متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

119- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ)، زاد في رواية غير [1] أبي ذرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ: [/ج1ص210/]

((أَبُو مُصْعَبٍ))، وهي كنية أحمد، وهو أشهر بها، وسقطت في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ، واسم أبي بكرٍ: القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، الزُّهريُّ العوفيُّ، قاضي المدينة وعالمها [2] ، صاحب مالكٍ، المُتوفَّى سنة اثنتين وأربعين ومئتين، عن اثنتين وتسعين سنةً، (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ) مفتي المدينة مع إمامها مالك بن أنسٍ، المُتوفَّى سنة اثنتين وثمانين ومئةٍ [3] ، (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ)؛ بكسر الذَّال المُعجَمَة، وهو محمَّد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئبٍ، القرشيِّ المدنيِّ العامريِّ، قال الإمام أحمد: كان ابن أبي ذئبٍ أفضل من مالكٍ، إلَّا أنَّ مالكًا أشدُّ تنقيةً للرِّجال منه، المُتوفَّى بالكوفة سنة تسعٍ وخمسين ومئةٍ، (عَنْ سَعِيدٍ)؛ أي: ابن أبي سعيدٍ، (المَقْبُرِيِّ) بفتح الميم وضمِّ المُوحَّدة المدنيِّ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنَّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية ابن عساكر: ((قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم)): (إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا)؛ صفةٌ لقوله: «حديثًا»؛ لأنَّه اسم جنسٍ يتناول القليل والكثير، (أَنْسَاهُ) صفةٌ ثانيةٌ لـ: «حديثًا»، و«النِّسيان»: زوال علمٍ سابقٍ عن الحافظة والمدركة، والسَّهو: زواله عن الحافظة فقط، ويُفرَّق بينه وبين الخطأ: بأنَّ السَّهو ما يتنبَّه [4] صاحبه بأدنى تنبيهٍ؛ بخلاف الخطأ، (قَالَ)؛ أي: النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة، وفي روايةٍ: ((فقال)): (ابْسُطْ رِدَاءَكَ، فَبَسَطْتُهُ)؛ أي: لمَّا قال: ابسط؛ امتثلت أمره فبسطته، وإلَّا؛ فيلزم منه عطف الخبر على الإنشاء، وهو مُختلَفٌ فيه، (قَالَ: فَغَرَفَ) عليه الصلاة والسلام (بِيَدَيْهِ) من فيض فضل الله، فجعل الحفظ كالشَّيء الذي يُغرَف منه، ورمى به في ردائه، ومثَّل بذلك في عالم الحسِّ، (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة: (ضُمّهُ)؛ بالهاء، مع ضمِّ الميم تبعًا للضَّاد، وفتحها، وهي رواية أبي ذرٍّ [5] ؛ لأنَّ الفتح [6] أخفُّ الحركات، وكسرها؛ لأنَّ السَّاكن إذا حُرِّك؛ حُرِّك بالكسر، أو فكُّ الإدغام فيصير: اضممه، و«الهاء» فيه ترجع إلى «الحديث»، كما يدلُّ عليه قوله في غير «الصَّحيح»: فغرف بيده ثمَّ قال: «ضُمَّ...» الحديث، وعند المؤلِّف في بعض طرقه: «لن يبسط أحدكم ثوبه حتَّى أقضي مقالتي هذه ثمَّ يجمعها إلى صدره» [خ¦2350] [خ¦7354] ، وقد وقع في «جامع التِّرمذيِّ»، و«حلية أبي نعيمٍ» التَّصريح بهذه المقالة المُبهَمَة في حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجلٍ يسمع كلمةً أو كلمتين ممَّا فرض الله تعالى عليه فيتعلَّمهن ويعلِّمهن إلَّا دخل الجنَّة»، ووقع في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ وعَزَاها في «الفرع» كـ: «أصله» لأبي ذَرٍّ عنِ الحَمُّوييِّ [7] والمُستملي: ((ضُمَّ)) بغير هاءٍ، قال أبو هريرة: (فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ)؛ أي: بعد الضَّمِّ، وفي رواية الأكثر: ((بعدُ)) مقطوعٌ عن الإضافة، مبنيٌّ على الضَّمِّ، وتنكير «شيئًا» بعد النَّفيِ ظاهرُ العموم في عدم النِّسيان منه لكلِّ شيءٍ في الحديث وغيره؛ لأنَّ النَّكرة في سياق النَّفيِ تدلُّ عليه، لكن وقع في رواية ابن عُيَيْنَةَ وغيره عن الزُّهريِّ في الحديث السَّابق: «ما نسيت شيئًا سمعته منه» [خ¦7354] ، وعند مسلمٍ من رواية يونسَ: «فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدَّثني به»، وهو يقتضي تخصيص عدم النِّسيان بالحديث، وأخصُّ منه ما جاء في رواية شعيبٍ حيث قال: «فما نسيت من مقالته [8] تلك شيئًا»، فإنَّه يُفهَم تخصيص عدم النِّسيان بهذه المقالة فقط، لكن سياق الكلام يقتضي ترجيح رواية يونس ومَنْ وافقه؛ لأنَّ أبا هريرة نبَّه به على كثرة محفوظه من الحديث، فلا يصحُّ حمله على تلك المقالة وحدها، ويحتمل أن يكون وقعت له قضيَّتان، فالتي رواها الزُّهريُّ مختصَّةٌ بتلك المقالة، والتي رواها سعيدٌ المَقبُريُّ عامَّةٌ، هكذا قرَّره في «فتح الباري»، وهذا من المعجزات الظَّاهرات؛ حيث رفع صلى الله عليه وسلم من أبي هريرة النِّسيان الذي هو من لوازم الإنسان، حتَّى قِيلَ: إنَّه مُشتَقٌّ منه، وحصول هذا في بسط الرِّداء الذي ليس للعقل فيه مجالٌ.

وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ)؛ بالذَّال المُعجَمَة، وسبق في أوَّل كتاب «العلم» [خ¦119] (قَالَ: حدَّثنا [9] ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ)؛ بضمِّ الفاء، وفتح الدَّال المُهمَلَة، وهو أبو إسماعيل محمَّد بن إسماعيل بن أبي فُدَيْكٍ، واسم «أبي فديكٍ»: دينار، المدنيُّ اللَّيثيُّ، المُتوفَّى سنة مئتين، وابن أبي فديكٍ يرويه عن ابن أبي ذئبٍ، كما عند المؤلِّف في «علامات النُّبوَّة» [خ¦3648] ، (بِهَذَا)؛ أي: بهذا الحديث، (أَوْ قَالَ)، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((وقال)): (غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ)؛ بالإفراد مع زيادة ((فيه)) [/ج1ص211/] والضَّمير لـ: «الثَّوب» [10] ، وللمُستملي وحده: ((يحذف [11] بيده [12] فيه))؛ بالحاء المُهمَلة، والذَّال المُعجَمَة، والفاء، مِنَ الحذف؛ وهو الرَّميُ، لكن حديث علامات النُّبوَّة المُنبَّه عليه فيما سبق ليس فيه إلَّا «الغَرْفُ»، وبه استوضح الحافظ ابن حجرٍ على أنَّ ((يحذف)) تصحيفٌ، مع ما استشهد به ممَّا في «طبقات ابن سعدٍ» عن ابن أبي فديكٍ حيث قال: «فغرف»، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ ما قاله لا يكون دليلًا لِمَا ادَّعاه من التَّصحيف، ولو كان كذلك؛ لنبَّه عليه صاحب «المطالع»، وأُجيِب: بأنَّه لا يلزم من كون صاحب «المطالع» لم ينبِّه عليه ألَّا يكون تصحيفًا، انتهى. لكن يبقى طلب الدَّليل على كونه تصحيفًا، فافهم، وهذا المذكور من قوله: ((حدَّثنا إبراهيم بن المنذر...)) إلى آخر قوله: ((فغرف، أو يحذف بيده فيه)) ساقطٌ في رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ والمُستملي وابن عساكر.

