متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

121- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن منهالٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ)؛ أي: ابن الحجَّاج، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ) بضمِّ الميم، وكسر الرَّاء، النَّخعيُّ الكوفيُّ [/ج1ص212/] المُتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمٍ؛ بفتح الهاء، وكسر الرَّاء، زاد في رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ [1] : ((ابن عمرٍو))، (عَنْ جَرِيرٍ) هو ابن عبد الله، البجليُّ، وهو جدُّ أبي زرعة الرَّاوي عنه هنا لأبيه، وكان بديع الجمال، طويل القامة؛ بحيث يصل إلى سنام البعير، وكان نعله ذراعًا، وسبق في باب «الدِّين النَّصيحة» [خ¦57] : (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ) وعند المؤلِّف في «حجَّة الوداع» [خ¦4405] : أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لجريرٍ (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ)؛ بفتح الحاء والواو، عند جمرة العقبة و [2] اجتماع النَّاس للرَّميِ وغيره: (اسْتَنْصِتِ النَّاسَ)؛ «استفعالٌ» مِنَ الإنصات؛ ومعناه: طلب السُّكوت، وقد أنكر بعضهم لفظة: «له» _من قوله: «قال له في حَجَّة الوداع»_ معلِّلًا بأنَّ جريرًا أسلم قبل وفاته عليه الصلاة والسلام بأربعين يومًا، وتوقَّف المنذريُّ؛ لثبوتها في [3] الطُّرق الصَّحيحة، وقد ذكر [4] غير واحدٍ أنَّه أسلم في رمضان سنة عشرٍ، فأمكن حضوره مسلمًا لحجَّة الوداع، وحينئذٍ فلا خلل في الحديث، (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام بعد أن أنصتوا: (لَا تَرْجِعُوا)؛ أي: لا تصيروا (بَعْدِي)؛ أي: بعد موقفي هذا، أو بعد موتي، (كُفَّارًا): نصب خبرٍ «لا ترجعوا» المُفسَّر بـ: «لا تصيروا»، (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) مستحلِّين لذلك، و«يضربُ»؛ بالرَّفع على الاستئناف كأنَّه قيل: كيف يكون الرُّجوع كفَّاراً؟ فقال: يضرب بعضكم [5] بيانًا لقوله: لا ترجعوا، أو حالًا من ضمير «ترجعوا»؛ أي: لا ترجعوا بعدي كفَّارًا حال ضرب بعضكم رقاب [6] بعضٍ، أو صفةً [7] ؛ أي: لا ترجعوا بعدي كفَّارًا متَّصفين بهذه الصِّفة القبيحة؛ أي: ضرب بعضكم، وجوَّز ابن مالكٍ وأبو البقاء جزم الباء بتقدير شرطٍ؛ أي: فإن ترجعوا؛ يضرب بعضكم بعضًا [8] ، والمعنى: لا تتشبَّهوا بالكفَّار في قتل بعضهم بعضًا، ويأتي تمام البحث _إن شاء الله تعالى_ في «الفتن» [خ¦7080] ، أعاذنا الله تعالى منها.

[1] زيد في (م): «زيادة».
[2] في (د): «أو».
[3] في (م): «من».
[4] زيد في (م): «عن».
[5] قوله: «كأنَّه قيل: كيف يكون الرُّجوع كفَّاراً؟ فقال: يضرب بعضكم»، مُثبَتٌ من (ص).
[6] «رقاب»: سقط من (ص).
[7] قوله: «أي: لا ترجعوا بعدي كفَّارًا حال ضرب بعضكم رقاب بعضٍ، أو صفةً»، سقط من (د).
[8] «بعضًا»: سقط من (ص) و(م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

121-. حدَّثنا حَجَّاجٌ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، قالَ: أخبَرَني عَلِيُّ بنُ مُدْرِكٍ، عن أَبِي زُرْعَةَ [1] :

عَنْ جَرِيرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ لَهُ في حَجَّةِ الوَداعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ». فقالَ: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ».

[1] في رواية أبي ذر والأصيلي: «عن أبي زُرعة بن عمرو».





121- ( عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: اسْتَنْصِتِ النَّاسَ ) ذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِيْنَ أَنَّ الصَّوَابَ إِسْقَاطُ لَفْظَة: ( له ) من الحديث؛ لأنَّ جَرِيرًا أسلمَ قبل وفاة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بِأَرْبَعِيْنَ يَوْمًا. [1]

وتوقَّف في ذلك المنذريُّ؛ لِأَنَّ هذه اللَّفظة ثبتت في الأصول العتيقة والأمهات المسموعة من الطرق المختلفة، وقد ذكر غير واحد أنَّه أسلم في رمضان سنة عشر من الهجرة؛ فيكون إسلامه قبل حجة الوداع بأشهر، وإذا كان في تاريخ إسلامه قول يعضده الحديثُ الصحيح كان مقدَّمًا على غيره. [2]

( لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا ) قيل: لا تتشبهوا بالكفار في قتل بعضهم بعضًا، وقال موسى بن هارون: هؤلاء أهل الرِّدة الذين قتلهم الصدِّيق.

( يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ ) قال القاضي: الرواية برفع الباء، ومن سكنها أحال المعنى؛ لأن التقدير على الرفع: لا تفعلوا فعل الكفار تتشبهوا بهم في حال قتل بعضهم بعضًا، وجوَّز أبو البقاء وابن مالك الجزمَ على تقدير شرط مضمر، أي: فإن ترجعوا يضرب.

[1] قال محب الدين البغدادي: ذكر الخطيب البغدادي أنَّه أسلم في السنة التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي سنة عشر من الهجرة في شهر رمضان منها، نقله عنه المزي في «التهذيب».
[2] قال ابن حجر رحمه الله: أوضحُ من ذلك في الردِّ على من زعم أن الصواب إسقاط لفظه له: أن لفظ رواية المصنف في حَجَّةِ الوداع: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجرير» فهذه لا تحتمل التأويل، والله أعلم. [/ج1ص79/]





121# (عَنْ جَرِيرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ: اِسْتَنْصِتِ النَّاسَ) أنكر

@%ج1ص106%

بعضهم لفظة: ((له)) في هذا الحديث؛ لأن جريراً [1] أسلم قبل وفاته عليه الصلاة والسلام بأربعين يوماً. وتوقف المنذري؛ لثبوتها من الطرق الصحيحة.

وقد ذكر غيرُ واحد أنه أسلم في رمضان سنة عشرٍ، فأمكن حضورُه مسلماً لحجة الوداع، وظهر أن لا خلل في الحديث.

(لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً) قيل: أي: مثلَ الكفار في قتلِ بعضهم بعضاً.

وقيل: هؤلاء أهل الردَّة الذين قتلهم الصدِّيق رضي الله عنه. وقيل: الكُفر على حقيقته، والمعنى: لا ترجعوا بعدي كفاراً.

(يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) أي: مستحلِّين لذلك.

قال القاضي: والرواية برفع الباء، ومن سكَّنها أحال المعنى؛ لأن التقدير: لا تفعلوا فعلَ الكفَّار فتتشبهوا [2] بهم في حال قَتْلهم [3] بعضهم بعضاً.

وجوز أبو البقاء وابن مالك الجزمَ على تقدير شرط مضمَر؛ أي: فإن ترجعوا، يضربْ. وتعلق بعض أهل البدع بهذا في إنكار حُجيَّة الإجماع؛ كما قال الماوردي؛ لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز إجماعها عليه، لما نهاها [4] .

وأجيب: بأن الامتناع إنما جاء من جهة خبر الصادق، لا من الإمكان.

[1] في (ق): ((جرير)).
[2] في (ق): ((فتشبهوا)).
[3] في (ق): ((في حالة قتل)).
[4] في (د): ((عليه لأنهاها))، وفي (ق): ((لما نهى عنه))، في (ج): ((كما نهاها)).





