متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

116- وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال رحمه الله: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المُهمَلَة، وفتح الفاء (قَالَ: حَدَّثَنِي)؛ بالإفراد، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (اللَّيْثُ) بن سعدٍ، عالم [1] مصر، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد [2] (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ)، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: ((ابن مسافرٍ))؛ أي: الفهميُّ، مولى اللَّيث بن سعدٍ [3] ، أمير مصر لهشام بن عبد الملك، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئةٍ، وفي رواية غير أبي ذَرٍّ: ((حدَّثني اللَّيث، حدَّثه عبد الرَّحمن))؛ أي: أنَّه حدَّثه عبد الرَّحمن، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، (عَنْ سَالِمٍ)؛ أي: ابن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب، (وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ)؛ بفتح الحاء المُهمَلَة، وسكون المُثلَّثة، ولم يُخْرِج له المؤلِّف سوى هذا الحديث مقرونًا بسالمٍ، (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ)، وفي رواية الأربعة [4] : ((لنا))؛ بـ: «اللَّام» بدل «الباء»؛ يعني: إمامًا لنا، وإلَّا، فالصَّلاة لله لا لهم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عنِ الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((رسولُ الله)) بدل قوله: «النَّبيُّ» (صلى الله عليه وسلم الْعِشَاءَ)؛ بكسر العَيْن، والمدِّ؛ أي [5] : صلاة العشاء، (فِي آخِرِ حَيَاتِهِ) قبل موته عليه الصلاة والسلام بشهرٍ، (فَلَمَّا سَلَّمَ) من الصَّلاة؛ (قَامَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ)؛ أي: أخبروني، وهو من إطلاق [/ج1ص208/] السَّبب على المُسبَّب؛ لأنَّ مشاهدة هذه الأشياء طريقٌ إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقرِّرةٌ [6] ؛ أي: قد رأيتم ذلك، فأخبروني (لَيْلَتَكُمْ)؛ أي: شأن ليلتكم أو خبر ليلتكم (هَذِهِ)، هل تدرون ما يحدث بعدها من الأمور العجيبة؟ وتاء «أرأيتَكم» فاعلٌ، و«الكاف» حرف خطابٍ لا محلَّ له [7] من الإعراب، ولا تُستعمَل إلَّا في الاستخبار عن حالةٍ عجيبةٍ، و«ليلتَكم»؛ نصبُ مفعولٍ ثانٍ لـ: «أخبروني»، (فَإِنَّ رَأْسَ)، وللأَصيليِّ [8] وأبي ذَرٍّ وابن عساكر [9] : ((فإنَّ على رأس)) (مِئَةِ سَنَةٍ مِنْهَا)؛ أي: من تلك اللَّيلة (لَا يَبْقَى مِمَّنْ [10] هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ) ممَّن ترونه أو تعرفونه عند مجيئه، أو المُرَاد: أرضه التي بها نشأ ومنها بُعِث؛ كجزيرة العرب المشتملة على الحجاز وتهامة ونجدٍ، فهو على حدِّ قوله تعالى: {أو يُنْفَوْا من الأَرْضِ} [المائدة: 33] ؛ أي: بعض الأرض التي صَدَرَتِ الجنايةُ فيها، فليست «أل» للاستغراق، وبهذا يندفع قول من استدلَّ بهذا الحديث على موت الخضر عليه السلام، كالمؤلِّف وغيره، إذ يحتمل أن يكون الخضر في غير هذه الأرض المعهودة، ولئن سلَّمنا أنَّ «أل» للاستغراق؛ فقوله: «أحدٌ» عمومٌ محتملٌ [11] ؛ إذ على وجه الأرض الجنُّ والإنس، والعمومات يدخلها التَّخصيص بأدنى قرينةٍ، وإذا احتمل الكلام وجوهًا؛ سقط به الاستدلال، قاله الشَّيخ قطب الدِّين القسطلانيُّ، وقال النَّوويُّ: المُرَاد: أنَّ كلَّ من كان تلك اللَّيلة على وجه الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مئة سنةٍ، سواءٌ قلَّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفيُ حياة أحدٍ يُولَد بعد تلك اللَّيلة مئة سنةٍ.