[1] في (ص): «عن»، وليس بصحيحٍ.
[2] في (ص) و(م): «عاملها».
[3] قوله: «المُتوفَّى سنة اثنتين وثمانين ومئةٍ»، سقط من (م).
[4] في (ب) و(س): «ينتبه».
[5] «وهي رواية أبي ذرٍّ»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[6] «لأنَّ الفتح»: سقط من (ص) و(م).
[7] في (م): «وللحَمُّوي».
[8] في (د): «مقالتي».
[9] في (ب) و(س): «أخبرنا».
[10] في (م): «للثبوت»، وهوتَحريفٌ.
[11] في (ص): «بحذف»، وهو تصحيف.
[12] «بيده»: مثبت من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

119-. حدَّثنا أَحْمَدُ بنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ [1] ، قالَ: حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ إِبْراهِيمَ بنِ دِينارٍ، عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ [2] ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْساهُ. قالَ [3] : «ابْسُطْ رِدَاكَ». فَبَسَطْتُهُ، قالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قالَ: «ضُمَّهُ [4] ». فَضَمَمْتُهُ، فَما نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ [5] .

حدَّثنا إِبْراهِيمُ بنُ المُنْذِرِ، قالَ: حدَّثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهذا، أَوْ قالَ [6] : غَرَفَ [7] بِيَدِهِ فِيهِ [8] .

[1] قوله: «أبو مصعب» ليس في رواية ابن عساكر وأبي ذر والأصيلي.
[2] في رواية ابن عساكر: «قلتُ لرسولِ اللهِ».
[3] في رواية [عط] : «فقال».
[4] ضبط متن اليونينية في (ب، ص): «ضُمُّه» بضم الميم، وعزا المثبت إلىَ رواية أبي ذر أيضًا، والذي في رواية أبي ذر عن الحَمُّويِي والمُستملي: «ضُمَّ».
[5] في رواية أبي ذر وابن عساكر والأصيلي ورواية السمعاني عن أبي الوقت ورواية [ح] و [عط] : «بعدُ».
[6] في رواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وقال»، وفي رواية [عط] : «قال».
[7] في رواية أبي ذر: «يحذف». أي: كأنَّه يرمي بيده في رداء أبي هريرة شيئًا. قارن بما في الإرشاد.
[8] قوله: «حدَّثنا إبراهيم بن المنذر... إلخ»، ليس في رواية ابن عساكر والأصيلي ولا في رواية أبي ذر عن المستملي.





119- ( الْمَقْبرِيِّ ) بضم الباء وفتحها.

( ثُمَّ قَالَ: ضُمُّهُ ) في الميم ثلاث لغات: الفتح والكسر والضم، وقيل: لا يجوز إلا الضم لأجل الهاء المضمومة بعده.


119# (ثُمَّ قَالَ: ضُمَّهُ) في الميم الحركاتُ الثلاث، وقيل: ليس إلا الضمُّ؛ لمكان الهاء المضمومة.


119- قوله: (حَدَّثَنَا [1] أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ): هذا هو أَبُو مصعب [2] الزُّهريُّ العَوفيُّ، قاضي المدينة وعالمها، سمع مالكًا وطائفة، وعنه: الجماعة، لكن النَّسائيَّ بواسطة، ومطين، وأبو إسحاق الهاشميُّ، وخلق، توفِّي في رمضان سنة (242 هـ ) ، وكان مولده سنة خمسين ومئة، ذكره في «الميزان» فقال: (ثقة حجَّة، ما أدري ما معنى قول أبي خيثمة لابنه أحمد: لا تكتب عن أبي مصعب، واكتب عمَّن شئت؟!) انتهى.

