متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).

1- (بَابُ جَزَاءِ الصَّيدِ) إذا باشر المحرم قتله (وَنَحْوِهِ) كتنفير صيد الحرم [1] وعضد شجره (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالىَ: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}) [المائدة: 95] ؛ كذا ثبتت البسملة وتاليها لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((باب قول الله تعالى: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}))؛ أي: محرمون، ولعلَّه ذكر القتل دون الذَّبح؛ للتَّعميم، وأراد بـ: «الصَّيد»: ما يُؤكَل لحمه؛ لأنَّه الغالب فيه عرفًا ({وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا}) ذاكرًا لإحرامه، عالمًا بأنَّه [/ج3ص289/] حرامٌ عليه ({فَجَزَاءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}) برفع: «جزاءُ» من غير تنوينٍ، وخفض: «مثلِ» على أنَّ «جزاء الصَّيد» مصدرٌ مضافٌ لمفعوله تخفيفًا، والأصل: فعليه أن يجزي المقتول من الصَّيد مثله من النَّعم، ثُّم حُذِف الأوَّل؛ لدلالة الكلام عليه، وأُضيف المصدر إلى ثانيهما، أو: أنَّ «مثل» مقحمةٌ؛ كقولهم [2] : مثلك لا يفعل ذلك؛ أي: أنت لا تفعل ذلك، وهذه قراءة نافعٍ وابن كثيرٍ وابن عامرٍ وأبي جعفرٍ، وقراءة الآخرين: {فَجَزَاءٌ}؛ بالرَّفع، مُنوَّنًا على الابتداء، والخبر محذوفٌ تقديره: فعليه جزاءٌ، أو: أنَّه خبر مبتدأٍ محذوفٍ تقديره: فالواجب جزاءٌ، أو: فاعلٌ بفعلٍ محذوفٍ تقديره: فيلزمه أو يجب عليه جزاءٌ، و{مِثْلُ}؛ بالرَّفع، صفةٌ لـ: {جزاءٌ}؛ أي: فعليه جزاءٌ موصوفٌ بكونه مثل ما قتل [3] ؛ أي: مماثله، والذي عليه الجمهور من السَّلف والخلف: أنَّ العامد والنَّاسي سواءٌ في وجوب الجزاء عليه، فالقرآن دلَّ على وجوب الجزاء على المتعمِّد وعلى تأثيمه بقوله تعالى: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ} [المائدة: 95] ، وجاءت السُّنَّة من [4] أحكام النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ؛ كما دلَّ الكتاب عليه في العمد، وأيضًا: فإنَّ قتل الصَّيد إتلافٌ، والإتلاف مضمونٌ في العمد والنِّسيان، لكنَّ المتعمِّد مأثومٌ والمخطئ غير مأثومٍ [5] ، وهذه المماثلة؛ باعتبار الخلقة والهيئة عند مالكٍ والشَّافعيِّ، والقيمة عند أبي حنيفة ({يَحْكُمُ بِهِ})؛ أي: بالجزاء ({ذَوَا عَدْلٍ}) رجلان صالحان، فإنَّ الأنواع تتشابه؛ ففي النَّعامة بدنةٌ وفي حمار الوحش بقرةٌ ({مِنْكُمْ}) من المسلمين ({هَدْيًا}) حالٌ من ضمير «به» ({بَالِغَ الْكَعْبَةِ}) صفة: «هديًا»، والإضافة لفظيَّةٌ؛ أي: واصلًا إليه بأن يذبح فيه ويتصدَّق به ({أَوْ كَفَّارَةٌ}) عُطف على: «جزاء» ({طَعَامُ مَسَاكِينَ}) بدلٌ [6] منه، أو تقديره: هي طعامُ، وقرأ نافعٌ وابن عامر وأبو جعفر: {كَفَّارَةُ} بغير تنوينٍ {طعامِ} بالخفض على الإضافة؛ لأنَّ الكفَّارة لمَّا تنوعَّت إلى تكفيرٍ بالطَّعام وتكفيرٍ بالجزاء المماثل وتكفيرٍ بالصِّيام؛ حَسُن إضافتها لأحد أنواعها؛ تبيينًا لذلك، والإضافة تكون لأدنى [7] ملابسةٍ، ولا خلاف في جمع «مساكين» هنا؛ لأنَّه لا يُطعَم في قتل الصَّيد مسكينٌ واحدٌ، بل جماعة مساكين، وإنَّما اختلفوا في موضع البقرة؛ لأنَّ التَّوحيد يُراد به عن كلِّ يومٍ، والجمع يُراد به عن أيَّامٍ كثيرةٍ ({أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا})؛ أي: أو ما ساواه من الصَّوم، فيصوم عن طعام كلِّ مسكينٍ يومًا، وهو في الأصل مصدرٌ أُطلِق للمفعول ({لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ}) ثقل أمره وجزاء معصيته؛ أي: أوجبنا ذلك؛ ليذوقه [8] ({عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ}) قبل التَّحريم ({وَمَنْ عَادَ}) إلى مثل هذا ({فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ}) في الآخرة؛ أي [9] : فهو ينتقم الله منه، وعليه مع [10] ذلك الكفَّارة ({وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}) على المُصِرِّ بالمعاصي ({أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ}) ممَّا لا يعيش إلَّا في الماء في جميع الأحوال ({وَطَعَامُهُ}) ما يتزوَّد منه يابسًا مالحًا، أو ما قذفه ميتًا ({مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ}) منفعةً للمقيم والمسافر، وهو مفعولٌ له ({وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ}) ما صِيد فيه، أو المراد بالصَّيد في الموضعين: فعله، فعلى الأوَّل: يحرم على المحرم ما صاده الحلال وإن لم يكن له فيه مدخلٌ، والجمهور على حلِّه ({مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}) محرمين ({وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}) [المائدة: 95، 96] ، وفي رواية أبي ذرٍّ ما لفظه: (({من النعم} إلى قوله: {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}))، وسبب نزول هذه الآية [11] _كما حكاه مقاتلٌ في «تفسيره»_: أنَّ أبا اليَسَر _بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والمهملة_ قتل حمار وحشٍ وهو محرمٌ في عمرة الحديبية، فنزلت، ولم يذكر المصنِّف في رواية أبي ذرٍّ حديثًا في هذه التَّرجمة؛ إشارةً إلى أنَّه لم يثبت على شرطه في جزاء الصَّيد حديثٌ مرفوعٌ، وفي رواية غير أبي ذرٍّ هنا [12] :

