متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

111- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ)؛ بالتَّخفيف، قال في «الكمال»: وقد يُشدِّده من لا يعرف، وقال الدَّارقُطنيُّ: بالتَّشديد لا بالتَّخفيف، البيكنديُّ، ولغير أبي ذَرٍّ: ((محمَّد بن سلامٍ))، (قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ)؛ أي: ابن الجرَّاح بن مليحٍ الكوفيُّ، المُتوفَّى يوم عاشوراء سنة سبعٍ وتسعين ومئةٍ، (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أوِ ابنِ عُيَيْنَةَ، وجزم في «فتح الباري» بالأوَّل؛ لشهرة وكيعٍ بالرِّواية عنه، ولو كان ابنَ عُيَيْنَةَ لَنَسَبَهُ المؤلِّف؛ لأنَّ إطلاق الرِّواية عن متَّفقي الاسم يقتضي أن يُحمَل من أُهْمِلت نسبتُه على من يكون له به خصوصيَّةٌ من إكثارٍ ونحوه، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ أبا مسعودٍ الدِّمشقيَّ قال في «الأطراف»: إنَّه ابن عُيَيْنَةَ، وأُجِيب، (عَنْ مُطَرِّفٍ)؛ بضمِّ الميم، وفتح الطَّاء، وكسر الرَّاء المُشدَّدة، آخره فاءٌ، ابن طَريفٍ؛ بطاءٍ مُهمَلَةٍ مفتوحةٍ، الحارثيِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثلاثين ومئةٍ، (عَنِ الشَّعْبِيِّ)؛ بفتح الشِّين، وسكون العَيْن المُهمَلَة، واسمه: عامرٌ، (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ)؛ بضمِّ الجيم، وفتح الحاء المُهمَلَة، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وبالفاء، واسمه: وهب بن عبد الله، السُّوَائِيِّ؛ بضمِّ السِّين المُهمَلَة، وتخفيف الواو، وبالمدِّ، الكوفيِّ، من صغار الصَّحابة، المُتوفَّى سنة اثنتين وسبعين، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ)، وللأَصيليِّ زيادة: ((ابن أبي طالبٍ)): (هَلْ عِنْدَكُمْ)؛ أهلَ البيت النَّبويِّ. أو «الميم»؛ للتَّعظيم، (كِتَابٌ)؛ أي: مكتوبٌ خصَّكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيركم من أسرار علم الوحي، كما تزعمه [1] الشِّيعة؟ (قَالَ) عليٌّ: (لَا) كتاب عندنا (إِلَّا كِتَابُ اللهِ) بالرَّفع بدلٌ من المُستثنَى منه، (أَوْ فَهْمٌ) بالرَّفع (أُعْطِيَهُ) بصيغة المجهول، وفتح الياء (رَجُلٌ مُسْلِمٌ) من فحوى الكلام، ويدركه من باطن المعاني التي هي غير الظَّاهر من نصِّه، ومراتب النَّاس في ذلك متفاوتةٌ، [/ج1ص202/] ويُفهَم منه: جواز استخراج العالِم من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا عنِ المفسِّرين؛ إذا وافق أصول الشَّريعة، ورُفِعَ «فَهْمٌ» بالعطف على سابقه، فالاستثناء متَّصلٌ قطعًا، وأمَّا قول الحافظ ابن حجرٍ: الظَّاهر أنَّه منقطعٌ؛ فمدفوعٌ؛ بأنَّه لو كان من غير الجنس؛ لكان قوله: «أو فَهْمٌ» منصوبًا؛ لأنَّه عطفٌ على المُستثنَى، والمُستثنَى إذا كان من غير جنس المُستثنَى منه يكون منصوبًا، وما عُطِفَ عليه كذلك، ثمَّ عطف على قوله: «كتابُ الله»، قوله: (أَوْ مَا)؛ أي: الذي (فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ)؛ وهي: الورقة المكتوبة، وكانت مُعلَّقةً بقبضة سيفه؛ إما احتياطًا أوِ استحضارًا، وإمَّا؛ لكونه منفردًا بسماع ذلك، وللنَّسائيِّ: فأخرج كتابًا من قراب سيفه، (قَالَ) أبو جُحَيفة: (قُلْتُ: ومَا)، وفي روايةِ الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فما))، وكلاهما للعطف؛ أي: أيُّ شيءٍ (فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ) عليٌّ رضي الله عنه: فيها (الْعَقْلُ)؛ أي: حكم العقل، وهو الدِّية؛ لأنَّهم كانوا يعطُون [2] فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المستحقِّ للعقل، والمُرَاد: أحكامها، ومقاديرها، وأصنافها، وأسنانها، (وَفكَاكُ)؛ بفتح الفاء [3] ، ويجوز كسرها، وهو ما يحصل به خلاص (الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) بضمِّ اللَّام عطفُ جملةٍ فعليَّةٍ على جملة اسميَّةٍ؛ أي: وفيها العقل، وفيها حرمة قصاص المسلم بالكافر، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن [4] الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((وأنْ لا يُقتَل))؛ بزيادة «أن» المصدريَّة النَّاصبة، وعُطِفَتِ الجملة على المُفرَد؛ لأنَّ التَّقدير فيها؛ أي: في الصَّحيفة: حكم العقل، وحكم تحريم قتل المسلم بالكافر، فالخبر محذوفٌ، وحينئذٍ فهو عطف جملةٍ على جملةٍ، وحرمة قصاص المسلم بالكافر هو مذهب إمامنا الشَّافعيِّ، ومالكٍ، وأحمدَ، والأوزاعيِّ واللَّيث، وغيرهم من العلماء؛ خلافًا للحنفيَّة، ويدلُّ لهم أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قتل مسلمًا بمعاهدٍ، وقال: «أنا أَكْرَمُ من وَفَّى بذمَّته» الحديث، رواه الدَّارقُطنيُّ، لكنَّه ضعيفٌ فلا يُحتَجُّ به، وتمام البحث في ذلك يأتي في محلِّه إن شاء الله تعالى، ووقع عند المصنِّف ومسلمٍ قال: ما عندنا شيءٌ نقرؤه إلَّا كتاب الله وهذه الصَّحيفة، فإذا فيها: «المدينة حَرَمٌ [5] » [خ¦1867] ، ولـ: «مسلمٍ»: وأخرج صحيفةً مكتوبةً فيها: «لعن الله من ذبح لغير الله»، وللنَّسائيِّ: فإذا فيها: «المؤمنون تتكافأ [6] دماؤهم يسعى بذمَّتهم أدناهم...» الحديث، ولأحمد: «فيها فرائض الصَّدقة»، والجمع بَيْن هذه: أنّ الصَّحيفة كانت واحدةً، وكان جميع ذلك مكتوبًا [7] فيها، فنقل كلٌّ من الرُّواة عنه ما حفظ.

