متن الصحيح الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

115- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل المروزيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو ستٍّ وعشرين ومئتين، وانفرد المؤلِّف به عن السِّتَّة، (قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، (عَنْ مَعْمَرٍ)؛ بفتح الميمين، وسكون العين بينهما، ابن راشدٍ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، (عَنْ هِنْدٍ) بنت الحارث الفِراسيَّة؛ بكسر الفاء، وبالسِّين المُهمَلَة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((عنِ امرأةٍ)) بدلها، (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هندٍ، وقِيلَ: رملة أمِّ المؤمنين بنت سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر [1] بن مخزومٍ، وورثت [2] عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علمًا كثيرًا، لها في «البخاريِّ» أربعة أحاديث، وتُوفِّيت سنة تسعٍ وخمسين رضي الله عنها، (وَعَمْرٌو) بالرَّفع على الاستئناف، والمعنى: أنَّ ابن عُيَيْنَةَ حدَّث عن معمرٍ عن الزُّهريِّ، ثمَّ قال: «وعمرٌو»، وكأنَّه حدَّث [/ج1ص207/] بحذف صيغة الأداء، كما هي عادته، ويجوز الجرُّ في «عمرٍو»؛ عطفًا على «معمرٍ»، وهو الذي في «الفرع» كـ: «أصله» مُصحَّحًا عليه، قال القاضي عياضٌ: والقائل: «وعمرٍو»؛ هو ابن عُيَينة. و«عمرٌو» هذا هو ابن دينار، (وَيَحْيَى بْن سَعِيدٍ)؛ هو الأنصاريُّ لا القطَّان؛ إذ هو لم يلقَ الزُّهريَّ حتَّى يكون سمع منه، (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ)، وفي رواية الأربعة [3] : ((عنِ امرأةٍ)) بدل قوله في هذا الإسناد الثَّاني: «عن هندٍ»، وفي هامش «فرع اليونينيَّة»: (لَهي)، ووقع عند الحَمُّوييِّ والمُستملي في الطَّريق الثَّاني: ((عن هندٍ عن أمِّ سلمة))، كما في الحديث قبله، ولغيرهما: ((عنِ امرأةٍ))، قال: وفي نسخةٍ صحيحةٍ مرقومٍ على قوله: ((عنِ امرأةٍ)) علامة أبي الهيثم، والأَصيليِّ، وابن عساكر، وابن السَّمعاني في أصل سماعه عن [4] أبي الوقت في خانقاه السُّمَيْسَاطيِّ. انتهى. والحاصل: أنَّ الزُّهريَّ ربَّما أبهمها وربُّما سمَّاها، (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) رضي الله عنها أنَّها (قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ)؛ أي: تيقَّظ، والسِّين هنا ليس [5] للطَّلب؛ أي: انتبَهَ (النَّبِيُّ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ)؛ أي: في ليلةٍ، ولفظ: «ذاتَ» زِيدَت؛ للتَّأكيد، وقال جار الله: هو من إضافة المُسمَّى إلى اسمه، وكان عليه الصلاة والسلام في بيت أُمِّ سلمة؛ لأنَّها كانت ليلتها، (فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا): استفهامٌ متضمِّنٌ معنى التَّعجُّب؛ لأنَّ «سبحان» تُستعمَل له، (أُنْزِلَ)؛ بضمِّ الهمزة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((أَنْزَلَ الله)) (اللَّيْلَةَ) بالنَّصب ظرفًا لـ: «لإنزال»، (مِنَ الْفِتَنِ؟ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟) عبَّر عنِ العذاب بـ: «الفتن»؛ لأنَّها أسبابه، وعن الرَّحمة بـ: «الخزائن»؛ لقوله تعالى: {خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} [ص: 9] ، واستعمل المجاز في الإنزال، والمُرَاد به: إعلام الملائكة بالأمر المقدور [6] ، وكأنَّه صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنَّه سيقع بعده فتنٌ، وتُفتَح لهمُ الخزائن، أو أوحى الله تعالى [7] إليه ذلك قبل النَّوم، فعبَّر عنه بـ: «الإنزال»، وهو من المعجزات، فقد فُتِحت خزائن فارسٍ والرُّوم وغيرهما، كما أخبر عليه الصلاة والسلام، (أَيْقِظُوا)؛ بفتح الهمزة؛ أي: نبِّهوا (صَوَاحِب)، وفي روايةٍ: ((صواحبات)) (الْحُجَرِ)؛ بضمِّ الحاء، وفتح الجيم، جمع حُجْرَةٍ؛ وهي منازل أزواجه رضي الله عنهن [8] ، وخصَّهنَّ؛ لأنَّهنَّ الحاضرات حينئذٍ، (فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا) أثوابًا رقيقةً لا تمنع إدراك البشرة، أو نفيسةً، (عَارِيَةٍ)؛ بتخفيف الياء، والجرِّ، والرَّفع: للأَصيليِّ؛ أي: مُعَاقَبَةٍ (فِي الآخِرَةِ) بفضيحة التَّعرِّي، أو عاريةٍ من الحسنات في الآخرة، فندبهنَّ بذلك إلى الصَّدقة وترك السَّرف، ويجوز في «عاريةٍ» الجرُّ على النَّعت؛ لأنَّ «رُبَّ» عند سيبويه حرف جرٍّ يلزم صدر الكلام، والرَّفع بتقدير: هي، والفعل الذي يتعلَّق به «رُبَّ» محذوفٌ، واختار الكسائيُّ أن يكون [9] «رُبَّ» اسمًا مُبتدَأً، والمرفوع خبرها، وهي هنا للتَّكثير، وفعلها الذي تتعلَّق به ينبغي أن يكون محذوفًا غالبًا، والتَّقدير: رُبَّ كاسيةٍ عاريةٍ عرفتها.

