَرَق) .

قوله: (فَهْوَ ثَمَّ): هو بفتح الثَّاء المثلَّثة، وتشديد الميم، تقدَّم معناها في ذهاب موسى مع الخضر [16] .

قوله: (يُوشَعَ بْنِ نُونٍ): تقدَّم أنَّ (نونًا) مصروف، وتقدَّم بقيَّة نسبه في ذهاب موسى مع الخضر.

قوله: (عِنْدَ الصَّخْرَةِ): تقدَّم في الباب المذكور أعلاه أين هي.

[قوله: (فَانْسَلَّ الْحُوتُ): قال صاحبنا الإمام كمال الدين الدميريُّ ثمَّ القاهريُّ الشَّافعيُّ -وهو أحد فضلاء القاهرة اجتمعت به- ما لفظه: (حوت موسى ويوشع عليهما السلام، قال [17] أبو حامد الأندلسيُّ: رأيت سمكة بقرب مدينة سبتة من نسل الحوت الذي أكل منه موسى [18] وفتاه، وأحيا [19] الله نصفه، فاتَّخذ سبيله في البحر سربًا، ونسلها [20] في البحر إلى الآن في ذلك الموضع، وهي سمكة طولها أكثر [21] من ذراع، وعرضها شبر واحد، أحد جانبيها شوك وعظام، وجلد رقيق على أحشائها وعينيها، ورأسها نصف رأس، من رآها من هذا الجانب؛ استقذرها، ويحسب أنَّها مأكولة ميتة، ونصفها الآخر صحيح، والناس يتبرَّكون بها، ويهدونها إلى الأماكن البعيدة) انتهى ما قاله] [22] .

قوله: (سَرَبًا): هو المسلك في خُفية، وانتصب على المفعول، أو على المصدر، كأنَّه قال: سرب الحوت سربًا.

قوله: (بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهِمَا): وفي (الأنبياء) العكس، وهو في «مسلم»، وهو الصَّواب؛ لقوله: (فلمَّا أصبح) ، وفي رواية: (حتَّى إذا كان من الغد) ، قال النوويُّ: (وضبطوه _ [يعني: في «مسلم»-: بنصب «ليلتَهما»، وجرِّها) انتهى، فـ(يوم) في «صحيح البخاريِّ»: منصوب، وكذا هو في أصلنا، وعليه (صح) ، وقول النَّوويِّ: (إنَّهم ضبطوه] [23] : بجرِّ «ليلتِهما») ؛ فيه وقفة من حيث المعنى؛ لأنَّهما إنَّما سارا بقيَّة اليوم الذي نسيا فيه الحوت واللَّيلة كلَّها لا بقيَّتها؛ بدليل قوله: (فلمَّا أصبح) ، ورواية [24] : (حتَّى إذا كان من الغد) ، والذي ظهر لي في توجيه ما قاله النَّوويُّ -والله أعلم-: أنَّه إذا جُمع بين الرِّوايتين؛ صار بقيَّة اليوم مسارًا فيه وبقية اللَّيل لا هذا كلُّه، ولا هذا كلُّه [25] ، فلهذا [26] جُوِّز فيه الجرُّ، والله أعلم.

[قوله: (نَصَبًا): أي: تعبًا] [27] .

قوله: (الَّذِي أُمِرَ بِهِ): (أُمِر): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

قوله: (فَتَاهُ): تقدَّم أعلاه أنَّه يوشع بن نون؛ أي: خادمه، وقيل: إنَّه ابن أخته.

قوله: (مُسَجًّى بِثَوْبٍ): أي: مغطًّى به.

قوله: (وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ؟!): (أَنَّى): تجيء بمعنى: أين، وحيث، وكيف، قال القاضي عياض: (وهذا يدلُّ على أنَّ السلام لَمْ يكن معروفًا عندهم إلَّا في خاصَّة الأنبياء والأولياء، أو كان بلاد كفر ممَّن لا يعرف السلام [28] ) .

قوله: (فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، [فَعُرِفَ الْخَضِرُ] ، فَحَمَلُوهُمَا): هكذا ورد؛ والمعنى: أنَّ موسى والخضر ويوشع قالوا لأصحاب السفينة: هل تحملوننا؟، فعرفوا الخضر فحملوهم، فجمع الضَّمير في (كلَّموهم) ، وثنَّى (يحملوهما) [29] ؛ لأنَّ يوشع تابع، ومثله: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: 117] .

[قوله: (فَعُرِفَ الْخَضِرُ): (عُرِف): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (الخضرُ): مرفوع نائب مناب الفاعل] [30] .

قوله: (نَوْلٍ): هي بفتح النُّون، وإسكان الواو، ثمَّ لام؛ وهي الأجرة والجعل.

قوله: (فَجَاءَ عُصْفُورٌ): عن بعضهم: أنَّه الصرد، انتهى، والصُّرَد: على وزن (الجُعَل) ؛ وهو طائر فوق العصفور، قاله اللَّيث، وعن النضر بن شميل: (أنَّه طائر أبقع، ضخم المنقار، له بُرش عظيم؛ يعني: أصابعه عظيمة) ، وفي الصرد كلام غير هذا، والله أعلم. [/ج1ص68/]

قوله: (فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى...) إلى آخره: فائدة: روى الحاكم في «المستدرك» في تفسير (الكهف) بسنده عنِ ابن عبَّاس مرفوعًا: (لمَّا لقي موسى الخضرَ؛ جاء طائر فألقى منقاره في الماء، فقال الخضر لموسى [31] : تدبَّر ما يقول هذا الطائر، قال: وما يقول؟ قال: يقول: مَا علمك وعلم موسى في علم الله إلَّا كما أخذ منقاري من الماء) على شرطهما، ولم يتعقَّبه الذَّهبيُّ في «تلخيصه».

قوله: (مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ): اعلم أنَّ لفظ (النقص) هنا ليس على ظاهره، فإنَّ علم الله عزَّ وَجَلَّ لا يدخله نقص ولا زيادة، قال في «المطالع»: («إلَّا» هنا بمعنى: ولا...) إلى أنْ قال: (وقد قيل في قوله تعالى: {أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطئًا} [النساء: 92] نحو هذا؛ ولا خطأ، وهو قول ضعيف، وعند المحقِّقين: استثناء من غير الجنس؛ بمعنى: لكن يقتله خطأ، أو إلَّا أنَّ يقتله خطأ) ، قال القاضي: (وهذا التأويل في الحديث لا يُحتاج إليه؛ إذ معناه صحيح على ظاهره، وإنَّما المقصد بالحديث التمثيل لعدم النقص؛ إذ ما نقصه العصفور من البحر؛ لا يظهر لرائيه، فكأنه لَمْ ينقص شيئًا، فكذلك هذا من علم الله سبحانه، أو يكون راجعًا إلى المعلومات لا إلى العلم؛ أي: ما علمت أنا وأنت من جملة معلومات الله التي لَمْ يُطلِع عليها في التَّقدير والتمثيل إلَّا ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، وذكر النقص ههنا مجاز على كلِّ وجه، ومحال في علم الله ومعلوماته في حقِّه سبحانه، وإنَّما يتقدَّر ذلك في حقِّنا، ويدلُّ على هذا قوله في الرِّواية الأخرى: «ما علمي وعلمك في علم الله إلَّا مقدار ما نَقص هذا العصفور بمنقاره في هذا البحر») انتهى.

قوله: (فَعَمَدَ): هو بفتح الميم في الماضي، وكسرها في المستقبل، هذا هو المشهور، ورأيت في حاشية [32] : [أنَّ فيها الكسر في الماضي، والفتح في المضارع، وأنَّه عزاه للَّبليِّ في «شرح الفصيح»] [33] .

قوله: (فَإِذَا غُلاَمٌ): هذا اسمه حيسور، وقد اختلف الرواة فيه في «صحيح البخاريِّ»؛ فقال بعضهم: إنَّه بالجيم المفتوحة، وقال بعضهم: بالحاء المهملة، ثمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثمَّ سين مهملة، ثمَّ واو ساكنة، ثمَّ راء، قال ابن قُرقُول: (جيسور) ؛ بالجيم كذا للنسفيِّ والجرجانيِّ، وكذا قيَّده الدَّارقطنيُّ، وعند المروزيِّ: (حيسور) ؛ بالحاء، وكذا لأبي ذرٍّ وابن السَّكن، وعند القابسيِّ: (حَلْبَتُور [34] ) ، وكذا صحَّحه عبدوس بن محمَّد في أصل كتابه، وقال القابسيُّ: (في حفظي إِنَّمَا هو بالنُّون: حَنْبَتُور) انتهى، وقال بعضهم: خرَّبُوذ.

تنبيه: (فإذا غلامٌ): الظَّاهر -والله أعلم-: أنَّه كان غير بالغ، وزعم قوم أنَّه كان بالغًا، يعمل الفساد، واحتجُّوا بقوله: {بِغَيْرِ نَفْسٍ} [المائدة: 32] ، والقصاص إِنَّمَا يكون في حقِّ [35] البالغ، وأجاب الجمهور عن ذلك: بأنَّا لا نعلم كيف كان شرعهم، فلعلَّه كان يجب على الصبيِّ في شرعه كما يجب في شرعنا عليهم غرامة المتلفات، والله أعلم.

[فائدة: نقل البيهقيُّ في كتاب «المعرفة»: (أنَّ الأحكام إِنَّما صارت متعلِّقة بالبلوغ بعد الهجرة) انتهى] [36]

قوله: (فَأَخَذَ [37] [الخَضِرُ] بِرَأْسِهِ): قيل: الباء زائدة، وقيل: على بابها؛ لأنَّه ليس المعنى أنَّه تناول [38] رأسه ابتداء، وإنَّما المعنى: أنَّه جرَّه إليه [39] برأسه، ثمَّ اقتلعه، ولو كانت زائدة؛ لَمْ يكن لقوله: (اقتلعه) معنًى زائد على (أخذ) ، وفي رواية: (فوجد غلمانًا يلعبون، فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا وأضجعه، ثمَّ ذبحه بالسكين) ؛ فاجمع بينهما.

قوله: (أَهْلَ قَرْيَةٍ): هي أنطاكية، وقيل: الأُبلة، وقال شيخنا الشَّارح: (أيلة) ؛ فتحرَّر، وقيل: برقة [40] ، وقال ابن خلِّكان في «تاريخه» في ترجمة أبي عبيدة مَعْمَر بن المثنَّى: (إنَّها ماجروان؛ اسم لمدينة بنواحي أرمينية، من عمل شروان، عندها عين الحياة التي وجد بها الخضر، وقيل: هي اسم القرية التي استطعم أهلَها موسى والخضرُ) .

قوله: (جِدَارًا): قال الثعلبيُّ: (إنَّ سمك الجدار مئتا ذراع بذلك الذراع الذي لذلك القرن، وطوله على وجه الأرض خمس مئة ذراع، وعرضه خمسون ذراعًا) .

قوله: (لَوَدِدْنَا): هو بكسر الدَّال الأولى.

[1] في (ج): (المسند) ، وكذا كان في (أ) قبل الإصلاح.
[2] (الحافظ): مثبت من (ج) .
[3] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[4] في (ب): (ومعمر) .
[5] (آخر): ليس في (ب) .
[6] (ابن ماجه): ليس في (ب) .
[7] ما بين قوسين سقط من (ج) .
[8] زيد في (ب): (انتهى) .
[9] في (ج): (بهز) .
[10] في (ب): (عليهما السَّلام) .
[11] في (ب): (منشأ) .
[12] في (ج): (ميشا) .
[13] في هامش (ق): (ابن إفرائم) .
[14] في (ب): (والفارس) .
[15] في (ج): (الربيد) .
[16] زيد في (ب): (عليه السلام) .
[17] في (ب): (وقال) .
[18] زيد في (ب): (عليه الصَّلاة والسَّلام) .
[19] في (ج): (فأحيا) .
[20] في (ج): (ونسلهما) .
[21] (أكثر): ليس في (ج) .
[22] ما بين معقوفين جاء في (أ) ملحقًا وفي (ب) و (ج) سابقًا بعد قوله: (العلم موسى والخضر انتهى) .
[23] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[24] في (ب): (ولرواية) .
[25] (ولا هذا كله): ليس في (ج) .
[26] في (ب): (ولهذا) .
[27] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[28] في (ج): (سلام) .
[29] في (ج): (يحملونهما) .
[30] ما بين معقوفين جاء في (ب) بعد قوله: (لا يعرف السلام) .
[31] في (ج): (يا موسى) ، وليس بصحيح.
[32] زيد في (ج): (لفظها) ، وضرب عليها في (أ) .
[33] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[34] في (ب) و (ج): (حلشور) .
[35] في (ب): (عين) .
[36] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[37] في (ب): (وأخذ) .
[38] في (ج): (يتناول) .
[39] (إليه): ليس في (ب) .
[40] في (ج): (سرقة) .





122- (مُوسًى آخَرُ): قال العلَّامةُ ابنُ حَجَرٍ: (في روايتِنا بغيرِ تنوينٍ، وجزمَ بعضُهم أنَّه منوَّنٌ مصروفٌ؛ لأنَّه نكرةٌ، ونُقل عن ابنِ مالكٍ أنَّه جعلَه مثالًا للعَلَمِ إذا نُكِّر تخفيفًا، قال: وفيه بحثٌ) انتهى.

وقال الكرمانيُّ: (و«مُوسَى» غيرُ مُنصرِفٍ؛ للعلميَّة والعُجمة.

فإِنْ قلتَ: العَلَمُ كيفَ يُضاف إلى «بَنِي إِسْرَائِيلَ»، وكيف يُوصفُ بلفظِ «آخَرُ» وهو نَكِرةٌ؟ قلتُ: قد نُكِّرَ، ثم أُضيفَ، ووُصِفَ بالنَّكرة.

فإِنْ قلتَ: كيف يُنكَّرُ العَلَمُ؟ قلتُ: أنْ يُؤَوَّلَ بواحدٍ مِنَ الأُمَّةِ المُسمَّاة به.

فإنْ قلتَ: فهل يُقرأ بالتَّنوينِ حينئذٍ؟ قلتُ: نعم.

فإنْ قلتَ: «آخَرُ» هو أَفْعَلُ التَّفضيل، فلِمَ لا يُستعملُ بأحدِ الوجوهِ الثلاثةِ؟ قلتُ: غلبتْ عليه الاسميَّةُ المحضةُ مضمحلًّا عنه معنى التفضيل بالكلية.