قوله: (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ [3] ): (ذئب): يهمز ولا يهمز، واسم ابن أبي ذئب: محمَّد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن أبي ذئب أَبُو الحارث العامريُّ [4] المدنيُّ، أحد الأعلام، عن عكرمة، ونافع، والزُّهريِّ، وعنه: مَعْمَر، وابن المبارك، وابن وهب، والقطَّان، وعليُّ بن الجعد، وكان كبير الشَّأن، ثقة، توفِّي سنة (159 هـ ) ، وهو أحد الأعلام الثِّقات، متَّفق على عدالته، ذكره في «الميزان» فقال: (قال [5] محمَّد بن عثمان ابن أبي شيبة: سألت عليًّا عنه، فقال: كان عندنا ثقة، وكانوا يوهِنُونَه في أشياء رواها عنِ الزُّهريِّ) ، وسُئِل أحمد ابن حنبل عنه فوثَّقه، ولم يرضه في الزُّهريِّ، وذكره السليمانيُّ [6] في «أسامي القدريَّة»، فالله أعلم، وقد نفى عنه القدر الواقديُّ وغيره.

قوله: (عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ): تقدَّم عليه بعض كلام، وتقدَّم أنَّ (المقبريَّ) ؛ بضمِّ الباء، وفتحها، وكسرها [7] ، ولماذا نسب؛ فانظره.

قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم أعلاه ما اسمه (واسم أبيه، وقد تقدَّم ذلك مرارًا) [8] .

قوله: (ضُمّهُ): بفتح الميم وضمِّها، وقيل: يجب الضَّمُّ.

قوله: (فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ [9] ): اعلم أنَّ هذه الرِّواية دالَّة على العموم، وأنَّه بعد ذلك لَمْ ينسَ [10] شيئًا سمعه مِنْهُ، لا أنَّه خاصٌّ بتلك المقالة، كما في قوله: (فما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا) .

قوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ): هو بضمِّ الفاء، وفتح الدَّال المهملة، ثمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثمَّ كاف، وهو محمَّد بن إسماعيل بن أبي فُدَيْك الدَّيليُّ مولاهم،، عن سلمة بن وردان، وخلق، وعنه: عبد، وسلمة بن شبيب، صدوق، مات سنة (200 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وهو [11] صدوق، محتجٌّ به في الكتب، قال ابن سعد: (وحده ليس بحجَّة) ، ووثَّقه جماعة، له ترجمة في «الميزان»؛ لأجل كلام ابن سعد.

قوله: (بِهَذَا): أي: بهذا السَّند، وهو السَّند المتقدِّم؛ يعني: أنَّ ابن أبي فُدَيْك رواه بالسَّند الذي ذكره عنِ ابن أبي ذئب، عنِ المقبريِّ، عن أبي هريرة به، وقال عوض (فغرف بيديه): (فغرف بيده فيه) ، وفي رواية عوض هذه: (فحذف بيديه فيه) .

[1] (حدثنا): مثبتٌ من (ج) .
[2] (هذا هو أبو مصعب): ليس في (ج) .
[3] في (ب): (ذؤيب) ، وفي هامش (ق): (محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب) .
[4] (العامري): وضعت في (ب) في غير محلها.
[5] (قال): ليس في (ب) .
[6] في (ج): (السَّماني) .
[7] (وكسرها): ليس في (ج) .
[8] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[9] في (ج): (بعد) ، وكلاهما صحيح.
[10] في (ج): (يكن) .
[11] زيد في (ب): (ثقة) .





119- (ضُمّهُ ): يجوزُ ضَمُّ الميمِ، وفتحُها، وكسرُها، وقيل: لا يجوزُ إلَّا الضَّمُّ؛ لأجلِ الهاءِ المضمومةِ بعدَه، واختارَهُ الفارسيُّ، وجوَّزَه صاحبُ «الفصيح» وغيرُه.


119- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ)، زاد في رواية غير [1] أبي ذرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ: [/ج1ص210/]

((أَبُو مُصْعَبٍ))، وهي كنية أحمد، وهو أشهر بها، وسقطت في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ، واسم أبي بكرٍ: القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، الزُّهريُّ العوفيُّ، قاضي المدينة وعالمها [2] ، صاحب مالكٍ، المُتوفَّى سنة اثنتين وأربعين ومئتين، عن اثنتين وتسعين سنةً، (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ) مفتي المدينة مع إمامها مالك بن أنسٍ، المُتوفَّى سنة اثنتين وثمانين ومئةٍ [3] ، (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ)؛ بكسر الذَّال المُعجَمَة، وهو محمَّد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئبٍ، القرشيِّ المدنيِّ العامريِّ، قال الإمام أحمد: كان ابن أبي ذئبٍ أفضل من مالكٍ، إلَّا أنَّ مالكًا أشدُّ تنقيةً للرِّجال منه، المُتوفَّى بالكوفة سنة تسعٍ وخمسين ومئةٍ، (عَنْ سَعِيدٍ)؛ أي: ابن أبي سعيدٍ، (المَقْبُرِيِّ) بفتح الميم وضمِّ المُوحَّدة المدنيِّ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنَّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية ابن عساكر: ((قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم)): (إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا)؛ صفةٌ لقوله: «حديثًا»؛ لأنَّه اسم جنسٍ يتناول القليل والكثير، (أَنْسَاهُ) صفةٌ ثانيةٌ لـ: «حديثًا»، و«النِّسيان»: زوال علمٍ سابقٍ عن الحافظة والمدركة، والسَّهو: زواله عن الحافظة فقط، ويُفرَّق بينه وبين الخطأ: بأنَّ السَّهو ما يتنبَّه [4] صاحبه بأدنى تنبيهٍ؛ بخلاف الخطأ، (قَالَ)؛ أي: النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة، وفي روايةٍ: ((فقال)): (ابْسُطْ رِدَاءَكَ، فَبَسَطْتُهُ)؛ أي: لمَّا قال: ابسط؛ امتثلت أمره فبسطته، وإلَّا؛ فيلزم منه عطف الخبر على الإنشاء، وهو مُختلَفٌ فيه، (قَالَ: فَغَرَفَ) عليه الصلاة والسلام (بِيَدَيْهِ) من فيض فضل الله، فجعل الحفظ كالشَّيء الذي يُغرَف منه، ورمى به في ردائه، ومثَّل بذلك في عالم الحسِّ، (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة: (ضُمّهُ)؛ بالهاء، مع ضمِّ الميم تبعًا للضَّاد، وفتحها، وهي رواية أبي ذرٍّ [5] ؛ لأنَّ الفتح [6] أخفُّ الحركات، وكسرها؛ لأنَّ السَّاكن إذا حُرِّك؛ حُرِّك بالكسر، أو فكُّ الإدغام فيصير: اضممه، و«الهاء» فيه ترجع إلى «الحديث»، كما يدلُّ عليه قوله في غير «الصَّحيح»: فغرف بيده ثمَّ قال: «ضُمَّ...» الحديث، وعند المؤلِّف في بعض طرقه: «لن يبسط أحدكم ثوبه حتَّى أقضي مقالتي هذه ثمَّ يجمعها إلى صدره» [خ¦2350] [خ¦7354] ، وقد وقع في «جامع التِّرمذيِّ»، و«حلية أبي نعيمٍ» التَّصريح بهذه المقالة المُبهَمَة في حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجلٍ يسمع كلمةً أو كلمتين ممَّا فرض الله تعالى عليه فيتعلَّمهن ويعلِّمهن إلَّا دخل الجنَّة»، ووقع في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ وعَزَاها في «الفرع» كـ: «أصله» لأبي ذَرٍّ عنِ الحَمُّوييِّ [7] والمُستملي: ((ضُمَّ)) بغير هاءٍ، قال أبو هريرة: (فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ)؛ أي: بعد الضَّمِّ، وفي رواية الأكثر: ((بعدُ)) مقطوعٌ عن الإضافة، مبنيٌّ على الضَّمِّ، وتنكير «شيئًا» بعد النَّفيِ ظاهرُ العموم في عدم النِّسيان منه لكلِّ شيءٍ في الحديث وغيره؛ لأنَّ النَّكرة في سياق النَّفيِ تدلُّ عليه، لكن وقع في رواية ابن عُيَيْنَةَ وغيره عن الزُّهريِّ في الحديث السَّابق: «ما نسيت شيئًا سمعته منه» [خ¦7354] ، وعند مسلمٍ من رواية يونسَ: «فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدَّثني به»، وهو يقتضي تخصيص عدم النِّسيان بالحديث، وأخصُّ منه ما جاء في رواية شعيبٍ حيث قال: «فما نسيت من مقالته [8] تلك شيئًا»، فإنَّه يُفهَم تخصيص عدم النِّسيان بهذه المقالة فقط، لكن سياق الكلام يقتضي ترجيح رواية يونس ومَنْ وافقه؛ لأنَّ أبا هريرة نبَّه به على كثرة محفوظه من الحديث، فلا يصحُّ حمله على تلك المقالة وحدها، ويحتمل أن يكون وقعت له قضيَّتان، فالتي رواها الزُّهريُّ مختصَّةٌ بتلك المقالة، والتي رواها سعيدٌ المَقبُريُّ عامَّةٌ، هكذا قرَّره في «فتح الباري»، وهذا من المعجزات الظَّاهرات؛ حيث رفع صلى الله عليه وسلم من أبي هريرة النِّسيان الذي هو من لوازم الإنسان، حتَّى قِيلَ: إنَّه مُشتَقٌّ منه، وحصول هذا في بسط الرِّداء الذي ليس للعقل فيه مجالٌ.

وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ)؛ بالذَّال المُعجَمَة، وسبق في أوَّل كتاب «العلم» [خ¦119] (قَالَ: حدَّثنا [9] ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ)؛ بضمِّ الفاء، وفتح الدَّال المُهمَلَة، وهو أبو إسماعيل محمَّد بن إسماعيل بن أبي فُدَيْكٍ، واسم «أبي فديكٍ»: دينار، المدنيُّ اللَّيثيُّ، المُتوفَّى سنة مئتين، وابن أبي فديكٍ يرويه عن ابن أبي ذئبٍ، كما عند المؤلِّف في «علامات النُّبوَّة» [خ¦3648] ، (بِهَذَا)؛ أي: بهذا الحديث، (أَوْ قَالَ)، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((وقال)): (غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ)؛ بالإفراد مع زيادة ((فيه)) [/ج1ص211/] والضَّمير لـ: «الثَّوب» [10] ، وللمُستملي وحده: ((يحذف [11] بيده [12] فيه))؛ بالحاء المُهمَلة، والذَّال المُعجَمَة، والفاء، مِنَ الحذف؛ وهو الرَّميُ، لكن حديث علامات النُّبوَّة المُنبَّه عليه فيما سبق ليس فيه إلَّا «الغَرْفُ»، وبه استوضح الحافظ ابن حجرٍ على أنَّ ((يحذف)) تصحيفٌ، مع ما استشهد به ممَّا في «طبقات ابن سعدٍ» عن ابن أبي فديكٍ حيث قال: «فغرف»، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ ما قاله لا يكون دليلًا لِمَا ادَّعاه من التَّصحيف، ولو كان كذلك؛ لنبَّه عليه صاحب «المطالع»، وأُجيِب: بأنَّه لا يلزم من كون صاحب «المطالع» لم ينبِّه عليه ألَّا يكون تصحيفًا، انتهى. لكن يبقى طلب الدَّليل على كونه تصحيفًا، فافهم، وهذا المذكور من قوله: ((حدَّثنا إبراهيم بن المنذر...)) إلى آخر قوله: ((فغرف، أو يحذف بيده فيه)) ساقطٌ في رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ والمُستملي وابن عساكر.

