متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

117- وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ)؛ أي: ابن أبي إياسٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ)؛ بفتح الحاء والكاف، ابن عُتَيْبة؛ بضمِّ العين، تصغير عُتْبةَ، ابن النَّهَّاس، فقيه الكوفة، المُتوفَّى سنة أربعَ عشْرةَ، وقيل: خمس عشْرةَ ومئةٍ، (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ: بِتُّ) بكسر المُوحَّدة مِنَ: البيتوتة، (فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَرثِ) الهلاليَّة (زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)؛ وهي أخت أمِّه لبابة الكبرى بنت الحارث، ولبابة هذه أوَّل امرأةٍ أسلمت بعد خديجة، وتُوفِّيت ميمونة رضي الله عنها سنة إحدى وخمسين بسرفٍ، بالمكان الذي بنى بها فيه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وصلَّى عليها ابن عبَّاسٍ، لها في «البخاريِّ» سبعة أحاديث، (وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا) المُختَصَّة بها، بحسب قَسْم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بين أزواجه، (فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْعِشَاءَ) في المسجد، (ثُمَّ جَاءَ) منه (إِلَى مَنْزِلِهِ) الذي هو بيت ميمونة أمِّ المؤمنين، و«الفاء» في «فَصَلَّى» هي التي تدخل بين المُجمَل والمُفصَّل؛ لأنَّ التَّفصيل إنَّما هو عقب الإجمال؛ لأنَّ صلاته عليه الصلاة والسلام العشاء ومجيئه إلى منزله كانا قبل كونه عند ميمونة، ولم يكونا بعد الكون عندها، (فَصَلَّى) عليه الصلاة والسلام عقب دخوله (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ) بعد الصَّلاة على التَّراخي، (ثُمَّ قَامَ) من نومه، (ثُمَّ قَالَ: نَامَ الْغُلَيِّمُ؟)؛ بضمِّ الغَيْن المُعجَمَة، وفتح اللَّام، وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، تصغيرُ شفقةٍ، ومُرَاده: ابن عبَّاسٍ، وقوله: «نام» استفهامٌ حُذِفت همزته؛ لقرينة المقام، أو إخبارٌ منه عليه الصلاة والسلام بنومه، (أَوْ) قال (كَلِمَةً تُشْبِهُهَا)؛ أي: تشبه كلمة: نام الغُلَيِّم، شَكٌّ مِنَ الراوي، وعبَّر بـ: «كلمةً» على حدِّ كلمة الشَّهادة، (ثُمَّ قَامَ) عليه الصلاة والسلام في الصَّلاة [1] ، (فَقُمْتُ عَنْ يسَارِهِ)؛ بفتح الياء وكسرها، شبَّهوها في الكسر بالشَّمال، وليس في كلامهم كلمةٌ مكسورةُ الياء إلَّا هذه، وحُكِيَ التَّشديد للسِّين لغةٌ فيه عن ابن عبادٍ، (فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى)، وفي رواية ابن عساكر: ((وصلَّى)) (خَمْسَ رَكَعَاتٍ) وفي «الفرع» كـ: «أصله» من غير رقمٍ: ((إحدى عشرة ركعةً)) [2] ، (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ) عليه الصلاة والسلام (حَتَّى)؛ أي: إلى أنْ (سَمِعْتُ غَطِيطَهُ)؛ بفتح الغَيْن المُعجَمَة، وكسر المُهمَلَة الأولى؛ وهو صوت نَفَس النَّائم عند استثقاله، وفي «العُباب»: غطيط النَّائم والمخنوق: نخيرهما، (أَوْ [3] خَطِيطَهُ)، بفتح الخاء المُعجَمَة، وكسر المُهمَلَة، شكٌّ من الرَّاوي، وهو بمعنى الأوَّل، ثمَّ استيقظ عليه الصلاة والسلام، (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ)، ولم يتوضَّأ؛ لأنَّ من خصائصه أنَّ نومه مضطجعًا لا ينقض وضوءه؛ لأنَّ عينيه تنامان ولا ينام قلبه، لا يُقَال: إنَّه مُعارَضٌ بحديث نومه عليه الصلاة والسلام في الوادي إلى أن طلعتِ الشَّمس؛ لأنَّ [/ج1ص209/] الفجر والشَّمس إنَّما يُدرَكَان بالعين لا بالقلب، ويأتي تمام البحث في ذلك في ذكر تهجُّده عليه الصلاة والسلام.

فإن قلت: ما المُناسَبَة بين هذا الحديث والتَّرجمة؟ أُجِيب: باحتمال أن يطلق السَّمر على «الكلمة»، وهي هنا قوله عليه الصلاة والسلام: «نام الغُلَيِّم»، أو هو ارتقاب ابن عبَّاسٍ لأحواله عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه لا فرق بين التَّعلُّم من القول والتَّعلُّم من الفعل [4] ، وتُعقِّب: بأنَّ المتكلِّم بالكلمة الواحدة لا يُسمَّى سامرًا [5] ، وبأنَّ صنيع ابن عبَّاسٍ يُسمَّى سهرًا لا سمرًا؛ لأنَّ الأخير [6] لا يكون إلَّا عن [7] تحدُّثٍ، وأُجِيب: بأنَّ حقيقة السَّمر التَّحدُّث باللَّيل، ويصدق بكلمةٍ واحدةٍ، ولم يشترط أحدٌ التَّعدُّد، وكما يُطلَق السَّمر على القول يُطلَق على الفعل؛ بدليل قولهم: سمر القوم الخمر؛ إذا شربوها ليلًا، وأجاب الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّ المُناسَبَة مُستفَادةٌ من لفظٍ آخرَ في هذا الحديث بعينه، من طريقٍ أخرى في «التَّفسير» [خ¦4564] عند المؤلِّف بلفظ: «بتُّ في بيت ميمونة، فتحدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعةً»، قال: وهذا أَوْلى من غير تعسُّفٍ ولا رجمٍ بالظَّنِّ؛ لأنَّ تفسير الحديث بالحديث أَوْلى من الخوض فيه بالظَّنِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ من يعقد بابًا بترجمةٍ ويضع فيه حديثًا، وكان قد وضع هذا الحديث في بابٍ آخرَ بطريقٍ أخرى وألفاظٍ متغايرةٍ؛ هل يُقَال: مناسَبَة التَّرجمة في هذا الباب تُستَفاد من ذلك الحديث الموضوع في الباب الآخر؟! قال: وأبعدُ من هذا أنَّه علَّل ما قاله [8] بقوله: لأنَّ تفسير الحديث بالحديث أَوْلى من الخوض فيه بالظَّنِّ؛ لأنَّ هؤلاء ما فسَّروا الحديث هنا، بل ذكروا مُطابَقَة التَّرجمة بالتَّقارب [9] .