فإِنْ قلتَ: فهل ينوَّنُ؟ قلتُ: لا؛ إذْ هو غيرُ منصرِفٍ للوصفيَّةِ الأصليَّةِ، ووزنِ الفعل).

(لَمْ يَرُدَّ): بالفتحِ، والضَّمِّ، والكسرِ.

(سَرَبًا): انتصبَ على المفعولِ، أو على المصدرِ.

(بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمهمَا): بنصبِ (يَوْمَهُمَا)، وقال البِرْماويُّ: («وَيَوْمهمَا» بالجرِّ عطفًا على المضافِ إليه، وبالنصبِ على المضافِ، كذا في هذه الرواية، وفي «البخاري» في التفسير [4725] ، و«مسلم» [2380] : «يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتهمَا»، وهو الصَّوابُ؛ لقوله: «فَلَمَّا أَصْبَحَ»، وفي روايةٍ: «حتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ») انتهى.

(مُسَجًّى): صفةٌ لـ (رَجُلٌ)، أو خبرٌ له.

(أَنَّى): استفهامٌ؛ أي: مِنْ أينَ السلامُ في هذهِ الأرضِ التي لا يُعرفُ بها ذلكَ؟

قالوا: (أَنَّى) تأتي بمعنى: (مِنْ أينَ) ؛ نحو: {أنَّى لك} [آل عمران: 37] ، وبمعنى: (متى)، و (حيث)، و (كيف).

وقال بعضهم: («وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ»: «أَنَّى» فيها وجهان:

أحدهما: بمعنى: «مِنْ أينَ»؛ كقوله تعالى: {أَنَّى لَكِ هَذَا} [آل عمران: 37] ؛ فهي ظرف مكان، و«السَّلَامُ» مبتدأٌ، والظَّرفُ خبرٌ عنه، وهو نظيرُ ما قيلَ في قولِه: {أَنَّى لَكَ هَذَا}: {أَنَّى} خبرٌ مقدَّمٌ، و{هَذَا} مبتدأٌ، و{لَكِ} تبيينٌ.

والثَّاني: بمعنى: «كيفَ»؛ أي: كيفَ بأرضكَ السَّلامُ؟ وتَشهدُ له الرِّوايةُ التي سنذكرُها في تفسير سورة «الإسراء» [خ¦4726] : «هَلْ بِأَرْضِي مِنْ سَلَامٍ؟».

ووجهُ هذا الاستفهامِ: أنَّه لمَّا رأى ذلكَ الرَّجلَ في قَفْرٍ مِنَ الأرضِ؛ استبعدَ علمَه بكيفيَّة السَّلام؛ ذَكَرَه أبو البقاء العُكْبَري قال: فأمَّا قوله: «بِأَرْضِكَ السَّلَامُ»؛ فموضعُه نصبٌ على الحالِ مِنَ «السَّلامِ»، والتقديرُ: مِنْ أينَ استقرَّ السَّلامُ كائنًا بأرضك؟).

قال الزَّركشيُّ: (كلمةُ تعجُّبٍ)، وفيه مسامحةٌ؛ لأنَّ التَّعجُّبَ في الاستفهامِ، لا لها بخصوصِها؛ ولهذا في روايةٍ تأتي في (الإسراء) [1] [خ¦4726] : (هَلْ بِأَرْضِي [2] مِنْ سَلَامٍ؟).

(بِأَرْضِكَ): قال أبو البقاء: (حالٌ؛ أي: كائنًا بأرضكَ).

(مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟): خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: أنتَ...؟

(عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ): قال ابنُ مالكٍ: (فإنِ اختَلَفَ الضَّميرانِ بالرُّتبةِ، وقُدِّم أقرَبُهما رتبةً؛ جازَ اتِّصالُ الثَّاني وانفصالُه، والاتِّصالُ أجودُ؛ لموافقةِ الأصل، ولأنَّ القرآن العزيزَ نزلَ به دونَ الانفصال؛ كقوله تعالى: {إِذْ يُرِيْكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا} [الأنفال: 43] ، وعليه جاءَ قولُ المرأةِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لِأَكْسُوَكَها»، وقولُ الرَّجُلِ له: «اُكْسُنِيها»، وقولُ الخَضِرِ... فذكرَه، وسيبويهِ يرى الاتِّصالَ في هذهِ الأمثلةِ ونحوِها واجبًا، والانفصالَ ممتنعًا، والصَّحيحُ ترجيحُ الاتِّصالِ، وجوازُ الانفصالِ).

(نَقَصَ): يكونُ متعدِّيًا كما هنا، ولازمًا.[/ص30/]

(قَوْمٌ): أي: هؤلاءِ قومٌ، أو: هم قومٌ؛ محذوف المبتدأ.

(فَكَانَتِ [3] الْأُوْلَى مِنْ مُوْسَى [نِسْيَانًا)، وفي بعضِها] : (نِسْيَانٌ) ؛ ففي [4] (كَانَتْ) ضميرُ القصَّة، و (الْأُولَى) مبتدأٌ، وهو [5] خبرُه، أو: خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، و (كَانَت) تامَّةٌ، أو (كَانَت) زائدةٌ.

(بِرَأْسِهِ): الباءُ زائدةٌ، وقيل: على بابها، وقال البِرْماويُّ: (يَحتمل زيادةُ الباء، والأصالة على معنى: أنَّه جرَّه إليه برأسه ثم اقتلعَه؛ إذْ لو كانتْ زائدةً؛ لم يكن لقوله: «اقْتَلَعَهُ» معنًى زائدٌ على أخذِه، وفي التَّفاسيرِ قولٌ: أنَّه أضجَعَه، ثم ذبحَه بالسِّكِّين).

(لَوَدِدْنَا): جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ.

(لَوْ صَبَرَ): في تقديرِ المصدرِ، وقال الزَّركشيُّ: («لَوْ» هنا بمعنى: «أَنْ» النَّاصبةِ للفعل؛ كقوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ} [القلم: 9] ، {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [النساء: 89] ، وقد جاءَ بـ«أَنْ» في قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ} [البقرة: 266] ، و«صَبَرَ» بمعنى: يصبر؛ أي: وَدِدْنا أَنْ يَصْبِرَ).

(يُقَصَّ): مبنيٌّ للمفعولِ، ونائبُ الفاعلِ (مِنْ أَمْرِهِمَا).

[1] كذا في النسختين: (الإسراء)، وسلف أن في هامش النسختين: (الروايةُ إنَّما هي في تفسير سورة الكهف)، وهو الصواب.
[2] في النسختين: (بأرضك)، وسلف على الصواب كما أثبت.
[3] في النسختين: (وكانت) تبعًا لـ«اللامع الصبيح» (2/96)، والمثبت لفظ الحديث.
[4] في النسختين: (وَكَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوْسَى نِسْيَانٌ: في...)، والاستدراك من المصادر.
[5] أي: نسيانٌ.





122- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو الجعفيُّ المُسنَدِيُّ؛ بفتح النُّون، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ، (قَالَ: حَدَّثَنَا)، وفي رواية ابن عساكر: ((أخبرنا)) (عَمْرٌو)؛ بفتح العَيْن، وهو ابن دينارٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم، وفتح المُوحَّدَة (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما: (إِنَّ نَوْفًا)؛ بفتح النُّون وسكون الواوِ آخره فاءٌ، منصوبًا اسم «إنَّ»، منصرفًا في الفصحى، بطنٌ من العرب، ولئن سلَّمنا عُجمته [1] ؛ فمنصرفٌ أيضًا، وإنَّما صُرِف؛ لكونه ثلاثيًّا؛ لسكون وسطه؛ كنوحٍ ولوطٍ، واسم أبي نوفٍ فَضَالة _بفتحتين_ القاصُّ (الْبكَالِيَّ)؛ بكسر المُوحَّدَة وفتحها، وتخفيف الكاف، وحُكِيَ: تشديدها مع فتح المُوحَّدَة، وعَزَاه في «المطالع» لأكثر المحدِّثين، والصَّواب: التَّخفيف نسبةً إلى بني بكَالٍ؛ بطنٌ من حِمْيَر، وهو نصبٌ نعتًا لـ: «نوفٍ»، وكان تابعيًّا عالمًا، إمامًا لأهل دمشق، وهو ابن امرأة كعب الأحبار على المشهور، (يَزْعُمُ أَنَّ)؛ بفتح الهمزة، مفعول يزعم؛ أي: يقول: إنَّ (مُوسَى) صاحب الخضر (لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) المُرسَل إليهم، والباء زائدةٌ للتَّوكيد، حُذِفَت في رواية الأربعة، وأُضِيف لـ: «بني إسرائيل» مع العلميَّة؛ لأنَّه نُكِّر؛ بأن أُوِّل بواحدٍ من الأمَّة المُسمَّاة به، ثمَّ أُضِيف إليه، (إِنَّمَا هُوَ مُوسًى آخَرُ)؛ بتنوين «موسى»؛ لكونه نكرةً، فانصرف؛ لزوال علميَّته، وفي روايةٍ: بترك التَّنوين، قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا في روايتنا بغير تنوين فيهما، وهو عَلَمٌ على شخصٍ مُعيَّنٍ، قالوا: إنَّه موسى بن مِيْشا؛ بكسر الميم، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وبالشِّين المُعجَمَة، (فَقَالَ) ابن عبَّاسٍ: (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ) نوفٌ، خرج منه مخرج الزَّجر والتَّحذير لا القدح في نوفٍ؛ لأنَّ ابن عبَّاسٍ قال ذلك في حال غضبه، وألفاظ الغضب تقع على غير الحقيقة غالبًا، وتكذيبه له؛ لكونه قال غير الواقع، ولا يلزم منه تعمُّده، (حَدَّثَنَا)، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: ((حدَّثني)) (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) الصَّحابيُّ رضي الله عنه، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) حال [/ج1ص213/]

كونه (خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ)؟ أي: منهم، على حدِّ: الله أكبر؛ أي: من كلِّ شيءٍ، (فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ) النَّاس؛ أي: بحسب اعتقاده، وهذا أبلغ من السَّابق في باب «الخروج في طلب العلم» [خ¦78] : «هل تعلم أنَّ أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا»، فإنَّه إنَّما نفى هناك علمه، وهنا على البتِّ، (فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ) بسكون الذَّال للتَّعليل، (لَمْ يَرُدّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ)، فكأن يقول نحو: الله أعلم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عنِ [2] الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((إلى الله))، و«يردُّ»: بضمِّ الدَّال؛ إتباعًا لسابقتها، وبفتحها لخفَّته، وبكسرها على الأصل في السَّاكن إذا حُرِّك، وجُوِّز الفكُّ أيضًا، والعتب من الله محمولٌ على ما يليق به، فيُحمَل على أنَّه لم يرضَ قوله شرعًا، فإنَّ العتب _الذي هو بمعنى: تغيير النَّفس_ مستحيلٌ على الله تعالى، (فَأَوْحَى اللهُ) تعالى (إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا)؛ بفتح الهمزة؛ أي: بأنَّ، وفي «فرع اليونينيَّة»: بكسرها، على تقدير: فقال: إنَّ عبدًا، والمُرَاد: الخضر، (مِنْ عِبَادِي) كائنًا (بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ)؛ أي: ملتقى بَحْرَي فارسٍ والرُّوم من جهة الشَّرق، أو بإفريقية، أو طنجة، (هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ)؛ أي: بشيءٍ مخصوصٍ، كما يدلُّ عليه قول الخضر الآتي إن شاء الله تعالى: «إنِّي على علمٍ من علم الله علَّمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علمٍ علَّمك [3] لا أعلمه»، ولا ريبَ أنَّ موسى أفضل من الخضر بما اختُصَّ به من الرِّسالة، ومن سماع الكلام والتَّوراة، وأنَّ أنبياء بني إسرائيل كلَّهم داخلون تحت شريعته، ومُخاطَبُون بحكم نبوَّته، حتَّى عيسى عليه السلام، وغاية الخضر: أن يكون كواحدٍ من أنبياء [4] بني إسرائيل، وموسى أفضلهم، وإن قلنا: إنَّ الخضر ليس بنبيٍّ بل وليٌّ؛ فالنَّبيُّ أفضل من الوليِّ، وهو أمرٌ مقطوع به، والقائل بخلافه كافرٌ؛ لأنَّه معلومٌ من الشَّرع بالضَّرورة، وإنَّما كانت قصَّة موسى مع الخضر؛ امتحانًا لموسى ليعتبر، ووقع عند النَّسائيِّ: أنَّه عرض في نفس [5] موسى عليه السلام أنَّ أحدًا لم يُؤتَ من العلم ما أُوتي، وعلم الله بما حدَّث به نفسه، فقال: يا موسى، إنَّ مِنْ عبادي مَنْ آتيته من العلم ما لم أُوتِكَ، (قَالَ: رَبِّ) بحذف أداة النِّداء وياء المتكلِّم تخفيفًا؛ اجتزاءً بالكسرة، وفي بعض الأصول: ((يا ربِّ))، (وَكَيْفَ) لي [6] (بِهِ)؛ أي: كيف السَّبيل إلى لقائه؟ (فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ) بالجزم على الأمر، (حُوتًا)؛ أي: سمكةً كائنةً (فِي مِكْتَلٍ)؛ بكسر الميم، وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، شبه الزَّنبيل يسع خمسة عشر صاعًا، كذا في «العُبَاب»، (فَإِذَا فَقَدْتَهُ)؛ بفتح القاف؛ أي: الحوت؛ (فَهْوَ ثَمَّ)؛ بفتح المُثلَّثة، ظرفٌ بمعنى: هناك؛ أي: العبد الأعلم منك هناك، (فَانْطَلَقَ) موسى، (وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ) مجرورٌ بالفتحة، عطف بيان لـ: «فتاه»، غير منصرفٍ؛ للعجمة والعلميَّة، (ابْنِ نُونٍ)؛ مجرورٌ بالإضافة؛ منصرفٌ كنوحٍ ولوطٍ على الفصحى، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((وانطلق معه بفتاه [7] ))، فصرَّح بالمعيَّة، للتَّأكيد، وإلَّا؛ فالمُصاحَبَة مُستفادَةٌ من قوله: «بفتاه»، (وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكْتَلٍ) كما وقع الأمر به، وقد قِيلَ: كانت سمكةً مملوحةً، وقِيلَ: شِقُّ سمكةٍ، (حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ) التي عند ساحل البحر الموعود بلقيِّ الخضر عنده، (وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَامَا)، وفي رواية الأربعة: ((فناما))؛ بالفاء، وكلاهما للعطف على «وضعا»، (فَانْسَلَّ الْحُوتُ) الميت المملوح (مِنَ الْمِكْتَلِ)؛ لأنَّه أصابه من ماء عين الحياة الكائنة في أصل الصَّخرة شيءٌ؛ إذ إصابتها مقتضيةٌ للحياة، كما عند المؤلِّف في رواية: ({فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ})؛ أي: طريقه ({فِي الْبَحرِ سَرَبًا})؛ أي: مسلكًا، زاد في سورة «الكهف»: «وأمسك الله عن الحوت جِرْيَةَ الماء، فصار عليه مثل الطَّاق» [خ¦4725] ، (وَكَانَ) إحياء الحوت المملوح وإمساك جِرْيَةَ الماء حتَّى صار مسلكًا (لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ) بالنَّصب على الظَّرف (لَيْلَتِهِمَا) بالجرِّ على الإضافة (وَيَوْمهمَا)؛ بالنَّصب على إرادة سير جميعه، وبالجرِّ عطفًا على «ليلتهما»، والوجه الأوَّل هو الذي في «فرع اليونينيَّة» كهي [8] ، وفي «مسلمٍ» _كالمؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4725] _: «بقيَّة يومهما وليلتهما»، وهو الصَّواب؛ لقوله: (فَلَمَّا أَصْبَحَ)؛ إذ لا يُقَال: أصبح إلَّا عن ليلٍ؛ ({قَالَ} مُوسَى {لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا})؛ بفتح الغَيْن مع المدِّ؛ وهو الطَّعام يُؤكَل أوَّل النَّهار ({لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا})؛ أي: تعبًا، والإشارة لسير البقيَّة والذي يليها، ويدلُّ عليه قوله: (وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى) عليه السلام (مَسًّا)، وفي نسخةٍ: ((شيئًا))، (مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ)، فأُلقيَ عليه الجوع [/ج1ص214/]