[1] في غير (د): «يزعم».
[2] في (ب) و(س): «يعقلون».
[3] في (ص): «الكاف»، وهو خطأٌ.
[4] «أبي ذَرٍّ عن»: مثبتٌ من (م).
[5] في (د) و(م): «حرام».
[6] في (ص): «متكافئون»، وفي غيرها: «يتكافؤون»، والمُثبَت من (د).
[7] في (د): «منقولًا».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

111-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ [1] ، قالَ: أخبَرَنا وَكِيعٌ، عن سُفْيانَ، عن مُطَرِّفٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قالَ:

قُلْتُ لِعَلِيٍّ [2] : هَلْ عِنْدَكُمْ كِتابٌ؟ قالَ: لا، إِلَّا كِتابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ ما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قالَ: قُلْتُ: فَما [3] في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قالَ: العَقْلُ، وَفَكاكُ [4] الأَسِيرِ، وَلا يُقْتَلُ [5] مُسْلِمٌ بِكافِرٍ.

[1] وضع علامة التَّخفيف على لام «سَلَامٍ» في اليونينيَّة، وفي رواية أبي ذر: «حدَّثنا ابنُ سلام».
[2] في رواية الأصيلي زيادة: «بن أبي طالب».
[3] في رواية الأصيلي وابن عساكر وأبي ذر عن الحَمُّويِي والمستملي ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «وما».
[4] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«وَفِكاكُ»، وأهمل ضبط الفاء في (ن)، وضبطها بالكسر في (و)، وبالفتح في (ب، ص).
[5] في رواية الأصيلي وأبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ و [ح] و [عط] : «وأن لا يُقتلَ».





