إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن رسول الله دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر

          1846- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ☺ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلعم دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ) مكَّةَ (وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء: زَرَدٌ يُنسَج من الدُّروع على قدر الرَّأس، أو رفرف(1) البيضة، أو ما غطَّى الرَّأس من السِّلاح كالبيضة، ولا تعارض بينه وبين رواية مسلمٍ من حديث جابرٍ: وعليه عمامةٌ سوداء، فإنَّه يحتمل أن يكون المغفر فوق العمامة السَّوداء وقايةً لرأسه المُكرَّم من صدأ الحديد، أو هي فوق المغفر، فأراد أنسٌ بذكر المغفر كونه دخل متأهِّبًا للحرب، وأراد جابرٌ بذكر العمامة كَوْنَه غيرَ محرمٍ، أو كان أوَّل دخوله على رأسه المغفر، ثمَّ أزاله ولبس العمامة بعد ذلك، فحكى كلٌّ منهما ما رآه، وستر الرَّأس يدلُّ على أنَّه دخل غير محرمٍ، لكن قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون محرمًا وغطَّى رأسه لعذرٍ، وتُعقِّب بتصريح(2) جابرٍ وغيره بأنَّه لم يكن محرمًا، واستشكل في «المجموع» ذلك لأنَّ مذهب‼ الشَّافعيِّ: أنَّ مكَّة فُتِحت صلحًا خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنَّها فُتِحت عنوةً، وحينئذٍ فلا خوف، ثمَّ أجاب: بأنَّه ╕ صالح أبا سفيان، وكان لا يأمن غدر أهل مكَّة، فدخلها صلحًا متأهِّبًا للقتال / إن غدروا (فَلَمَّا نَزَعَهُ) أي: فلمَّا نزع ╕ المغفر (جَاءَ رَجُلٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ”جاءه رجلٌ“ وهو أبو برزة نضلة بن عبيدٍ الأسلميُّ كما جزم به الفاكهانيُّ في «شرح العمدة» والكِرمانيُّ، قال البرماويُّ: وكذا ذكره ابن طاهرٍ وغيره، وقِيلَ: سعيد بن حُريثٍ (فَقَالَ): يا رسول الله (إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ) بفتح الخاء المعجمة والطَّاء المهملة بعدها لامٌ، وكان اسمُه في الجاهليَّة عبدَ العُزَّى، فلمَّا أسلم سُمِّي عبدَ الله، وليس اسمه هلالًا، بل هو اسم أخيه، واسم خَطَلٍ عبدُ منافٍ، وخَطَلٌ لقبٌ له لأنَّ أحد لحييه كان أنقص من الآخر، فظهر أنَّه مصروفٌ، وهو من بني تيم(3) بن غالب بن فهرٍ(4)، ومقول قول الرَّجل هو قوله: (مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ) ╕ : (اقْتُلُوهُ) فقتله أبو برزة وشاركه فيه سعيد بن حُريثٍ، وقِيلَ: القاتل له سعيد بن ذُؤيبٍ، وقِيلَ: الزُّبير بن العوَّام، وكان قتله بين المقام وزمزم.
          واستدلَّ به القاضي عياضٌ في «الشِّفاء» وغيره من المالكيَّة على قتل من آذى النَّبيَّ صلعم أو تنَّقصه ولا تُقبَل له توبةٌ لأنَّ ابن خَطَلٍ كان يقول الشِّعر يهجو به النَّبيَّ صلعم ، ويأمر جاريتيه أن تغنِّيا به، ولا دلالة في ذلك أصلًا لأنَّه إنَّما قُتِل ولم يُسْتَتَب للكفر والزِّيادة فيه بالأذى، مع ما اجتمع فيه من موجبات القتل، ولأنَّه اتَّخذ الأذى ديدنًا(5) فلم يتحتَّم أنَّ سبب قتله الذَّمُّ، فلا يُقاس عليه من فَرَطَ منه فرطةٌ، وقلنا بكفره بها وتاب ورجع إلى الإسلام، فالفرق واضحٌ، وفي كتابي «المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة» مزيد بحثٍ لذلك، وإنَّما أمر ╕ بقتل ابن خَطَلٍ لأنَّه كان مسلمًا، فبعثه رسول الله صلعم مصدِّقًا وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولًى يخدمه وكان مسلمًا فنزل منزلًا فأمر المولى أن يذبح تيسًا ويصنع له طعامًا ونام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا فعدا عليه فقتله، ثمَّ ارتدَّ مشركًا، وكانت له قَيْنَتَان تغنِّيان بهجاء رسول الله صلعم ، فكان ممَّن أهدر دمه يوم الفتح، قال الخطَّابيُّ: قتله بما جناه في الإسلام، وقال ابن عبد البرِّ: قَتَله قَوَدًا من دم المسلم الذي قتله(6) ثمَّ ارتدَّ، واستدلَّ بقصَّته على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكَّة، وقال أبو حنيفة‼: لا يجوز، وتأوَّل الحديث: بأنَّه كان في السَّاعة التي أُبيحت له، وأجاب أصحابنا: بأنَّه إنَّما أُبيحت له ساعة الدُّخول حتَّى استولى عليها، وقتل ابن خطلٍ بعد ذلك، وتُعقِّب بما سبق: أنَّ الساعة التي أُحِلَّت له ما بين أوَّل النَّهار ودخول وقت العصر، وقتلُ ابن خطلٍ كان قبل ذلك قطعًا لأنَّه قيَّد في الحديث بأنَّه كان عند نزعه المغفر، وذلك عند استقراره بمكَّة، وحينئذٍ فلا يستقيم الجواب المذكور.
          وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «اللِّباس» [خ¦5808] و«الجهاد» [خ¦3044] و«المغازي» [خ¦4286]، ومسلمٌ في «المناسك»، وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
          وهذا الحديث قد عُدَّ من أفراد مالكٍ، تفرَّد بقوله: «وعلى رأسه المغفر» كما تفرَّد بحديث: «السَّفر قطعةٌ من العذاب» كما قاله ابن الصَّلاح وغيره، وتعقَّبه الزَّين العراقيُّ بأنَّه ورد من طريق ابن أخي الزُّهريِّ ومَعْمَرٍ وأبي(7) أويس والأوزاعيِّ، فالأولى: عند البزَّار، والثَّانية: عند ابن عديٍّ و«فوائد ابن المقرئ»، والثَّالثة: عند ابن سعدٍ وأبي عَوانة(8)، والرَّابعة: ذكرها المزنيُّ وهي في «فوائد تمام»، وزاد الحافظ ابن حجرٍ: طريق عقيلٍ في «مُعجَم ابن جُمَيعٍ»، ويونس بن يزيد في «الإرشاد» للخليليِّ، وابن أبي حفصة في «الرُّواة عن مالكٍ» للخطيب، وابن عيينة في «مُسنَد أبي يعلى»، وأسامة بن زيدٍ في «تاريخ نيسابور»، وابن أبي ذئبٍ في «الحلية»، ومحمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي الموالي في «أفراد الدَّارقُطنيِّ»، وعبد الرَّحمن ومحمَّد ابني عبد العزيز الأنصاريَّيَن في «فوائد عبد الله بن إسحاق الخراسانيِّ»، وابن إسحاق في «مُسنَد مالكِ» لابن عديٍّ، وصالح بن أبي(9) الأخضر ذكره أبو ذرٍّ الهرويُّ عقب حديث ابن قزعة عن مالكٍ، المخرَّج عند البخاريِّ في «المغازي» [خ¦4286] وبحر السَّقَّاء(10) ذكره جعفرٌ الأندلسيُّ في تخريجه للجيزيِّ _بالجيم والزَّاي_ لكن ليس في طرقه شيءٌ على شرط الصَّحيح إلَّا طريق مالكٍ، وأقربها ابن أخي الزُّهريِّ، ويليها رواية أبي(11) أويسٍ، فيُحمَل قول من قال: انفرد به مالكٌ، أي: بشرط الصِّحَّة، وقول من قال: تُوبِع، أي: في الجملة.


[1] في (د): «فوق»، وهو تحريفٌ.
[2] في غير (ب) و(س): «بأنَّ تصريح».
[3] في (د): «تميم»، وهو تحريفٌ.
[4] في النُّسخ: «فهر بن غالبٍ»، والمثبت من كتب الأنساب والتَّراجم.
[5] في (د): «دينًا».
[6] زيد في (د): «بما جناه في الإسلام».
[7] في (ب) و(س): «ابن»، والمثبت موافقٌ لما في «الفتح».
[8] زيد في (م): «أيضًا».
[9] «أبي»: سقط من غير (ب) و(س).
[10] في (د): «الشِّفاء»، وهو تصحيفٌ.
[11] في جميع النُّسخ: «ابن أبي»، والمثبت موافقٌ لما في «الفتح».