والنَّصَب، (فَقَالَ)، وفي رواية الأَصيليِّ: (({قال})) (لَهُ فَتَاهُ: {أَرَأَيْتَ})؛ أي: أخَبِرْتَ [9] ما دهاني؟ ({إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ})؛ أي: فقدته، أو نسيت ذكره بما رأيت، زاد في رواية ابن عساكر: (({وما أنسانيه}))؛ أي: وما أنساني ذكره (({إلَّا الشَّيطان}))، وإنَّما نسبه للشَّيطان؛ هضمًا لنفسه [10] ، ({قَالَ} مُوسَى: {ذَلِكَ})؛ أي: أمرُ الحوتِ ({مَا كُنَّا نَبْغِي}) هو الذي كنَّا نطلبه [11] ؛ لأنَّه علامة وجدان المطلوب، وحُذِفَ العائد، ({فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا})؛ أي: فرجعا في الطَّريق الذي جاءا فيه يقصَّان ({قَصَصًا})؛ أي: يتَّبعان آثارهما اتِّباعًا، (فَلَمَّا انْتَهَيَا [12] إِلَى الصَّخْرَةِ [13] ؛ إِذَا رَجُلٌ) مُبتدَأٌ، وسُوِّغَ؛ لتخصيصه بالصِّفة، وهي قوله: (مُسَجًّى)؛ أي: مُغطًّى كلُّه (بِثَوْبٍ)، والخبر محذوفٌ؛ أي: نائمٌ، (أَوْ قَالَ [14] : تَسَجَّى بِثَوْبِهِ)؛ شكٌّ من الرَّاوي، (فَسَلَّمَ مُوسَى) عليه السلام [15] (فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى)؛ بهمزةٍ ونونٍ مُشدَّدةٍ مفتوحتين؛ أي: كيف (بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟) وهو غير معروفٍ بها، وكأنَّها كانت دار كفرٍ، وكانت [16] تحيَّتهم غيره، وعنده في «التَّفسير» [خ¦4725] : وهل بأرضي من سلامٍ؟ (فَقَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: ((قال)): (أَنَا مُوسَى، فَقَالَ) له الخضر: أنت (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟) فهو خبر مبتدأٍ محذوفٍ، (قَالَ: نَعَمْ)، أنا موسى بني إسرائيل، فهو مقول القول ناب عن الجملة، وهذا يدلُّ على أنَّ الأنبياء ومَنْ دونَهم لا يعلمون من الغيب إلَّا ما علَّمهم الله تعالى؛ لأنَّ الخضر لو كان يعلم كلَّ غيبٍ؛ لَعَرَفَ موسى قبل أن يسأله، ({قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ})؛ أي: من الذي علَّمك الله علمًا ({رَشَدًا})، ولا ينافي نبوَّته وكونه صاحب شريعةٍ أن يتعلَّم من غيره، ما لم يكن شرطًا في أبواب الدِّين، فإنَّ الرَّسول ينبغي أن يكون أعلمَ ممَّن أُرسِل إليه فيما بُعِثَ به [17] من أصول الدِّين وفروعه، لا مُطلَقًا، وقد راعى في ذلك غاية التَّواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا [18] له، وسأل منه أن يرشده، وينعم عليه بتعليم بعض [19] ما أنعم الله عليه به [20] ، قاله البيضاويُّ، لكن لم يكن موسى مُرسَلًا إلى الخضر، فقد يوهم ما قاله دخوله فيهم من السِّياق، فليُتأمَّل. ({قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا})؛ فإنِّي أفعل أمورًا ظاهرُها مناكيرُ، وباطنُها لم تُحِطْ به (يَا مُوسَى؛ إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ): جملةٌ من الفعل والفاعل والمفعولين؛ أحدهما: ياء المفعول، والثَّاني: الضَّمير الرَّاجع إلى «العلم»، صفةٌ لـ: «علمٍ»، (لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ)؛ مبتدأٌ وخبره، معطوفٌ على السَّابق [21] ، (عَلَّمَكَ الله): جملةٌ كالسَّابقة، لكن الثَّاني محذوفٌ تقديره: علمَّك الله إيَّاه، وفي «فرع اليونينيَّة» كهي [22] : ((علَّمكه الله))؛ بهاء الضَّمير الرَّاجع إلى العلم، (لَا أَعْلَمُهُ) صفةٌ أخرى، وهذا لا بدَّ من تأويله؛ لأنَّ الخضر كان يعرف من علم [23] الشَّرع ما لا غنى للمُكلَّف [24] عنه، وموسى كان يعرف من علم الباطن ما لا بدَّ منه، كما لا يخفى، ({قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا}) معك غير منكرٍ عليك، وانتصاب {صابرًا} مفعولٌ ثانٍ لـ: {ستجدني}، و{إن شاء الله}: اعتراضٌ بين المفعولين، ({وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا}) عطفٌ على {صابرًا}؛ أي: ستجدني صابرًا وغير عاصٍ، قال القاضي: وتعليق الوعد بالمشيئة إمَّا للتَّيمُّن، وإمَّا لعلمه بصعوبة الأمر، فإنَّ مشاهدة الفساد و [25] الصَّبر على خلاف المُعتَاد شديدٌ، (فَانْطَلَقَا) على السَّاحل حال كونهما (يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ)؛ أي: موسى والخضر ويوشع كلَّموا أصحاب السَّفينة، (أَنْ)؛ أي: لأن (يَحْمِلُوهُمَا)؛ أي: لأجل حملهم إيَّاهما [26] ، (فَعُرِفَ الْخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا)؛ أي: الخضر وموسى (بِغَيْرِ نَوْلٍ)؛ بفتح النُّون؛ أي: بغير أجرةٍ، ولم يُذكَر يوشع معهما، كما في قوله: «فانطلقا يمشيان»؛ لأنَّه تابعٌ غير مقصودٍ بالأصالة، ويحتمل أن يكون [27] يوشع لم يركب معهما؛ لأنَّه لم يقع له ذكرٌ بعد ذلك، وضمَّه معهما في كلام أهل السَّفينة؛ لأنَّ المقام يقتضي كلام التَّابع، لكن في روايةٍ بـ: «فرع اليونينيَّة» كهي [28] : ((فعُرِفَ الخضر فحملوهم)) بالجمع، وهو يقتضي الجزم بركوبه معهما في السَّفينة، (فَجَاءَ عُصْفُورٌ)؛ بضمِّ أوَّله، وحكى ابن رشيقٍ في كتاب «الغرائب»: فتحه، قِيلَ: وسُمِّي به؛ لأنَّه عصى وفرَّ، قاله الدَّميريُّ، وقِيلَ: إنَّه [29] الصَّرد، (فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ نَقْرَةً) بالنَّصب على المصدر (أَوْ نَقْرَتَيْنِ) عطفٌ عليه (فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى [30] ؛ مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ)؛ أي: من معلومه (إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ)، وعند المؤلِّف [خ¦3401] [/ج1ص215/]

أيضًا: «ما علمي وعلمك في جنب علم الله تعالى إلَّا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من هذا [31] البحر»؛ أي: في جنب معلوم الله تعالى، وهو أحسن سياقًا من المسوق هنا، وأبعد عن الإشكال، ومُفسِّرٌ للواقع هنا، والعلم يُطلَق ويُرَاد به المعلوم؛ بدليل دخول حرف التَّبعيض، وهو «من» في قوله: «مِن علم الله»؛ لأنَّ العلم القائم بذات الله تعالى صفةٌ قديمةٌ لا تتبعَّض، فليس العلم هنا على ظاهره؛ لأنَّ علم الله تعالى لا يدخله نقصٌ، وقِيلَ: «نقص» بمعنى: أخذ؛ لأنَّ النَّقص أخذٌ خاصٌّ، فيكون التَّشبيه واقعًا على الأخذ لا على المأخوذ منه، إذ [32] نقص العصفور لا تأثير له، فكأنَّه لم يأخذ شيئًا، فهو كقوله: [مِنَ الطَّويل]

~ ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهمْ بِهِنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكتائبِ

أي: ليس فيهم عيبٌ، وقيل: كان [33] هذا الطَّائر من الطُّيور [34] التي تعلو مناقرهم دُهَينة، فلا [35] يعلق بها ماء ألبتَّة [36] ، (فَعَمَدَ الْخَضِرُ [37] ) بفتح الميم؛ كضَرَب (إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ) بفأسٍ، فانخرقت ودخل الماء، (فَقَالَ) له (مُوسَى) عليه السلام: هؤلاء (قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ)؛ بفتح أوَّله؛ أي: بغير [38] أجرٍ، (عَمَدْتَ) بفتح الميم (إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا {لِتُغْرِقَ})؛ بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، وكسر الرَّاء، على الخطاب، مضارع «أغرق»؛ أي: لأن تُغْرِقَ ({أَهْلَهَا}): نُصِبَ على المفعوليَّة، ولا ريبَ أنَّ خرقها سببٌ لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها، وفي روايةٍ: (({ليَغرَق}))؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح الرَّاء، على الغيب، مضارع «غرق»، (({أهلُها})): بالرَّفع على الفاعليَّة، ({قَالَ}) الخضر: ({أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}؟)، ذكَّره بما قال له قبل، ({قَالَ}) موسى: ({لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ})؛ أي: بالذي نسيته، أو بنسياني، أو بشيءٍ نسيته؛ يعني: وصيَّته بألَّا يعترض عليه، وهو اعتذارٌ بالنِّسيان أخرجه في معرض النَّهيِ عن المُؤاخَذَة مع قيام المانع لها، زاد في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: (({وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا}))؛ أي: ولا تغشني عسرًا من أمري بالمُضايَقَة والمُؤاخَذَة على المَنْسِيِّ، فإنَّ ذلك يعسِّر عليَّ مُتابَعَتَك، (فَكَانَتِ) المسألة (الأُولَى مِنْ مُوسَى) عليه السلام (نِسْيَانًا) بالنَّصب: خبر «كان»، (فَانْطَلَقَا) بعد [39] خروجهما من السَّفينة، (فَإِذَا غُلَامٌ) بالرَّفع: مبتدأٌ؛ لكونه تخصَّص بالصِّفة؛ وهي قوله: (يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ)، والخبر محذوفٌ، و«الغلام»: اسمٌ للمولود إلى أن يبلغ، وكان الغلمان عشرةً، وكان الغلامُ أظرفَهم وأوضأَهم، واسمه [40] جيسون أو جيسور [41] ، وعنِ الضَّحَّاك: يعمل بالفساد ويتأذَّى منه أبواه، وعنِ الكلبيِّ: يسرق المتاع باللَّيل، فإذا أصبح؛ لجأ إلى أبويه، فيقولان: لقد بات عندنا، (فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ)؛ أي: جرَّ الغلام برأسه، (فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ)، وعنده في «بدء الخلق» [خ¦3278] : فأخذ الخضر برأسه فقطعه هكذا، وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنَّه يقطف [42] شيئًا، وعنِ الكلبيِّ: صرعه، ثمَّ نزع رأسه من جسده فقتله [43] ، و«الفاء» في «فاقتلع»؛ للدَّلالة على أنَّه لما رآه اقتلع رأسه من غير تروٍّ واستكشاف حالٍ، (فَقَالَ مُوسَى) للخضر عليهما السلام: ({أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً})؛ بتشديد الياء؛ أي: طاهرةً من الذُّنوب، وهي أبلغ من ((زاكيةٍ))؛ بالتَّخفيف، وقال أبو عمرو بن العلاء: الزَّاكية: التي لم تذنب قطُّ، والزَّكيَّة: التي أذنبت ثمَّ غَفَرَت؛ ولذا اختار قراءة التَّخفيف، فإنَّها كانت صغيرةً لم تبلغِ الحُلْم، وزعم قومٌ: أنَّه كان بالغًا يعمل الفساد [44] ، واحتجُّوا بقوله: ({بِغَيْرِ نَفْسٍ})، والقصاص إنَّما يكون في حقِّ البالغ، ولم يرها قد أذنبت ذنبًا يقتضي قتلها، أو قتلت نفسًا فتُقَاد به، نبَّه به على أنَّ القتل إنَّما يُبَاح حدًّا أو قصاصًا، وكلا الأمرين منتفيان [45] ، والهمزة في {أقتلت} ليست للاستفهام الحقيقيِّ، فهي كهي في قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوِى} [الضحى: 6] ، وكان قتل الغلام في أُبُلَّة؛ بضمِّ الهمزة، والمُوحَّدة، وتشديد اللَّام المفتوحة، بعدها هاءٌ، مدينةٌ قرب بصرة وعبادان [46] ، ({قَالَ}) الخضر لموسى عليهما السلام: ({أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا})؛ بزيادة {لك} في هذه المَّرة زيادةً في المُكافَحَة بالعتاب على رفض الوصيَّة، والوسم بقلَّة الثَّبات والصَّبر لمَّا تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار، ولم يرعوِ بالتَّذكير أوَّل مرَّةٍ حتَّى زاد في الاستنكار [47] ثاني مرَّةٍ [48] ، (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان: (وَهَذَا أَوْكَدُ)، واستدلَّ عليه بزيادة {لك} في هذه المرَّة، (فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا)، وفي رواية غير أبي ذَرٍّ: (({حتَّى إذا أتيا}))، مُوافِقةً للتَّنزيل ({أَهْلَ قَرْيَةٍ}) هي: أنطاكية أو أُبلَّة أو ناصرة أو برقة أو غيرهنَّ، فلمَّا وافياها بعد غروب الشمس؛ ({اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا}) واستضافوهم [/ج1ص216/]

({فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا})، ولم يجدوا في تلك القرية قِرًى ولا مأوًى، وكانت ليلةً باردةً، ({فَوَجَدَا فِيهَا})؛ أي: في القرية ({جِدَارًا}) على شاطئ الطَّريق، وكان سُمْكُه مئتي ذراعٍ بذراع تلك القرية، وطوله على وجه الأرض خمسَ مئةِ ذراعٍ، وعرضه خمسين [49] ذراعًا، ({يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ})؛ أي: يسقط، فاستُعِيرت الإرادة للمُشارَفَة، وإلَّا؛ فالجدار لا إرادة له حقيقةً، وكان أهل القرية يمرُّون تحته على خوفٍ، (قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ)؛ أي: أشار بها، وفي روايةٍ: ((قال: فمسحه [50] بيده)) [خ¦2267] ، ({فَأَقَامَهُ})، وقِيلَ: نقضه وبناه، وقِيلَ: بعمودٍ عمده به، وفيه [51] إطلاق القول على الفعل، وفي رواية أبي ذرٍّ عن [52] المُستملي: (({يريد [53] أن ينقضَّ فأقامه}))، ({قالَ} [54] مُوسَى)، وفي رواية غير أبي ذَرٍّ: ((فقال له موسى))؛ أي: للخضر ({لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ})؛ بهمزة وصلٍ، وتشديد التَّاء، وفتح الخاء، على وزن «افتعلت» من «تَخِذ»، كاتَّبع من تَبِع، وليس من الأخذ عند البصريِّين، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: (({لتَخِذْتَ}))؛ أي: لأخذت ({عَلَيْهِ أَجْرًا})، فيكون لنا قوتًا وبُلغةً على سفرنا، قال القاضي: كأنَّه لمَّا رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه؛ لم يتمالك نفسه، ({قَالَ}) الخضر لموسى عليهما السلام: ({هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ})؛ بإضافة «الفراق» إلى «البين» إضافة المصدر إلى الظَّرف على الاتِّساع، والإشارة في قوله: {هذا} إلى الفراق الموعود بقوله: {فلا تصاحبني}، أو تكون الإشارة إلى السُّؤال الثَّالث؛ أي: هذا الاعتراض سببٌ [55] للفراق، أو إلى الوقت؛ أي: هذا الوقت وقت الفراق.

(قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى): إنشاءٌ بلفظ الخبر، (لَوَدِدْنَا)؛ بكسر الدَّال الأولى، وسكون الثَّانية؛ أي: والله لَوَدِدْنا (لَوْ صَبَرَ)؛ أي: صَبْرَهُ؛ لأنَّه لو صبر؛ لأبصر أعجب الأعاجيب، (حَتَّى يُقَصَّ) على صيغة المجهول (عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا): مفعولٌ لم يُسمِّ فاعله، وفي هذه القصَّة حجَّةٌ على صحَّة الاعتراض بالشَّرع على ما لا يُسوَّغ فيه؛ ولو كان مستقيمًا في باطن الأمر، على أنَّه ليس في شيءٍ ممَّا فعله الخضر مُناقَضَةٌ للشَّرع، فإذا نقض لوح السَّفينة لدفع الظَّالم عن غصبها، ثمَّ إذا تركها أُعِيد اللَّوح؛ جائزٌ شرعًا وعقلًا، ولكن مُبادَرَة [56] موسى بالإنكار بحسب الظَّاهر، وقع ذلك صريحًا عند مسلمٍ، ولفظه: «فإذا جاء الذي يسخِّرها [57] ؛ وجدها منخرقةً»، وأمَّا قتله الغلام؛ فلعلَّه كان في تلك الشَّريعة، وقد حكى القرطبيُّ عن صاحب «العرس والعرائس»: أنَّ موسى لمَّا قال للخضر: أقتلت نفسًا زاكية؟ اقتلع الخضر كتف الصَّبيِّ الأيسر وقشر عنه اللَّحم، فإذا في عظم كتفه كافرٌ لا يؤمن بالله [58] أبدًا، وفي «مسلمٍ»: «وأمَّا الغلام فطُبِع يوم طُبِع كافرًا لا يؤمن بالله»، وأمَّا إقامة الجدار؛ فَمِنْ باب مُقابَلَة الإساءة بالإحسان، قال محمَّد بن يوسف: حدَّثنا به عليُّ بن خَشْرَمٍ؛ بفتح الخاء وسكون الشِّين المُعجَمَتين، وفتح الرَّاء، آخره ميمٌ، مصروفٌ، قال: حدَّثنا سفيان بن عُيَيْنَةَ بطوله [59] ، وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ في أكثر من عشرة مواضع [خ¦3278] ، [خ¦3401] ، [خ¦4725] ، [خ¦4727] ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار بصيغة الإفراد والسُّؤال.

[1] في (د): «أعجميَّته»، وفي (ص): «عجميَّته»، وفي (م): «عجميَّه».
[2] «أبي ذَرٍّ عن»: سقط من (د).
[3] في (د): «عُلِّمتَه».
[4] «الأنبياء»: سقط من (د).
[5] «نفس»: سقط من (ص).
[6] «لي»: ليس في (ص) و(م).
[7] في (ب) و(س): «فتاه».
[8] «كهي»: مثبتٌ من (م).
[9] في (ب) و(س): «أخبرني».
[10] أي: نسب النسيان إلى الشيطان مع أنَّ فاعله الحقيقي هو الله تعالى وفاعله المجازي هو الاستغراق بمذكورٍ؛ هضماً لنفسه بجعل ذلك الاستغراق نفسه وشغله. انظر روح المعاني (15/318).
[11] في (ب) و(س): «نطلب».
[12] في (ب) و(س): «أتيا».
[13] زيد في (ب) و(س): «وفي نسخة: انتهيا».
[14] في (ص): «مسجًّى».
[15] «عليه السَّلام»: سقط من (د).
[16] في (ص): «أو كان».
[17] «به»: سقط من (د).
[18] في (د): «تبعًا له».
[19] في (م): «عليه ببعض».
[20] «به»: سقط من (ص) و(م).
[21] في (م): «السِّياق».
[22] «كهي»: مثبتٌ من (م).
[23] في (م): «حكم».
[24] في (م): «للمُكلَّفين».
[25] «مشاهدة الفساد و»: مثبتٌ من (م).
[26] في (ص): «إياهم».
[27] «يكون»: سقط من (ص).
[28] «كهي»: سقط من (د) و(ص).
[29] في (م): «هو».
[30] في (م): «لموسى».
[31] في (ص) و(م): «بمنقاره في».
[32] في (م): «أو أن».
[33] «كان»: سقط من (س).
[34] في (م): «الطَّوائر».
[35] في (ب) و(س): «تعلو مناقيرها بحيث لا».
[36] قوله: «وقيل: كان هذا الطَّائر من الطُّيور... فلا يعلق بها ماء ألبتَّة»، سقط من (د) و(ص).
[37] «الخضر»: سقط من (د).
[38] «بغير»: سقط من (د).
[39] في (د): «عند».
[40] في (ب) و(س): «اسم الغلام».
[41] في (ب) و(س): «حيسون أو حيسور»، وفي (م): «ميسور».
[42] في (د): «يقطع».
[43] «فقتله»: سقط من (د).
[44] في: «بالفساد».
[45] في غير (د): «مُنتَفٍ».
[46] في (د): «عبادن».
[47] في غير (س): «الاستكثار»، وفي (ص): «الاستعثار».
[48] زيد في (م): «قاله في «الأنوار»».
[49] في غير(ب): «خمسون».
[50] في (ب) و(س): «فمسح».
[51] في (ص): «عمده بيده وقيد».
[52] في (ب) و(س): «و»، وليس بصحيحٍ.
[53] في (د): «يزيد»، وهو تصحيفٌ.
[54] في (د): «فقال».
[55] في (ص): «بسبب».
[56] في (م): «بادرة».
[57] في (ص): «سخرها».
[58] «لا يؤمن بالله»: سقط من (ص) و(م).
[59] قوله: ««قال محمَّد بن يوسف: حدَّثنا به عليُّ... حدَّثنا سفيان بن عُيَيْنَةَ بطوله»، مثبتٌ من (م).





122- ( إِنَّ نَوْفًا ): بفتح النُّون آخره فاء.

( الْبِكَالِيَّ ): بكسر الموحَّدة وفتحها وتخفيف الكاف ووهِم من شدَّدها، نسبة إلى بِكَال بطن من حِمْير.

( مُوسَى آخَرُ ): بلا تنوين فيهما؛ لأنَّه علم على شخص معيَّن، أي: موسى/ بن مِيْشا بن أفْراثيم بن يوسف عليه السَّلام.

( كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ) قال ابن التِّين: لم يرد ابن عبَّاس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحقِّ فيطلقون أمثال هذا الكلام لقصد الزَّجر والتَّحذير منه، وحقيقته غير مرادة.

( فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ ) أي: لم يرض قوله، فإنَّ العتب بمعنى الموجدة وتغيُّر النَّفس محالٌ عليه تعالى.

( مِكْتَلٍ ): بكسر الميم وفتح المثنَّاة: القفَّة.

( فَقَدْتَهُ ): بفتح القاف. [/ج1ص282/]

( ثمَّ ): بفتح المثلَّثة.

( وَيَوْمِهِمَا ): بالنَّصب عطفًا على ( بقيَّة )، أي: انطلقا جميعه، ويجوز الجرُّ عطفًا على ليلتهما.

( مُسَجًّى ): مغطًّى.

( فَسَلَّمَ مُوْسَى ) زاد مسلم: «فكشف الثَّوب عن وجهه وقال: وعليكم السَّلام».

( وَأَنَّى ) أي: كيف؟ استفهام استبعاد.

( فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ ) أي: موسى والخضر، ولم يذكر يوشع، لأنَّه تابع غير مقصود بالأصالة، وقد ذكر في قوله: ( فكلَّموهم )، ولم يذكر في ( أن يحملوها ) إمَّا لما تقدَّم، أو لأنَّه لم يركب معهما؛ لأنَّه لم يقع له ذكر بعد ذلك.

( نَوْلٍ ): بفتح النُّون وسكون الواو: أجرة.

( عُصْفُورٌ ): بضمِّ [أوَّله] [1] ، قيل: هو الصُّرَد، وفي «الرِّحلة» للخطيب: أنَّه الخطَّاف.

( مَا نَقَصَ... إلى آخره ): لفظ النَّقص ليس على ظاهره؛ لأنَّ علم الله لا يدخله النَّقص، فقيل: معناه لم يأخذ، والتَّشبيه واقع على الأخذ لا على المأخوذ منه.

وقيل: المراد بالعلم المعلوم بدليل دخول حرف التَّبعيض، وإنَّما الذي يتبعَّض المعلوم.

وقيل: ( إلَّا ) بمعنى ( ولا ): كنقرة هذا العصفور.

وقيل: الاستثناء على حدِّ قوله:

~ وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ [إِلَّا] [2] أَنَّ سُيُوْفَهُمْ بِهِنَّ فُلُوْلٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ

لأنَّ ذلك ليس بعيب، وكذلك نقر العصفور لا ينقص البحر، أو ليس له تأثير محسوس.

وعند النَّسائيِّ: أنَّ الخضر قال لموسى: «أتدري ما يقوله هذا الطَّائر ؟ قال: لا، قال: يقول: ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلَّا مثل ما أنقص من منقاري من جميع هذا البحر». [/ج1ص283/]

( فَعَمَدَ ): بفتحتين، وكذا عمدت.

( قَالَ الْخَضِرُ: بِيَدِهِ ): هو من إطلاق القول على الفعل.

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (الفاء)
[2] ما بين معقوفتين في [ع] : (غير) والمثبت من غيرها لمطابقة الشاهد.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

122# [حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفاً البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ؟ فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيباً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْداً مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتاً فِي مِكْتَلٍ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلاَ حُوتاً فِي مِكْتَلٍ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُؤوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَباً، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَباً، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسّاً مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ} قَالَ مُوسَى: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً} فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ مُوسَى، فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى، فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَداً قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}، يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لاَ أَعْلَمُهُ، قَالَ: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً، وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْراً}، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً؟ قَالَ: لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً _ فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَاناً _، فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلاَهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً؟ _ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَوْكَدُ _ فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ، قَالَ الخَضِرُ: بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً، قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ.

قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا»].

قوله: «إِنَّ نَوْفاً البِكَالِيَّ» هو بكسر الباء الموحدة وفتح الكاف المخففة، وفي آخره لام، نسبة إلى بني بكال، بطن من حمير، وهو نوف بن فضالة، وهو ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخته، والأول هو المشهور، وكنيته أبو زيد، وقيل: أبو رشيد.

وقال الإمام أبو بكر بن العربي في «شرح الترمذي» له: إنه منسوب إلى بكيل، بطن من هَمْدان.

ورد عليه بأن المنسوب إلى بكيل إنما هو أبو الودَّاك جبر بن نوف وغيره، وأما هذا نوف بن فضالة فهو منسوب إلى بِكال بطن من حمير كما تقدم، هكذا ذكره أهل كتب الأنساب.

قوله: «كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ» هذا وقع من ابن عباس على طريق الإغلاظ على القائل بخلاف قوله، وألفاظ الغضب تجيء على غير الحقيقة في الغالب.