[1] «في الصَّلاة»: سقط من (د).
[2] قوله: «وفي «الفرع» كـ: «أصله» من غير رقمٍ: «إحدى عشرة ركعةً»»، سقط من (د) و(ص).
[3] زيد في (م): «قال».
[4] في (ص): «العلم».
[5] في (د): «مسامراً».
[6] في (ب) و(س): «السمر».
[7] في (د): «عند».
[8] في (ص): «قال».
[9] زيد في (ص): «وأجيب».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

117-. حدَّثنا آدَمُ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، قالَ: حدَّثنا [/ج1ص34/] الحَكَمُ، قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ:

عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قالَ: بِتُّ في بَيْتِ خالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحارِثِ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكان النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَها في لَيْلَتِها، فَصَلَّىَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العِشاءَ، ثُمَّ جاءَ إلىَ مَنْزِلِهِ، فَصَلَّىَ أَرْبَعَ رَكَعاتٍ، ثُمَّ نامَ، ثُمَّ قامَ، ثُمَّ قالَ: «نامَ الغُلَيِّمُ؟» أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُها، ثُمَّ قامَ، فَقُمْتُ عن يَسارِهِ، فَجَعَلَنِي عن يَمِينِهِ، فَصَلَّىَ [1] خَمْسَ رَكَعاتٍ [2] ، ثُمَّ صَلَّىَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نامَ، حَتَّىَ سَمِعْتُ غَطِيطَهُ _أَوْ خَطِيطَهُ_ ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ.

[1] في رواية ابن عساكر: «وصلىَ».
[2] صحَّح على «خَمْسَ» و«رَكَعاتٍ» في اليونينيَّة، وهي هكذا في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت أيضًا، وبهامش اليونينية دون رقم: «خمسَ عشرَ [في (و): عشرة. وهو الصواب] ركعةً».





117- ( نَامَ الْغُلَيِّمُ ) وفي رواية: «يا أم الغليم» [بالنداء] [1] ، والأول أضبط [2] .

( غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ ) قال ابن بطال: لم أجدها في اللغة بالخاء، وقال القاضي: [/ج1ص77/] لا معنى له هنا، وقال غيره: هو بمعنى، وهو النفخ عند الخفقة.

واعلم أن حديث ابن عمر ظاهر في الترجمة، وأما حديث ابن عباس فإن الغالب أن الأقارب والأضياف إذا اجتمعوا فلا بد أن يجري بينهم مؤانسة وإكرام [3] ، وحديثه عليه الصلاة والسلام كلُّه علم وفائدة، ويبعد منه أن يدخل بيته ويجد ابن عباس فلا يسائله ولا يكلمه أصلًا، وأيضًا فقوله: ( نام الغليم ) خطاب له أو لأهله، وأيًّا ما كان فهو حديث بعد العشاء.

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ق] .
[2] قال ابن حجر رحمه الله: ليست هذه رواية بل هي تصحيف.
[3] قال ابن حجر رحمه الله: فيه غفلة عمَّا ورد في بعض طرقه: «فتحدث النبي صلى الله عليه وسلم هو وأهله» وكان ذلك قبل نومه عقب دخوله الفراش.





117# (ناَمَ الْغُلَيِّمُ) بنون قبل الألف، و((الغليم)): تصغيرُ غلام، وفي رواية: ((يا أمَّ [1] الغليم)) على النداء، والأول هو الظاهر.

(غَطِيطَهُ، أَوْ خَطِيطَهُ) قال الداودي: الغطيطُ والخطيطُ واحد، وهو النفخُ عند الخَفْقَة [2] وهي النَّعْسَة. وقال ابن بطَّال: لم أجدها بالخاء في اللغة.

وقال القاضي: لا معنى له هنا. وحديث ابن عمر ظاهر في الترجمة. وأما حديث ابن عباس، فيظهر عدمُ مطابقته لها؛ إذ لا سمر فيه؟

وأجاب ابن المنيِّر: بأن قوله: ((نام الغليم)) وإن كان خفيفاً يثبتُ به أصلُ السمر؛ إذ هو حديثٌ مع غيره بعد العشاء.

قال: ويحتمل أن يريد ارتقابَ ابن عباس لأحواله عليه السلام، وسهرَه لذلك، ولا فرق بين التعلم [3] من القول، والتعلم من الفعل، فتعلُّمه

@%ج1ص105%

مع السهر هو معنى السمر.

والغائلة [4] التي كُره [5] لها السمرُ إنما هي السهر خوفَ التفريط في صلاة الصبح، و [6] إذا كان سمراً [7] لعلْمٍ، فهو في طاعة، فلا بأس.

قلت: آثار التكلُّف على الوجه الثاني ظاهرة.

وأجاب غيره: بأنَّ الغالب: أنَّ الأقاربَ والأضيافَ إذا اجتمعوا، فلا بد أن تجري بينهم مؤانسة، وحديثه عليه الصلاة والسلام كلُّه علمٌ وفائدة، ويبعدُ منه أن يدخل بيتَهُ، ويجدَ ابنَ عباس، فلا يسأله ولا يكلمه أصلاً.

[1] في (ق): ((رواية نام)).
[2] في (ق): ((الحقيقة)).
[3] في (ق): ((التعليم)).
[4] في (ق): ((القائلة)).
[5] في (ق): ((كثر)).
[6] ((الواو)): ليست في (د) و(ج).
[7] في (ق): ((سهراً)).