111- ( ابْنُ سَلاَمٍ ) بلام مخففة.

( قَالَ: قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ) وفي رواية: «فما» بالفاء.

( فَكَاكُ ) بكسر الفاء وفتحها وهو أفصح، قاله القزاز.


111# (أَبي جُحَيْفَةَ) بجيم وحاء مهملة وفاء، مصغَّر.

(قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدكمْ [1] كتَابٌ؟ قَالَ: لاَ، إلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُل مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذه الصَّحِيفَةِ) قال ابن المنيِّر: يعني بالفهم المذكور: التَّفقه، والاستنباط، والتأويل، وانظر هل يقتضي لفظه [2] أن الفقه كان مكتوبًا أم لا؟

والظاهر أنه كان مكتوبًا عندهم؛ لأن السائل قال له: هل عندكم كتاب؟

فقال: لا كتابَ [3] عندنا إلا كتابُ الله، أو فهمٌ، أو هذه الصحيفة، وكانت فيها أحاديث، فاستثناؤه الفهمَ من الكتاب يدلُّ على أن الفهم الذي هو الفقه كان حينئذٍ كتابًا، وإلا كان استثناء من غير الجنس، وهو خلاف الأصل، لا سيما وقوله: ((إلا كتابُ الله، أو هذه الصحيفة)) استثناء من الجنس قطعًا، فالمعطوف بينهما مثلهما، و [4] أيضًا فهو مرفوعٌ، والاستثناء من غير الجنس لا يكون إلا منصوبًا، فيكون ذلك أصلًا في كتابة الفقه.

(قُلْتُ: وَمَا فِي هَذه الصَّحِيفَةِ؟) بالواو، وفي رواية: بالفاء.

(فَكَاكُ) بكسر الفاء، وفتحها [5] ، وهو أفصح، قاله القزاز .

[1] في (ج): ((أعندكم)).
[2] في (ق): ((لفظ)).
[3] في (د) و(ج): ((لا لا كتاب)).
[4] ((الواو)): ليست في (د) و(ج).
[5] في (ج): ((بفتح الفاء وكسرها)).





111- قوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ): تقدَّم أنَّه بتخفيف اللَّام على الأصحِّ [1] ، وتقدَّم بعض ترجمة محمَّد ولده.

قوله: (أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ): قال المزِّيُّ في «أطرافه» في تطريف حديث [2] عليٍّ هذا: (قال أبو مسعود: يقال: إنَّ حديث وكيع عن سفيان هو ابن عيينة إلَّا أنَّه لَمْ يبيِّنه، وقد رواه يزيد العدنيُّ عنِ الثَّوريِّ أيضًا) انتهى.

قوله: (عَنْ مُطَرِّفٍ): هذا هو مطرِّف بن طَريف الكوفيُّ، عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، والشَّعبيِّ، وعنه: عبثر، وابن فضيل، ثقة إمام [3] عابد، مات سنة (143 هـ ) ، أخرج له الأئمَّة السِّتَّة.

قوله: (عَنِ الشَّعْبِيِّ): تقدَّم أنَّه عامر بن شراحيل، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ [4] ): هو بضمِّ الجيم، ثمَّ حاء مهملة مفتوحة، ثمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثمَّ فاء، ثمَّ تاء التَّأنيث، واسمه وهيب بن عبد الله السُّوائيُّ -بضم السِّين المهملة، وبالمدِّ-، وقيل: اسمه وهب بن وهب، صحابيٌّ، عنه: ابنه عون، وأبو [5] إسحاق، وابن أبي خالد، تُوفِّي سنة (74 هـ ) ، أخرج له الجماعة.

قوله: (إِلَّا كِتَابُ اللهِ): هو برفع (كتابُ) .

قوله: (الْعَقْلُ): هو بفتح العين المهملة، وإسكان القاف؛ وهو الدِّية، وأصله أنَّ القاتل كان إذا قتل قتيلًا؛ جمع الإبل من الدِّية بعُقلها بفناء أولياء المقتول؛ أي: شدَّها [6] في عقلها؛ ليسلِّمها إليهم ويقبضونها مِنْهُ، فسمِّيت الدِّية عقلًا بالمصدر، يقال: عقل البعير يعقلها يعقله عقلًا، وجمعها عُقول، وكان أصل الدِّية: الإبل، فقُوِّمَت بعد ذلك بالذَّهب، والفضة، والبقر، والغنم، وغيرها.