والحديث يأتي في «الفتن» [خ¦7069] إن شاء الله تعالى.

[1] في غير (ص) و(م): «عمرو».
[2] في (م): «روت».
[3] زِيدَ في (د): «عط ه ص س ط».
[4] في (ص) و(م) «على».
[5] في (م): «ليست هنا».
[6] في (د) و(ص): «المقدر».
[7] «الله تعالى»: سقط من (ص) و(م).
[8] في (ب) و(س): «صلَّى الله عليه وسلَّم».
[9] في غير (د): «تكون».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

115-. حدَّثنا صَدَقَةُ: أخبَرَنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن هِنْدٍ، عن أُمِّ سَلَمَةَ. و [1] عَمْرٍو وَيَحْيَىَ بنِ سَعِيدٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن هِنْدٍ [2] :

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ [3] : اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ [4] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذاتَ لَيْلَةٍ فقالَ: «سُبْحانَ اللَّهِ! ماذا أُنْزِلَ [5] اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ، وَماذا فُتِحَ مِنَ الخَزائِنِ! أَيْقِظُوا صَواحِباتِ [6] الحُجَرِ؛ فَرُبَّ كاسِيَةٍ في الدُّنْيا عارِيَةٍ [7] في الآخِرَةِ».

[1] صحَّح هنا في اليونينيَّة.
[2] في رواية الأصيلي ورواية ابن عساكر عن أبي الوقت ورواية [عط] ورواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عن الزهري عن امرأة». وبهامش اليونينية: «قال عياض: حديث صدقة عن ابن عيينة عن معمر عن الزهري عن هند عن أم سلمة، وعمرو ويحيىَ بن سعيد عن الزهري عن امرأة عن أم سلمة، عمرو هنا وما بعده مخفوض معطوف علىَ معمر، والقائل: «وعمرو» هو ابن عيينة. ووقع عند الحَمُّويِي والمستملي في الطريق الثاني: عن هند عن أم سلمة، كما ذكر في الحديث قبله، ولغيرهما: «عن امرأة عن أم سلمة» هذا آخر كلامه. ورأيت في نسخة صحيحة مرقومًا علىَ «عن امرأة»: (ه) هكذا علامة أبي الهيثم، وكذلك هو عند الحفاظ الثلاثة: الأصيلي والدِّمشقي [يعني: ابن عساكر] وابن السمعاني في أصل سماعه علىَ أبي الوقت في خانكاه السِّمِيساطي، وهذا اصطلاح ما وقع عنده في أصولهم: ص للأصيلي، س لابن عساكر، ط لابن السمعاني علىَ هذه الصورة.اهـ.
[3] لفظة: «قالت» ثابتة في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا.
[4] في رواية أبي ذر و [عط] : «رسولُ الله».
[5] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «ماذا أنزلَ اللهُ».
[6] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وفي رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «صواحب».
[7] في رواية الأصيلي: «عاريةٌ» بالرفع.





115- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل المروزيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو ستٍّ وعشرين ومئتين، وانفرد المؤلِّف به عن السِّتَّة، (قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، (عَنْ مَعْمَرٍ)؛ بفتح الميمين، وسكون العين بينهما، ابن راشدٍ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، (عَنْ هِنْدٍ) بنت الحارث الفِراسيَّة؛ بكسر الفاء، وبالسِّين المُهمَلَة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((عنِ امرأةٍ)) بدلها، (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هندٍ، وقِيلَ: رملة أمِّ المؤمنين بنت سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر [1] بن مخزومٍ، وورثت [2] عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم علمًا كثيرًا، لها في «البخاريِّ» أربعة أحاديث، وتُوفِّيت سنة تسعٍ وخمسين رضي الله عنها، (وَعَمْرٌو) بالرَّفع على الاستئناف، والمعنى: أنَّ ابن عُيَيْنَةَ حدَّث عن معمرٍ عن الزُّهريِّ، ثمَّ قال: «وعمرٌو»، وكأنَّه حدَّث [/ج1ص207/] بحذف صيغة الأداء، كما هي عادته، ويجوز الجرُّ في «عمرٍو»؛ عطفًا على «معمرٍ»، وهو الذي في «الفرع» كـ: «أصله» مُصحَّحًا عليه، قال القاضي عياضٌ: والقائل: «وعمرٍو»؛ هو ابن عُيَينة. و«عمرٌو» هذا هو ابن دينار، (وَيَحْيَى بْن سَعِيدٍ)؛ هو الأنصاريُّ لا القطَّان؛ إذ هو لم يلقَ الزُّهريَّ حتَّى يكون سمع منه، (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ)، وفي رواية الأربعة [3] : ((عنِ امرأةٍ)) بدل قوله في هذا الإسناد الثَّاني: «عن هندٍ»، وفي هامش «فرع اليونينيَّة»: (لَهي)، ووقع عند الحَمُّوييِّ والمُستملي في الطَّريق الثَّاني: ((عن هندٍ عن أمِّ سلمة))، كما في الحديث قبله، ولغيرهما: ((عنِ امرأةٍ))، قال: وفي نسخةٍ صحيحةٍ مرقومٍ على قوله: ((عنِ امرأةٍ)) علامة أبي الهيثم، والأَصيليِّ، وابن عساكر، وابن السَّمعاني في أصل سماعه عن [4] أبي الوقت في خانقاه السُّمَيْسَاطيِّ. انتهى. والحاصل: أنَّ الزُّهريَّ ربَّما أبهمها وربُّما سمَّاها، (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) رضي الله عنها أنَّها (قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ)؛ أي: تيقَّظ، والسِّين هنا ليس [5] للطَّلب؛ أي: انتبَهَ (النَّبِيُّ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ)؛ أي: في ليلةٍ، ولفظ: «ذاتَ» زِيدَت؛ للتَّأكيد، وقال جار الله: هو من إضافة المُسمَّى إلى اسمه، وكان عليه الصلاة والسلام في بيت أُمِّ سلمة؛ لأنَّها كانت ليلتها، (فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا): استفهامٌ متضمِّنٌ معنى التَّعجُّب؛ لأنَّ «سبحان» تُستعمَل له، (أُنْزِلَ)؛ بضمِّ الهمزة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((أَنْزَلَ الله)) (اللَّيْلَةَ) بالنَّصب ظرفًا لـ: «لإنزال»، (مِنَ الْفِتَنِ؟ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟) عبَّر عنِ العذاب بـ: «الفتن»؛ لأنَّها أسبابه، وعن الرَّحمة بـ: «الخزائن»؛ لقوله تعالى: {خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} [ص: 9] ، واستعمل المجاز في الإنزال، والمُرَاد به: إعلام الملائكة بالأمر المقدور [6] ، وكأنَّه صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنَّه سيقع بعده فتنٌ، وتُفتَح لهمُ الخزائن، أو أوحى الله تعالى [7] إليه ذلك قبل النَّوم، فعبَّر عنه بـ: «الإنزال»، وهو من المعجزات، فقد فُتِحت خزائن فارسٍ والرُّوم وغيرهما، كما أخبر عليه الصلاة والسلام، (أَيْقِظُوا)؛ بفتح الهمزة؛ أي: نبِّهوا (صَوَاحِب)، وفي روايةٍ: ((صواحبات)) (الْحُجَرِ)؛ بضمِّ الحاء، وفتح الجيم، جمع حُجْرَةٍ؛ وهي منازل أزواجه رضي الله عنهن [8] ، وخصَّهنَّ؛ لأنَّهنَّ الحاضرات حينئذٍ، (فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا) أثوابًا رقيقةً لا تمنع إدراك البشرة، أو نفيسةً، (عَارِيَةٍ)؛ بتخفيف الياء، والجرِّ، والرَّفع: للأَصيليِّ؛ أي: مُعَاقَبَةٍ (فِي الآخِرَةِ) بفضيحة التَّعرِّي، أو عاريةٍ من الحسنات في الآخرة، فندبهنَّ بذلك إلى الصَّدقة وترك السَّرف، ويجوز في «عاريةٍ» الجرُّ على النَّعت؛ لأنَّ «رُبَّ» عند سيبويه حرف جرٍّ يلزم صدر الكلام، والرَّفع بتقدير: هي، والفعل الذي يتعلَّق به «رُبَّ» محذوفٌ، واختار الكسائيُّ أن يكون [9] «رُبَّ» اسمًا مُبتدَأً، والمرفوع خبرها، وهي هنا للتَّكثير، وفعلها الذي تتعلَّق به ينبغي أن يكون محذوفًا غالبًا، والتَّقدير: رُبَّ كاسيةٍ عاريةٍ عرفتها.

والحديث يأتي في «الفتن» [خ¦7069] إن شاء الله تعالى.

[1] في غير (ص) و(م): «عمرو».
[2] في (م): «روت».
[3] زِيدَ في (د): «عط ه ص س ط».
[4] في (ص) و(م) «على».
[5] في (م): «ليست هنا».
[6] في (د) و(ص): «المقدر».
[7] «الله تعالى»: سقط من (ص) و(م).
[8] في (ب) و(س): «صلَّى الله عليه وسلَّم».
[9] في غير (د): «تكون».





115- (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَعَمْرو): قال شيخُنا في «الفتح»: (كذا في روايتنا بالرَّفع، ويجوزُ الكسر؛ والمعنى: أنَّ ابنَ عُيينةَ حدَّثهم عن مَعْمَر، ثم قال: «وَعَمْرو» ـ هو ابنُ دينار ـ ثمَّ قال: [فعلى رواية الكسر؛ يكونُ معطوفًا على «مَعْمَرٍ»] ، وعلى روايةِ الرَّفعِ يكونُ استئنافًا، كأنَّ ابنَ عُيينةَ حدَّثَ بحذفِ صيغةِ الأداء، وقد جرتْ عادتُه بذلك، وقد روى الحُميديُّ هذا الحديثَ في «مسنده» [ح:292] : «عنِ ابن عيينة قال: حدَّثنا معمرٌ، عنِ الزُّهْريِّ قَالَ: وحدَّثنا عمرٌو ويحيى بنُ سعيد، عنِ الزُّهْريِّ»؛ فصرَّحَ بالتَّحديثِ عنِ الثَّلاثةِ) انتهى.