117- قوله: (آدَمُ): تقدَّم الكلام على صرفه [1] ، وتقدَّم بعض ترجمته؛ فانظره، وهو ابن أبي إياس العسقلانيُّ.

قوله: (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ): هو ابن عُتَيْبَة، هو بضمِّ العين، ثم مثنَّاة فوق مفتوحة، ثم مثنَّاة تحت ساكنة، ثمَّ موحَّدة مفتوحة، ثمَّ تاء التَّأنيث، تصغير عتبة، وهو كنديٌّ مولاهم، فقيه الكوفة مع حمَّاد، عنِ ابن أبي أوفى، وأبي جحيفة، وعنه: مسعر، وشعبة، وكان عابدًا قانتًا ثقة، صاحب سنَّة، توفِّي سنة (115 هـ ) ، وقد أخرج له الجماعة.

تنبيه: لهم شخص آخر يقال له: الحكم بن عتيبة كاسم صاحب التَّرجمة واسم أبيه، ليس له في الكتب شيء، واسم والد [2] والده نهاس [3] ، وهو كوفيٌّ، ذكره ابن أبي حاتم وبيَّض له، مجهول، وقال ابن الجوزيِّ: إنَّما قال أبو حاتم: مجهول؛ لأنَّه ليس يروي الحديث، وإِنَّمَا كان قاضيًا بالكوفة، وقد جعل البخاريُّ هذا والحكم بن عتيبة الإمام المشهور صاحب التَّرجمة التي ذكرناها أوَّلًا واحدًا، فعُدَّ من أوهامه، والله أعلم.

قوله: (نَامَ الْغُلَيِّمُ): يقال للصبيِّ من حين يولد إلى أنْ يبلغ: غلام، ويقال للرجل أيضًا المستحكم القوَّة أيضًا [4] : غلام، والمراد هنا: الصبيُّ، وتصغير غلام: غليِّم، وجمعه غلمان، وأغيلمة تصغير.

قوله: (عَنْ يَسَارِهِ [5] ): هو بفتح الياء، وكسرها لغة قليلة.

واعلم أنَّ الذين حوَّلهم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من اليسار إلى اليمين في الصَّلاة: ابن عبَّاس كما في «البخاريِّ» و«مسلم»، وجابر بن عَبْد الله كما في «مسلم»، وجبَّار بن صخر كما في «مسند أحمد»، والله أعلم، (وحذيفة بن اليمان، ودليله سيأتي أنَّه في «زوائد المعجمين») [6] . [/ج1ص65/]

قوله: (حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ): كذا على الشَّكِّ، قال ابن قُرقُول: (والصَّواب: غطيطه؛ وهو صوت يردِّده النَّائم عند استثقاله [7] ، ولا معنًى للخطيط هنا) انتهى، وفي «النِّهاية»: (الخطيط قريب من الغطيط؛ وهو صوت النائم، والخاء والغين متقاربتان) انتهى.

[1] في (ب) و (ج): (حرفه) .
[2] (والد): ليس في (ب) .
[3] في (ج): (نهاش) .
[4] (أيضًا): ليس في (ب) .
[5] في (ج): (يسار) .
[6] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[7] في (ج): (اشتغاله) .





117- (أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا): مقولُ القولِ، وشرطُه: أنْ يكونَ كلامًا لا كلمةً، لكن الكلمة تُطلق على الكلام أيضًا؛ نحو: (كلمة الشَّهادة).


117- وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ)؛ أي: ابن أبي إياسٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ)؛ بفتح الحاء والكاف، ابن عُتَيْبة؛ بضمِّ العين، تصغير عُتْبةَ، ابن النَّهَّاس، فقيه الكوفة، المُتوفَّى سنة أربعَ عشْرةَ، وقيل: خمس عشْرةَ ومئةٍ، (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ: بِتُّ) بكسر المُوحَّدة مِنَ: البيتوتة، (فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَرثِ) الهلاليَّة (زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)؛ وهي أخت أمِّه لبابة الكبرى بنت الحارث، ولبابة هذه أوَّل امرأةٍ أسلمت بعد خديجة، وتُوفِّيت ميمونة رضي الله عنها سنة إحدى وخمسين بسرفٍ، بالمكان الذي بنى بها فيه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وصلَّى عليها ابن عبَّاسٍ، لها في «البخاريِّ» سبعة أحاديث، (وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا) المُختَصَّة بها، بحسب قَسْم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بين أزواجه، (فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْعِشَاءَ) في المسجد، (ثُمَّ جَاءَ) منه (إِلَى مَنْزِلِهِ) الذي هو بيت ميمونة أمِّ المؤمنين، و«الفاء» في «فَصَلَّى» هي التي تدخل بين المُجمَل والمُفصَّل؛ لأنَّ التَّفصيل إنَّما هو عقب الإجمال؛ لأنَّ صلاته عليه الصلاة والسلام العشاء ومجيئه إلى منزله كانا قبل كونه عند ميمونة، ولم يكونا بعد الكون عندها، (فَصَلَّى) عليه الصلاة والسلام عقب دخوله (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ) بعد الصَّلاة على التَّراخي، (ثُمَّ قَامَ) من نومه، (ثُمَّ قَالَ: نَامَ الْغُلَيِّمُ؟)؛ بضمِّ الغَيْن المُعجَمَة، وفتح اللَّام، وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، تصغيرُ شفقةٍ، ومُرَاده: ابن عبَّاسٍ، وقوله: «نام» استفهامٌ حُذِفت همزته؛ لقرينة المقام، أو إخبارٌ منه عليه الصلاة والسلام بنومه، (أَوْ) قال (كَلِمَةً تُشْبِهُهَا)؛ أي: تشبه كلمة: نام الغُلَيِّم، شَكٌّ مِنَ الراوي، وعبَّر بـ: «كلمةً» على حدِّ كلمة الشَّهادة، (ثُمَّ قَامَ) عليه الصلاة والسلام في الصَّلاة [1] ، (فَقُمْتُ عَنْ يسَارِهِ)؛ بفتح الياء وكسرها، شبَّهوها في الكسر بالشَّمال، وليس في كلامهم كلمةٌ مكسورةُ الياء إلَّا هذه، وحُكِيَ التَّشديد للسِّين لغةٌ فيه عن ابن عبادٍ، (فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى)، وفي رواية ابن عساكر: ((وصلَّى)) (خَمْسَ رَكَعَاتٍ) وفي «الفرع» كـ: «أصله» من غير رقمٍ: ((إحدى عشرة ركعةً)) [2] ، (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ) عليه الصلاة والسلام (حَتَّى)؛ أي: إلى أنْ (سَمِعْتُ غَطِيطَهُ)؛ بفتح الغَيْن المُعجَمَة، وكسر المُهمَلَة الأولى؛ وهو صوت نَفَس النَّائم عند استثقاله، وفي «العُباب»: غطيط النَّائم والمخنوق: نخيرهما، (أَوْ [3] خَطِيطَهُ)، بفتح الخاء المُعجَمَة، وكسر المُهمَلَة، شكٌّ من الرَّاوي، وهو بمعنى الأوَّل، ثمَّ استيقظ عليه الصلاة والسلام، (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ)، ولم يتوضَّأ؛ لأنَّ من خصائصه أنَّ نومه مضطجعًا لا ينقض وضوءه؛ لأنَّ عينيه تنامان ولا ينام قلبه، لا يُقَال: إنَّه مُعارَضٌ بحديث نومه عليه الصلاة والسلام في الوادي إلى أن طلعتِ الشَّمس؛ لأنَّ [/ج1ص209/] الفجر والشَّمس إنَّما يُدرَكَان بالعين لا بالقلب، ويأتي تمام البحث في ذلك في ذكر تهجُّده عليه الصلاة والسلام.