121- قوله: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ): هذا هو ابن المنهال الأنماطيُّ البصريُّ، عن قرَّة، وشعبة، وعنه: البخاريُّ، وعبد، والكجِّيُّ، وكان دلَّالًا ثقة ورعًا، ذا سنَّة وفضل، توفِّي سنة (217 هـ ) ، أخرج له الجماعة، قال أحمد [1] العجليُّ: (ثقة، رجل صالح، وكان سمسارًا يأخذ من كلِّ دينار حبَّة، فجاء خراسانيٌّ موسر [2] من أصحاب الحديث، فاشترى له أنماطًا، وأعطاه ثلاثين دينارًا، وقال: هذه سمسرتك خذها، قال: دنانيرك أهون علينا من هذا التراب، هات من كلِّ دينار حبَّة أو كسرًا) .

قوله: (عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ): هو اسم فاعل من (أدرك) .

قوله: (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ): هو أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليُّ هرم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرَّحمن، وقيل: جرير، وقيل: عمرو، تقدَّم الكلام عليه، وبعض ترجمته.

قوله: (عَنْ جَرِيرٍ): هو جَرِير -بفتح الجيم، وكسر الرَّاء- ابن عبد الله [3] البجليُّ، صحابيٌّ مشهور التَّرجمة رضي الله عنه، وقد تقدَّم.

قوله: (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ): حجَّة الوداع كانت سنة عشر من الهجرة، وهذا في غاية الظهور والشهرة.

قوله: (لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا): أي: لا تفعلوا فتشبَّهوا بهم في حالة قتل بعضهم بعضًا، ومحاربة بعضهم بعضًا، وهذا أولى في تأويله، وقيل: إنَّه كفر على بابه في حقِّ المستحلِّ لغير [4] الحق، وقيل: المراد: كفر النعمة وحقِّ الإسلام، وقيل: إنَّه يقرب من الكفر ويؤدِّي إليه، وقيل: لا تكفروا حقيقة، بل دوموا مسلمين، وقيل: المراد بالكفَّار: المتكفِّرون في السلاح، يقال: تكفَّرَ الرجلُ بسلاحه؛ إذا لبسه [5] ، وقيل: لا يكفِّر بعضكم بعضًا فتستحلُّوا قتال بعضكم بعضًا، والله أعلم بمراد رسوله [6] صلَّى الله عليه وسلَّم.

[قوله: (يَضْرِبُ): هو برفع الباء على الصَّواب، وهو الرِّواية، ومن سكَّن الباء؛ أحال المعنى؛ لأنَّ النَّهي على هذا التَّقدير يكون عنِ الكفر مجرَّدًا، وضرب الرِّقاب جواب النَّهي ومجازاة للكفر، وسياق الخبر يأباه، وجوَّزه أَبُو البقاء وابن مالك على تقدير شرط مضمر؛ أي: إنْ ترجعوا؛ يضربْ] [7] .

[1] زيد في (ج): (ابن) .
[2] في (ج): (فجاء خراسان موسرًا) .
[3] (ابن عبد الله): وضعت في (ب) في غير محلها.
[4] في (ب): (بغير) .
[5] في (ج): (لقيه) .
[6] في (ب): (والله بمراد رسوله أعلم) ، وفي (ج): (رسول الله) .
[7] ما بين معقوفين جاء في النسخ سابقًا بعد قوله: (في غاية الظهور والشهرة) .





121- (لَا تَرْجِعُوا): ممَّا خَفِيَ على أكثرِ النَّحْويِّين استعمالُ (رَجَعَ) كـ (صَارَ) معنًى وعملًا، ومنه هذا الحديثُ؛ أي: لا تَصيروا [1] .

(يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ): قال الكرمانيُّ: (لفظ «يَضْرِبُ» مرفوعٌ على أنَّه جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنةٌ لقوله: «لَا تَرْجِعُوا»، أو وصفٌ كاشفٌ؛ إذِ الغالبُ مِنَ الكفارِ ذلك، وكونُه مجزومًا بأنَّه جوابُ النَّهيِ ظاهرٌ على مذهبِ مَنْ يُجَوِّزُ: لا تكفرْ؛ تدخلِ النارَ) انتهى.