[1] في (د): «إمام».
[2] في (د): «بالتَّوحيد».
[3] في (م): «سعيد»، وهو خطأ.
[4] في (ص): «للأربعة».
[5] في (د): «والمُرَاد».
[6] في (م): «تقرره».
[7] في غير (م): «لها».
[8] في (م): «غير الأصيليِّ»، وليس بصحيحٍ.
[9] «وأبي ذرٍّ وابن عساكر»: سقط من (س).
[10] في (ص): «من»، وهو خطأ.
[11] في (س): «يحتمل».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

116-. حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ، قالَ: حدَّثني [1] اللَّيْثُ، قالَ: حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ خالِدٍ [2] ، عن ابْنِ شِهابٍ، عن سالِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بنِ سُلَيْمانَ بنِ أَبِي حَثْمَةَ:

أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ، قالَ: صَلَّىَ بِنا [3] النَّبِيُّ [4] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العِشاءَ في آخِرِ حَياتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ، فقالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ علىَ رَأسِ [5] مائةِ سَنَةٍ منها لا يَبْقَىَ مِمَّنْ هو علىَ ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ».

[1] في رواية الأصيلي: «حدَّثنا».
[2] في رواية أبي ذر زيادة: «بن مسافر».
[3] هكذا في رواية السمعاني عن أبي الوقت ورواية عن [عط] أيضًا، وفي رواية أبي ذر والأصيلي ورواية ابن عساكر عن أبي الوقت وأخرىَ عن [عط] : «لنا».
[4] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «رسولُ الله». ونسبت في (ب، ص) إلىَ رواية السمعاني عن أبي الوقت بدل
الكُشْمِيْهَنِيِّ.
[5] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر: «فإنَّ رأسَ».





116- ( ابْنِ أَبِي حَثْمَةَ ) بحاء مهملة مفتوحة وثاء مثلثة ساكنة.

( أَرَأَيْتَكُمْ ) بفتح التاء، أي: أخبروني وأعلموني، والكاف للخطاب، ولا موضع له من الإعراب، و( هَذِهِ ) موضعه نصب، والجواب [ب:14] محذوف، التقدير: أرأيتكم ليلتكم هذه فاحفظوها واحفظوا تاريخها؛ فإن بعد انقضاء مئة سنة ( لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد ) أي: هو اليوم حي.

( والقرن ): كلُّ طبقة مقترنين في وقت [1] ، ومنه قيل لأهل كل مدَّة أو طبقة يبعث فيها نبي قلَّت السنون أم كثرت: قرن. قال الله تعالى: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ } [ مريم: 74 ] .

[1] ليس في المتن المساق هنا ذكر القرن، فما أدري لأي شيء شرحه في غير الموضع الذي ذكر فيه؟





116# (أَبِي حَثْمَةَ) بحاء مهملة مفتوحة وثاء مثلثة ساكنة.

(أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ) التاء في ((أرأيتكم)) فاعل، والكاف: حرف خطاب، هذا هو الصحيح، وهو قول سيبويه، ومعناه: أخبروني، ولا يستعمل إلا في الاستخبار [1] عن حالةٍ عجيبةٍ، ولا بد من استفهام ظاهر أو مقدَّر يبيِّن الحالةَ المستخبَرَ عنها، فالظاهر نحو [2] : {أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ [3] } [الأنعام:47]، والمقدر نحو: {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} [الإسراء:62]،

@%ج1ص104%

أي: أخبرني هل هو أفضل مني؟

فإن قلت: كيف تقدره في الحديث؟

قلتُ: أقدِّرُه هكذا: أرأيتكم ليلتكم هذه، هل تدرون ما يحدثُ بعدها من الأمور العجيبة؟

فإن قلتَ: إذا كان أرأيتكم بمعنى أخبروني، فعلى ماذا [4] ينصب ((ليلتَكم))؟

قلت: على [5] أنه مفعول ثان لأخبروني، وثَمَّ مضافٌ محذوف؛ أي: شأن ليلتكم، أو خبر ليلتكم [6] ، ولا يخفى عنك التقدير في نظائره.

(لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ) خبر ((إن)) من قوله: ((فإن رأس مئة سنة منها [7] ))، والرابط محذوف للعلم به؛ أي: عند مجيئه، وقد احتجَّ بهذا على موت الخَضِر.

وأجيب: بجواز ألا يكون على ظهرها إذ ذاك، أو أن المعنى: ممن ترونه وتعرفونه، وأراد بالبلد: المدينة.

[1] في (ق): ((الإخبار)).
[2] ((نحو)): ليست في (ق).
[3] (({إلا القوم الظالمون})): ليست في (م) و(ق). وفي (د) و(ج): (({القوم الفاسقون})).
[4] في (ق): ((ما)).
[5] ((على)): ليست في (ق).
[6] في (د): ((ليلتك)).
[7] في (د): ((فيها)). في (ج): ((منهما)).





116- قوله: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ): تقدَّم أنَّه بضمِّ العين المهملة، وفتح الفاء، ثمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثمَّ راء، (وأنَّه جدُّه، وأنَّ اسم أبيه كثير؛ بالمثلَّثة) [1] ، وتقدَّم بعض ترجمة سعيد.

قوله: (حَدَّثَنِي اللَّيْثُ): هو أشهر من أن تُذكَر ترجمته، واسم أبيه سعد مشهور جدًّا، قال الشَّافعيُّ: (إنَّه أفقه من مالك، ولكنَّ أصحابه أضاعوه) ، وقد تقدَّم.

قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ): تقدَّم مرارًا أنَّه الزُّهريُّ محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، العالم المشهور، شيخ الإسلام.

قوله: (عَنْ سَالِمٍ): هو سالم بن عَبْد الله [2] بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، أحد الفقهاء السبعة على قول، عن أبيه، وأبي هريرة، وعنه: الزُّهريُّ، وصالح بن كيسان، قال مالك: (لَمْ يكن أحد في زمن سالم أشبه من مضى في الزهد، والفضل، والعيش الخشن منه) ، توفِّي سنة (106 هـ ) ، أخرج له الجماعة، تقدَّم رحمة الله عليه.

قوله [3] : (ابن أَبِي حَثمَةَ): هو بفتح الحاء المهملة، ثمَّ ثاء [4] مثلَّثة ساكنة.

قوله: (فِي آخِرِ حَيَاتِهِ): جاء مُبيَّنًا في «الصَّحيح» من حديث جابر قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قبل أن يموت بشهر: «يسألوني عنِ الساعة، وإنَّما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على [5] الأرض من نفس منفوسة -أَي: مولودة- يأتي [6] عليها مئة سنة»، وفي رواية: «وهي حيَّة يومئذ»، وهو علم من أعلام نبوَّته.

تنبيه: معنى الحديث: أنَّ كل نفس منفوسة كانت تلك اللَّيلة على ظهر الأرض لا تعيش بعدها أكثر من مئة سنة، سواء قلَّ عمرها قبلُ أم كثُر، وليس فيه عيش أحد بعد تلك اللَّيلة فوق مئة سنة كما فهمه بعضهم وحاجج فيه، وأخبرني شيخنا الحافظ العراقي: أنَّ الشَّيخ الإمام شمس الدين بن [7] النقَّاش القاهريَّ كان يقول ذلك، انتهى؛ والمعنى: أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام وعظهم بقصر أعمارهم، بخلاف غيرهم من سالف الأمم.

وبهذا الحديث استدلَّ البخاريُّ ومن قال بقوله على موت الخضر، وأجيب عنه بأجوبة ليست ظاهرة، ويستدلُّ أيضًا له (ولمن قال بقوله) [8] بالحديث المتقدِّم في «صحيح مسلم»: «إنَّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلَّا غُبَّرات من أهل الكتاب»، والله أعلم [9] ، وقد تقدَّم الكلام على الخضر وما يتعلَّق به قبل هذا.

قوله: (أَرَأَيْتَكُمْ): هو بفتح التَّاء للمذكَّر والمؤنَّث، والجمع والمفرد، وهي كلمة تقولها العرب إذا أرادت الاستخبار؛ يعني: أخبروني وأعلموني، والكاف حرف خطاب.

