متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

118- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ)؛ أي: الأويسيُّ المدنيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيدِ [1] (مَالِكٌ)؛ هو ابن أنسٍ، إمام الأئمَّة، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ)؛ أي: الحديث، كما في «البيوع» [خ¦2047] ؛ وهو حكاية كلام النَّاس، وإِلَّا؛ لقال: «أكثرت»، زاد المصنِّف في روايةٍ في «المُزَراعة» [خ¦2350] : ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدِّثون مثل أحاديثه؟ (وَلَوْلَا آيَتَانِ) موجودتان (فِي كِتَابِ اللهِ) تعالى؛ (مَا)؛ أي: لَمَا (حَدَّثْتُ حَدِيثًا)، قال الأعرج: (ثُمَّ يَتْلُو) أبو هريرة: ({إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ والهدى}... إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: ({الرَّحِيمُ}) [البقرة: 159 ـ 160] ، وعبَّر بالمضارع في قوله: «ويتلو»؛ استحضارًا لصورة التِّلاوة، والمعنى: لولا أنَّ الله تعالى ذمَّ الكاتمين للعلم لما حدَّثتكم أصلًا، لكن لمَّا كان الكتمان حرامًا؛ وجب الإظهار؛ فلذا [2] حصلتِ الكثرة عنده، ثمَّ ذكر سبب الكثرة بقوله: (إِنَّ إِخْوَانَنَا)؛ جمع أخٍ، ولم يقل: إخوانه [3] ؛ ليعود الضَّمير على أبي هريرة؛ لغرض الالتفات، وعدل عن الإفراد إلى الجمع؛ لقصد نفسه وأمثاله من أهل الصُّفَّة، وحذفُ العاطفِ على جعلِهِ جملةً استئنافيَّةً، كالتَّعليل للإكثار جوابًا للسُّؤال عنه، والمُرَاد: أخوَّة الإسلام، (مِنَ الْمُهَاجِرِينَ) الذين هاجروا من مكَّة إلى المدينة، (كَانَ يَشْغَلُهُمُ) بفتح أوَّله وثالثه مِنَ الثُّلاثيِّ، وحُكِيَ: ضمُّ أوَّله مِنَ الرُّباعيِّ، وهو شاذٌّ، (الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ)؛ بفتح الصَّاد، وإسكان الفاء، كنايةٌ عن التَّبايع؛ لأنَّهم كانوا يضربون فيه يدًا بيدٍ عند المُعاقَدَة، وسُمِّيتِ السُّوق؛ لقيام النَّاس فيها على سوقهم، (وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ)؛ الأوس والخزرج، (كَانَ يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ)؛ أي: القيام على مصالح زرعهم، (وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) عدل عن قوله: «وإنِّي»؛ لقصد الالتفات، (كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِشِبَعِ بَطْنِهِ)، كذا للأَصيليِّ: بمُوحَّدةٍ في أوَّله، وفي رواية الأربعة: ((لشبع [4] ))؛ باللَّام، وكلاهما للتَّعليل؛ أي: لأجل شبع بطنه، وهو بكسر الشِّين المُعجَمَة، وفتح المُوحَّدة، وعن ابن دُرَيدٍ: إسكانها، وعن غيره: الإسكان؛ اسمٌ لِمَا أشبعك من الشَّيء، وفي رواية ابن عساكر في نسخةٍ: ((ليشبع [5] بطنه))، بلام «كي»، و«يشبعَ» بصورة المضارع المنصوب، والمعنى: أنَّه كان يلازم قانعًا بالقوت، لا يتَّجِر ولا يزرع، (وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ) من أحوال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه كان يشاهد ما لا يشاهدونه [6] ، (وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ) من أقواله؛ لأنَّه يسمع ما لا يسمعون.