وقال عياضٌ: (الرِّوايةُ بالرَّفعِ، ومَنْ سكَّنَ الباءَ؛ أحالَ المعنى) ؛ لأنَّ النَّهيَ على هذا التَّقديرِ يكونُ عن الكفرِ مجرَّدًا، وضَرْبُ الرِّقابِ جوابُ النَّهي، ومجازاةٌ للكفرِ، وسياقُ الخبرِ يأْباهُ، وجوَّزَه أبو البقاء وابنُ مالكٍ على تقديرِ شرطٍ مضمرٍ؛ أي: إِنْ تَرجِعوا؛ يضربْ.

[1] انظر «شواهد التوضيح» (ص201) (51)، وقوله: (لا ترجعوا.. .) إلى هنا سقط من (ب).





121- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن منهالٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ)؛ أي: ابن الحجَّاج، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ) بضمِّ الميم، وكسر الرَّاء، النَّخعيُّ الكوفيُّ [/ج1ص212/] المُتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمٍ؛ بفتح الهاء، وكسر الرَّاء، زاد في رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ [1] : ((ابن عمرٍو))، (عَنْ جَرِيرٍ) هو ابن عبد الله، البجليُّ، وهو جدُّ أبي زرعة الرَّاوي عنه هنا لأبيه، وكان بديع الجمال، طويل القامة؛ بحيث يصل إلى سنام البعير، وكان نعله ذراعًا، وسبق في باب «الدِّين النَّصيحة» [خ¦57] : (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ) وعند المؤلِّف في «حجَّة الوداع» [خ¦4405] : أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لجريرٍ (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ)؛ بفتح الحاء والواو، عند جمرة العقبة و [2] اجتماع النَّاس للرَّميِ وغيره: (اسْتَنْصِتِ النَّاسَ)؛ «استفعالٌ» مِنَ الإنصات؛ ومعناه: طلب السُّكوت، وقد أنكر بعضهم لفظة: «له» _من قوله: «قال له في حَجَّة الوداع»_ معلِّلًا بأنَّ جريرًا أسلم قبل وفاته عليه الصلاة والسلام بأربعين يومًا، وتوقَّف المنذريُّ؛ لثبوتها في [3] الطُّرق الصَّحيحة، وقد ذكر [4] غير واحدٍ أنَّه أسلم في رمضان سنة عشرٍ، فأمكن حضوره مسلمًا لحجَّة الوداع، وحينئذٍ فلا خلل في الحديث، (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام بعد أن أنصتوا: (لَا تَرْجِعُوا)؛ أي: لا تصيروا (بَعْدِي)؛ أي: بعد موقفي هذا، أو بعد موتي، (كُفَّارًا): نصب خبرٍ «لا ترجعوا» المُفسَّر بـ: «لا تصيروا»، (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) مستحلِّين لذلك، و«يضربُ»؛ بالرَّفع على الاستئناف كأنَّه قيل: كيف يكون الرُّجوع كفَّاراً؟ فقال: يضرب بعضكم [5] بيانًا لقوله: لا ترجعوا، أو حالًا من ضمير «ترجعوا»؛ أي: لا ترجعوا بعدي كفَّارًا حال ضرب بعضكم رقاب [6] بعضٍ، أو صفةً [7] ؛ أي: لا ترجعوا بعدي كفَّارًا متَّصفين بهذه الصِّفة القبيحة؛ أي: ضرب بعضكم، وجوَّز ابن مالكٍ وأبو البقاء جزم الباء بتقدير شرطٍ؛ أي: فإن ترجعوا؛ يضرب بعضكم بعضًا [8] ، والمعنى: لا تتشبَّهوا بالكفَّار في قتل بعضهم بعضًا، ويأتي تمام البحث _إن شاء الله تعالى_ في «الفتن» [خ¦7080] ، أعاذنا الله تعالى منها.