[1] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[2] زيد في (ج): (بن عبد الله) .
[3] زيد في (ج): (عن) ، ولا يصح.
[4] (ثاء): ليس في (ج) .
[5] زيد في (ب): (وجه) .
[6] في (ج): (تأتي) .
[7] (بن): ليس في (ب) .
[8] ما بين قوسين ليس في (ب) و (ج) .
[9] (أعلم): ليس في (ب) .





116- (أَرَأَيْتَكُمْ): بفتحِ الخطابِ بمعنى: الإبصارِ، وسيأتي كلامُ الأصفهانيِّ [خ¦601] ، (لَيْلَتَكُمْ) مفعولٌ به، و (كُمْ) حرف لا محلَّ له من الإعراب، ولو كان اسمًا؛ لكانَ مفعولَ (رَأَيْتَ) ؛ فيجبُ أنْ يُقالَ: أرأيتُموكُم؛ لأنَّ الخطابَ لجماعةٍ، وإذا كان لجماعةٍ؛ وَجَبَ أنْ يكونَ بالتَّاءِ والميمِ كما في (علمتموكم) ؛ [1] رعايةً للمطابقة.

فإنْ قلتَ: فهذا يَلزمُكَ أيضًا في التاء، فإنَّ التاء اسم، فينبغي أن تكونَ (أرأيتموكم).

قلتُ: لمَّا كان الكافُ والميمُ لمجرَّدِ الخطاب؛ اخْتُصِرت عنِ التَّاءِ والميمِ بالتاءِ وحدَها؛ للعِلْمِ بأنَّه جَمْعٌ بقولِ: كُم، والفرقُ بينَ حرفِ الخطاب واسمِ الخطاب: أنَّ الاسمَ يقعُ مسندًا ومسندًا إليه، والحرف علامةٌ تُستعملُ معَ استقلالِ الكلام واستغنائِهِ عنها باعتبارِ المسندِ والمسندِ إليه، فوِزَانُها وِزَانُ التَّنوينِ وياءِ النِّسبةِ، وأيضًا اسمُ الخطابِ يدُلُّ على عينِ ومعنى الخطاب، وحرفُه لا يدُلُّ إلَّا على الثَّاني، انتهى كلامُ الكرمانيِّ.

وقال غيرُه: (أَرَأَيْتَكُم): للاستفهام والاستخبار، وهي كلمةٌ تقولُها العرب إذا أرادتِ الاستخبارَ، وهي بفتحِ التَّاءِ للمذكَّرِ والمؤنَّثِ، والجمعِ والمفردِ، تقولُ: أرأيتَكَ، وأرأيتَكِ، وأرأيتَكُما، وأرأيتَكُم؛ والمعنى: أخبرني [2] أو أخبريني... وكذا باقيهنَّ، فإِنْ أردتَ معنى الرُّؤيةِ؛ أنَّثْتَ، وجَمَعْتَ.

وقد أطال السَّمينُ النَّفَسَ على (أَرَأَيْتَكُم) في «إعرابه» في سورة (الأنعام)، فانظرْه؛ فإنَّه مفيدٌ، رحمه الله تعالى.[/ص29/]

(هَذِهِ): موضعُه نَصْبٌ، قال الزَّركشيُّ: (والجوابُ محذوفٌ؛ التَّقديرُ: أرأيتَكُم ليلتَكُم هذِه فاحفَظُوها واحفَظُوا تارِيخَها؛ فإنَّ بعدَ انقضاءِ مئةِ سنةٍ لا يَبقى ممَّنْ هوَ على ظهرِ الأرضِ أَحَدٌ؛ أي: هوَ اليومَ حَيٌّ) انتهى.

(فَإِنَّ عَلَى رَأْس): اسمُ (إِنَّ) ضميرُ الشَّأنِ.

(مِنْهَا): استدلَّ بعضُ أهلِ اللُّغةِ بقوله: (مِنْهَا) على أنَّ (مِنْ) تكونُ لابتداءِ الغايةِ في الزَّمانِ؛ كـ (مُذْ)، وهو مذهبٌ كوفيٌّ.