[1] في (د): «بالإفراد».
[2] في (ب) و(س): «فلذلك».
[3] في (ص): «إخواته»، وهو تصحيفٌ.
[4] «لشبع»: ليس في (ب) و(س).
[5] في (ص): «لشبع»، وهو خطأ.
[6] في غير (ص): «يشاهدون».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

118-. حدَّثنا عَبْدُ العَزيزِ بنُ عَبْدِ اللهِ، قالَ: حَدَّثَنِي مالكٌ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن الأَعْرَجِ، عن أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: إنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبو هُرَيْرَةَ. وَلَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا _ثُمَّ يَتْلُو: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ [1] } إلىَ قَوْلِهِ: { الرَّحِيمُ } [البقرة: 159 - 160] _ إِنَّ إِخْوانَنا مِنَ المُهاجِرِينَ كان يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْواقِ، وإِنَّ إِخْوانَنا مِنَ الأَنْصارِ كان يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ في أَمْوالِهِمْ، وَإِنَّ أَبا هُرَيْرَةَ كان يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِبَعِ بَطْنِهِ [2] ، وَيَحْضُرُ ما لا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ ما لا يَحْفَظُونَ.

[1] في رواية أبي ذر وابن عساكر والأصيلي ورواية السمعاني عن أبي الوقت زيادة: «{وَالْهُدَى}».
[2] هكذا رواية الأصيلي أيضًا، وفي رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت وأخرىَ للأصيلي: «لِشِبَعِ بطنِهِ»، وفي رواية أخرىَ لابن عساكر: «ليَشْبَع بطنُهُ» وقيَّدها في (ب، ص) بحاشية روايته.





118- ( الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ ) بفتح الصاد، وأصله الضرب باليد عند البيع.

( يَشْغَلُهُمُ ) بفتح الياء ثلاثي، وحكي ضمها وهو ضعيف.

( لشبع بطنه ) باللام في أوله، ويروى بالباء [1] ، وهو بكسر الشين وإسكان الباء: اسم لما يُشبِع، وأما بالفتح فمصدر لفعلك أو فعله.

[1] في ( ق ): بالياء. اهـ. أي: يشبع.





118# (يَشْغَلُهُمُ) مضارع شغل، فهو مفتوح الياء، وغينُه [1] مفتوحةٌ أيضاً، وحُكي: ((أشغله)) رباعياً، وهو ضعيف.

(الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ) بفتح الصاد المهملة وسكون الفاء، أصلُه: الضربُ باليد عند البيع.

(لشِبعْ) باللام في أوله، ويروى: بالباء، وهو بكسر الشين المعجمة وإسكان الموحدة: اسمٌ لما يُشْبع، وبفتحها: مصدر شَبع [2] على زِنةَ فَرِحَ.

[1] في (ق): ((وعينه)).
[2] في (ق): ((يشبع)).





118- قوله: (عن ابنِ شهابٍ): تقدَّم مرارًا أنه الزُّهريُّ محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، العالم المشهور.

قوله: (عنِ الأَعْرجِ): هو عبد الرَّحمن بن هرمز أَبُو داود، عن أبي هريرة، وعبد الله ابن بحينة، وعنه: الزُّهريُّ، وابن لهيعة، وكان يكتب المصاحف، توفِّي بالثغر [1] ، سنة (117 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وثَّقه غير واحد.

قوله: (عن أبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم مرارًا أنه عبد الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.

قوله: (كَانَ يَشْغَلُهُمُ): هو بفتح أوَّله وثالثه، ثلاثيٌّ، قَالَ الجوهريُّ: (ولا تقل: أشغلته؛ لأنَّها لغة رديئة) .

قوله: (الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ): (الصَّفْق): بفتح الصَّاد المهملة، وإسكان الفاء، وبالقاف [2] ؛ أي: التَّصرُّف في التجارة، والصفق أيضًا: عقد البيع.

قوله: (بِشِبْعِ [3] بَطْنِهِ): كذا في أصلنا [4] ، وفي رواية [5] : (لشِبْع) ؛ باللَّام كما قال: (لملء بطني) ، وهو بإسكان الباء، وفي أصلنا: مفتوحة بالقلم، قال ابن قُرقُول بعد أن قيَّدها بالإسكان [6] : (وهو اسم لما يشبعك، وبالفتح مصدر) انتهى، وقَالَ الجوهريُّ: (الشِّبَع نقيض الجوع، والشِّبْع؛ بالكسر: اسم لما أشبعك) انتهى، وينبغي أنْ يقول: (بالإسكان) عوض (بالكسر) ؛ فإنَّ المصدر أيضًا [7] بالكسر في الشِّين غير أنَّه مفتوح الباء، والله أعلم، وفي نسخة [8] : (بالتسكين) عوض (بالكسر) ، وهذه جيِّدة.