[1] زيد في (م): «زيادة».
[2] في (د): «أو».
[3] في (م): «من».
[4] زيد في (م): «عن».
[5] قوله: «كأنَّه قيل: كيف يكون الرُّجوع كفَّاراً؟ فقال: يضرب بعضكم»، مُثبَتٌ من (ص).
[6] «رقاب»: سقط من (ص).
[7] قوله: «أي: لا ترجعوا بعدي كفَّارًا حال ضرب بعضكم رقاب بعضٍ، أو صفةً»، سقط من (د).
[8] «بعضًا»: سقط من (ص) و(م).





121- ( قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ): ادَّعى بعضهم زيادة لفظ: «له» لأنَّ جريرًا أسلم بعد حجَّة الوداع بنحو شهرين فيما جزم به ابن عبد البرِّ، ورُدَّ بأنَّ البغويَّ وابن حبَّان قالا: إنَّه أسلم قبلها في رمضان، واللَّفظة ثابتة في الأمَّهات القديمة، فتُقدَّم.

( لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ ) بالرَّفع، أي: لا تفعلوا فعل الكفَّار فتشبهوهم في حالة قتل بعضهم بعضًا، قال عياض: ومن جزم أحال المعنى.[/ج1ص280/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

121# ثَنَا حَجَّاجٌ، ثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ»، فَقَالَ: «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».

هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن حجاج، وفي «المغازي» عن حفص بن عمر، وفي «الفتن» عن سليمان، كلهم عن شعبة، عن علي بن مدرك به، وفي «الديات» عن بندار، عن غندر، عن شعبة، وعن عبيد الله بن معاذ عن أبيه، عن شعبة به.

وأخرجه مسلم في «الإيمان» عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، عن شعبة، وعن ابن مثنى وابن بشار، عن غندر به.

وهو قطعة من حديث أبي بكرة الطويل، ذكره البخاري في «الخطبة أيام منى»، ومسلم في «الجنايات»، وقد تقدم قطعة من حديث أبي بكرة في «كتاب العلم» في موضعين، أحدهما في «باب رب مبلغ أوعى من سامع».

قوله: «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي» قال المازري: تعلق به بعض أهل البدع في إنكار أن الإجماع حجة، قال: لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز إجماعها عليه لما نهاهم.

قال: والجواب

@%ص250%

أن الامتناع إنما جاء من جهة خبر الصادق، لا من جهة الإمكان، قال: وقد قال تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} مع أنه عليه السلام معصوم.

وأما قوله: «يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» قال القاضي عياض والنواوي وكلامه أتم: رواية المتقدمين والمتأخرين برفع الباء من «يضرب»، وهو الصواب، ومن سكن الباء ممن لم يضبط أحال المعنى؛ لأن التقدير على الرفع: لا تفعلوا فعل الكفار فتتشبهوا بهم في حالة قتل بعضهم بعضاً، ومحاربة بعضهم بعضاً، فيكون النهي عن التشبيه بهم في هذه الحالة.

قال القاضي عياض: وهذا أولى الوجوه التي يتأول عليها هذا الحديث، وقد جرى بين الأنصار كلام بمحاولة اليهود حتى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح، فأنزل الله: {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم } [آل عمران:101]. أي: تفعلون فعل الكفار، وسياق الخبر يدل على أن النهي عن ضرب الرقاب، والنهي عما قبله بسببه كما جاء في حديث أبي بكرة: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» وذكر الحديث، ثم قال: «ليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفاراً» الحديث، فهو شرح لما تقدم من تحريم بعضهم على بعض.

وأما من رواه بالسكون فقد أحال المعنى؛ لأن النهي على هذا التقدير يكون عن الكفر مجرداً، وضرب الرقاب جواب النهي، ومجازاة [1] الكفر وسياق الخبر كما تقدم يأباه.

وجوزه ابن مالك وأبو البقاء النحويان، قال: يجوز جزم الباء على تقدير شرط مضمر؛ أي: إن ترجعوا يضرب [2].

وقد ذكر العلماء في معنى الحديث سبعة أوجه، هذا أحدها.

والثاني: أنه كفر على بابه في حق المستحل بغير الحق.

والثالث: المراد كفر النعمة وحق الإسلام.

@%ص251%

الرابع: أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه.