[1] «الحرام»: ليس في (ص).
[2] في (م): «كقولك».
[3] في (م): «قبله»، وهو تحريفٌ.
[4] في (د): «في».
[5] في غير (ب) و(س)
[6] في (د): «بدلًا».
[7] في (د): «بأدنى».
[8] في غير (د): «ليذوق».
[9] «أي»: ليس في (د).
[10] في (د): «في».
[11] «الآية»: ليس في (ص) و(م).
[12] في (د) و(ص): «هذا».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(1) بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعالَىَ [1] : { لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزاءُ مِثْلِ [2] مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [3] يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ. أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } [المائدة: 95 - 96] .

[1] في رواية أبي ذر و [ق] زيادة: «بسم الله الرحمن الرحيم. باب جزاء الصيد ونحوه» قبل هذا الباب، غير أنَّ البسملة لم ترد في رواية [ق] .
[2] بلا تنوين وبالإضافة علىَ قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي جعفر.
[3] في رواية أبي ذر و [ق] زيادة: «إلىَ قوله: { وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }» بدل إتمام الآيتين.






((28)) [كتابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ]




(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).

1- (بَابُ جَزَاءِ الصَّيدِ) إذا باشر المحرم قتله (وَنَحْوِهِ) كتنفير صيد الحرم [1] وعضد شجره (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالىَ: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}) [المائدة: 95] ؛ كذا ثبتت البسملة وتاليها لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((باب قول الله تعالى: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}))؛ أي: محرمون، ولعلَّه ذكر القتل دون الذَّبح؛ للتَّعميم، وأراد بـ: «الصَّيد»: ما يُؤكَل لحمه؛ لأنَّه الغالب فيه عرفًا ({وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا}) ذاكرًا لإحرامه، عالمًا بأنَّه [/ج3ص289/] حرامٌ عليه ({فَجَزَاءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}) برفع: «جزاءُ» من غير تنوينٍ، وخفض: «مثلِ» على أنَّ «جزاء الصَّيد» مصدرٌ مضافٌ لمفعوله تخفيفًا، والأصل: فعليه أن يجزي المقتول من الصَّيد مثله من النَّعم، ثُّم حُذِف الأوَّل؛ لدلالة الكلام عليه، وأُضيف المصدر إلى ثانيهما، أو: أنَّ «مثل» مقحمةٌ؛ كقولهم [2] : مثلك لا يفعل ذلك؛ أي: أنت لا تفعل ذلك، وهذه قراءة نافعٍ وابن كثيرٍ وابن عامرٍ وأبي جعفرٍ، وقراءة الآخرين: {فَجَزَاءٌ}؛ بالرَّفع، مُنوَّنًا على الابتداء، والخبر محذوفٌ تقديره: فعليه جزاءٌ، أو: أنَّه خبر مبتدأٍ محذوفٍ تقديره: فالواجب جزاءٌ، أو: فاعلٌ بفعلٍ محذوفٍ تقديره: فيلزمه أو يجب عليه جزاءٌ، و{مِثْلُ}؛ بالرَّفع، صفةٌ لـ: {جزاءٌ}؛ أي: فعليه جزاءٌ موصوفٌ بكونه مثل ما قتل [3] ؛ أي: مماثله، والذي عليه الجمهور من السَّلف والخلف: أنَّ العامد والنَّاسي سواءٌ في وجوب الجزاء عليه، فالقرآن دلَّ على وجوب الجزاء على المتعمِّد وعلى تأثيمه بقوله تعالى: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ} [المائدة: 95] ، وجاءت السُّنَّة من [4] أحكام النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ؛ كما دلَّ الكتاب عليه في العمد، وأيضًا: فإنَّ قتل الصَّيد إتلافٌ، والإتلاف مضمونٌ في العمد والنِّسيان، لكنَّ المتعمِّد مأثومٌ والمخطئ غير مأثومٍ [5] ، وهذه المماثلة؛ باعتبار الخلقة والهيئة عند مالكٍ والشَّافعيِّ، والقيمة عند أبي حنيفة ({يَحْكُمُ بِهِ})؛ أي: بالجزاء ({ذَوَا عَدْلٍ}) رجلان صالحان، فإنَّ الأنواع تتشابه؛ ففي النَّعامة بدنةٌ وفي حمار الوحش بقرةٌ ({مِنْكُمْ}) من المسلمين ({هَدْيًا}) حالٌ من ضمير «به» ({بَالِغَ الْكَعْبَةِ}) صفة: «هديًا»، والإضافة لفظيَّةٌ؛ أي: واصلًا إليه بأن يذبح فيه ويتصدَّق به ({أَوْ كَفَّارَةٌ}) عُطف على: «جزاء» ({طَعَامُ مَسَاكِينَ}) بدلٌ [6] منه، أو تقديره: هي طعامُ، وقرأ نافعٌ وابن عامر وأبو جعفر: {كَفَّارَةُ} بغير تنوينٍ {طعامِ} بالخفض على الإضافة؛ لأنَّ الكفَّارة لمَّا تنوعَّت إلى تكفيرٍ بالطَّعام وتكفيرٍ بالجزاء المماثل وتكفيرٍ بالصِّيام؛ حَسُن إضافتها لأحد أنواعها؛ تبيينًا لذلك، والإضافة تكون لأدنى [7] ملابسةٍ، ولا خلاف في جمع «مساكين» هنا؛ لأنَّه لا يُطعَم في قتل الصَّيد مسكينٌ واحدٌ، بل جماعة مساكين، وإنَّما اختلفوا في موضع البقرة؛ لأنَّ التَّوحيد يُراد به عن كلِّ يومٍ، والجمع يُراد به عن أيَّامٍ كثيرةٍ ({أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا})؛ أي: أو ما ساواه من الصَّوم، فيصوم عن طعام كلِّ مسكينٍ يومًا، وهو في الأصل مصدرٌ أُطلِق للمفعول ({لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ}) ثقل أمره وجزاء معصيته؛ أي: أوجبنا ذلك؛ ليذوقه [8] ({عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ}) قبل التَّحريم ({وَمَنْ عَادَ}) إلى مثل هذا ({فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ}) في الآخرة؛ أي [9] : فهو ينتقم الله منه، وعليه مع [10] ذلك الكفَّارة ({وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}) على المُصِرِّ بالمعاصي ({أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ}) ممَّا لا يعيش إلَّا في الماء في جميع الأحوال ({وَطَعَامُهُ}) ما يتزوَّد منه يابسًا مالحًا، أو ما قذفه ميتًا ({مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ}) منفعةً للمقيم والمسافر، وهو مفعولٌ له ({وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ}) ما صِيد فيه، أو المراد بالصَّيد في الموضعين: فعله، فعلى الأوَّل: يحرم على المحرم ما صاده الحلال وإن لم يكن له فيه مدخلٌ، والجمهور على حلِّه ({مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}) محرمين ({وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}) [المائدة: 95، 96] ، وفي رواية أبي ذرٍّ ما لفظه: (({من النعم} إلى قوله: {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}))، وسبب نزول هذه الآية [11] _كما حكاه مقاتلٌ في «تفسيره»_: أنَّ أبا اليَسَر _بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والمهملة_ قتل حمار وحشٍ وهو محرمٌ في عمرة الحديبية، فنزلت، ولم يذكر المصنِّف في رواية أبي ذرٍّ حديثًا في هذه التَّرجمة؛ إشارةً إلى أنَّه لم يثبت على شرطه في جزاء الصَّيد حديثٌ مرفوعٌ، وفي رواية غير أبي ذرٍّ هنا [12] :