[1] في (ب): (بالبغو) .
[2] في (ج): (والقاف) .
[3] في (ب) و (ج): (لشبع) .
[4] زيد في (ب): (انتهى) .
[5] (وفي رواية): ليس في (ب) و (ج) .
[6] زيد في (ج): (قال) .
[7] (أيضًا): ليس في (ج) .
[8] كتب في هامش (ج): (وفي رواية) .





118- (وَلَوْلَا آيَتَانِ): مقولُ (قَالَ) لا مقولُ (يَقُولُونَ)، وحُذِف اللَّامُ عنْ جوابِ (لَوْلَا)، وهو جائِزٌ.

(إِنَّ إِخْوَانَنَا): ترك العاطف؛ لأنَّه استئنافٌ؛ كالتَّعليلِ للإكثارِ؛ كأنَّ سائلًا سألَ: لِمَ كان هو مكثرًا؟ أي: دونَ غيرِه مِنَ الصحابةِ؟ فأجابَ بقولِه: لِأَنَّ إِخْوَانَنَا...

(وَيَحْفَظ) [1] إمَّا عطفٌ على (لِيَشْبَعَ) ؛ فيُنصب، وإمَّا على (يَلْزَمُ) ؛ فيُرفع، وإمَّا حالٌ.

[1] الأَولى أن يقول: (وَيَحْضُر) لتقدُّمه، بدل: (وَيَحْفَظ)؛ كما في مصدره «الكواكب الدراري» (2/135)، والعطفُ لكليهما.





118- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ)؛ أي: الأويسيُّ المدنيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيدِ [1] (مَالِكٌ)؛ هو ابن أنسٍ، إمام الأئمَّة، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ)؛ أي: الحديث، كما في «البيوع» [خ¦2047] ؛ وهو حكاية كلام النَّاس، وإِلَّا؛ لقال: «أكثرت»، زاد المصنِّف في روايةٍ في «المُزَراعة» [خ¦2350] : ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدِّثون مثل أحاديثه؟ (وَلَوْلَا آيَتَانِ) موجودتان (فِي كِتَابِ اللهِ) تعالى؛ (مَا)؛ أي: لَمَا (حَدَّثْتُ حَدِيثًا)، قال الأعرج: (ثُمَّ يَتْلُو) أبو هريرة: ({إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ والهدى}... إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: ({الرَّحِيمُ}) [البقرة: 159 ـ 160] ، وعبَّر بالمضارع في قوله: «ويتلو»؛ استحضارًا لصورة التِّلاوة، والمعنى: لولا أنَّ الله تعالى ذمَّ الكاتمين للعلم لما حدَّثتكم أصلًا، لكن لمَّا كان الكتمان حرامًا؛ وجب الإظهار؛ فلذا [2] حصلتِ الكثرة عنده، ثمَّ ذكر سبب الكثرة بقوله: (إِنَّ إِخْوَانَنَا)؛ جمع أخٍ، ولم يقل: إخوانه [3] ؛ ليعود الضَّمير على أبي هريرة؛ لغرض الالتفات، وعدل عن الإفراد إلى الجمع؛ لقصد نفسه وأمثاله من أهل الصُّفَّة، وحذفُ العاطفِ على جعلِهِ جملةً استئنافيَّةً، كالتَّعليل للإكثار جوابًا للسُّؤال عنه، والمُرَاد: أخوَّة الإسلام، (مِنَ الْمُهَاجِرِينَ) الذين هاجروا من مكَّة إلى المدينة، (كَانَ يَشْغَلُهُمُ) بفتح أوَّله وثالثه مِنَ الثُّلاثيِّ، وحُكِيَ: ضمُّ أوَّله مِنَ الرُّباعيِّ، وهو شاذٌّ، (الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ)؛ بفتح الصَّاد، وإسكان الفاء، كنايةٌ عن التَّبايع؛ لأنَّهم كانوا يضربون فيه يدًا بيدٍ عند المُعاقَدَة، وسُمِّيتِ السُّوق؛ لقيام النَّاس فيها على سوقهم، (وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ)؛ الأوس والخزرج، (كَانَ يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ)؛ أي: القيام على مصالح زرعهم، (وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) عدل عن قوله: «وإنِّي»؛ لقصد الالتفات، (كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِشِبَعِ بَطْنِهِ)، كذا للأَصيليِّ: بمُوحَّدةٍ في أوَّله، وفي رواية الأربعة: ((لشبع [4] ))؛ باللَّام، وكلاهما للتَّعليل؛ أي: لأجل شبع بطنه، وهو بكسر الشِّين المُعجَمَة، وفتح المُوحَّدة، وعن ابن دُرَيدٍ: إسكانها، وعن غيره: الإسكان؛ اسمٌ لِمَا أشبعك من الشَّيء، وفي رواية ابن عساكر في نسخةٍ: ((ليشبع [5] بطنه))، بلام «كي»، و«يشبعَ» بصورة المضارع المنصوب، والمعنى: أنَّه كان يلازم قانعًا بالقوت، لا يتَّجِر ولا يزرع، (وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ) من أحوال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه كان يشاهد ما لا يشاهدونه [6] ، (وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ) من أقواله؛ لأنَّه يسمع ما لا يسمعون.