والخامس: لا تكفروا حقيقة؛ بل دوموا مسلمين.

والسادس: حكاه الخطابي أن المراد بالكفار المتكفرون في السلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه، إذا لبسه.

السابع: لا يُكفِّر بعضُكم بعضاً، فتستحلوا قتال بعضكم بعضاً.

قوله: «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي» قال ابن مالك اللغوي: رجع هنا بمعنى صار، أي: لا تصيروا.

وقوله: «بَعْدِي» قال الطبري: أي بعد فراقي من موقفي هذا، وقال غيره: «بَعْدِي» أي خلافي، أي لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به.

ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم [علم] أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد وفاته.

وسميت حجة الوداع لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودعهم فيها، وعلمهم فيها أمر دينهم، وأوصاهم بتبليغ الشرع لمن غاب عنه بقوله: «ليبلغ الشاهد الغائب».

قال الهروي وجماعة: المسموع من العرب في واحد الحج حِجة بكسر الحاء، والقياس الفتح لكونها اسماً للمرة الواحدة، وليست عبارة عن الهيئة حتى تكسر، فيجوز في الحج والحجة الفتح على القياس والكسر للسماع.

وقال النووي في (ذو الحجة) هو بكسر الحاء، وحكي فتحها.

وحضور جرير حجة الوداع يدل على أن إسلامه كما قيل في رمضان في هذه السنة، خلافاً لمن قال: إنه بعد حجة الوداع.

وفي السند:

الحجاج بن منهال، وشعبة، وهرم [3]، وتقدموا.

وفيه: علي بن مُدرك، أبو مدرك النخعي الكوفي، أخرج البخاري في «العلم» و«المغازي» وغيره عن شعبة عنه، عن أبي زرعة هرم.

قال أبو حاتم الرازي: «هو صالح صدوق ثقة».

@%ص252%

مات سنة عشرين ومئة، روى له الجماعة.

وفيه: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب _ هشام _ بن شعبة بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب، القرشي.

أخرج البخاري في «العلم» و«الصلاة» وغيره عن أبي نعيم، وابن أبي إياس، وابن أبي فديك، وعاصم بن علي، عنه، عن نافع، والزهري، وسعيد المقبري، وعثمان بن عبد الله بن سراقة.

قال البخاري: «ولد سنة الجحاف [4] سنة ثمانين».

قال الشافعي: «ما فاتني أحد فأسفت عليه ما أسفت على الليث وابن أبي ذئب».

وقال أحمد ابن حنبل: «كان ابن أبي ذئب يشبه بسعيد بن المسيب».

قيل لأحمد: «خلَّفَ مثلَه ببلاده ؟ قال : لا، و لا بغيرها، وكان ثقة صدوقاً، وكان لا يبالي عمن حدث».

وعنه: «مالك أشد تنقياً للرجال منه».

وقال يحيى بن معين: «ابن أبي ذئب ثقة، وكل من روى عنه ابن أبي ذئب ثقة إلا أبا جابر البياضي، و كل من روى عنه مالك ثقة إلا عبد الكريم أبا أمية».

وقال أبو زرعة وأبو حاتم: «هو ثقة» [5].

وعن بعضهم: في حديثه عن الزهري شيء تكلم الناس فيها، فقيل للاضطراب، وقيل: إن سماعه منه عَرْضٌ، قال المحققون: وهذا لا يضره فإن العرض صحيح.

وعن ابن أخي ابن شهاب قال: جاء ابن أبي ذئب إلى عمي فقال: رجل طلق امرأته ثم ارتجعها، ثم طلقها، [ثم طلقها] قبل أن يمسَّها، فقال ابن شهاب: تبتدىء العدة، فقال: ما هكذا قلت لي، قال: بلى، قال: لا، قال: بلى، قال: لا، قال ابن شهاب: كذبت، قال ابن أبي ذئب: كذبت أنت، فحصبه ابن شهاب وطرده، وحلف لا يحدثه حديثاً أبداً، فقدم ابن أبي ذئب فكتب إلى ابن شهاب بتسمية أحاديث أن أكتبها لي، فكتب له أو أمر من يكتب له، فأخذها عنه، وكانت أكثر أحاديثه على هذا.