(اللَّيْلَةَ): منصوبٌ ظرفٌ لـ (الإنزال).

(صَوَاحِبَ): مفعولُ (أَيْقِظُوا).

(فرُبَّ): تقدَّم، قال ابنُ مالكٍ: (أكثرُ النُّحاةِ يَرَونَ «رُبَّ» للتقليل)، ورجَّح هو أنَّ معناها في الغالب التَّكثير.

(عَارِيَة): يجوزُ الكسرُ على النَّعتِ، والرَّفعُ على أنَّه خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ.

قال عياضٌ: (أكثرُ الرِّواياتِ بالخفضِ على الوصفِ).

وقال غيرُه: الأَولى الرَّفعُ.

وعنِ السُّهيليِّ: (الأجودُ عند سيبويه الخفضُ؛ لأنَّ «رُبَّ» عندَه حرفُ جرٍّ لها الصدرُ، ويجوزُ الرَّفعُ خبر مبتدأٍ، والجملةُ في موضعِ النَّعتِ؛ أي: هي عاريةٌ، واختيارُ الكِسائيِّ: أنَّ «رُبَّ» اسمٌ مبتدأٌ، والمرفوعُ خبرُها، وإليه كان يذهبُ شيخُنا ابنُ الطَّراوَةِ، وفِعْلُها الَّذي تتعلَّقُ هي به يجبُ أنْ يكونَ ماضيًا، ويُحذَفُ غالبًا، وتقديرُه: رُبَّ كاسيةٍ عاريةٌ عرفتها).


115- قوله: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ): هو ابن الفضل المروزيُّ، عن معتمر، وابن عيينة، وعنه: البخاريُّ، ومحمَّد بن الضُّريس، وكان إمامًا حافظًا ثبتًا، وثَّقه النَّسائيُّ، وقال ابن حبَّان: (كان صاحب حديث وسُنَّة) ، قال البخاريُّ: (مات سنة نيِّف وعشرين ومئتين) ، وقال غيره: سنة ثلاث، وقيل: سنة ستٍّ وعشرين، أخرج له البخاريُّ فقط من بينهم.

قوله: (عَنْ مَعْمَرٍ): تقدَّم أنَّه بإسكان العين، وأنَّه ابن راشد قريبًا وبعيدًا.

قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم [1] مرارًا أنَّه محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن شهاب.

قوله: (عَنْ هِنْدٍ [2] ): يجوز ترك الصَّرف والصَّرف فيها، وهي بنت الحارث الفراسيَّة، ويقال: القرشيَّة، وكانت تحت معبد [3] بن المقداد، روت عن أمِّ سلمة، وعنها: الزُّهريُّ، لها حديثان، أخرج لها البخاريُّ والأربعة.

تنبيه: وقع في بعض نسخ «الكاشف» وكذا وقع في «التَّذهيب» كلاهما [4] للذهبيِّ: أنَّها زوجة المقداد، وليس ذلك بصواب، وفي «التَّهذيب»: (زوجة معبد بن المقداد) ، ثمَّ إنِّي راجعت نسخة من «الكاشف» صحيحة مقروءة؛ فوجدتها قد خرَّج فيها على الهامش بعد (زوجة): (معبد بن) ، وصحَّح عليه، وهذه النُّسخة مقروءة على الحافظ تقيِّ الدِّين بن رافع، وهذا هو الصَّواب، وكذا وقع على الصَّواب في هذا «الصَّحيح» في (باب مكث الإمام في مصلَّاه) ، والله أعلم، وهند هذه مذكورة في «الميزان»، قال الذَّهبيُّ: (ما علمت روى عنها سوى الزُّهريِّ، لكن خرَّج لها البخاريُّ) انتهى، وقد ذكرها ابن حبَّان في «الثِّقات»، ولم يذكر عنها راوِيًا سواه، والله أعلم.