فإن قلت: ما المُناسَبَة بين هذا الحديث والتَّرجمة؟ أُجِيب: باحتمال أن يطلق السَّمر على «الكلمة»، وهي هنا قوله عليه الصلاة والسلام: «نام الغُلَيِّم»، أو هو ارتقاب ابن عبَّاسٍ لأحواله عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه لا فرق بين التَّعلُّم من القول والتَّعلُّم من الفعل [4] ، وتُعقِّب: بأنَّ المتكلِّم بالكلمة الواحدة لا يُسمَّى سامرًا [5] ، وبأنَّ صنيع ابن عبَّاسٍ يُسمَّى سهرًا لا سمرًا؛ لأنَّ الأخير [6] لا يكون إلَّا عن [7] تحدُّثٍ، وأُجِيب: بأنَّ حقيقة السَّمر التَّحدُّث باللَّيل، ويصدق بكلمةٍ واحدةٍ، ولم يشترط أحدٌ التَّعدُّد، وكما يُطلَق السَّمر على القول يُطلَق على الفعل؛ بدليل قولهم: سمر القوم الخمر؛ إذا شربوها ليلًا، وأجاب الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّ المُناسَبَة مُستفَادةٌ من لفظٍ آخرَ في هذا الحديث بعينه، من طريقٍ أخرى في «التَّفسير» [خ¦4564] عند المؤلِّف بلفظ: «بتُّ في بيت ميمونة، فتحدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعةً»، قال: وهذا أَوْلى من غير تعسُّفٍ ولا رجمٍ بالظَّنِّ؛ لأنَّ تفسير الحديث بالحديث أَوْلى من الخوض فيه بالظَّنِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ من يعقد بابًا بترجمةٍ ويضع فيه حديثًا، وكان قد وضع هذا الحديث في بابٍ آخرَ بطريقٍ أخرى وألفاظٍ متغايرةٍ؛ هل يُقَال: مناسَبَة التَّرجمة في هذا الباب تُستَفاد من ذلك الحديث الموضوع في الباب الآخر؟! قال: وأبعدُ من هذا أنَّه علَّل ما قاله [8] بقوله: لأنَّ تفسير الحديث بالحديث أَوْلى من الخوض فيه بالظَّنِّ؛ لأنَّ هؤلاء ما فسَّروا الحديث هنا، بل ذكروا مُطابَقَة التَّرجمة بالتَّقارب [9] .

[1] «في الصَّلاة»: سقط من (د).
[2] قوله: «وفي «الفرع» كـ: «أصله» من غير رقمٍ: «إحدى عشرة ركعةً»»، سقط من (د) و(ص).
[3] زيد في (م): «قال».
[4] في (ص): «العلم».
[5] في (د): «مسامراً».
[6] في (ب) و(س): «السمر».
[7] في (د): «عند».
[8] في (ص): «قال».
[9] زيد في (ص): «وأجيب».





117- ( نَامَ الْغُلَيِّمُ ) بضمِّ المعجمة: تصغير غلام، وفي بعض النُّسخ: «يا أمَّ الغليِّم» بالنِّداء. قال ابن حجر: وهو تصحيف لم تثبت به رواية.

( غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ ): بالمعجمة أوَّلهما، وهما بمعنى، وهو [النَّفخ] [1] عند الخفقة، ومناسبة هذا الحديث للتَّرجمة أنَّ في بعض طرقه عند المصنِّف في [التَّعبير] [2] : فتحدَّث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع أهله ساعة ثمَّ رقد.

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (النوم)
[2] لم أر هذه الرواية في التعبير ولعلها التفسير فتصحفت إذ الرواية في التفسير برقم 4569 أو التوحيد برقم 7452





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

117# حَدَّثَنَا آدَمُ، ثَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا الحَكَمُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: «نَامَ الغُلَيِّمُ» أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ، حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ.

الشرح:

الحديث الأول أخرجه البخاري في «الصلاة»، في «باب ذكر العشاء والعتمة»، عن عبد الله بن عثمان الملقب بعَبْدَان، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، وفي «باب السمر في الفقه» عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سالم وأبي بكر بن أبي حَثْمَة.

وأخرجه في «العلم» هنا عن ابن عُفير، عن الليث، عن عبد الرحمن، عن الزهري عنهما.