وذكر الخطيب أنه لما حج المنصور دعاه فقال له: ما تقول في الحسن بن زيد بن الحسن؟ فقال: إنه ليتحرى العدل، قال: فما تقول فيَّ؟ مرتين أو ثلاثاً، فقال: وربِّ هذه البنية إنك لجائر، فأخذ الربيع بلحيته، فقال له أبو جعفر: كف عنه يا ابن اللخناء، وأمر له بثلاث مئة دينار.

قال: ولما حج المهدي دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فلم يبق أحد إلا قام إلا ابن أبي ذئب، فقيل له: قم، فقال: إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال المهدي: دعه فقد قامت كل شعرة في رأسي [6].

أقدم

@%ص253%

المهديُّ ابنَ أبي ذئب بغدادَ حتى حدَّث بها، ثم رجع يريد المدينة، فمات بالكوفة سنة تسع وخمسين ومئة، روى له الجماعة.

[1] كذا في الأصل، وكذا في «التوضيح» (3/613)، وفي «إكمال المعلم» (1/324): «مجازات».
[2] كتب بهامش الأصل: «وذكر ابن أبي الربيع وجهين آخرين؛ أحدهما: أنه على الإدغام لا على الجزم، كما قرأ أبو عمرو في الإدغام الكبير: فهل نجعل لك خرجاً، والآخر على البدل من: لا ترجعوا بعدي كفاراً؛ أي لا يضرب بعضكم رقاب بعض، كما تقول: لا تدن من الأسد يأكلك، على معنى: لا يأكلك الأسد، قال: والوجه الأول أبين، قلت: وأما على مذهب الكوفيين فجائز، لكن يحمل على كفر النعمة، فالضرب مسبب عن كفر النعمة».
[3] هو أبو زرعة البجلي، وفي اسمه اختلاف، هذا أحد ما قيل فيه.
[4] الجحاف: سيل أغرق بيوت مكة، وجحف كل شيء مر به، فسمي ذلك العام عام الجحاف.
[5] كتب بهامش الأصل بلون مغاير وأشير إليه بلحق: «وقال يحيى بن معين أيضاً: حديثه عن الزهري ضعيف».
[6] هذه الفقرة والتي قبلها كتبتا بهامش الأصل، وأشير إليهما بلحق.





لا تتوفر معاينة

121- وبه قال: ((حدثنا حَجاج)) ؛ بفتح الحاء، ابن منهال الأنماطي، ((قال: حدثنا شعبة)) : هو ابن الحجاج، ((قال: أخبرني)) ؛ بالإفراد، ((علي بن مُدْرِك)) ؛ بضم الميم وكسر الراء، النخعي الكوفي، المتوفى سنة عشرين ومئة، ((عن أبي زُرْعَة)) ؛ بضم الزاي، وسكون الراء،[/ص76/]

وفتح العين، واسمه: هَرْم؛ بفتح الهاء وسكون الراء، ابن عمر بن جرير.

((عن جَرير)) ؛ بفتح الجيم، ابن عبد الله البجلي جد أبي زرعة الراوي عنه هنا لأبيه، وكان بديع الجمال، طويل القامة، وكان نعله ذراعًا، ((أن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم قال)) : جملة محلها الرفع خبر (إن) ، ((له)) وعند المؤلف في (حجة الوداع) : (أن النبي عليه السلام قال لجرير) ، ((في حَجة)) ؛ بفتح الحاء وكسرها، ((الوَداع)) ؛ بفتح الواو وكسرها، والمشهور: الفتح فيهما، وإنَّما سمِّيت بحجة الوداع؛ لأنَّ النبي الأعظم عليه السلام ودَّع الناس فيها، والمقالة كانت عند جمرة العقبة واجتماع الناس للرمي وغيره.