قوله: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ): هي زوج النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمُّ المؤمنين، واسمها هند بنت أبي أميَّة -واسمه حذيفة، ويقال: سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر [5] بن مخزوم- المخزوميَّة، روى عنها: ولداها عمر وزينب ولدا أبي سلمة، وغيرهما، تزوَّجها عليه الصَّلاة والسَّلام في شوَّال سنة اثنتين بعد وقعة بدر، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد، وهذا غلط وقع فيه المزِّيُّ قلَّد فيه ابن عبد البَرِّ، وذلك أنَّ أبا سلمة شهد بدرًا في رمضان سنة اثنتين وقدم المدينة، فلم يلبث إلَّا أيَّامًا وتوفِّي، وبعضهم أرَّخ موته في سنة ثلاث، وكأنَّه أصحُّ، وتزوَّج عليه السَّلام بها سنة أربع، وإنَّما التي بنى بها عليه الصَّلاة والسَّلام في شوال سنة اثنتين مرجعه من بدر عائشة، ثمَّ تزوَّج بعدها حفصة في سنة ثلاث، ثمذَ بأمِّ سلمة رضي الله عنهنَّ، مناقبها جمَّة، وهي آخر أمهات المؤمنين موتًا إلَّا ما قاله الواقديذُ في ميمونة، وقد أدركت أمُّ سلمة مقتل الحسين كما رواه التِّرمذيُّ في «جامعه» قال التِّرمذي: (غريب) ، ورَوى حمَّاد بن سلمة عن عمار: أنَّه سمع أمَّ سلمة تقول: (سمعت الجنَّ تبكي على حسين، وتنوح عليه) ، والحسين رضي الله عنه قتل [6] في أوَّل سنة إحدى وستين يوم عاشوراء، ويقال: عاشت تسعين سنة، وفي «صحيح مسلم»: (أنَّ عبد الله بن صفوان دخل عليها في خلافة يزيد) ، فبطل ما زعمه الواقديُّ من تاريخ موتها، ومن صلاة أبي هريرة عليها، وكذا نقل بعضهم: أنَّ سعيد بن زيد أحد العشرة صلَّى عليها، واغترَّ هذا بما روى عطاء بن السائب عن محارب بن دثار: (أنَّ أمَّ سلمة أوصت بأنَّ يصلِّي عليها سعيد بن زيد) ، وهو إن صحَّ تكون قد أوصت في حياة سعيد، ثمَّ تطاول عليها العمر وعاشت بعد سعيد، ومثل هذا يفعله النَّاس، يقول قائلهم: إنْ مت والشيخ فلان حيٌّ؛ فليصلِّ عليَّ، فيتَّفق [7] موت ذاك [8] الشَّيخ قبل الموصي، أخرج لها الجماعة رَضِيَ اللهُ عنها، وقد أطلنا الكلام عليها ولكن لفوائد.

قوله: (وَعَمْرٍو وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ): هو بجرِّ (عمرو) وما بعده معطوفًا على (مَعْمَر) وهو مجرور، و (عمرو): هو ابن دينار، وهو من شيوخ الزُّهريِّ أيضًا، ورَوى عنه، و (يحيى): هو ابن سعيد القطَّان، والقائل: (وعمرو...) وما بعده هو ابن عيينة سفيان، والله أعلم.

قوله في [9] السَّند الثَّاني المعطوف: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ [10] ): كذا في أصلنا، وفي أصل آخر لنا دمشقيٍّ صحيح دخل فيه المزِّيُّ، والذَّهبيُّ، وغيرهما: (عن الزُّهريِّ، عنِ امرأة، عن أمِّ سلمة) ، وكذا طرَّفه المزِّيُّ في «أطرافه» أنَّ الطَّريق الثَّاني فيه: (الزُّهريُّ عنِ امرأة) ، فما وقع في أصلنا الذي سمعنا فيه على شيخنا العراقيِّ في صحَّته نظرٌ، والله أعلم، مع أنَّ المرأة هي هند بنت الحارث التي تقدَّمت في السَّند الأوَّل، أُبهِمت في السَّند الثَّاني، وقد تقدَّمت ترجمتها، والله أعلم.

وقد رأيت هنا حاشية عن شيخنا العراقيِّ قال فيها: (هذا الحديث له عند البخاريِّ طريقان: فالأوَّل [11] : عن هند عن أمِّ سلمة، والثَّاني -هو [12] محلُّ الاختلاف-: فالأكثرون قالوا: «عن الزُّهريِّ، عنِ امرأة، عن أمِّ سلمة»، كما قال الدِّمياطيُّ، وهكذا في رواية أبي الهيثم، والأصيليِّ، والسَّمعانيِّ، وابن عساكر، وفي رواية المستملي: «عن هند، عن أمِّ سلمة»، وهكذا في بعض النُّسخ عنِ الحمُّوي أيضًا، وأمَّا الجمع بين هند وامرأة؛ فوهم) انتهت.

قوله: (وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ): قال شيخنا الشَّارح عنِ المهلَّب: فيه دلالة على أنَّ الفتن تكون في المال وفي غيره؛ لقوله: «ماذا أُنزِل اللَّيلة من الفتن، وماذا فُتِح من الخزائن»، ويؤيِّده قول حذيفة: (فتنة الرجل في أهله وماله يكفِّرها الصَّلاة والصَّدقة) ، وقال الدَّاوديُّ: (الثَّاني هو الأوَّل) ، وقد يُعطف الشَّيء على نفسه تأكيدًا؛ لأنَّ ما يفتح من الخزائن يكون سببًا للفتنة.

قوله: (صَوَاحِبَ الحُجَرِ): المراد بهنَّ: أزواجه عليه الصَّلاة والسَّلام؛ يعني: للصلاة والاستعاذة، وقد جاء ذلك في «الصَّحيح»: «من يوقظ صواحب الحجر _ يريد: أزواجه- لكي يصلِّين» انتهى.

ويستعذن ممَّا نزل، وهو موافق لقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ...}؛ الآية [طه: 132] .

قوله: (فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ): (عاريةٍ): قال القاضي: (أكثر الرِّوايات بخفض «عاريةٍ» على الوصف) ، وقال غيره: الأولى الرَّفع، وعن السُّهيليذِ: (الأجود عندي فيه الخفض، ويجوز الرَّفع؛ خبر مبتدأ [13] ، والجملة في موضع النَّعت؛ أي: هي عارية) .