وأخرجه مسلم في «الفضائل» عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي اليمان، عن شعيب، وعن ابن رافع وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر.

قال: ورواه الليث عن عبد الرحمن بن خالد.

«السَّمَر»: بالفتح هو الحديث بعدها، والإسكان: اسم الفعل، قال عياض: والأول هو الرواية، وقال ابن سراج: الإسكان أولى، وضبطه بعضهم به، وأصله لون القمر، لأنهم كانوا يتحدثون إليه، ومنه سمي الأسمر لشبهه بذلك اللون.

وقال غيره: السَّمَر بالفتح: الحديث

@%ص235%

بالليل، وأصله: لا أكلمه السَّمَر والقمر، أي الليل والنهار.

وفي الصحيح عن جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بشهر: «تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مئة سنة»، وفي رواية: «وهي حية يومئذ».

هذه الأحاديث يفسر بعضها بعضاً، وفيها علم من أعلام النبوة.

وقوله: «منفوسة» أي مولودة.

قال العلماء: ومعنى الحديث: أن كل نفس منفوسة كانت تلك الليلة على الأرض لا تعيش بعدها أكثر من مئة سنة، سواء قل عمرها قبله أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مئة سنة.

ومعنى الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم وعظهم بقصر أعمارهم بخلاف غيرهم من سالفي الأمم.

وقد احتج به البخاري ومن قال بقوله على موت الخضر، والجمهور على خلافه، ومن قال به أجاب عن الحديث بأنه من ساكني البحر، فلا يدخل في الحديث.

وقيل: إن معنى الحديث لا يبقى ممن يرونه ويعرفونه، فالحديث عام أريد به الخصوص.

وقيل: أراد عليه السلام بالأرض البلدة التي هو فيها، وقد قال الله تعالى: {ألم تكن أرض الله واسعة} يريد المدينة.

وقوله: «مِمَّنْ هُوَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ» احتراز عن الملائكة.

وقد أخرج البخاري فيما انفرد به عن أبي برزة الأسلمي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها».

فهذا يدل على المنع مطلقاً، والحديث المتقدم يدل على جواز السمر في العلم والخير، فيخص العموم بما عداها، وأما ما عدا ذلك فذهب الأكثر إلى كراهته، منهم أبو هريرة، وابن عباس، وكتب عمر: أن لا ينام قبل أن يصليها، فمن نام فلا نامت

@%ص236%

عينه.

وهو قول عطاء وطاووس، وإبراهيم، وقول مجاهد، ومالك، والكوفيين، والشافعي.

ورخص فيه طائفة، رُوِيَ ذلك عن علي رضي الله عنه أنه كان ربما غفا قبل العشاء.

وكان ابن عمر ينام ويوكل به من يوقظه، وعن أبي موسى مثله، وعن عروة وابن سيرين أنهما كانا ينامان نومة قبل العشاء.

واحتج لهم بأن الكراهة إنما كرهت لمن خُشِيَ عليه تفويتها أو تفويت الجماعة فيها.

قال أبو الحسن بن بطال: اختلف قول مالك، فقال مرة: الصلاة أحب إلي من مذاكرة الفقه، وقال في موضع: العناية بالعلم إذا صحت النية أفضل.

وقال سحنون: يلتزم أثقلهما عليه.

قلت: تقدم الكلام على هذا مستوعباً، وقول الشافعي وأحمد وغيرهما في أول «كتاب العلم».

قوله: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ» معنى: أرأيتكم الاستفهام والاستخبار، كلمة يقولها العرب إذا أرادت الاستخبار، وهو بفتح التاء للمذكر والمؤنث والجمع والمفرد، تقول: أرأيتَكَ، وأرأيتَكِ، وأرأيتَكما، وأرأيتَكم، وأرأيتَكن، والمعنى: أخبراني وأخبرني، وكذلك باقيهن، فإذا أردت معنى الرؤية أنثت وجمعت، فقلت: أرأيتُكِ، وأرأيتُكُما.

وقد استدل بعض اللغويين بقوله: «فَإِنَّ على رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ منها» على أن (مِن) تكون لابتداء الغاية في الزمان كـ (مذ)، وهو قول الكوفيين، وقال البصريون: لا تدخل (من) إلا على المكان، و(منذ) في الزمان، نظير (مِن) في المكان، وتأولوا ما جاء على خلافه.

واحتج من نصر قول

@%ص237%

الكوفيين بقوله تعالى: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} [التوبة:108].

وبقول عائشة رضي الله عنها: «ولم يجلس عندي من يوم قيل فيَّ ما قيل».

وقول أنس: «ما زلت أحب الدباء من يومئذ».

وقول بعض الصحابة: «مطرنا من الجمعة إلى الجمعة».

وأجاب أبو علي الفارسي عن قوله: {من أول يوم} بأن التقدير: من تأسيس أول يوم، وضعفه بعضهم بأن التأسيس ليس بمكان.

وقال الزمخشري: التقدير: من أول يوم من أيام وجوده.

قلت: هذا جنوح إلى مذهب الكوفيين.

السند:

فيه: سعيد بن كثير بن عُفَير، والليث، وقد تقدَّما.

وفيه: عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، أبو خالد، وقيل: أبو الوليد، الفهمي، مولى الليث بن سعد من فوق، أمير مصر لهشام بن عبد الملك.

قال يحيى بن معين: «كان عبد الرحمن بن خالد بن ثابت [1] بن مسافر بن ظاعن الفهمي على مصر، وذكر عنه حداثة، وكان عنده عن الزُّهري كتاب فيه مئتا حديث، أو ثلاث مئة، كان الليث يحدث بها عنه، وكان جده شهد فتح بيت المقدس مع عُمَر.

أخرج البخاري في «العلم»، و«الخمس»، و«البيوع»، و«الردة»، عن الليث، عنه، عن الزهري.

وقال أبو حاتم: «صالح».

وقال ابن يونس: كان ثبتاً في الحديث، وكانت ولايته على مصر سنة ثماني عشرة ومئة، توفي سنة سبع وعشرين ومئة، وتوفي الزهري سنة أربع وعشرين ومئة.