[1] «الحرام»: ليس في (ص).
[2] في (م): «كقولك».
[3] في (م): «قبله»، وهو تحريفٌ.
[4] في (د): «في».
[5] في غير (ب) و(س)
[6] في (د): «بدلًا».
[7] في (د): «بأدنى».
[8] في غير (د): «ليذوق».
[9] «أي»: ليس في (د).
[10] في (د): «في».
[11] «الآية»: ليس في (ص) و(م).
[12] في (د) و(ص): «هذا».






((28)) [كتاب جزاء الصيد]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

((28)) [كتاب جزاء الصيد]

(1) (بَاب: جَزَاء الصَّيْدِ وَنَحْوه [1] ) إلى آخره.

قوله: (كَفَّارَة): يشتري بقيمة المثل طعامًا، أو بقيمة الصَّيد، أو عدل الطَّعام صيامًا، عن كلِّ مدٍّ يومًا أو ثلاثة أيَّام، أو عن كلٍّ صاعٍ يومين، ومن عاد بعد التَّحريم؛ فينتقم الله منه بالجزاء، أو عقاب الآخرة، أو من قتله بعد التَّحريم مرَّة بعد أخرى؛ انتقم الله منه بالعقوبة.

[1] كذا في النسختين، وهي رواية (ق)، ورواية «اليونينيَّة»: (باب قول الله تعالى: {لا تقتلوا الصَّيد...}).





لا تتوفر معاينة