قال القاضي عياض: وقال بقول نوف غيره.

وقوله: «عن سَعِيد بْن جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفاً» فالسائل هنا هو سعيد، وابن عباس هو المجيب عن أُبَيٍّ.

وفيما تقدم أن ابن عباس تمارى هو والحر بن قيس في صاحب موسى عليه السلام، الذي سأل موسى السبيل إلى لقيه، فقال ابن عباس: هو خضر، فمرَّ بهما أبي بن كعب، فسأله ابن عباس فأخبره.

فيحتمل أن يكون ابن جبير سأل ابن عباس بعد الواقعة الأولى المتقدمة لابن عباس والحر، فأخبره ابن عباس لما سأله عن قول نوف أن موسى ليس موسى بني إسرائيل.

وجاء أن السائل غير ابن جبير، روي عن سعيد أنه قال: جلست عند ابن عباس وعنده قوم من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا

@%ص254%

عباس إن نوفاً ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا؟ فقال ابن عباس: كذب نوف، حدَّثَني أُبَيٌّ، وذكر الحديث، فتمارى ابن عباس مع الحر في الخضر، وسؤال [1] ابن جبير عن موسى.

قوله: «إِنَّمَا هُوَ مُوسًى آخَرُ؟» هو بالتنوين آخره لأنه نكرة.

قوله هنا: «فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ» وفيما تقدم: «هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: لا»، وفي مسلم: «ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً مني وأعلم _ من غير تقدم ذكر سؤال _ فأوحى الله إليه أني أعلم بالخير عند من هو، إن في الأرض رجلاً هو أعلم منك».

قال ابن بطال: كان ينبغي أن يقول: الله أعلم إذ قيل له: أي الناس أعلم، لأنه لم يحط علماً بكل عالم في الدنيا، وقد قالت الملائكة: ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا.

وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح وغيره فقال: لا أدري حتى أسأل الله عز وجل.

قال بعض الفضلاء رداً على ابن بطال في حصر الصواب في ترك الجواب بقوله الله أعلم: بل الجواب أن رد العلم إلى الله سبحانه وتعالى متعين، أجاب أم لا، فإن أجاب قال: أنا والله أعلم، وإن لم يجب قال: الله أعلم، ولهذا تأدَّب المفتون وغيرهم مع الجواب: والله أعلم.

ولعل موسى لو قال: أنا والله أعلم لكان صواباً، وإنما وقعت المؤاخذة على الاقتصار على قوله: أنا أعلم.

وقال المازري في الجواب: أما على رواية من روى: «هل تعلم» فلا عتب عليه، إذ أخبر عما يعلم، وأما على رواية: «أي الناس أعلم» وقد أخبر الله تعالى أن الخضر أعلم منه فمراد موسى أنا أعلم؛ أي فيما يظهر لي واقتضاه شاهد الحال، ودلالة النبوة؛ لأن موسى من النبوة بالمكان الأرفع والعلم من أعظم المراتب، فقد يعتقد أنه أعلم لهذه الأمور.

وقيل: المراد أنا أعلم بما تقتضيه وظائف النبوة وأمور الشريعة، والخضر أعلم منه على الخصوص

@%ص255%

بأمور أخر غيبية، فكان موسى أعلم على العموم، والخضر أعلم على الخصوص بما أعلم من الغيوب، ولم يعرف الخضر موسى حتى عرفه بنفسه.

وتقدم الكلام على هذا مبسوطاً في «باب ما ذكر في ذهاب موسى إلى الخضر».

وأصل العتب: المؤاخذة، يقال منه: عتب عليه، فإذا آخذه بذلك وذكره له قيل: عاتبه، والتغير والمؤاخذة في حق الله محال، فالمراد بقوله: «فعتب الله عليه» لم يرض قوله شرعاً وديناً.

وروي عن أُبَيٍّ أنه قال: أعجب موسى بعلمه فعاتبه الله بما لقي من الخضر.

قال العلماء: هذا من باب التنبيه لموسى، والتعليم لمن بعده لئلا يقتدي به غيره في تزكية نفسه والعجب بحاله فيهلك.

قوله: «بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ» قال قتادة: بحر الروم وبحر فارس، بحر الروم مما يعلي العرب، وبحر فارس مما يلي الشرق، وحكى الثعلبي عن أبي بن كعب أنه بأفريقية.

«قِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتاً فِي مِكْتَلٍ» الحوت السمكة، وكانت مالحة.

والمِكْتَل: بكسر الميم وفتح المثناة فوق؛ القفة والزنبيل.

قوله: «وَانْطَلَقَ معه بِفَتَاهُ» أي صاحبه، ونون مصروف كنوح، وهو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف.

قوله: «حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُؤوسَهُمَا» وفي طريق للبخاري: «وفي أصل الشجرة عين يقال لها الحياة لا تصيب من مائها شيء إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر».

وفي بعضها: «فقال فتاه: لا أوقظه حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وأمسك الله عن الحوت جِرْيَةَ البحر، حتى كأنَّ أثره في حَجَرٍ».

وفي بعضها: «وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل

@%ص256%

الطاق، فلما استيقظ نسي يوشع أن يخبره»، فنسي يوشع وحده، ونسب النسيان إليهما فقال تعالى: {نسيا حوتهما}، كما قال تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان}، وإنما يخرج من الملح.

وقيل: نسي موسى أن يتقدم إلى يوشع في أمر الحوت بشيء، ونسي يوشع أن يخبره بذهابه.

قوله: {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَباً} [الكهف:61] صار عليه الماء مثل الطاق، والطاق عقد البناء، وهو الأزج، وهو ما عقد أعلاه بالبناء وترك تحته خالياً.

قال الزجاج: نصب سرباً على المفعول، كقولك: اتخذت طريقي مكان كذا، واتخذت طريقي في السرب، واتخذت زيداً وكيلاً.

قال ابن عباس: أحيا الله الحوت فاتخذ سبيله في البحر سرباً، أي مسلكاً، والسرب: حفير تحت الأرض. وجاء: «فجعل لا يلتئم عليه الماء حتى صار كالكوة».

ويجوز أن ينصب على المصدر، يدل عليه: {اتخذ سبيله} كأنه قال: جعل الحوت طريقه في البحر، ثم بين كيف ذلك فكأنه قال: سرب الحوت سرباً.

وقال غيره: يجوز أن يكون الضمير للحوت كما تقدم، ويجوز أن يكون لموسى، على معنى: فاتخذ موسى سبيل الحوت في البحر سرباً، أي مذهباً ومسلكاً، كما يأتي أنهما اتبعا أثر الحوت وقد يبس الماء في ممره فصار طريقاً.

لكن ما جاء في الحديث يضعفه، وهو قوله: {فكان للحوت سرباً ولموسى عجباً}.

قوله: «عَجَباً» قال الزجاج: يجوز أن يكون من قول يوشع ومن قول موسى، وانتهى كلام يوشع عند قوله: واتخذ سبيله في البحر، ثم قال موسى: عجبت من هذا عجباً، فيحسن على هذا الوقف على البحر، ويبتدىء عجباً.

قال غيره: ويجوز أن يكون إخباراً من الله

@%ص257%

أي: اتخذ موسى طريقَ الحوت في البحر عجباً، وفي البخاري: «فكان للحوت سرباً ولموسى وفتاه عجباً».

قوله: «فَانْطَلَقَا» بقية يومهما وليلتهما، كذا جاء في «التفسير» وفي مسلم، وهو الصواب، وجاء في البخاري في «كتاب العلم»: «فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما» قال القاضي عياض: الأول هو الصواب، لقوله: «فلما أصبح»، وفي رواية: «حتى إذا كان من الغد».

قوله: «فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً» أي: يقصان قصصاً، قال: رجعا يقصان آثارهما حتى أتيا الصخرة. وفي مسلم: «فارتدا على آثارهما قصصاً، فأراه مكان الحوت، فقال: ههنا وُصِفَ لي».

ويروى: أن موسى ويوشع اتبعا أثر الحوت وقد يبس الماء في ممره فصار طريقاً، فأتيا جزيرة فوجدا الخضر قائماً يصلى.

وفي مسلم: «فكان يتبع أثر الحوت في البحر»، وفي بعضها: «فوجدا خضراً على طنفسة خضراء على كبد البحر»، أي وسطه.

قوله: «مُسَجًّى» أي مغطى به كله كتغطية الميت وجهه ورجليه وجميعه، كذا جاء في البخاري: «قد جعل طرفه تحت رجله، وطرفه تحت رأسه فسلم عليه موسى، فكشف الخضر عن وجهه».

قول الخضر: «وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ؟» قال عياض: تجيء [أنى] بمعنى أين ومتى وحيث وكيف، قال: وهذا يدل على أن السلام لم يكن معروفاً عندهم إلا في خاصة الأنبياء والأولياء، أو كان موضع لقياهم بلاد كفر وهم ممن لا يعرف السلام.

وفي البخاري قال: «فما شأنك؟ قال: جئت تعملني مما علمت رشداً، قال: أما يكفيك أن التوراة بيدك، وأن الوحي يأتيك يا موسى، إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علماً

@%ص258%

لا ينبغي لي أن أعلمه».

قوله: «إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» أي سترى شيئاً ظاهره منكر فلا تصبر عليه.

قوله: «فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ» هي فعيلة بمعنى فاعلة، كأنها تسفن الماء، أي تقشره.

والنَّول: بالواو، والمنال والمنالة كله الجعل، وأما النيل والنوال: فالعطية ابتداء، يقال: رجل نالٌ إذا كان كثير النوال، كما قالوا: رجل مالٌ أي: كثير المال، تقول: نلت الرجل أنوله نولاً، ونلت الشيء أناله نيلاً.

قوله: «فَجَاءَ عُصْفُورٌ» هو بضم العين.

قوله: «فَقَالَ الخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ من هذا البَحْرِ» قال العلماء: لفظ النقص هنا ليس على ظاهره، فإن علم الله لا يدخله الزيادة والنقصان، وإنما هذا على جهة التمثيل، والمعنى: أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله كنسبة ما نقر العصفور من البحر، فإنه لقلته وحقارته لا يظهر، فكأنه لم يأخذ شيئاً، وهذا كقوله تعالى: {لو كان البحر مداداً} الآية [الكهف:109].

قال عياض: أو يرجع ذلك في حقهما؛ أي: ما نقص علمنا مما جهلنا من معلومات الله إلا مثل هذا في التقدير، وجاء في البخاري: «ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور» أي في جنب معلوم الله، ويطلق العلم ويراد به المعلوم، من باب إطلاق المصدر لإرادة الفعل، كما قالوا: درهم ضرب الأمير، أي: مضروبه.

قال: وقد قال بعضهم: إن (إلا) هنا بمعنى (ولا) كأنه قال: ما نقص علمي وعلمك من علم الله ولا ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر لما تقدم من أن علم الله لا ينقص بحال.

قال: ولا حاجة إلى هذا التكلف لما بيناه من التمثيل.

@%ص259%

قوله: «فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ» قال المفسرون: قلع لوحين مما يلي الماء، وفي البخاري: «فوتد فيها وتداً»، وفيه: «فعمد إلى قدوم فخرق به».

قال عياض: في خرقه السفينة مخافة أخذ الغاصب حجة للنظر في المصالح، ودفع أخف الشرين، والإغضاء على بعض المنكرات مخافة أن يتولد من تغييرها ما هو أشد، وجواز إفساد بعض المال لإصلاح باقيه، وخصاء الأنعام لسمنها، وقطع بعض آذانها لتتميز.

وعمَد: بفتح الميم في الماضي، وكسرها في المستقبل.

قوله: «لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ» أي بما غفلت، وقيل: لم ينس ولكنه ترك، والترك يسمى نسياناً، وقال البخاري في الحديث: «كانت الأولى نسياناً، والوسطى شرطاً، والثالثة عمداً».

وقيل: نسي في الأولى فاعتذر، ولم ينس في الثانية فلم يعتذر.

قوله: «وَلاَ تُرْهِقْنِي» قال الزجاج: لا تغشني، وقيل: لا تلحق بي، وهما واحد [2]، يقال: رَهِقَه الشيء بالكسر، يرهقَه بالفتح، رهَقاً بالتحريك إذا غشيه، وأرهقته: كلفته ذلك، يقال: لا ترهقني لا أرهقك الله أي: لا تعسرني لا أعسرك الله.

قوله: «فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلاَهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ» وجاء فيه في «بدء الخلق»: «فأخذ الخضر برأسه وقطعه بيده هكذا، وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئاً».

وجاء فيه في «التفسير»: «ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر علاماً مع الغلمان، فاقتلع رأسه فقتله».

@%ص260%

وجاء: «فوجد غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً فأضجعه، ثم ذبحه بالسكين».

وقال الكلبي: صرعه ثم نزع رأسه من جسده فقتله.

قال: {أقتلت نفساً زكية} [الكهف:74] أي: طاهرة لم تذنب، وفي البخاري: «زاكية زكية مسلمة» عن ابن عباس.

وفي مسلم: «فذعر موسى ذعرة منكرة عندها».

وفي مسلم أيضاً: «وأما الغلام فطُبِعَ يومَ طُبِعَ كافراً، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك أرهقهما طغياناً وكفراً».

والطغيان: الزيادة في الإضلال.

قال العلماء: في إخباره عن حال السفينة لو لم تخرق، والغلام لو لم يقتل دليل لمذهب أهل الحق أن الله تعالى عالم بما كان، وبما يكون أن لو كان كيف يكون، ويدل عليه قوله تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام:28]، {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً} [الأنعام:9] الآية.

قال البخاري: «وكان ابن عباس يقرؤها: وكان أبواه مؤمنين، وهو كان كافراً».

وعنه: «وأما الغلام فكان كافراً، وكان أبواه مؤمنين».

وقوله: «غُلاَماً» يدل أنه كان غير بالغ، والغلام اسم للمولود إلى أن يبلغ.

وزعم قوم أنه كان بالغاً يعمل الفساد، واحتجوا بقوله: {بغير نفس} [الكهف:74]، والقصاص إنما يكون في حق البالغ.

وأجاب الجمهور عن ذلك بأنا لا نعلم كيف كان شرعهم، فلعله كان يجب على الصبي في شرعه كما يجب في شرعنا عليهم غرامة المتلفات.