[1] في (ص): «عن»، وليس بصحيحٍ.
[2] في (ص) و(م): «عاملها».
[3] قوله: «المُتوفَّى سنة اثنتين وثمانين ومئةٍ»، سقط من (م).
[4] في (ب) و(س): «ينتبه».
[5] «وهي رواية أبي ذرٍّ»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[6] «لأنَّ الفتح»: سقط من (ص) و(م).
[7] في (م): «وللحَمُّوي».
[8] في (د): «مقالتي».
[9] في (ب) و(س): «أخبرنا».
[10] في (م): «للثبوت»، وهوتَحريفٌ.
[11] في (ص): «بحذف»، وهو تصحيف.
[12] «بيده»: مثبت من (م).





119- ( فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ) لم يذكر المغترف منه، وكأنَّها كانت إشارةً محضةً.

( ضُمَّهُ ) للكُشْمِيهنيِّ: «ضمَّ»، والميم مثلَّثة، والفتح أفصح.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

119# حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثاً كَثِيراً أَنْسَاهُ؟ قَالَ: «ابْسُطْ رِدَاءَكَ» فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «ضُمَّهُ» فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئاً بَعْدَهُ.

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، ثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا، قَالَ: يحذف بِيَدِهِ فِيهِ.

@%ص246%


لا تتوفر معاينة

119- وبه قال: ((حدثنا أحمد بن أبي بكر)) القاسم أو زرارة بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري العوفي، زاد في رواية: ((أبو مصعب)) كنيته، قاضي المدينة المتوفى سنة اثنين وأربعين ومئتين عن اثنين وتسعين سنة، ((قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار)) المدني الأنصاري المفتي بالمدينة المتوفى سنة اثنين وثمانين ومئة.

((عن ابن أبي ذِئب)) ؛ بكسر الذال المعجمة، محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث القرشي المدني العامري، قال ابن حنبل: كان ابن أبي ذئب أفضل من مالك إلَّا أن مالكًا أشد تنقية للرجال منه، المتوفى بالكوفة سنة تسع وخمسين ومئة عن تسع وسبعين سنة، ((عن سعيد)) بن أبي سعيد ((المَقبُري)) ؛ بفتح الميم وضم الموحدة، المدني.

((عن أبي هريرة)) : عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه، ((قال: قلت: يا رسول الله)) ، وفي رواية: (قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم) ، ((إني أسمع منك حديثًا كثيرًا)) : صفة لقوله: (حديثًا) ؛ لأنَّه باعتبار كونه اسم جنس يطلق على الكثير والقليل، ((أنساه)) : جملة محلها النصب صفة أخرى لقوله: (حديثًا) ، والنسيان جهل بعد العلم، والفرق بينه وبين السهو: أن النسيان زوال العلم عن الحافظة والمدركة، والسهو زواله عن الحافظة فقط، والفرق بين السهو والخطأ أن السهو ما يتنبَّه صاحبه بأدنى تنبيه، والخطأ ما لا يتنبه به، والنسيان حالة تعتري الإنسان من غير اختياره توجب غفلة عن الحفظ، والغفلة ترك الالتفات بسبب أمر عارض، كما أوضحه في «عمدة القاري».