وقوله: (كاسية... عارية): يحتمل أوجهًا: كاسية في الدُّنيا في غير بيتها وعند غير زوجها، عارية في الآخرة من الثَّواب، [/ج1ص64/] ربَّ كاسية لا يسترها الرَّقيق من الثِّياب التِّي تصفُها، معاقبة في الآخرة بالتَّعرية والفضيحة، ربَّ كاسية في الدُّنيا لها المال تكتسي به من رفيع الثِّياب، عارية في الآخرة منها، ندبهنَّ بأن يأخذن بالكفاية ويتصدَّقن بما بعد ذلك، ربَّ كاسية من نعم الله، عارية من الشَّكر، فكأنَّها عارية في الآخرة من نعيمها الذي يكون الشُّكر سببه، أو أنَّها تستر جسدها وتشدُّ الخمار من ورائها، فينكشف صدرها.

قال شيخنا الشَّارح بعد ذكر ما ذكرته: (قلت: وهذا نحو الحديث الصَّحيح -يعني: الذي انفرد به «مسلم»- من طريق أبي هريرة [14] مرفوعًا: «صنفان من أهل النَّار لَمْ أرهما...» إلى أنْ قال: «ونساء كاسيات عاريات...»؛ الحديث، قال: وسياق الحديث يقوِّي الوجه الثَّاني، فهنَّ كاسيات [في الظَّاهر، عاريات حقيقة؛ لأنَّ السِّتر إذا لَمْ يقع به الامتثال يكون وجوده كعدمه) انتهى.

وفي «المطالع» ملخَّص: (وهو كاسيات] [15] ؛ يعني: من نعم الله عاريات من الشُّكر، وقيل: كاسيات [16] بالثِّياب، عاريات بانكشافهنَّ وإبداء بعض أجسادهنَّ، وقيل: كاسيات ثيابًا رقاقًا عاريات؛ لأنَّها [17] لا تسترهنَّ، فهنَّ كاسيات في الظَّاهر، عاريات في الحقيقة) والله أعلم.

[1] (تقدم): ليس في (ج) .
[2] في هامش (ق): (فائد: عند الحفاظ الثلاثة: عن الزُّهريِّ، عن امرأة، عن أمِّ سلمة) .
[3] في (ب): (سعيد) ، وكذا في المواضع اللاحقة.
[4] في (ج): (كلامًا) .
[5] في (ب): (عمرو) ، وليس بصحيح.
[6] (قتل): ليس في (ج) .
[7] في (أ) و (ب): (فتفق) .
[8] في (ج): (ذلك) .
[9] في (ج): (وفي) .
[10] في هامش (ق): (قوله: عن امراة عن أمِّ سلمة: المرأة هذه هي هند كما صرح في الرواية الأولى) .
[11] زيد في (ب): (والأول) .
[12] (هو): ليس في (ج) .
[13] زيد في (ب): (محذوف) .
[14] زيد في (ب): (قريبًا) .
[15] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[16] زيد في (ب): (في الظَّاهر، عاريات حقيقة و) .
[17] (لأنَّها): ليس في (ج) .





115- ( وَعَمْرٍو ) يعني ابن دينار، والقائل ذلك هو ابن عيينة؛ فيكون مجرورًا عطفًا على معمر، يريد البخاري أن ابن عيينة يقول: عن معمر وعمرو بن دينار ويحيى بن سعيد القطان [1] عن الزهري.

( فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ ) قال القاضي: أكثر الروايات بخفض ( عاريةٍ ) على الوصف للمجرور بـ( رُبَّ )، وقال غيره: الأولى الرفع خبر مبتدأ مضمر، أي: هي عارية، وقال السهيلي: الأحسن عند سيبويه الخفض على النعت؛ لأن ( رُبَّ ) عنده حرف جر تلزم صدر الكلام، ويجوز الرفع كما تقول: رُبَّ رجل فاعل، على إضمار مبتدأ، والجملة في موضع النعت، أي: هي عارية، والفعل الذي [/ج1ص76/] تتعلَّق به ( رُبَّ ) محذوف، واختار الكسائي أن تكون ( رُبَّ ) اسمًا مبتدأ والمرفوع خبرها، وإليه كان يذهب شيخنا ابن الطراوة، انتهى.

[1] قال محب الدين البغدادي: ليس القطان؛ بل هو الأنصاري لأن القطان لم يرو عن الزهري ولا لقيه، فالصواب أنَّه يحيى بن سعيد الأنصاري، وقد صرح به مالك في «الموطأ». اهـ. وقال ابن حجر رحمه الله: قوله: ( القطان ) وهم قبيح، وإنَّما هو الأنصاري، والقطان لم يسمع من الزهري شيئًا، وقد روى هذا الحديث مالك في «الموطأ» عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري ومالك، لم يرو عن يحيى بن سعيد القطان شيئًا.





115- ( عَنْ هِنْدٍ ): بنت الحارث الفراسيَّة، وللكُشْمِيهنيِّ بدلها: «عن امرأة».

( وعَمروٌ ): بالرَّفع استئنافًا والجرِّ عطفًا على معمر، وهو: ابن دينار.

( ويَحيى بنُ سَعيدٍ ): هو الأنصاريُّ.

( مَاذَا ): استفهاميَّة بمعنى التَّعجُّب والتَّعظيم.

( أُنْزِلَ ) للكُشْمِيهنيِّ: «أنزل الله»، والمراد بالإنزال: إعلام الملائكة بالأمر المقدور.