[1] في (د): «بالإفراد».
[2] في (ب) و(س): «فلذلك».
[3] في (ص): «إخواته»، وهو تصحيفٌ.
[4] «لشبع»: ليس في (ب) و(س).
[5] في (ص): «لشبع»، وهو خطأ.
[6] في غير (ص): «يشاهدون».





118- ( يَشْغَلُهُمُ ): بفتح أوَّله.

( الصَّفْقُ ): بإسكان الفاء: ضرب اليد على اليد، جرت به عادتهم عند البيع.

( الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ ) لمسلم: «عمل أرضهم»، ولابن سعد: «القيام على أرضهم».

( لِشِبع ): باللَّام أوَّله، وللأَصِيلي بالباء بدلها، والشِّين مكسورة: اسم لما يُشبع، وأمَّا بالفتح فالمصدر. [/ج1ص278/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

118# حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، دثَنِي مالك [1]، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلاَ آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثاً، ثُمَّ يَتْلُو {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى} [البقرة:159] إِلَى قَوْلِهِ {التَّوَّاب الرَّحِيمُ} [2] [البقرة:160]، إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَسَلَّمَ لشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لاَ يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لاَ يَحْفَظُونَ».

[1] في الأصل: «بلال»، وهو وهم، والصواب المثبت كما سيذكره المؤلف عند تخريجه للحديث في أول الشرح.
[2] في الأصل: «الرحمن الرحيم» وهذا وهم في الآية.





لا تتوفر معاينة

118- وبه قال: ((حدثنا عبد العزيز بن عبد الله)) الأوسي المدني، ((قال: حدثني)) ؛ بالإفراد ((مالك)) : ابن أنس الإمام، ((عن ابن شهاب)) : محمد بن مسلم الزهري، ((عن الأعرج)) : عبد الرحمن بن هرمز، ((عن أبي هريرة)) : عبد الرحمن بن صخر، ((قال: إن الناس)) : مقول قال، ((يقولون)) : جملة محلها رفع خبر (إن) ، ((أكثر أبو هريرة)) : جملة من الفعل والفاعل مقول (يقولون) ؛ أي: من رواية الحديث، وهو حكاية كلام الناس، أو وضع المظهر موضع المضمر؛ لأنَّ الظاهر أن يقول: أكثرت، وزاد المؤلف في (البيوع) : (ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه) ، وهذه الزيادة تدلك على النكتة في ذكر أبي هريرة المهاجرين والأنصار.

((ولولا آيتان)) ؛ أي: موجودتان، ((في كتاب الله)) عز وجل، ((ما)) جواب (لولا) حذف منه اللام وهو جائز، ((حدثت حديثًا)) ؛ بالنصب على المفعولية، قال الأعرج: ((ثم يتلو)) ؛ أي: أبو هريرة، (({إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} إلى قوله)) تعالى: (({الـرَّحِيم} [البقرة: 159-160] )) .

وإنما ذكر يتلو بلفظ المضارع؛ استحضارًا لصورة التلاوة كأنه فيها، والمعنى: لولا أن الله تعالى ذمَّ الكاتمين للعلم؛ لما حدثتكم أصلًا، لكن لما كان الكتمان حرامًا؛ وجب الإظهار والتبليغ؛ فلهذا حصل مني الإكثار؛ لكثرة ما عندي من الحديث، ثم ذكر سبب الكثرة بقوله: ((إن إخواننا)) ؛ جمع: أخ، ولم يقل: إخوانه؛ ليرجع الضمير على أبي هريرة؛ لغرض الالتفات، ولم يقل: إخواني؛ لأنَّه قصد نفسه وأمثاله من أهل الصفة، والمراد الإخوان في الإسلام لا في النسب،[/ص74/] وحذف العاطف على جعله جملة استئنافية كالتعليل للإكثار جوابًا للسؤال عنه.