((قال)) ، وفي رواية: (فقال) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام لأبي هريرة: ((ابسط رِداءك)) ؛ بكسر الراء، ((فبسطته)) : عطف على (ابسط) ، وعطف الخبر على الإنشاء فيه خلاف، والذي يمنعه يقدَّر شيئًا والتقدير لما قال ابسط رداءك: امتثلت أمره فبسطه، ((قال: فغرف)) عليه السلام، ((بيديه)) ولم يذكر المغروف ولا المغروف منه؛ لأنَّه لم يكن إلَّا إشارة محضة، فكأنَّه أخذ شيئًا من فيض فضل الله تعالى ورمى به في رداء أبي هريرة، ومثل ذلك في عالم الحسِّ.

((ثم قال عليه السلام)) له ((ضمُّه)) ؛ بالهاء مع ضم الميم؛ تبعًا للضاد، وفتحها وهي رواية أبي ذر وكسرها؛ لأنَّ الساكن إذا حرِّك؛ حرِّك بالكسر، وفك الإدغام فيصير: اضممه، وفي رواية: (ضم) بلا هاء وعلى الأولى فالضمير فيه يرجع إلى الحديث، يدل له ما روي (فغرف بيديه ثم قال: ضم...) ؛ الحديث.

((فضممته)) ؛ أي: الرداء حال المقالة فقط، ((فما نسيت شيئًا بعده)) ؛ أي: بعد الضم، وفي رواية: بدون الهاء بضم الدال؛ لقطعه عن الإضافة فبني على الضم، وفي بعض طرق الحديث عند المؤلف: («لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعها إلى صدره فينسى من مقالتي شيئًا أبدًا»، فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي عليه السلام مقالته ثم جمعتها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحق؛ ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا) .

وفي «مسلم»: (أيُّكم يبسط ثوبه فيأخذ) ؛ فذكره بمعناه، ثم قال: (فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدثني به) ، ففي قوله: (بعد ذلك اليوم) : دليل على العموم، وعلى أنه بعد ذلك لم ينس شيئًا سمعه منه عليه السلام، لا أن ذلك خاص بتلك المقالة، كما يعطيه ظاهر قوله: (من مقالته تلك) ويعضد العموم تنكير شيئًا بعد النفي، فإنَّه يدل على العموم؛ لأنَّ النكرة في سياق النفي تدل عليه، فدل على العموم في عدم النسيان لكل شيء من الحديث وغيره.

فإن قلت: ما هذه المقالة؟!

قلت: هي مبهمة في جميع الطرق، إلا أنَّه صرح بها أبو نعيم في «الحلية» قال: قال عليه السلام: «ما من رجل يسمع كلمة أو كلمتين مما فرض الله فيتعلمهن ويعلمهن إلا دخل الجنة»، كذا قرره في «عمدة القاري»، وما زعمه ابن حجر فليس بشيء؛ فافهم.

وفي الحديث: معجزة النبي الأعظم عليه السلام، كما لا يخفى.

وبه قال: ((حدثنا إبراهيم بن المنذر)) المدني، ((قال: أخبرنا ابن أبي فُدَيك) ؛ بضم الفاء وفتح الدال المهملة، أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، دينار المدني الليثي، المتوفى سنة مئتين، ((بهذا)) ؛ أي: بهذا الحديث، فساقه المؤلف في (علامات النبوة) بهذا الإسناد بعينه، ((أو قال)) ، وفي رواية: (قال) ؛ أي: ابن أبي فديك.

((غرف بيده فيه)) ؛ بالإفراد مع زيادة فيه، والضمير للثوب، وفي رواية وعليها كتب صاحب «عمدة القاري» قال: (يحذف بيده إلى فيه) من الحذف؛ بالحاء المهملة، والذال المعجمة، والفاء؛ أي: يرمي، والذي في (علامات النبوة) ليس فيه إلَّا الغرف، فادعى ابن حجر أن رواية (يحذف) تصحيف، ورده في «عمدة القاري» بأن صاحب «المطالع» لم ينبه عليه وأنه لم يثبت أنه تصحيف، فيطلب منه الدليل ولم يوجد، وسقط في رواية قوله: (حدثنا إبراهيم...) إلخ والله تعالى أعلم.