( الْفِتَنِ ): كناية عن العذاب.

( الْخَزَائِنِ ): كناية عن الرَّحمة.

( لصَوَاحِبَ الحُجَرِ ): بضمِّ الحاء وفتح الجيم، جمع حجرة، وهي منازل أزواج النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

( عَارِيَةٍ ) بالجرِّ في أكثر الرِّوايات: صفة كاسية، والرَّفع: خبر: «هي» مقدَّر. [/ج1ص276/]


115- وبه قال: ((حدثنا صدقة)) : ابن الفضل المروزي، أبو الفضل المنفرد بالإخراج عنه المؤلف عن الستة، المتوفى سنة ثلاث أو ست وعشرين ومئتين، ((قال: أخبرنا ابن عُيينة)) ؛ بضم العين: سفيان، ((عن مَعْمَر)) ؛ بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة، ابن راشد، ((عن الزهري)) : محمد بن مسلم، ((عن هند)) بنت الحارث الفِرَاسية؛ بكسر الفاء وبالسين المهملة، ويقال: (القُرشِية) ؛ بضم القاف وكسر الشين المعجمة، زوجة معبد بن المقداد، وفي رواية: (عن امرأة) ، فالزهري تارة سمَّاها باسمها، وتارة أبهمها.

((عن أم سَلَمَة)) ؛ بفتح اللام والسين المهملة، هند أو رملة زوج النبي الأعظم عليه السلام، بنت أبي أمية حذيفة، أو ابنة سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، كانت عند أبي سلمة فتوفى عنها، فتزوجها النبي الأعظم عليه السلام في شوال سنة أربع، وتوفيت سنة تسع وخمسين في خلافة يزيد بن معاوية، وولايته كانت في رجب سنة ستين، وتوفي سنة أربع وستين في ربيع، وكان لها حين توفيت أربع وثمانون سنة، وصلى عليها أبو هريرة في الأصحِّ، ودفنت بالبقيع اتفاقًا.

((وعمروٍ)) : هو ابن دينار؛ بالجر عطفًا على معمر، يعني ابن عيينة، يروي عن معمر بن راشد وعن عمرو بن دينار، ((و)) عن ((يحيى بن سعيد)) الأنصاري، ومن زعم أنه يحيى بن سعيد القطان؛ فقد أخطأ؛ لأنَّه لم يسمع من الزهري ولا لقيه، فهؤلاء الثلاثة يروون ((عن)) ابن شهاب ((الزهري)) ، ويجوز في (عمرو) الرفع؛ كما في رواية على أن يكون استئنافًا، وعادة ابن عيينة يحدث بحذف صيغة الأداة، و (يحيى) يجوز فيه الجر والرفع عطفًا على (عمرو) .

((عن هند)) ، وفي رواية: (عن امرأة) ؛ كما مر، ((عن أم سلمة)) رضي الله عنها أنها ((قالت: استيقظ)) ؛ بمعنى: تيقظ، فالسين ليست للطلب هنا، ومعناه: انتبه من النوم، ((النبي)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ، ((صلى الله عليه وسلم ذات ليلة)) ؛ أي: في ليلة، ولفظة (ذات) مقحمة للتأكيد، قال الفاضل جار الله الزمخشري: هو من إضافة المسمى إلى اسمه، وكان عليه السلام في بيت أم سلمة؛ لأنَّها كانت ليلتها، وتمام تحقيقه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((فقال)) : عطف على (استيقظ) ، ((سبحان الله)) : مقول القول، و (سبحان) علم للتسبيح، وانتصابه على المصدرية، والتسبيح لغة: التنزيه؛ أي: أنزِّه الله تنزيهًا عما لا يليق به، واستعماله هنا للتعجب؛ لأنَّ العرب قد تستعمله في مقام التعجب.

((ماذا)) فيه أوجه؛ لأنَّه إما أن تكون (ما) استفهامًا و (ذا) إشارة نحو: ماذا الوقوف.

أو تكون (ما) استفهامًا و (ذا) موصولة؛ بمعنى: الذي.

أو تكون (ماذا) بتمامها استفهامًا.

أو تكون (ما) نكرة موصوفة؛ بمعنى: شيء.

أو تكون (ما) زائدة و (ذا) للإشارة.

أو تكون (ما) استفهامًا و (ذا) زائدة، كما أوضحه في «عمدة القاري».

((أُنزل)) ؛ بضم الهمزة على صيغة المجهول، وفي رواية: (أنزل الله) ، ((الليلةَ)) ؛ بالنصب على الظرفية للإنزال، والإنزال لغة: الإيواء، كما يقال: أنزل الجيش بالبلد، أو تحريك الشيء من علو إلى سفل، والمعنيان لا يتحقَّقان في أنزل الله؛ فهو مستعمل في معنى مجازي؛ بمعنى: أعلم الله الملائكة بالأمر المقدر، وكذا المعنى في أنزل الله القرآن، فمن قال: إن القرآن معنى قائم بذات الله تعالى فإنزاله: أن يوجد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى، ويثبتها في اللوح المحفوظ، ومن قال: إن القرآن هو الألفاظ؛ فإنزاله مجرَّد إثباته في اللوح المحفوظ؛ لأنَّ الإنزال إنَّما يكون بعد الوجود، والمراد بإنزال الكتب السماوية: أن يتلقاها الملك من الله تلقيًا روحانيًا، أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها على الأنبياء عليه السلام، وكان عليه السلام أوحي إليه في يومه ذاك بما سيقع بعده.