قوله: (وَفكَاكُ): هو بفتح الفاء وتكسر.

[1] في (ب): (الصَّحيح) ، و (على الأصح): ليس في (ج) .
[2] (حديث): ليس في (ج) .
[3] زيد في (ب): (فاضل) .
[4] في هامش (ق): (وهب) .
[5] في (ب): (وابن) .
[6] في (ب): (يشدها) .





111- (إِلَّا كِتَابُ اللهِ): مرفوع.

و (أُعْطِيَهُ): بصيغةِ المجهولِ وفتحِ الياء، والمفعولُ الأوَّلُ: هو مفعولُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، والثاني: الضَّميرُ.

(أَوْ مَا): موصولةٌ.

(وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) ـ وفي بعضِها: (وَلَا يُقْتَلُ) ـ: فيه جوازُ عطفِ الجملةِ على المفردِ، وهو مثلُ قولِه تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] ؛ أي: فيها حكمُ العقل، وحكمُ حُرمةِ قصاصِ المسلمِ بالذِّمِّيِّ.[/ص28/]


111- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ)؛ بالتَّخفيف، قال في «الكمال»: وقد يُشدِّده من لا يعرف، وقال الدَّارقُطنيُّ: بالتَّشديد لا بالتَّخفيف، البيكنديُّ، ولغير أبي ذَرٍّ: ((محمَّد بن سلامٍ))، (قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ)؛ أي: ابن الجرَّاح بن مليحٍ الكوفيُّ، المُتوفَّى يوم عاشوراء سنة سبعٍ وتسعين ومئةٍ، (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أوِ ابنِ عُيَيْنَةَ، وجزم في «فتح الباري» بالأوَّل؛ لشهرة وكيعٍ بالرِّواية عنه، ولو كان ابنَ عُيَيْنَةَ لَنَسَبَهُ المؤلِّف؛ لأنَّ إطلاق الرِّواية عن متَّفقي الاسم يقتضي أن يُحمَل من أُهْمِلت نسبتُه على من يكون له به خصوصيَّةٌ من إكثارٍ ونحوه، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ أبا مسعودٍ الدِّمشقيَّ قال في «الأطراف»: إنَّه ابن عُيَيْنَةَ، وأُجِيب، (عَنْ مُطَرِّفٍ)؛ بضمِّ الميم، وفتح الطَّاء، وكسر الرَّاء المُشدَّدة، آخره فاءٌ، ابن طَريفٍ؛ بطاءٍ مُهمَلَةٍ مفتوحةٍ، الحارثيِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثلاثين ومئةٍ، (عَنِ الشَّعْبِيِّ)؛ بفتح الشِّين، وسكون العَيْن المُهمَلَة، واسمه: عامرٌ، (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ)؛ بضمِّ الجيم، وفتح الحاء المُهمَلَة، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وبالفاء، واسمه: وهب بن عبد الله، السُّوَائِيِّ؛ بضمِّ السِّين المُهمَلَة، وتخفيف الواو، وبالمدِّ، الكوفيِّ، من صغار الصَّحابة، المُتوفَّى سنة اثنتين وسبعين، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ)، وللأَصيليِّ زيادة: ((ابن أبي طالبٍ)): (هَلْ عِنْدَكُمْ)؛ أهلَ البيت النَّبويِّ. أو «الميم»؛ للتَّعظيم، (كِتَابٌ)؛ أي: مكتوبٌ خصَّكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيركم من أسرار علم الوحي، كما تزعمه [1] الشِّيعة؟ (قَالَ) عليٌّ: (لَا) كتاب عندنا (إِلَّا كِتَابُ اللهِ) بالرَّفع بدلٌ من المُستثنَى منه، (أَوْ فَهْمٌ) بالرَّفع (أُعْطِيَهُ) بصيغة المجهول، وفتح الياء (رَجُلٌ مُسْلِمٌ) من فحوى الكلام، ويدركه من باطن المعاني التي هي غير الظَّاهر من نصِّه، ومراتب النَّاس في ذلك متفاوتةٌ، [/ج1ص202/] ويُفهَم منه: جواز استخراج العالِم من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا عنِ المفسِّرين؛ إذا وافق أصول الشَّريعة، ورُفِعَ «فَهْمٌ» بالعطف على سابقه، فالاستثناء متَّصلٌ قطعًا، وأمَّا قول الحافظ ابن حجرٍ: الظَّاهر أنَّه منقطعٌ؛ فمدفوعٌ؛ بأنَّه لو كان من غير الجنس؛ لكان قوله: «أو فَهْمٌ» منصوبًا؛ لأنَّه عطفٌ على المُستثنَى، والمُستثنَى إذا كان من غير جنس المُستثنَى منه يكون منصوبًا، وما عُطِفَ عليه كذلك، ثمَّ عطف على قوله: «كتابُ الله»، قوله: (أَوْ مَا)؛ أي: الذي (فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ)؛ وهي: الورقة المكتوبة، وكانت مُعلَّقةً بقبضة سيفه؛ إما احتياطًا أوِ استحضارًا، وإمَّا؛ لكونه منفردًا بسماع ذلك، وللنَّسائيِّ: فأخرج كتابًا من قراب سيفه، (قَالَ) أبو جُحَيفة: (قُلْتُ: ومَا)، وفي روايةِ الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فما))، وكلاهما للعطف؛ أي: أيُّ شيءٍ (فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ) عليٌّ رضي الله عنه: فيها (الْعَقْلُ)؛ أي: حكم العقل، وهو الدِّية؛ لأنَّهم كانوا يعطُون [2] فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المستحقِّ للعقل، والمُرَاد: أحكامها، ومقاديرها، وأصنافها، وأسنانها، (وَفكَاكُ)؛ بفتح الفاء [3] ، ويجوز كسرها، وهو ما يحصل به خلاص (الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) بضمِّ اللَّام عطفُ جملةٍ فعليَّةٍ على جملة اسميَّةٍ؛ أي: وفيها العقل، وفيها حرمة قصاص المسلم بالكافر، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن [4] الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((وأنْ لا يُقتَل))؛ بزيادة «أن» المصدريَّة النَّاصبة، وعُطِفَتِ الجملة على المُفرَد؛ لأنَّ التَّقدير فيها؛ أي: في الصَّحيفة: حكم العقل، وحكم تحريم قتل المسلم بالكافر، فالخبر محذوفٌ، وحينئذٍ فهو عطف جملةٍ على جملةٍ، وحرمة قصاص المسلم بالكافر هو مذهب إمامنا الشَّافعيِّ، ومالكٍ، وأحمدَ، والأوزاعيِّ واللَّيث، وغيرهم من العلماء؛ خلافًا للحنفيَّة، ويدلُّ لهم أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قتل مسلمًا بمعاهدٍ، وقال: «أنا أَكْرَمُ من وَفَّى بذمَّته» الحديث، رواه الدَّارقُطنيُّ، لكنَّه ضعيفٌ فلا يُحتَجُّ به، وتمام البحث في ذلك يأتي في محلِّه إن شاء الله تعالى، ووقع عند المصنِّف ومسلمٍ قال: ما عندنا شيءٌ نقرؤه إلَّا كتاب الله وهذه الصَّحيفة، فإذا فيها: «المدينة حَرَمٌ [5] » [خ¦1867] ، ولـ: «مسلمٍ»: وأخرج صحيفةً مكتوبةً فيها: «لعن الله من ذبح لغير الله»، وللنَّسائيِّ: فإذا فيها: «المؤمنون تتكافأ [6] دماؤهم يسعى بذمَّتهم أدناهم...» الحديث، ولأحمد: «فيها فرائض الصَّدقة»، والجمع بَيْن هذه: أنّ الصَّحيفة كانت واحدةً، وكان جميع ذلك مكتوبًا [7] فيها، فنقل كلٌّ من الرُّواة عنه ما حفظ.

[1] في غير (د): «يزعم».
[2] في (ب) و(س): «يعقلون».
[3] في (ص): «الكاف»، وهو خطأٌ.
[4] «أبي ذَرٍّ عن»: مثبتٌ من (م).
[5] في (د) و(م): «حرام».
[6] في (ص): «متكافئون»، وفي غيرها: «يتكافؤون»، والمُثبَت من (د).
[7] في (د): «منقولًا».





111- ( عَنْ سُفْيَانَ ): هو الثَّوريُّ.