وقال البصريُّونَ: لا تدخلُ (مِنْ) إلَّا على المكان، و (منذ) في الزَّمانِ نظيرُ (مِنْ) في المكان، وتأوَّلوا ما جاءَ على خِلافِه؛ مثل قوله تعالى: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} [التوبة: 108] ؛ أي: مِنْ أيَّامِ وجودِه؛ كما قدَّرَهُ الزَّمخشريُّ، أو: مِنْ تأسيسِ أوَّلِ يومٍ؛ كما قدَّرَهُ الفارسيُّ، وضُعِّفَ بأنَّ التَّأسيسَ ليسَ بمكان [3] ، ومثلُه قولُ عائشةَ: (وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ مَا قِيْلَ)، وقولُ أنسٍ: (فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الدَّبَّاءِ مِنْ يَوْمِئِذٍ)، وقولُ بعضِ الصحابةِ: (مُطِرْنا مِنَ الجمعةِ إلى الجمعةِ).

[1] زيد في (أ): (فأعني)، وفي (ب): (فأعين)؟.
[2] في (أ) و(ب): (أخبروني).
[3] في النسختين: (ثمَّ كان)، وهو خطأ، والتصحيح من مصدره، والذي ضعَّف هذا التقدير هو أبو البقاء في «إملاء ما منَّ به الرحمن» (ص318)، وتعقَّبه السمينُ في «الدر المصون» (6/122) فقال: (قلتُ: البصريون إنما فَرُّوا مِنْ كونِها لابتداء الغاية في الزمان، وليس في هذه العبارة ما يقتضي أنَّها لا تكونُ إلَّا لابتداء الغاية في المكان حتى يُرَدَّ عليهم بما ذُكِر، والخلافُ في هذه المسألة قويٌّ، ولأبي عليٍّ فيها كلامٌ طويلٌ)، وقال ابن عطية في «المحرر» (7/38): (ويَحْسُنُ عندي أنْ يُسْتغنى عن تقديرٍ، وأنْ تكونَ {مِنْ} تجرُّ لفظةَ {أول}؛ لأنَّها بمعنى البداءة؛ كأنَّه قال: مِنْ مبتدأِ الأيَّامِ... وقد حُكيَ لي هذا الذي اخترتُه عن بعضِ أئمَّةِ النَّحْوِ)، وانظر الخلاف في المسألة في «الإنصاف» (1/317-21)، «شرح المفصل» (8/10-2)، «شرح الرضي على الكافية» (4/263-64)، «مغني اللبيب» (ص419-20)، «أوضح المسالك» (3/21-2)، «الجامع لأحكام القرآن» (10/380)، «خزانة الأدب» (9/439-41)، وانظر كلام المصنف بحروفه في «التوضيح» (3/584)، «عمدة القاري» (2/176).





116- وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال رحمه الله: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المُهمَلَة، وفتح الفاء (قَالَ: حَدَّثَنِي)؛ بالإفراد، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (اللَّيْثُ) بن سعدٍ، عالم [1] مصر، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد [2] (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ)، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: ((ابن مسافرٍ))؛ أي: الفهميُّ، مولى اللَّيث بن سعدٍ [3] ، أمير مصر لهشام بن عبد الملك، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئةٍ، وفي رواية غير أبي ذَرٍّ: ((حدَّثني اللَّيث، حدَّثه عبد الرَّحمن))؛ أي: أنَّه حدَّثه عبد الرَّحمن، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، (عَنْ سَالِمٍ)؛ أي: ابن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب، (وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ)؛ بفتح الحاء المُهمَلَة، وسكون المُثلَّثة، ولم يُخْرِج له المؤلِّف سوى هذا الحديث مقرونًا بسالمٍ، (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ)، وفي رواية الأربعة [4] : ((لنا))؛ بـ: «اللَّام» بدل «الباء»؛ يعني: إمامًا لنا، وإلَّا، فالصَّلاة لله لا لهم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عنِ الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((رسولُ الله)) بدل قوله: «النَّبيُّ» (صلى الله عليه وسلم الْعِشَاءَ)؛ بكسر العَيْن، والمدِّ؛ أي [5] : صلاة العشاء، (فِي آخِرِ حَيَاتِهِ) قبل موته عليه الصلاة والسلام بشهرٍ، (فَلَمَّا سَلَّمَ) من الصَّلاة؛ (قَامَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ)؛ أي: أخبروني، وهو من إطلاق [/ج1ص208/] السَّبب على المُسبَّب؛ لأنَّ مشاهدة هذه الأشياء طريقٌ إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقرِّرةٌ [6] ؛ أي: قد رأيتم ذلك، فأخبروني (لَيْلَتَكُمْ)؛ أي: شأن ليلتكم أو خبر ليلتكم (هَذِهِ)، هل تدرون ما يحدث بعدها من الأمور العجيبة؟ وتاء «أرأيتَكم» فاعلٌ، و«الكاف» حرف خطابٍ لا محلَّ له [7] من الإعراب، ولا تُستعمَل إلَّا في الاستخبار عن حالةٍ عجيبةٍ، و«ليلتَكم»؛ نصبُ مفعولٍ ثانٍ لـ: «أخبروني»، (فَإِنَّ رَأْسَ)، وللأَصيليِّ [8] وأبي ذَرٍّ وابن عساكر [9] : ((فإنَّ على رأس)) (مِئَةِ سَنَةٍ مِنْهَا)؛ أي: من تلك اللَّيلة (لَا يَبْقَى مِمَّنْ [10] هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ) ممَّن ترونه أو تعرفونه عند مجيئه، أو المُرَاد: أرضه التي بها نشأ ومنها بُعِث؛ كجزيرة العرب المشتملة على الحجاز وتهامة ونجدٍ، فهو على حدِّ قوله تعالى: {أو يُنْفَوْا من الأَرْضِ} [المائدة: 33] ؛ أي: بعض الأرض التي صَدَرَتِ الجنايةُ فيها، فليست «أل» للاستغراق، وبهذا يندفع قول من استدلَّ بهذا الحديث على موت الخضر عليه السلام، كالمؤلِّف وغيره، إذ يحتمل أن يكون الخضر في غير هذه الأرض المعهودة، ولئن سلَّمنا أنَّ «أل» للاستغراق؛ فقوله: «أحدٌ» عمومٌ محتملٌ [11] ؛ إذ على وجه الأرض الجنُّ والإنس، والعمومات يدخلها التَّخصيص بأدنى قرينةٍ، وإذا احتمل الكلام وجوهًا؛ سقط به الاستدلال، قاله الشَّيخ قطب الدِّين القسطلانيُّ، وقال النَّوويُّ: المُرَاد: أنَّ كلَّ من كان تلك اللَّيلة على وجه الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مئة سنةٍ، سواءٌ قلَّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفيُ حياة أحدٍ يُولَد بعد تلك اللَّيلة مئة سنةٍ.

[1] في (د): «إمام».
[2] في (د): «بالتَّوحيد».
[3] في (م): «سعيد»، وهو خطأ.
[4] في (ص): «للأربعة».
[5] في (د): «والمُرَاد».
[6] في (م): «تقرره».
[7] في غير (م): «لها».
[8] في (م): «غير الأصيليِّ»، وليس بصحيحٍ.
[9] «وأبي ذرٍّ وابن عساكر»: سقط من (س).
[10] في (ص): «من»، وهو خطأ.
[11] في (س): «يحتمل».





116- ( حَثْمَةَ ): بفتح المهملة وسكون المثلَّثة.

( صَلَّى لَنَا ) أي: إمامًا، وفي رواية: «بنا».

( فِي آخِرِ حَيَاتِهِ ) في رواية جابر: «أنَّه كان قبل موته بشهر».

( أَرَأَيْتَكَمْ ): بفتح التَّاء ضمير المخاطب والكاف كذلك، ولا محلَّ لها من الإعراب والهمزة للاستفهام، والرُّؤية بمعنى: العلم أو البصر.

ومحلُّ ( هذه ) نُصِب مفعولًا، والجواب محذوف، أي: قالوا: نعم، قال: فاحفظوها واحفظوا تاريخها.

( فَإِنَّ رَأْسَ ) للأَصِيلي: «على رأس»، أي: عند رأس.

( مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ ): إلى الآن.

( أَحَدٌ ) إذ ذاك. [/ج1ص277/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

116# ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، دثَنِي اللَّيْثُ، دثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ

@%ص234%

ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، قَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِئَةِ سَنَةٍ، لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ».

وزاد فيه في «الصلاة» في «باب السمر في الفقه»: «فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مئة سنة، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض، يريد بذلك: أنها تخرم ذلك القرن».

وقال مسلم فيه عن جابر: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بشهر: تسألوني عن الساعة؟ وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مئة سنة».

وفي لفظ: «ما من نفس منفوسة اليوم تأتي عليها مئة سنة وهي حية يومئذ»، وفسرها عبد الرحمن صاحب السقاء: نقص العمر.

وفي رواية: «تبلغ مئة سنة».

وأخرج عن أبي سعيد: «لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك سألوه عن الساعة، فقال: لا تأتي مئة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم».

لم يخرج البخاريُّ عن جابر وأبي سعيد في هذا شيئاً [1].

[1] هذا التخريج بطوله بعد الحديث كتب بهامش الأصل، وأشير إليه بلحق.





116# قوله عليه الصلاة والسَّلام: (فإنَّ على [1] رَأسِ مِئَةِ سَنَةٍ): وهو علم من أعلام النُّبوَّة، ومعنى الحديث: أنَّ كلَّ نفس منفوسة على الأرض لا تعيش بعدها أكثر من مئة سنة، والمعنى: أنَّه عليه الصلاة والسَّلام وعظهم بقصر أعمارهم، بخلاف غيرهم من سالفة [2] الأمم.

[1] (على): صح سقوطها في رواية أبي ذر الهروي والأصيلي وابن عساكر.
[2] في (أ): (سالف).





116- وبه قال: ((حدثنا سعيد بن عُفَير)) ؛ بضم العين المهملة وفتح الفاء، ((قال: حدثني)) ؛ بالإفراد، وفي رواية: بالجمع، ((الليث)) : هو ابن سعد، ((قال: حدثني)) ؛ بالإفراد، ((عبد الرحمن بن خالد)) ، زاد في رواية: (ابن مسافر) ؛ أي: أبو خالد الفهمي مولى الليث بن سعد أمير مصر لهشام بن عبد الملك، كانت ولايته على مصر سنة ثمان عشرة ومئة، وشهد جده فتح بيت المقدس مع عمر بن الخطاب المتوفى سنة سبع وعشرين ومئة، وجده مسافر قد دفن في ديارنا الشريفة الشامية في قهوة الجنينة الكبرى عند جامع يلبغا، والجاري على لسان الأعوام ابن مسافر، ولعلَّه خالد أو عبد الرحمن المذكور فنسب لجده؛ لشهرته به، والظاهر: الأول فيحرر.

((عن ابن شهاب)) : محمد بن مسلم الزهري، ((عن سالم)) ؛ أي: ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ((وأبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة)) ؛ بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة، واسمه عبد الله بن حذيفة أو عدي بن كعب ابن حذيفة القرشي العدوي، ((أن عبد الله بن عمر)) بن الخطاب رضي الله عنهما.

((قال: صلى بنا النبي)) الأعظم، وفي رواية: (لنا رسول الله) ؛ باللام بدل الموحدة يعني: صلى إمامًا لنا، وإلا؛ فالصلاة لله لا لهم، ((صلى الله عليه وسلم العِشاء)) ؛ بكسر العين المهملة وبالمد؛ أي: صلاة العشاء التي وقتها بعد غروب الشفق، وبفتح العين والمد: الطعام.

((في آخر حياته)) ، وفي رواية جابر: (إن ذلك كان قبل موته عليه السلام بشهر) ، ((فلما سلم)) من الصلاة، ((قام)) جواب لما، ((فقال: أرَأيتكم)) ؛ بهمزة الاستفهام وفتح الراء؛ أي: أخبروني، فهو من إطلاق السبب على المسبب؛ لأنَّ مشاهدة هذه الأشياء طريق إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقررة؛ أي: قد رأيتم ذلك فأخبروني، وما زعمه ابن حجر ردَّه في «عمدة القاري» بما يطول.