((من الفتن)) فعبَّر عنه بالإنزال، ((وماذا)) فيه الأوجه المارة، ((فُتح من الخزائن)) ؛ بضم الفاء، عبَّر عن العذاب بـ (الفتن) ؛ لأنَّها أسبابه، وعن الرحمة بـ (الخزائن) ؛ لقوله تعالى: {خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} [ص: 9] ، يعني: أن النبي الأعظم عليه السلام رأى في تلك الليلة المنام،[/ص72/]

وفيه: أنه سيقع بعده فتن وأنه يفتح لأمته الخزائن، وعرف عند الاستيقاظ حقيقته إما بالتعبير أو بالوحي إليه في اليقظة قبل النوم أو بعده، وقد وقع الفتن كما هو مشهور وفتحت الخزائن؛ حيث سلطت الصحابة على فارس والروم وغيرهما، وهذا من المعجزات؛ حيث أخبر بأمر قبل وقوعه؛ فوقع مثل ما أخبر عليه السلام.

((أيقِظوا)) ؛ بفتح الهمزة أمر من الإيقاظ؛ بكسرها؛ أي: نبهوا، ((صواحبَ)) ؛ بالنصب على المفعولية، وأراد بها زوجاته عليه السلام، وفي رواية: (صواحبات) جمع: صاحبة، ((الحُجَر)) ؛ بضم الحاء المهملة وفتح الجيم، جمع: حجرة، وأراد بها منازل زوجاته، وإنما خصَّهن بالإيقاظ؛ لأنَّهنَّ الحاضرات حينئذٍ، أخبرت بذلك أم سلمة، فإن تلك الليلة كانت ليلتها؛ كما مر، وما زعمه الكرماني رده في «عمدة القاري».

((فرُبَّ)) أصلها للتقليل، وقد تستعمل للتكثير كما هنا، وترد للتكثير كثيرًا وللتقليل قليلًا، وفيها لغات قدمناها، وفعلها التي تتعلق به ينبغي أن يكون ماضيًا ويحذف غالبًا، ((كاسية)) على وزن (فاعلة) ، من كسا، ولكنه؛ بمعنى: مكسوة ((في الدنيا)) أثوابًا رقيقة لا تمنع من إدراك البشرة أو النفيسة، ((عاريَة)) ؛ بتخفيف الياء؛ أي: معاقبة ((في الآخرة)) بفضيحة التعري، أو عارية من الحسنات في الآخرة، فندبهنَّ على الصدقة وحضَّهنَّ على ترك الإسراف في الدنيا بأن يأخذن منها أقل الكفاية ويتصدقن بما سوى ذلك، وهذه البلوى عامة في الأزمان قديمًا وحديثًا.

وقال الطيبي: هذا كالبيان لموجب استيقاظ الأرواح؛ أي: لا ينبغي لهنَّ أن يتغافلن ويعتمدن على كونهنَّ أهالي رسول الله عليه السلام، ألَا رب كاسية حلة الزوجية المشرفة بها وهي عارية عنها في الآخرة لا تنفعها؛ إذ لم تضمها مع العمل، قال تعالى: {فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ} [المؤمنون: 101] ، كذا في «عمدة القاري».

وهو دليل واضح على بطلان قول من قال في زماننا ضمن رسالته التي ألَّفها: (إن ذنوب أهل بيت النبوة صوري لا معنوي، وإن ذنوبه مغفورة لهم بلا توبة، وليسوا داخلين تحت المشيئة) ؛ فقد ضل وأضل وابتدع وأبدع، وما استند فيه فهو حجة عليه، وسيأتي الكلام عليه في محله.

قال في «عمدة القاري»: وأكثر الروايات بجر (عارية) على النعت وهو الأحسن عند سيبويه؛ لأنَّ (رب) عنده حرف جر يلزم صدر الكلام، ويجوز الرفع على إضمار مبتدأ والجملة في موضع النعت؛ أي: هي عارية والفعل الذي يتعلق (رب) به محذوف، واختار الكسائي أن يكون (رب) اسمًا [1] مبتدأ والمرفوع خبرها، وفعلها الذي تتعلق به محذوف غالبًا كما سبق، والتقدير: رب كاسية عارية عرفتها.

وفي الحديث: أن للرجل أن يوقظ أهله بالليل للصلاة والذكر، ولا سيما عند آية تحدث أو رؤيا مخوفة، وجواز قول: (سبحان الله) ؛ تعجبًا، واستحباب ذكر بعد الاستيقاظ ليلًا ونهارًا، لكن في الليل أبلغ يدل له قوله عليه السلام: «من تعارى من الليل فقال: لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله، وصلى؛ قبلت صلاته»، وسيأتي تمامه إن شاء ربي.

اللهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبلًا، وعمرًا طويلًا، وأولادًا كثيرة، وجاهًا عريضًا، ودخول الجنة، وتمام هذا الشرح بجاه نبيك محمد، ويحيى، وجميع الأنبياء، وأصحابهم، والأولياء وأحزابهم صلى الله تعالى عليهم وسلم.

[1] في الأصل: (أسماء) .