قوله: {حتى إذا أتيا أهل قرية} [الكهف:77] قال ابن عباس: هي: أنطاكية. وقال ابن سيرين: أيلة، وهي أبعد الأرض من السماء، وجاء: «أنهم كانوا من أهل قرية لئام».

قوله: {جداراً يريد أن ينقض} [الكهف:77]، هذا من المجاز؛ أي: يسقط بسرعة، قال الكسائي: إرادة الجدار هنا: ميله، وقيل على مجاز كلام العرب لأنه لما قرب الحائط من الانقضاض كان كمن

@%ص261%

يريد أن يفعل ذلك.

يقال: إنهما لم يجدا قِرىً ولا مأوى، فالتجؤوا إلى حائط يريد أن ينقض، وكان أهل القرية يمرون تحته على خوف، وفي البخاري: «مائل» كما تقدم.

«قال بيده هكذا»، وفي رواية قال: «فمسحه بيده».

وذكر الثعلبي أن سمك الجدار مئتا ذراع بذلك الذراع الذي لذلك القرن، وطوله على وجه الأرض خمس مئة ذراع، وعرضه خمسون ذراعاً، قيل: إنه مسحه كالطين يمسحه القَلَّالُ فاستوى.

وجاء في «كتاب الأنبياء»: «فأومأ بيده هكذا» وأشار سفيان كأنه يمسح شيئاً إلى فوق.

وهذه آية عظيمة تشبه آية الأنبياء، وذكر الطبري عن ابن عباس قال: «كان قول موسى في الجدار لنفسه، وفي السفينة والغلام لله تعالى».

قوله: {لاتخذت} [الكهف:77] قال مكي: التاء فاء الفعل، حكى أهل اللغة: تَخِذَ يَتخذ، قال الجوهري: الاتخاذ افتعال من الأخذ، إلا أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدالها تاء، لما كثر استعماله على لفظ الافتعال توهموا أن التاء أصلية؛ فبنوا منها: فعل يفعل، قالوا: تَخِذَ يتخذ، وقولهم: أخذت كذا يبدلون الذال تاء فيدغمونها وبعضهم يظهرها.

وجاء: «قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا، {لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}، قال سعيد: أجراً نأكله.

قوله: «قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا» قال بعضهم: فيه دليل على تمني ما علم أنه لم يقدر.

وفي البخاري: «وكان وراءهم ملك» يزعمون أنه هُدَد بن بدد، والغلام المقتول اسمه: جيسور.

قوله: {فخشينا

@%ص262%

أن يرهقهما} [الكهف:80] أي: يحملهما حبُّه على أن يتابعاه على دينه.

قوله: {وأقرب رحماً} [الكهف:81] الرُّحم: الرحمة، وفي البخاري: «هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر».

وقال قتادة: وأقرب رحماً أبر بوالديه من المقتول، وقرأ ابن عامر: رُحُماً، بضم الحاء، وأسكنها الباقون، قال الزجاج: الرُّحْم والرَّحْم العطف، والمعنى: أقرب عطفاً، قال: وأمسّ [3] بالقرابة، وقال غيره: رَحمة ورُحم ورَحم بضم الراء وفتحها كله بمعنى، وقال البخاري: الرحم أشد مبالغة من الرحمة، وتدعى مكة أم رحم؛ أي الرحمة تنزل بها، ذكره في «التفسير» [4].

وزعم سعيد أنهما أبدلا جارية، يقال: إنه ولد من نسلها سبعون نبياً.

قال عياض: في قصة موسى والخضر أصل من أصول الشريعة، وهو أنه لا يُعتَرَضُ بالعقل على ما لم يُفهَم من الشريعة، وأنه لا تحسين ولا تقبيح إلا بالشرع، ألا ترى إلى ظهور قبح قتل الغلام، وخرق السفينة في الظاهر، ولذلك اشتد نكير موسى، فلما أطلعه الخضر على سرِّ ذلك بانَ له وجهُ الحكم فيه؛ فيجب التسليم لكل ما جاء به الشرع، وإن كان بعضه لا تظهر حكمته للعقول.

هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع في «العلم» في ثلاثة مواضع: في «باب: ذهاب موسى إلى الخضر»، «والخروج في طلب العلم»، و«ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم»، وفي «الإجارة».: «إذا استأجر أجيراً على أن يقيم حائطاً يريد أن ينقض جاز»، وفي «باب الشروط مع الناس بالقول»، وفي «التفسير» في ثلاثة مواضع، وفي «المناقب»، وفي «التوحيد».

وأخرجه مسلم في «المناقب» بخمسة أسانيد.

[1] كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وسأل».
[2] كتب في هامش الأصل: «وقال الفراء: لا تلحق بي».
[3] في الأصل: «وليس» والصواب المثبت.
[4] هذه الفقرة كتبت بهامش الأصل وأشير إليها بلحق.





122# (البكالي): نسبه إلى بني بكال؛ بطن من حمير، وهو نوف بن فضالة، وهو ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخته، وكنيته أبو زيد، وقيل: أبو رشيد.

قوله: (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ): قاله على سبيل الإغلاظ على القائل، وذلك من ألفاظ الغضب، تجيء على غير الحقيقة غالبًا.

قوله: (مَجْمَع [1] الْبَحْرَيْنِ): هما بحر [فارس و] الرُّوم ممَّا يلي المغرب.

(الحُوْت): السَّمكة، وكانت مالحة.

و(المِكْتَل): القفَّة والزِّنبيل.

و(فَتَاهُ): صاحبه يوشع بن نون.

[1] في (اليونينيَّة): (بمجمع).





122- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن محمد)) الجعفي المسنَدي؛ بفتح النون، ((قال: حدثنا سفيان)) : هو ابن عُيينة؛ بضم العين، ((قال: حدثنا)) ، وفي رواية: (أخبرنا) ، ((عَمرو)) ؛ بفتح العين، ابن دينار، ((قال: أخبرني)) ؛ بالإفراد، ((سعيد بن جُبَير)) ؛ بضم الجيم وفتح الموحدة.

((قال: قلت لابن عباس)) عبد الله رضي الله عنهما،فالسائل هنا سعيد بن جبير، والمجيب ابن عباس، وفيما تقدم أن ابن عباس تمارى هو والحر بن قيس فمرَّ بهما ابن كعب فسأله ابن عباس، فيحتمل أن يكون سعيد بن جبير سأل ابن عباس بعد الوقعة الأولى المتقدمة لابن عباس والحر، وجاء أن السائل غير ابن جبير، قال سعيد: (كنت عند ابن عباس وعنده قوم من اليهود فقال بعضهم: يا أبا عبد الله...) إلخ، فقال ابن عباس: (كذب...) إلخ.

((إن نَوْفًا)) ؛ بفتح النون وسكون الواو آخره فاء، ابن فَضَالة؛ بفتح الفاء والضاد المعجمة، أبو يزيد القاص، ((البِكالي)) ؛ بالنصب صفة لـ (نوفًا) ، بكسر الموحدة وفتحها وتخفيف الكاف نسبة إلى بكال بطن من حمير، وهو ابن امرأة كعب الأحبار على المشهور، وهمزةإن مكسورة، و (نوفًا) ؛ بالنصب اسمها، وهو منصرف في اللغة الفصيحة، وفي بعضها غير منصرف، وكتبت بدون ألف؛ لأنَّه أعجمي، لكن الأفصح: الصرف؛ لأنَّ سكون وسطه يقاوم إحدى العلتين فيبقى الاسم بعلة واحدة كنوح ولوط، كما بسطه في «عمدة القاري».

((يزعم)) : جملة من الفعل والفاعل محلها الرفع خبر (إن) ، والزعم بمعنى: القول فلا يقتضي إلا مفعولًا واحدًا وهو قوله: ((أن)) ؛ بفتح الهمزة، ((موسى)) : ممنوع من الصرف؛ للعلمية والعجمة، وإن كان الزعم بمعنى: الظن فأن مع اسمها وخبرها سدت مسد المفعولين؛ أي: موسى صاحب الخضر.

((ليس بموسى بني إسرائيل)) الباء زائدة للتأكيد، وهي جملة محلها الرفع خبر (أن) ، وفي رواية: بحذف الباء الموحدة من موسى؛ أي: المرسل لبني إسرائيل؛ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، و (موسى) وإن كان علمًا؛ لا يضاف، لكنَّه نكر بأن أوِّل بواحد من الأمة المسماة به ثم أضيف إليه.

((إنما هو موسًى)) ؛ بالتنوين؛ لكونه نكرة فانصرف؛ لزوال العلمية وعدمه وهو ظاهر، ((آخر)) غير منصرف؛ للوصفية الأصلية ووزن الفعل فلا ينون على كل حال، وغلبت عليه الاسمية المحضة، فاضمحل عنه معنى التفضيل بالكلية، يعني: يزعم نوف أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بن عمران الذي أرسل إلى فرعون، وإنما هو موسى بن مِيْشا؛ بكسر الميم، وسكون التحتية، وبالشين المعجمة، وميشا يعني: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وهو أول موسى وهو نبي أيضًا مرسل، وزعم أهل التوراة أنه صاحب الخضر.

((فقال)) ابن عباس: ((كذب عدو الله)) نوف ومن تبعه في هذه المقالة، وهذا وقع من ابن عباس على طريق الإغلاظ على القائل، بخلاف قوله: ولم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحق؛ فيطلقون أمثال هذا الكلام؛ لقصد الزجر والتنفير عنه، وحقيقته غير مرادة، وكان ذلك منه حال الغضب وألفاظ الغضب تطلق ولا يراد بها حقائقها.

((حدثنا)) ، وفي رواية: (حدثني) ، ((أبيُّ بن كعب)) ؛ بالرفع فاعل التحديث، وهو الصحابي المشهور رضي الله عنه، ((عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) أنه ((قال: قام موسى)) ابن عمران، ((النبي)) ؛ بالرفع صفة (موسى) ، ((صلى الله عليه وسلم)) حال كونه، ((خطيبًا في بني إسرائيل)) ، أولاد يعقوب عليه السلام، وهم اثني عشر الذين سماهم الأسباط، كالشعوب من العجم، والقبائل من العرب، وجميع بني إسرائيل منهم.

((فسُئل)) ؛ بضم السين المهملة، ((أيُّ الناس أعلم)) : مبتدأ مضاف وخبره، والتقدير: [/ص77/] أعلم منهم، كما في قولك: الله أكبر؛ أي: من كل شيء، ((فقال)) موسى: ((أنا أعلم)) الناس؛ أي: فيما ظهر لي، واقتضاه شاهد الحال أو دلالة النبوة، وهذا أبلغ من الرواية السابقة، هل تعلم أن أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا، فإنه إنَّما نفى هناك علمه، وهنا على البت.

((فعتب الله عليه)) ؛ أي: لم يرض قوله شرعًا، وعن أُبي قال: (أعجب موسى بعلمه فعاتبه الله بما لقي من الخضر) ، وهو من باب التنبيه لموسى والتعليم لمن بعده لئلا يقتدي به غيره في تزكية نفسه، والعجب بحالها فيهلك، ((إذ)) ؛ بسكون الذال للتعليل، ((لم يُرد)) ؛ بضم الدال اتباعًا لضمة الراء، والفتح للخفة، والكسر على الأصل من أن الساكن إذا حرك يحرك بالكسر، ويجوز فك الإدغام أيضًا.

((العلم)) ؛ بالنصب مفعول (يرد) ، ((إليه)) ، وفي رواية: (إلى الله تعالى) فكان ينبغي أن يقول: الله أعلم، وقالت الملائكة: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: 32] ، وسئل النبي الأعظم عليه السلام عن الروح وغيره فقال: لا أدري حتى أسأل الله عز وجل، والعتب؛ بمعنى: المؤاخذة وتغير النفس وهما في حق الله تعالى محال فيراد به: لم يرض قوله شرعًا.

((فأوحى الله)) تعالى ((إليه)) ؛ أي: إلى موسى، ((أن)) ؛ بفتح الهمزة؛ أي: بأن، ((عبدًا)) ؛ أي: الخضر، وفي رواية: بكسر الهمزة على تقدير فقال إن عبدًا، ((من عبادي)) محله النصب صفة عبدًا، ((بمجمع البحرين)) : الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: كائنًا بمجمع البحرين؛ أي: ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق، وقال أبي بن كعب: إنه بإفريقية وقيل: بطنجة، كما بسطه في «عمدة القاري».

((هو)) ؛ أي: العبد المسمى: بالخضر، ((أعلم منك)) جملة اسمية محلها رفع خبر (إن) ؛ أي: بشيء مخصوص، كما يدل عليه قول الخضر الآتي: إنِّي على علم من علم الله علمنيه، لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمك الله لا أعلمه، ولا شك أن موسى أفضل من الخضر بما اختص به من الرسالة، وسماع الكلام، والتوراة، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته ومخاطبون بحكم نبوته حتى عيسى عليه السلام، وغاية الخضر أن يكون كواحد من أنبياء بني إسرائيل وموسى أفضلهم، وإن قلنا: إن الخضر ليس بنبي؛ بل ولي، فالنبي أفضل من الولي وهو أمر مقطوع به، والقائل بخلافه كافر بالإجماع؛ لأنَّه معلوم من الشرع بالضرورة.

((قال رب)) أصله: يا رب، فحذف حرف النداء، وياء المتكلم للتخفيف اكتفاء بالكسرة، وفي رواية: (يا رب) ، ((وكيف لي به)) بالواو، وفي رواية: بالفاء؛ أي: كيف الالتقاء لي بذلك العبد، و (لي) : في محل رفع خبر مبتدأ محذوف وهو الالتقاء المقدر، و (كيف) وقع حالًا، والتقدير: على أيِّ حالة الالتقاء وبه يتعلق بالمقدر، والفاء على الرواية الثانية زائدة، والفاء في قوله: ((فقيل)) عاطفة، ((له: احمل)) أمر وفاعله مستتر.

((حوتًا)) : مفعوله والجملة مقول القول، ((في مِكَتل)) ؛ بكسر الميم وفتح الفوقية شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا كما في «العباب» وهو في محل نصب صفة لـ (حوتًا) ؛ أي: حوتًا كائنا في مكتل، ((فإذا)) للشرط، (فَقَدته) ؛ بفتح الفاء والقاف؛ أي: الحوت جملة فعل الشرط، ((فهو ثَمَّ)) ؛ بفتح المثلثة ظرف؛ بمعنى: هناك جملة وقعت جواب الشرط فلذا دخلته الفاء؛ أي: العبد الأعلم منك هناك، ((فانطلق)) : موسى، ((وانطلق معه بفتاه)) : التصريح بالمعية للتأكيد وإلا فالمصاحبة مستفادة من الباء في (بفتاه) ، وفي رواية: بإسقاط لفظ (معه) .