روى له البخاري والترمذي.

وفيه: أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة، واسم أبي حثمة: عبد الله بن حذيفة، وقيل: عدي بن كعب بن حذيفة بن غانم بن عبد الله [بن عبيد] بن عويج بن عدي بن كعب، القرشي.

قال أبو عمر بن عبد البر وغيره: أبو بكر هذا ليس له اسم.

أخرج

@%ص238%

البخاري في «العلم»، و«الصلاة»، عن الزهري عنه وسالم مقروناً به، عن ابن عمر هذا الحديث خاصة، وأخرج له مسلم عن الزهري عنه، عن ابن عمر غير مقرون.

قال أبو عمر النمري: روى عن سعيد بن زيد، وأبي هريرة، وابن عمر، وروى عنه الزهري، ومحمد بن إسماعيل بن سعد بن أبي وقاص.

قال ابن شهاب: «كان من علماء قريش».

روى له الجماعة إلا ابن ماجه.

الحديث الثاني:

أخرجه البخاري في مواضع من كتابه عن كُرَيب، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وأبي جمرة، وطاووس، وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنه.

وأما وجه إدخال حديث ابن عباس هذا في التبويب وهو «السمر في العلم» فقد قال بعضهم: إنما يأتي من فعل ابن عباس، لأنه السامر، وقد ارتقب أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فرق بين التعلم من الحديث والتعلم من الفعل.

وقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي: دخول هذا الحديث في السمر في العلم مما يبعد، فإنه ليس فيه ذكر قول ولا حديث إلا قوله: «نام الغليم»، فإن أراد مبيت ابن عباس وسهره عنده ليحفظ ما يفعله عليه السلام فذلك سهر لا سمر، والسمر لا يكون إلا عن حديث، ثم السمر مأذون فيه لمن أراد الصلاة بالليل.

قلت: أما القائل الأول فلا بد في تقديره أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على فعله وأقره عليه، وليس فيما أورده البخاري هنا ما يدل عليه، فيبقى الدليل بفعل صحابي صغير.

وأما القول الثاني فظاهر إذا توقفنا على لفظ الحديث المذكور في الباب.

بل وجهه ما أذكره بتوفيق الله تعالى [2]: وهو أن البخاري رحمه الله

@%ص239%

في تبويبه على أنواع، منها أنه قد يذكر التبويب ويذكر فيه حديثاً ليس في لفظه من هذا الطريق ما يدل على المراد؛ بل يكون الدال على المراد زيادة لفظ جاء في طريق آخر في الحديث فينبه على تلك الطريق بتبويبه [3].

وهذا التبويب من هذا النوع، فإنه جاء فيه في طريق من طرق الصحيح من حديث كُرَيب، عن ابن عباس أنه قال: رقدت في بيت ميمونة ليلة لأنظر كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل، قال: فتحدث النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة.

فحديث النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله وابن عباس حاضر من باب السمر، ولا يخلو كلامه صلى الله عليه وسلم في الغالب أو مطلقاً من حكم يستن به من قوله أو فعله.

أو أراد البخاري بالحديث الأول المناسبة لتبويبه، وبالثاني التنبيه على أن السمر مع الأهل والضيف وما أشبهه من فعل الخير ملحق بالسمر في العلم، كما بوب عليه فيما يأتي: «باب السمر في الفقه والخير»، وأفرد فيه الحديث الأول لهذا المعنى.

وفي الحديث من الفقه جمل، منها:

أن السنة أن يقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، وإذا وقف عن يساره يحول، وإذا لم يتحول يحوله الإمام. وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة، وأن صلاة الصبي صحيحة، وأن موقفه مع الإمام كالبالغ، وأن الجماعة في غير المكتوبة صحيحة مطلوبة، وصحة الائتمام بمن لم ينوِ الإمامة، خلافاً لبعضهم، وجواز نوم الرجل مع امرأته في غير مواقعة بحضرة بعض محارمها، وإن كان مميزاً، وجاء في بعض الروايات أنها كانت حائضاً، ولم يكن ابن عباس ليطلب المبيت في ليلة للنبي صلى الله عليه وسلم فيها

@%ص240%

حاجة إلى أهله، ولا يرسله أبو العباس، لأنه جاء أن العباس أرسله وأوصاه بمراعاة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم عمله بالليل.

قوله: «فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: نَامَ الغُلَيِّمُ، ثُمَّ صَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ» ففي هذه الطريق أنه صلى إحدى عشرة ركعة، وجاء في مواضع في البخاري: «فتتامت صلاته ثلاث عشرة».

وفي «باب قراءة القرآن بعد الحدث» وغيره: «فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح»، فهذا هو الأكثر في رواية الحديث أنها كانت ثلاثة عشرة غير ركعتي الفجر.

ووجه الجمع أن من روى أحد عشر سقط من حديثه الأوليان وركعتا الفجر، ومن أثبت الأوليين عدها ثلاث عشرة، وقد وقع مثل هذا الاختلاف في مسلم من حديث واصل وغيره.

وأجاب القاضي عياض في الجمع بمثله.

وقد استدرك الدارقطني حديث واصل على مسلم لكثرة اختلافه.

وحكي عن الداوودي أنه قال: أكثر الروايات أنه لم يصل قبل النوم، وأنه صلى بعده ثلاثة عشرة، قال: فيحتمل أن نوم ابن عباس كان دفوعاً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك بعض من سمعه.

قلت: المشهور أنها كانت واقعة واحدة، والله أعلم.

قوله: «حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ» وفي بعض الروايات في الصحيح: «ثم اضطجع فنام حتى نفخ، فخرج فصلى الصبح ولم يتوضأ».

قال سفيان: وهذا للنبي صلى الله عليه وسلم [4]؛ لأنه بلغنا أنه صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه.

@%ص241%

قال العلماء: هذا من خصائصه عليه السلام_ لأنه بلغنا أنه صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه _ أنَّ نومه مضطجعاً لا ينقض الوضوء، لأن عينيه تنامان ولا ينام قلبه، فلو خرج منه حدث لأحس به، بخلاف غيره من الناس.