((من المهاجرين)) (من) بيانية؛ أي: الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، ((كان يَشغَلهم)) ؛ بفتح أوله وثالثه من باب (فتح يفتح) ، وحكي ضم أوله من الرباعي؛ أي: الإشغال، وهو غريب، كما في «عمدة القاري»، ((الصَّفْق)) ؛ بالرفع فاعل، والجملة خبر (إن) ؛ بفتح الصاد المهملة وإسكان الفاء كناية عن التبايع؛ لأنَّهم كانوا يضربون بالأيدي عند عقد البيع، ((بالأسواق)) جمع: سوق يذكر ويؤنث، سمي به؛ لقيام الناس على سوقهم فيه.

((وإن إخواننا من الأنصار)) : الأوس والخزرج أصحاب المدينة الذين آووا رسول الله عليه السلام، ونصروه بأنفسهم وأموالهمرضي الله عنه، ((كان يشغلهم العمل في أموالهم)) يريد به الزراعة، وفي «مسلم»: (كان يشغلهم عمل أرضهم) ، وفي رواية: (كان يشغلهم على أراضيهم) ، ((وإن أبا هريرة)) عدل عن قوله: إني؛ لقصد الالتفات، وعند المؤلف في «البيوع»: (وكنت امرءًا مسكينًا من مساكين الصفة) ، ((كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم)) من الملازمة، ((بِشبَع)) ؛ بكسر المعجمة وفتح الموحدة، وفي رواية: (لشبع) باللام، وكلاهما؛ أي: الموحدة واللام؛ للتعليل، وروي: (ليشبع) ؛ بلام كي، و (بشبع) ؛ بصورة المضارع المنصوب؛ أي: لأجل شبع، ((بطن) ه) ؛ يعني: أنه كان يلازم قانعًا بالقوت لا مشتغلًا بالتجارة ولا بالزراعة رضي الله عنه.

((ويحضر ما لا يحضرون)) ؛ أي: من أحوال النبي الأعظم عليه السلام، فيشاهد ما لا يشاهدون، ((ويحفظ ما لا يحفظون)) من أقواله عليه السلام، فيسمع ما لا يسمعون، فهذا إشارة إلى المسموعات، وذاك إلى المشاهدات.

لا يقال هذا الحديث يعارضه ما تقدم من حديث أبي هريرة: (ما من أصحاب النبي عليه السلام أحد أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب) ؛ لأنَّا نقول: إن عبد الله كان أكثر تحملًاوأبو هريرة أكثر رواية.

فإن قلت: كيف يكون الأكثر تحملًا وهو داخل تحت عموم المهاجرن.

أجيب: هو أكثر من جهة ضبطه بالكتابة وتقييده بها، وأبو هريرة أكثر من جهة السماع، والله أعلم.

ويؤخذ من الحديث: طلب حفظ العلم والمواظبة على طلبه.

وفيه: فضل أبي هريرة، وفيه طلب التقلل من الدنيا وفضله، وإيثار العلم على طلب المال.

وفيه: جواز الإخبار عن نفسه بفضيلته إذا اضطر وأمن الإعجاب، وجواز التجارة والزراعة، وجواز الاقتصار على الشبع، وفيه تفصيل:

فالأكل فرض: وهو ما يدفع به الهلاك عن نفسه.

ومندوب: وهو ما زاد ليتمكن من الصلاة قائمًا ويسهل الصوم.

ومباح: وهو ما يزاد على الشبع لزيادة قوة البدن.

وحرام: وهو الزائد عليه إلا لقصد التقوى على صوم الغد، أو لئلا يستحي الضيف الحاضر فلا بأس بأكله فوق الشبع لذلك، ولا تجوز الرياضة بتقليل الأكل حتى يضعف عن أداء العبادة المفروضة قائمًا، فلو على وجه لا يضعفه؛ فمباح ورياضة هذا مذهب إمامنا الإمام الأعظم رئيس المجتهدين التابعي الجليل، الذي غفر الله له ولمن اتبعه على مذهبه إلى يوم القيامة.