((يُوشَع)) ؛ بضم التحتية وفتح المعجمة، مجرور بالفتحة عطف بيان لـ (فتاه) غير منصرف؛ للعلمية والعجمة، ((ابن نون)) : مجرور بالإضافة منصرف كنوح ولوط على الأفصح، وهو من أولاد يوسف بن يعقوب عليه السلام وكان يخدمه، وقيل: يأخذ عنه العلم، ((وحملا حوتًا في مكتل)) ، كما وقع الأمر به وقد قيل: كانت السمكة مشوية مملوحة وقيل شق سمكة.

((حتى)) للغاية، ((كانا عند الصخرة)) الحجر الكبير التي دون نهر الزيت بالمغرب الموعود بلقي الخضر عنده، ((وضعا رؤوسهما)) على الصخرة، ((وناما)) ، وفي رواية: (فناما) بالفاء وكلاهما للعطف على (وضعا) ، وفيه غاية التواضع لله تعالى، ((فانسلَّ الحوت)) المشوي المملوح، (من المكتل) ؛ لأنَّه أصاب الحوت من ماء عين الحياة التي في أصل الصخرة لا يصيب مائها لشيء إلا حييى، فتحرك الحوت وانسلَّ من المكتل فدخل البحر، كذا في طريق للمؤلف.

((فاتخذ سبيله)) ؛ أي: طريقه، ((في البحر سربًا)) ؛ أي: مسلكًا؛ بالنصب على المصدرية أو المفعولية وفي رواية: عند المؤلف: (فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق) ، ((وكان)) إحياء الحوت المملوح وإمساك جرية الماء حتى صار مسلكًا، ((لموسى وفتاه عجبًا)) ؛ بالنصب خبر كان، وجاء عند المؤلف: (فكان للحوت سربًا ولموسى عجبًا) ؛ فيجوز أن يكون من قول يوشع ومن قول موسى ثم قال موسى: (عجبت من هذا عجبًا) ، فيحسن على هذا الوقف على البحر ويتبدى عجبًا، كذا قاله الزجاج، وقال غيره: يجوز أن يكون إخبارًا من الله تعالى؛ أي: اتخذ موسى طريق الحوت في البحر عجبًا، كذا في «عمدة القاري».

((فانطلقا بقيةً)) ؛ بالنصب على الظرفية، ((ليلتِهما)) ؛ بالجر على الإضافة، ((ويومِهما)) ؛ بالجر عطفًا على ليلتهما والنصب على إرادة سير جميع اليوم، وعند المؤلف في «التفسير» و«مسلم»: (فانطلقا بقية يومهما وليلتهما) ، قال القاضي: وهو الصواب لقوله: ((فلما أصبح)) ولا يقال: أصبح إلا عن ليل، وفي رواية: (حتى إذا كان من الغد) ، وما زعمه ابن حجر رده في «عمدة القاري».

((قال موسى)) : جواب (لما) ، ((لفتاه آتنا غدَائَنا)) ؛ بفتح الغين مع المد، الطعام يؤكل أول النهار؛ بالنصب على المفعولية، واللام في ((لقد)) للتأكيد وقد للتحقيق، ((لقينا من سفرنا هذا نصَبًا)) ؛ بفتح النون والصاد، بالنصب مفعول (لقينا) ؛ أي: تعبًا، والإشارة لسير البقية والذي يليها ويدل عليه قوله: ((ولم يجد موسى)) عليه السلام، ((مسًّا)) ، وفي رواية: (شيئًا) بالنصب مفعول (تجد) ((من النصب)) : في محل نصب صفة (مسًّا) ؛ أي: مساء حاصلًا أو واقعًا من النصب؛ أي: التعب.

((حتى)) : للغاية؛ أي: إلى أن، ((جاوز المكان الذي أمر به)) ؛ أي: أمره الله بلقي الخضر فألقى عليه الجوع والنصب، ((فقال)) ، وفي رواية: (قال) ، ((له فتاهُ)) ؛ بالرفع فاعل (قال) : ((أرأيت)) ؛ أي: أخبرني ما دهاني، ((إذ)) : ظرف بمعنى: حين، ((أوينا)) ؛ أي: رقدنا، ((إلى الصخرة)) عندها، ((فإني نسيت الحوت)) ؛ أي: فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت و (الفاء) : تفسيرية زاد في رواية: (وما أنسانيه) ؛ أي: وما أنساني ذكره إلا الشيطان، وإنما نسبه للشيطان هضمًا لنفسه.

((قال موسى ذلك)) : مبتدأ؛ أي: فقدان الحوت، ((ما)) : موصولة ((كنا نبغي)) : خبر المبتدأ والعائد محذوف؛ أي: نبغيه؛ أي: نطلب؛ لأنَّه علاه وجدان المقصود ويجوز حذف الياء من (نبغي) للتخفيف وبها قرئ، ((فارتدَّا)) : رجعا ((على آثارهما)) : في الطريق الذي جاءا فيه يقصَّان، ((قصصًا)) فهو منصوب على المصدرية؛ أي: يتبعان آثارهما اتباعًا، ((فلما أتيا إلى الصخرة)) ، وفي نسخة: (انتهيا) زاد مسلم: (فأراه مكان الحوت، فقال: ههنا وصف لي) وإلى هنا انتهى كلام يوشع؛ فافهم.

((إذا)) : للمفاجأة، ((رجل)) : مبتدأ تخصص بالصفة وهي قوله: ((مسجًّى)) ؛ أي: مغطًّى، ((بثوب)) والخبر محذوف؛ أي: نائم، ((أو قال: تسجى بثوبه)) شكٌّ من الراوي، ويروى أنهما اتبعا أثر الحوت وقد يبس الماء في ممرِّه فصار طريقًا فأتيا جزيرة فوجدا [1] الخضر قائمًا يصلي على طنفسة خضراء على كبد البحر؛ أي: وسطه.

((فسلم موسى)) عليه السلام، ((فقال الخضر: وأنَّى)) ؛ بفتح الهمزة وتشديد النون المفتوحة؛ أي: كيف، ((بأرضك السلام)) ؛ أي: السلام بهذه الأرض عجيب، ويؤيده ما في التفسير: هل بأرض من سلام، وكأنها كانت داركفر وكانت تحيتهم بغير السلام، وقد تكون (أنى) ؛ بمعنى: أين، فهي ظرف مكان و (بأرضك) محله النصب على الحال من السلام.

((فقال)) ، وفي رواية: (قال) : ((أنا موسى فقال)) له الخضر: أنت ((موسى بني إسرائيل)) : فهو خبر لمبتدأ محذوف، ((قال: نعم)) أنا موسى بني إسرائيل، فهو مقول القول ناب عن الجملة، وهذا يدل على أن الأنبياء ومن دونهم لا يعلمون من الغيب إلا ما علَّمهم الله تعالى؛ لأنَّ الخضر لو كان يعلم كل غيب؛ لعرف موسى قبل أن يسأله.

((قال: هل)) : للاستفهام، ((أتبِعُك على أن)) : مصدرية؛ أي: على اتباعي إياك، ((تعلمني مما علمت)) ؛ أي: من الذي علمك الله علمًا، ((رشدًا)) فهو منصوب صفة لمصدر[/ص78/] محذوف.

روي أنه قال له الخضر: كفى بالتوراة علمًا وببني إسرائل شغلًا، فقال له موسى: إن الله أمرني بهذا، و (من) في (مما علمت) للتبعيض، فطلب تعليم بعض ما علِّم، كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساويًا لك في العلم؛ بل أطلب منك أن تفيدني بعض ما علِّمت.

قال البيضاوي: ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقًا، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا له وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه، انتهى.

وقال الإمام الزمخشري: لا غضاضة بالنبي في أخذ العلم من نبي مثله، وإنما يغضُّ منه أن يأخذ ممن دونه، قال الكرماني: هذا الجواب لا يتم على تقدير ولا يته.

أجاب في «عمدة القاري»: بأن الزمخشري قائل بنبوته كما ذهب إليه الجمهور؛ بل هو رسول وينبغي اعتقاد ذلك؛ لئلَّا يتوسل به أهل الزيغ والضلال والفساد من المبتدعة الملاحدة في دعواهم أن الولي أفضل من النبي نعوذ بالله من ذلك.

وقال ابن حجر: هذا الجواب فيه نظر؛ لأنَّه يستلزم نفي ما أوجب.

وأجابه في «عمدة القاري»: بأن هذه الملازمة ممنوعة فلو بين وجهها؛ لأجيب عن ذلك، والله تعالى أعلم؛ فافهم.

((قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا)) ؛ لأنك ترى أمورًا منكرة بحسب الظاهر ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات، ((يا موسى؛ إنِّي على علم من علم الله علمنيه)) (من) للتبعيض، والجملة من الفعل، والفاعل، والمفعولين أحدهما: ياء المفعول والثاني: الضمير الذي يرجع إلى العلم، محلها الجر صفة لـ (علم) ، ((لا تعلمه أنت)) : صفة أخرى، فالأولى من الصفات الإيجابية والثانية من الصفات السلبية.

((وأنت على علم)) : مبتدأ وخبر عطف على قوله: (إني على علم) ، ((علمك الله)) : جملة من الفعل، والفاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره: علَّمك الله إياه، والجملة صفة لعلم، وفي رواية: (علمكه الله) بهاء الضمير الراجع إلى العلم، ((لا أعلمه)) : صفة أخرى، وهذا لا بدَّ من تأويله؛ لأنَّ الخضر كان يعرف من علم الشرع ما لا غنى للمكلف عنه، وموسى كان يعرف من علم الباطن ما لا بدَّ منه، كما لا يخفى، قاله القسطلاني.

((قال: ستجدني إن شاء الله صابرًا)) ؛ بالنصب مفعول ثاني لـ (ستجدني) ، وقوله: (إن شاء الله) معترض بين المفعولين؛ أي: غير منكر.

وفيه: دليل على أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى خلافًا للمعتزلة.

((ولا أعصي لك أمرًا)) : في محل نصب عطفًا على (صابرًا) ؛ أي: ستجدني صابرًا وغير عاصٍ، وتعليق الوعد بالمشيئة إما للتيمن أو لعلمه بصعوبة الأمر؛ فإنَّ مشاهدة الفساد والصبر على خلاف المعتاد شديد بلا خلف، أفاده البيضاوي وغيره.

((فانطلقا)) على السَّاحل حال كونهما، ((يمشيان على ساحل البحر ليس لهما سفينة)) ؛ أي: مركب، وأول من أحدثه نوح عليه السلام قبل الطوفان، فكان كل يوم يشتغل بها فيأتي قومه بالليل فيخرِّبوها، فيأتي نهارًا يجدِّدها إلى أن خلق الله له الكلاب تحرسها إلى أن تمَّت وركب فيها.

((فمرت بهما سفينة)) : (فعيلة) ؛ بمعنى: (فاعلة) كأنها تسفن الماء؛ أي: تقشره وتشقه، ((فكلموهم)) ؛ أي: كلَّم موسى والخضر أصحاب السفينة، والجمع إمَّا للتعظيم أو لما فوق الواحد، وما قيل: إنهم ثلاثة موسى، والخضر، ويوشع؛ يردُّه تثنية الضمير في (فانطلقا يمشيان ليس لهما، فمرت بهما) فإنه راجع إلى موسى والخضر؛ فليحفظ.

((أن)) ؛ أي: لأن، ((يحملوهما)) ؛ أي: لأجل حملهم إياهما معهم فيها، ((فعُرف)) ؛ بضم العين، ((الخضر)) ؛ أي: عرف أهل السفينة الخضر كأنه معلوم عندهم يرونه في بعض الأوقات، لما روي عن النبي الأعظم عليه السلام أنه قال: «كان الخضر ابن ملك من الملوك، فأراد أبوه أن يستخلفه من بعده، فلم يقبل وهرب منه ولحق بجزائر البحر، فطلبه أبوه فلم يقدر عليه»، كذا في «حواشي شيخ زاده».

((فحملوهما)) ؛ أي: موسى والخضر، ((بغير نَول)) ؛ بفتح النون؛ أي: بغير أجرة، والنول بالواو: الجعل، وأما يوشع؛ فإنه لم يركب معهما، فتركاه قبيل الصخرة؛ لأنَّه لم يقع له ذكر بعد ذلك، وما قيل: إنه روي: (فحملوهم) ؛ بالجمع وهو يقتضي أنه ركب معهم: ممنوع بإعادة ضمير التثنية فيما سبق عليهما، أو للتعظيم، أو لما فوق الواحد؛ فافهم.

((فجاء عُصفور)) ؛ بضم العين طير مشهور سمي به؛ لأنَّه عصى وفر، وقيل: إنه الصرد، ((فوقع على حرف)) طرف، ((السفينة فنقر نقرةً)) ؛ بالنصب على المصدرية، ((أو نقرتين)) عطف عليه، ((في البحر)) ؛ أي: شرب منه، وهو يدل على أن البحر عذب؛ لأنَّ الملح لا يشربه الحيوان بأنواعه.

((فقال الخضر)) حين رأى نقرة العصفور، وقد رآها موسى أيضًا، ((يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله)) ؛ أي: معلوماته، ((إلا كنقرة هذا العصفور في البحر)) ، وعند المؤلف: (ما علمي وعلمك في جنب الله إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من هذا البحر) ؛ أي: في جنب معلوم الله، فيطلق العلم ويراد به المعلوم، من إطلاق المصدر وإرادة الفعل، وقيل: إن (إلا) ؛ بمعنى: ولا، كأنه قال: ما نقص علمي وعلمك ولا ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر؛ لأنَّ علم الله لا ينقص بحال، وقيل: (نقص) ؛ بمعنى: أخذ؛ لأنَّ النقص أخذ خاص، والمقصود منه التشبيه في القلة والحقارة لا المماثلة في كل الوجوه، كما بسطه في «عمدة القاري».

((فعمَد)) ؛ بفتح الميم، كضرب، ((الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه)) ، وعند المؤلف: (فوتد فيها وتدًا) ، وجاء أيضًا: (فعمد إلى قدوم فخرق به) ، وقيل: (أخذ فأسًا فخرق لوحًا حتى دخلها الماء فحشاها موسى بثوبه) ، والذي ذكره المفسرون أنه قلع لوحين مما يلي الماء ولعلَّه كان شقين.