والغطط: بالغين المعجمة ثم الطاء المهملة، صوت يخرجه النائم مع نفسه عند استثقاله النوم.

وأما قوله: «أَوْ خَطِيطَهُ» بالخاء المعجمة، قال القاضي عياض: لا معنى للخاء هنا، والصواب الأول.

وحُكِيَ عن الداوودي: أن الغطيط والخطيط واحد وهو: النفخ عند الخفقة.

واعترض عليه بأن الخطيط لم يذكره أهل اللغة.

قوله: «عَنْ يَسَارِهِ» يقال: يسار اليد بفتح الياء وكسرها، قال ابن عزير: ليس في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة إلا يسار المال، ويسار اليد.

وفي السند:

الحكم بن عُتَيبة _ بالتاء المثناة فوق _ ابن النهاس، واسمه: عبدك الكندي، يقال: كنيته أبو عبد الله، وقيل: أبو عمر، الكوفي، مولى عدي بن عدي الكندي، ويقال: مولى امرأة من كندة.

قال يحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي وأبو حاتم: «ثقة».

وقال المغيرة: «كان الحكم إذا قدم المدينة أجلوا له سارية النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليها».

وقال الأوزاعي: «قال لي يحيى بن أبي كثير ونحن بمنى: لقيتَ الحكمَ بنَ عتيبة؟ قلتُ: نعم، قال: إنه ما بين لابتيها أفقه منه، قال: وبها عطاء وأصحابه أحياء».

أخرج البخاري في «العلم» و«الحج» وغير موضع عن منصور بن النعمان، ومسعر، وشعبة، وغيرهم عنه، عن أبي جحيفة، وعلي بن الحسين، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهم.

مات سنة أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة ومئة، روى له الجماعة.

@%ص242%

[1] كذا ذكر ابن معين (ثابتاً) قبل مسافر، وهو قول في نسبه بخلاف ما ذكره المؤلف قبل قليل.
[2] هذا الجواب نقله ابن الملقن، وعزاه إليه، وهو من المواضع القليلة التي يصرح بالنسبة إليه، قال ابن الملقن في «التوضيح» (3/589): «وأجاب شيخنا قطب الدين في شرحه بجواب حسن وهو ...».
[3] ثمة كلمة بعد: «بتبويبه» لم أهتدِ إلى قراءاتها، وهي قريبة من: «الفاصل».
[4] كذا في الأصل، والمنقول في كثير من المصادر لفظ: «للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة».





117# أمَّا (مَيْمُونَة): إحدى أمَّهات المؤمنين، بنت الحارث بن حربٍ الهلاليَّة، تزوَّجها سنة ستٍّ، وقيل: سبع، وهي آخر أزواجه وفاةً، ماتت سنة إحدى وخمسين على أحد الأقاويل.

قوله: (الغَطِيْط): صوت يُخرِجه النَّائم مع نفَسِه عند استثقاله.

والسُّنَّة أن يقف المأموم عن يمين الإمام.


117- وبه قال: ((حدثنا آدم)) : هو ابن أبي إياس، ((قال: حدثنا شعبة)) : هو ابن الحجاج، ((قال: حدثنا الحَكَم)) ؛ بالحاء المهملة والكاف المفتوحتين، ابن عُتَيْبَة؛ بضم العين المهملة، وفتح الفوقية، وسكون التحتية، بعدها موحدة مفتوحة، تصغير عتبة ابن النهاس الكندي الفقيه الكوفي، المتوفى سنة أربع عشرة أو خمس عشر ومئة.

((قال: سمعت سعيد بن جُبير)) ؛ بضم الجيم، ((عن ابن عباس)) رضي الله عنهماأنه ((قال: بِتُّ)) ؛ بكسر الموحدة وتشديد المثناة، من البيتوتة، أصله: من بَيَتت [1] ؛ بفتح الموحدة والتحتية، قلبت الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار: باتت؛ فالتقى ساكنان فحذفت الألف فصار: بتت، فأدغمت التاء في التاء، ثم أبدلت كسرة من فتحة الموحدة؛ لتدل على الموحدة المحذوفة فصار: (بت) على وزن (فلت) ، والجملة من الفعل والفاعل وقعت مقول القول.

((في بيت خالتي ميمونة)) عطف بيان، ((بنتِ الحارثِ)) ؛ بالجر، صفة لميمونة الممنوعة من الصرف؛ للعلمية والتأنيث، ((زوجِ النبيِّ)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ بالجرِّ صفة بعد صفة أم المؤمنين الهلالية تزوجها عليه السلام سنة ست أو سبع من الهجرة، وتوفيت سنة إحدى وخمسين أو ست وستين بسرف، وصلى عليها ابن عباس، وهي آخر أزواجه؛ لأنَّه لم يتزوج بعدها، وهي أخت لُبَابة؛ بضم اللام، وتخفيف الموحدة، وبعد الألف موحدة أخرى، بنت الحارث زوجة العباس وأم أولاده، وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجة، وكان عليه السلام يزورها وهي لبابة الكبرى وأختها لبابة الصغرى أم خالد بن الوليد رضي الله عنه.

((وكان النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) : الواو للحال، وقوله: ((عندها)) : خبر (كان) ، ((في ليلتها)) ؛ أي: المختصة بها بحسب قسم النبي الأعظم عليه السلام بين الأزواج، ((فصلى النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم العِشاءَ)) ؛ بالنصب، بكسر العين والمد؛ أي: صلاة العشاء في المسجد، ((ثم جاء)) من المسجد، ((إلى منزله)) في تلك الليلة، المراد به: بيت ميمونة بنت الحارث الهلالية، و (الفاء) في (فصلى) : هي التي تدخل بين المجمل والمفصل؛ لأنَّ التفصيل إنَّما هو عقيب الإجمال؛ لأنَّ صلاة النبي عليه السلام العشاء ومجيئه إلى منزله كان قبل كونه عند ميمونة، ولم يكونا بعد الكون عندها، أفاده في «عمدة القاري».