((استنصت)) : أمر من الإستنصات، (استفعال) من الإنصات، ومعناه: طلب السكوت، ((الناس)) والجملة من الفعل، والفاعل، والمفعول مقول القول، وقد أنكر بعضهم لفظة (له) من قوله: قال له في حجة الوداع، معللًا بأن جريرًا أسلم قبل وفاته عليه السلام بأربعين يومًا، وتوقف المنذري؛ لثبوتها في الطرق الصحيحة، وقد ذكر غير واحد أنه أسلم في رمضان سنة عشر، فأمكن حضوره مسلمًا لحجة الوداع، وحينئذ فلا خلل في الحديث كما أوضحه في «عمدة القاري».

((فقال)) عليه السلام بعد أن أنصتوا: ((لا ترجعوا)) ؛ أي: لا تصيروا، ((بعدي)) ؛ أي: بعد موتي أو موقفي هذا، ((كفارًا)) نصب خبر لا ترجعوا المفسر بلا تصيروا، فيكون من الأفعال الناقصة؛ أي: لا تكن أفعالكم شبيهة بأفعال الكفار، أو دوموا مسلمين أولا يكفِّر بعضكم بعضًا فتستحلوا القتال.

((يضربُ بعضكم رقاب)) جمع: رقبة، ((بعض)) ؛ بالرفع في (يضرب) على الصفة لـ (كفارًا) ؛ أي: لا ترجعوا بعدي كفارًا متصفين بهذه الصفة القبيحة، يعني ضرب بعضهم رقاب بعض آخرين، أو على الحال من ضمير (ترجعوا) ؛ أي: لا ترجعوا [1] بعدي كفارًا حال ضرب بعضكم رقاب بعض، أو على الاستئناف كأنه قيل: كيف يكون الرجوع كفارًا؟ فقال: يضرب بعضكم رقاب بعض، فمعناه:

على الأول: لا ترجعوا عن الدين بعدي فتصيروا مرتدِّين مقاتلين يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حق.

وعلى الثاني: لا تكفروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض لأمر يعرض بينكم باستحلال القتل، ولا ترجعوا حال المقاتلة لذلك كالكفار في الانهماك في تهييج الشرِّ وإثارة الفتن من غير إشفاق بعض على بعض.

وعلى الثالث: لا يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حقٍّ، فإنَّه فعل الكفار، وجوَّز الإمام أبو البقاء وابن مالك جزم (يضرب) على أنه بدل من (لا ترجعوا) وأن يكون جزاء الشرط مقدرًا [2] ؛ أي: فإن رجعتم يضرب بعضكم رقاب بعض، أو أن يكون جواب النهي، والمعنى: لا تتشبهوا بالكفار في قتل بعضهم بعضًا.

وقد جرى بين الأنصار كلام بمحاولة اليهود حتى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح فأنزل الله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 101] ؛ أي: تفعلون فعل الكفار، وسياق الخبر يدل على أن النهي عن ضرب الرقاب والنهي عما قبله بسببه، كما جاء في حديث أبي بكرة: «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام» وذكر الحديث، ثم قال: «ليبلِّغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارًا...»؛ الحديث، فهو شرح لما تقدم من تحريم بعضهم على بعض.

فإن قلت: رقاب جمع: رقبة، وليس لكل شخص إلا رقبة واحدة، ولا شك أن ضرب الرقبة الواحدة منهي عنه.

قلت: البعض وإن كان مفردًا، لكنه في معنى الجمع، كأنه قال: لا يضرب فرقة منكم رقاب فرقة أخرى، والجمع في مقابلة الجمع أو ما في معناه يفيد التوزيع.

وفي الحديث: وجوب الإنصات عند قراءة الحديث والعلم وغيره من العلوم الشرعية.

وفيه: تعلق بعض المبتدعة في إنكار حجة الوداع؛ لأنَّه نهى الأمة بأسرها عن الكفر ولولا جواز إجماعها عليه؛ لما نهاها، والجواب أن الامتناع إنَّما جاء من جهة خبر الصادق لا من الإمكان، وقد قال تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ، ومن المعلوم أنه عليه السلام معصوم، كذا حققه في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: ( ترجوا).
[2] في الأصل: (مقدر) .