((فقال)) له ((موسى)) عليه السلام: هؤلاء ((قومٌ)) : مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ما علمت، أو هم قوم، ((حملونا)) : جملة صفة لـ (قوم) ، ((بغير نَول)) ؛ بفتح النون: الجعل، والمراد به الأجرة، ((عمَدت)) ؛ بفتح الميم، ((إلى سفينتهم فخرقتها لتُغرِق)) ؛ بضم الفوقية وكسر الراء، على الخطاب مضارع أغرق؛ أي: لأنَّ تغرق ((أهلهَا)) ؛ بالنصب على المفعولية، وفي رواية: (لتَغرَق) ؛ بفتح الفوقية وفتح الراء، على الغيبة مضارع غرق، و (أهلُها) ؛ بالرفع على الفاعلية.

((قال)) له الخضر: ((ألم أقل: إنك لن تستطيع معي صبرًا)) ؛ فذكره بما قال له من قبل، ((قال)) موسى ((لا تؤاخذني بما نسيت)) ؛ أي: بالذي نسيته، أو بشيء نسيته؛ يعني: وصيته بأن لا يعترض عليه، أو بنسياني إياها، وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها، وقيل: أراد بالنسيان: الترك؛ أي: لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة.

فإن قلت: قول الخضر: (إنك لن تستطيع معي صبرًا) ، وقول موسى: (ستجدني إن شاء الله صابرًا) يستلزم صدور الكذب من أحدهما، فإن كل واحد من القولين يكذب الآخر فيلزم إلحاق الكذب بأحدهما وصدوره من أحدهما ينافي عصمة الأنبياء.

قلت: وأجيب: بأنه لم يحصل صدور الكذب من واحد منهما، أما من الخضر؛ فلتحقق عدم الصبر من موسى باستخباره عما رأى من الخضر وأنكره نظرًا لظاهره، وأما من موسى؛ فإنه قد استثنى في جوابه (وقال: ستجدني إن شاء الله صابرًا) فإن التعليق بالمشيئة يدفع الحنث وينافي الكذب، كمن قال لآخر: آتيك غدًا إن شاء الله تعالى، ولم يأته في الغد لا يكون كذبًا.

وقال ابن عباس: لما خرق الخضر السفينة؛ تنحى موسى بناحية ثم قال في نفسه: ما كنت أصنع بمصاحبة هذا الرجل كنت أتلو في بني إسرائيل كتاب الله غدوة وعشية وآمرهم فيطيعون، فقال له الخضر: يا موسى تريد أن أخبرك بما حدَّثت به نفسك، قال: نعم، قال: قلت: كذا وكذا، قال: صدقت، زاد في رواية أبي ذر: (ولا ترهقني من أمري عسرًا) ؛ أي: ولا تغشني عسرًا من أمري بالمضايقة والمؤاخذة على المنسي، فإن ذلك يعسر علي متابعتك، ((فكانت)) المسألة، ((الأولى من موسى)) عليه السلام، ((نسيانًا)) ؛ بالنصب خبر كان.

وقال ابن عباس: إنَّما سمي الإنسان إنسانًا؛ لأنَّه عهد إليه فنسي، وفي رواية: (نسيانُ) ؛ بالرفع على أن (كانت) : تامة، و (الأولى) : مبتدأ، و (نسيان) : خبره، أو يكون (كانت) : زائدة والتقدير: فالأولى من موسى نسيان، ((فانطلقا)) ؛ أي: موسى والخضر بعد خروجهما من السفينة.

((فإذا)) : للمفاجئة، ((غلام)) ؛ بالرفع[/ص79/]

مبتدأ، وقد تخصَّص بالصفة وهي قوله، ((يلعب مع الغلمان)) والخبر محذوف تقديره: فإذا غلام يلعب مع الغلمان بالحضرة أو نحوها، وكانوا عشرة وهو أظرفهم وأوضأهم، قال ابن عباس: كان الغلام لم يبلغ الحنث، وقال الضحاك: كان غلامًا يعمل بالفساد ويتأذَّى منه أبواه، وقال الكلبي: كان الغلام يسرق المتاع بالليل فإذا أصبح؛ لجأ إلى أبويه فيحلفان دونه شفقة عليه، ويقولان: لقد بات عندنا، واختلف في اسمه: فقال الضحاك: جيسون، وقال شعبة: جيسور، وقال وهب: كان اسم أبيه: ملاس، واسم أمه: رحمى.

((فأخذ الخضر برأسه من أعلاه)) ؛ أي: مسك الخضر رأس الغلام فجرِّه، ((فاقتلع رأسه بيده)) وعند المؤلف في (بدء الخلق) : (فأخذ الخضر برأسه، فقطعه بيده هكذا) أومأ سفيان بأطراف أصابعه (كأنه يقطف شيئًا) ، وفي «التفسير»: ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا مع الغلمان؛ فاقتلع رأسه فقتله، وجاء فوجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين.

وقال الكلبي: صرعه ثم نزع رأسه من جسده فقتله، وقيل: رفعه برجله فقتله، وقيل: ضرب رأسه بالجدار حتى قتله، وقيل: أدخل أصبعه في سرته فاقتلعها فمات، والفاء في (فاقتلع) للدلالة على أنه لما رآه اقتلع رأسه من غير تروٍّ واستكشاف حال.

((فقال موسى)) للخضر عليهما السلام، ((أقتلت نفسًا زكيَّة)) ؛ بتشديد التحتية؛ أي: طاهرة من الذنوب، وهي أبلغ من زاكيَة بالتخفيف، وقال أبو عمرو بن العلاء: الزاكية التي لم تذنب قطٌّ، والزكية التي أذنبت ثم غفرت، ولهذا اختار قراءة التخفيف، فإنها كانت صغيرة لم تبلغ الحلم، والهمزة في (أقتلت) ليست للاستفهام الحقيقي، فهي كما في قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} [الضحى: 6] .

وكانت قصة الغلام في أُبُلَّة؛ بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام المفتوحة بعدها هاء، مدينة بالقرب من البصرة وعبادان، وقيل: بأَيْلا؛ بفتح الهمزة وسكون التحتية واللام الممدودة، مدينة على ساحل بحر القلزم على طريق الحاج المصري، وزعم قوم: أن الغلام كان بالغًا يعمل الفساد واحتجوا بقوله: ((بغير نفس)) الباء للمقابلة، والقصاص إنَّما يكون في حق البالغ ولم يرها قد أذنبت ذنبًا يقتضي قتلها، أو قتلت نفسًا فتقاد به، نبه على أن القتل إنَّما يباح حدًّا أو قصاصًا وكلا الأمرين منتفٍ.

وأجاب الجمهور: بأنا لا نعلم كيف كان شرعهم، ولعله كان يجب على الصبي كما يجب في شرعنا عليه غرامة المتلفات، أو المراد به: التنبيه على أنه قتل بغير حق.

((قال)) الخضر لموسى عليهما السلام ((ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا)) ؛ بزيادة (لك) في هذه المرة زيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية، والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية.

((قال)) سفيان ((بن عُيينة)) ؛ بضم العين، ((وهذا)) ؛ أي: زيادة (لك) ، ((أوكد)) ، واستدل عليه بزيادة (لك) في هذه المرة، كذا في «الكشاف»، ولما سمع الخضر مقالة موسى؛ اقتلع كتف الصبي الأيسر وقشر اللحم عنه، فإذا في عظم كتفه؛ مكتوب: كافر لا يؤمن بالله أبدًا، وفي «مسلم»: (وأما الغلام؛ فطبع يوم طبع كافرًا، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك؛ أرهقهما طغيانًا وكفرًا) ، قال المؤلف: (وكان ابن عباس يقرأ: وكان أبواه مؤمنين وهو كان كافرًا) ، وعنه: (أنه قرأ: وأما الغلام؛ فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين،) كذا في «عمدة القاري».

((فانطلقا)) : موسى والخضر ((حتى أتيا)) ، وفي رواية: (حتى إذا أتيا) موافقة للقرآن، ((أهل قرية)) : هي أنطاكية، كما قاله ابن عباس، وقيل: قرية من قرى الروم يقال لها: ناصرة وإليها تنسب النصارى، وقيل: إنها باجروان مدينة بنواحي أرمينية من أعمال شروان عندها عين الحياة، قال أبي بن كعب: وكان أهلها لئام وافياها بعد غروب الشمس.

((استطعما أهلها)) ؛ أي: سألاهم الطعام، فإن آخر كسب الجائع الإقدام على المسألة والاستطعام، وهو أمر مباح في كل الشرائع، وربما يجب ذلك عند خوف التلف والضرر الشديد، ((فأبوا أن يضيِّفوهما)) ؛ أي: من أن يضيفوهما، فـ (أن) مصدرية؛ أي: من تضييفهما، و (أبوا) ؛ بالموحدة من الإباء وهو الامتناع؛ أي: امتنعوا من استطعامهما، وروي أن أهل القرية لما سمعوا نزول هذه الآية؛ استحيوا وجاؤوا إلى النبي الأعظم عليه السلام بحمل من الذهب، وقالوا: يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء الموحدة تاء مثناة فوقية حتى تصير القراءة هكذا فأتوا أن يضيفوهما؛ أي: إتيان أهل القرية إليهما لأجل الضيافة، وقالوا غرضنا منه أن يدفع عنا هذا اللؤم، فامتنع النبي الأعظم عليه السلام، وقال: إن تغيير هذه النقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله وهو يوجب القدح في الآلهية فعلمنا به أن تغيير النقطة الواحدة يوجب بطلان [2] الربوبية، كذا في «حواشي شيخ زاده»، ولم يجدوا تلك الليلة في تلك القرية قرى ولا مأوى وكانت ليلة باردة.

((فوجدا فيها)) ؛ أي: في القرية، ((جِدارًا)) ؛ بكسر الجيم، وكانا قد التجأا [3] إليه في تلك الليلة وهو على شاطئ الطريق، قيل: كان سمكه مئتي ذراع بذراع تلك القرية، وطوله على وجه الأرض خمس مئة ذراع، وعرضه خمسون ذراعًا.

((يريد أن)) : مصدرية، ((ينقض)) ؛ أي: يريد الانقضاض؛ أي: الإسراع بالسقوط، وإسناد الإرادة إلى الجدار مجاز؛ لأنَّه لا إرادة له حقيقة، والمراد هنا المشارفة على السقوط، وقال الكسائي: إرادة الجدار هنا ميله، وعند المؤلف: (مائل وكان أهل القرية يمرون تحته على خوف) ، ((قال الخضر بيده)) ؛ أي: أشار بها، وفي رواية: (فمسحه بيده) ، ((فأقامه)) كالطين يمسحه القلال فاستوى، وعن ابن عباس: أنه هدمه ثم بناه، وقيل: أقامه بعود عمده به، وفيه إطلاق القول على الفعل، وفي رواية: (يريد أن ينقضَّ فأقامه) .

((قال موسى)) ، وفي رواية: (فقال له موسى) ؛ أي: للخضر ((لو شئت لاتَّخَذت)) ؛ بهمزة وصل، وتشديد الفوقية، وفتح الخاء، على وزن: (افتعلت) من تخذ؛ كاتبع وليس من الأخذ عند البصريين، وفي رواية: (لتخذت) ؛ أي: لاتخذت، ((عليه أجرًا)) : فيكون لنا قوتًا وبلغة على سفرنا إذ استضفناهم؛ فلم يضيفونا، فكأنه لما رأى الحرمان، ومساس الحاجة، واشتغاله بما لا يعنيه؛ لم يتمالك نفسه، ((قال)) الخضر لموسى: ((هذا فراق بيني وبينك)) : بإضافة الـ (فراق) إلى الـ (بين) إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع، والإشارة في قوله: (هذا) إلى الفراق الموعود بقوله: (فلا تصاحبني) ، أو تكون الإشارة إلى السؤال الثالث؛ أي: هذا الاعتراض سبب للفراق أو إلى الوقت؛ أي: هذا الوقت وقت الفراق، أفاده في «عمدة القاري».

((قال النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم: يرحم الله موسى)) إخبار، ولكن المراد منه الإنشاء لأنَّه دعاء له بالرحمة، ((لودِدْنا)) ؛ بكسر الدال الأولى وسكون الثانية، واللام فيه جواب قسم محذوف وكلمة (لو) هنا؛ بمعنى: أن الناصبة للفعل؛ كقوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9] ، والتقدير: والله، ((لو صبر)) ؛ أي: صبر موسى؛ أي: لأنَّه لو صبر؛ لأبصر أعجب الأعاجيب، ((حتى يقصُّ)) على صيغة المجهول، ((علينا من أمرهما)) : مفعول ما لم يسمى فاعله.

وهذه القصة كانت حين كان موسى في التيه، فلما فارقه الخضر؛ رفع إلى قومه وهم في التيه وقيل: كانت قبل خروجه من مصر، وما فعله الخضر كله كان بوحي يدل عليه قوله: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82] ؛ لأنَّ هذه الأفعال لا يجوز لأحد أن يفعلها إلا بالوحي.

وفي الحديث: إثبات كرامات الأولياء، وصحة الولاية، وجواز الإجارة، وركوب البحر والتزود للسفر، وهو لا ينافي التوكل خلافًا لمن نفاه، والحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه.

وفيه: إذا تعارضت مفسدتان؛ يجوز دفع أعظمهما بارتكاب أخفهما.

وفي شهر ذي القعدة سنة ست وسبعين ومئتين وألف، وقع القتال بين الطائفة الدروز وبين النصارى التي في قرية زحلة، وقرى البقاع، وجبل بيروت فانتصرت الدروز عليهم وصار الواحد منهم يقاوم المئة من النصارى، وخشي الوالي الذي [4] بدمشق أحمد[/ص80/] رفعت باشا على دمشق فحصن القلعة، ووقع بينه وبين أهل الديوان مشاورات، ولو بسطنا الكلام؛ لمُلِئ كراريس، ونعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وكان ذلك بسبب طلوع النجم عند قمر ذي [5] القعدة فحصل بينهما قران، وخرج كوكب الذنب من قبل القبلة والأول بين المغرب والشمال، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

[1] في الأصل: (فوجد).
[2] في الأصل: (بصلان) .
[3] في الأصل: (التجأ).
[4] في الأصل: (التي) .
[5] في الأصل (ذا)، وليس بصحيح.