((فصلى)) عليه السلام عقب دخوله، ((أربع ركعات)) ؛ فـ (الفاء) للتعقيب، ثم عطف عليه قوله: ((ثم نام)) ؛ ليدل على أن نومه لم يكن عقيب الصلاة على الفور؛ بل على التراخي، ((ثم قام)) ؛ أي: انتبه من النوم، ((ثم قال)) لميمونة: ((نام الغُلَيِّم)) ؛ بضم الغين المعجمة، وفتح اللام، وتشديد التحتية، تصغير غلام من باب الشفقة، وأراد به: عبد الله بن عباس، وفي رواية: (نام الغلام) ، وهذا يحتمل الإخبار لميمونة، ويحتمل الاستفهام من ميمونة، وحذف حرف الاستفهام بقرينة المقام وهذا الأظهر، كما في «عمدة القاري».

((أو)) قال: ((كلمة)) : فهي منصوبة بفعل محذوف، (تشبهها) ؛ أي: تشبه كلمة (نام الغليم) ، والشكُّ من الراوي ابن عباس وغيره، وعبَّر بـ (كلمة) ومقول القول يجب أن يكون كلامًا؛ لأنَّ الكلمة قد تطلق على الكلام مجازًا نحو: كلمة الشهادة والتأنيث باعتبار الكلمة أو باعتبار كونها جملة.

((ثم قام)) عليه السلام في الصلاة، والمراد: أنه شرع في الصلاة، ((فقمت عن يَساره)) ؛ بفتح التحتية وكسرها؛ أي: شماله، وحكي التشديد للسين لغة فيه عن ابن عباد، كما أوضحه في «عمدة القاري»، ((فجعلني عن يمينه)) ؛ أي: فحوَّلني إلى اليمين، ((فصلى)) ، وفي رواية: (وصلى) ، ((خمس ركعات)) ، وفي رواية: (عشرة ركعة) .

((ثم صلى ركعتين)) : فالجملة إحدى عشر ركعة؛ لأنَّه صلى أربعًا، ثم خمسًا، ثم ركعتين، وجاء عند المؤلف: (فكانت صلاته ثلاث عشرة ركعة) ، وجاء (أنها كانت ثلاث عشرة ركعة غير ركعتي الفجر، ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن؛ فقام فصلى ركعتين) ، وهي أكثر الروايات، ويجمع بينهما بأن من روى: (أحد عشرة) ؛ أسقط الأوليين وركعتي الفجر، ومن أثبت الأوليين؛ عدها ثلاث عشرة، ووقع هذا الاختلاف في «مسلم»، وقيل: إنَّ أكثر الروايات على أنه لم يصل قبل النوم وأنه صلى بعده ثلاث عشرة ركعة، فيحتمل أن نوم ابن عباس عنده عليه السلام كان وقوعًا [2] فذكر ذلك بعض من سمعه، قال في «عمدة القاري»: والمشهور أنها كانت واقعة واحدة.

((ثم نام)) عليه السلام ((حتى سمعت)) (حتى) للغاية هنا تقديره: (إلى أن سمعت) ، ((غَطِيطه)) ؛ بفتح المعجمة وكسر الطاء: صوت يخرجه النائم مع نفسه عند استثقاله، وما قاله ابن حجر ردَّه في «عمدة القاري».

((أو خَطِيطه)) ؛ بفتح المعجمة وكسر الطاء، بمعنى: الغطيط، وما قاله ابن بطال وتبعه عياض رده في «عمدة القاري»، والشكُّ من الراوي، ثم استيقظ عليه السلام، ((ثم خرج)) من المنزل، ((إلى الصلاة)) ولم يتوضأ.

فهذا من خصائصه عليه السلام؛ لأنَّ نومه مضطجعًا لا ينقض الوضوء؛ لأنَّ عينيه تنامان ولا ينام قلبه، فلو خرج حدث؛ لأحس به بخلاف غيره من الناس، وفي رواية: (ثم اضطجع فنام حتى نفخ فخرج فصلى الصبح ولم يتوضأ) ، وما قاله الكرماني رده في «عمدة القاري»، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام كذلك، كما أخرجه المؤلف في (الإسراء) .

وأما نومه عليه السلام في الوادي إلى أن طلعت الشمس؛ فلا ينافي هذا؛ لأنَّ الفجر والشمس إنَّما يدركان بالعين لا بالقلب، وقلبه كان مشغولًا بمراقبة ربه تعالى، ومن زعم أنه كان في وقت ينام قلبه فصادف ذلك؛ فهو بعيد.

وفي الحديث: جواز نوم الرجل مع امرأته في غير مواقعة بحضرة بعض محارمها وإن كان مميزًا، وجاء في رواية: (أنها كانت حائض [3] ) .

وفيه: أن صلاة الليل تسع ركعات؛ فإنَّ الأخيرتين سنة الصبح، والستة منها نافلة، وختمها بالوتر ثلاث ركعات.

وفيه: أن صلاة الصبي صحيحة.

وفيه: أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام وهو مذهبنا.

وفيه: جواز الصلاة خلف من لم ينو الإمامة وهو مذهبنا.

وفيه: جواز الجماعة في النافلة بواحد، ويكره إن كان على سبيل التداعي عند إمامنا الإمام الأعظم رضي الله عنه.

ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: (نام الغليم) ، أو ارتقاب ابن عباس لأحواله عليه السلام؛ إذ لا فرق بين التعلم من القول والتعلم من الفعل، فقد سمر ابن عباس ليلته في طلب العلم، وما زعمه ابن حجر وأتعب نفسه فيه فقد رده في «عمدة القاري» بما يطول، وهو موافق مقبول لأهل الأصول، فرحم الله هذا الإمام ما أغزر علمه وأوفر فهمه، ولا شك أنه علَّامة الأمصار [4] والأقطار المستمدُّ من فيض ربه المدرار عليه رحمة ربنا الكريم الغفار.

[1] في الأصل: (يبتت) .
[2] في الأصل: (دفوعا) .
[3] في الأصل (حائضة) وهذا خطأ.
[4] في الأصل (الإعصار) والسياق يقتضي ما أُثبت.