((ليلتكم)) ؛ أي: شأن ليلتكم أو خبر (ليلتكم) ، ((هذه)) هل تدرون ما يحدث بعدها من الأمور العجيبة، وتاء (أرأيتكم) : فاعل، والكاف: حرف خطاب لا محل لها من الإعراب، و (ليلتَكم) ؛ بالنصب مفعول ثان لـ (أخبروني) ، والاستفهام ليس بحقيقي؛ فلا يحتاج إلى جواب، خلافًا لمن زعمه، و (أرأيتُكم) لا تستعمل إلَّا في الاستخبار عن الأمر العجيب؛ بفتح التاء للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والجمع، فإن أردت معنى الرؤية؛ أنثت وجمعت، والفرق بين الخطاب واسم الخطاب الثاني يدلُّ على عين ومعنى الخطاب وصرفه لا يدل إلا على الخطاب كالتنوين وياء النسبة، وتوضيحه في «عمدة القاري».

((فإن رأس)) ، وللأصيلي: (فإن على رأس) ، ((مئة سنة منهما)) ؛ أي: من تلك الليلة، ((لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) ممن ترونه أو تعرفونه عند مجيئه، أو المراد بالأرض: البلدة التي هو فيها، قال تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً} [النساء: 97] يريد المدينة المنورة، وقوله: (ممن هو على ظهر الأرض) احتراز عن الملائكة، والمراد أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مئة سنة سواء قلَّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد بعد تلك الليلة فوق مئة، فوعظهم عليه السلام بقصر أعمارهم، وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأمم؛ ليجتهدوا في العبادة.

واستدل [1] به المؤلف وغيره على موت الخضر والجمهور على خلافه، ومن قال به؛ أجاب عن الحديث بأنه من ساكني البحر فلا يدخل في الحديث، ومن قال: إن معنى الحديث لا يبقى ممن ترونه وتعرفونه؛ فالحديث عام أريد به الخصوص، ولا يرد عيسى عليه السلام وإبليس لعنه الله؛ لأنَّ المراد ممن على ظهر الأرض أمة محمد النبي الأعظم عليه السلام، وكل من على ظهرها من المسلمين والكفار أمته؛ أمَّا الأول: فإنَّهم أمة إجابة، وأما الثاني؛ فإنَّهم أمة دعوة، وعيسى والخضر ليسا داخلين في الأمة، وأما الشيطان فإنه ليس من بني آدم، كذا قرره الشيخ الإمام بدر الدين العيني، وأجاب القسطلاني: بأن المراد أرضه التي نشأ بها ومنها بعث كجزيرة العرب المشتملة على الحجاز، وتهامة، ونجد، فليست (أل) للاستغراق، فالخضر في غير هذه الأرض المعهودة فلا يدخل تحت الحديث.

قلت: وهو مأخوذ من كلام الكرماني وأجاب عن عيسى: بأنه في السماء، وعن إبليس بأنه في الهواء أو النار وهو تعسُّفٌ، والتحقيق ما ذكره في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

واستدل من الحديث: جواز السمر في الليل ويعارضه ما عند المؤلف عن أبي برزة: (أن رسول الله عليه السلام كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها) ؛ فهذا يدل على المنع مطلقًا فالحديث المتقدم[/ص73/] يدل على الجواز فيخص العموم فيما عدا العلم والخبر وما عداهما؛ فذهب الأكثر إلى كراهته منهم أبو هريرة وابن عباس، وكتب عمر رضي الله عنه: أن لا ينام قبل أن يصليها فمن نام؛ فلا نامت عينه، وهو قول أئمتنا الأعلام، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، ومالك، والشافعي، ورخص طائفة فيه روي ذلك عن علي: أنه كان ربما غفي قبل العشاء.

وكان ابن عمر ينام ويوكِّل من يوقظه، وعن عروة وابن سيرين: أنهما كانا ينامان نومة قبل العشاء، واحتجَّ لهم بأن الكراهة لمن خشي تفويتها وتفويت الجماعة فيها.

[1] في الأصل: (وستدل) .