( مُطَرِّفٍ ): بضمِّ الميم وفتح الطَّاء وكسر الرَّاء.

( هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ ؟ ) في الجهاد: «هل عندكم شيء من الوحي إلَّا ما في الكتاب ؟»، [خ:3047] وفي الدِّيات: «هل عندكم شيء ممَّا ليس في القرآن ؟»، [خ:6903] وفي «مسند ابن راهويه»: «هل علمت شيئًا من الوحي؟».

وإنَّما سأله أبو جحيفة عن ذلك؛ لأنَّ الشِّيعة كانوا يزعمون أنَّ عند أهل البيت لا سيَّما عليٌّ أشياء من الوحي، خصَّهم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بها، لم يُطلِع غيرهم عليها، وقد سأل عليًّا هذه المسألة أيضًا: قيسُ بن عباد، والأشترُ النَّخعيُّ، وحديثهما في «سنن النَّسائيِّ».

( قَالَ: لَا ) [/ج1ص271/] زاد في الجهاد: «والذي فلق الحبَّة وبرأ النَّسمة إلَّا كتابُ الله _ بالرَّفع _ وما في هذه الصَّحيفة»، [خ:3047] للنَّسائيِّ: «فأخرج كتابًا من قراب سيفه».

( الْعَقْلُ ) أي: الدِّية، ولابن ماجه بدله «الدِّيات» أي: تقاديرها وأحكامها.

( وَفَكَاكُ ): بكسر الفاء وفتحها.

( وَلاَ يُقْتَلُ ): بالرَّفع، وللكُشْمِيهنيِّ: «وأن لا يقتل».

تنبيه: لمسلم من طريقٍ أنَّ في الصَّحيفة: «المدينة حرم» إلى آخره، ومن طريق أنَّ فيها: «لعن الله من ذبح لغير الله» الحديث، وللنَّسائيِّ أنَّ فيها: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمَّتهم أدناهم» الحديث، ولأحمد: أنَّ فيها فرائض الصَّدقة.

والجمع: أنَّ الصَّحيفة كانت واحدة، وكان جميع ذلك مكتوبًا فيها، فنقل كلٌّ من الرُّواة ما حفظه. [/ج1ص272/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

111# حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، أنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لاَ، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: ومَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.

الشرح:

أخرجه البخاري هنا عن محمد، عن وكيع، عن سفيان، وفي «الجهاد» عن أحمد بن يونس، عن زهير، كلاهما عن مطرف، وفي «الديات» عن صدقة بن الفضل، عن ابن عيينة، عن مطرف، عن الشعبي.

قال أبو مسعود الدمشقي: يقال إن حديث وكيع عن سفيان هو ابن عيينة، ولم ينبه البخاري عليه، قال: وقد رواه يزيد العدني عن الثوري أيضاً.

قال الغساني أبو علي: هو محفوظ من حديث سفيان بن عيينة، وبوب عليه البخاري في «الديات»: «باب فكاك الأسير»، وقال فيه: قلت: لعلي هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه

@%ص213%

إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة، وذكر باقيه.

وهذا الحديث بهذا اللفظ انفرد به البخاري عن مسلم من رواية أبي جُحَيفة، واتفقا على معناه من رواية إبراهيم التيمي عن أبيه يزيد بن شريك بن طارق، قال: رأيت علياً على المنبر فسمعته يقول: «لا والله ما عندنا من كتاب نقرؤه إلا كتاب الله، وما في هذه الصحيفة» وذكر الحديث، ولم يذكر فيه العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر، وذكر فيه أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات وغيره.

وقد ذكره البخاري في «الجهاد» من حديث إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: خطب عليٌّ فقال: «ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة، فقال فيها الجراحات وأسنان الإبل والمدينة حرم ما بين عَيْر إلى ثور» وذكر حديثاً طويلاً.

وقد رواه أبو داود ورجاله رجال الصحيحين عن قيس بن عُباد قال: انطلقت أنا والأشتر إلى علي فقلنا: هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لم يعهده إلى العامة؟ قال: لا، إلا ما في كتابي هذا، قال مسدد: فأخرج كتاباً، وقال أحمد ابن حنبل: كتاباً من قراب سيفه، فإذا فيه: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده».

قلت: في هذه الألفاظ المذكورة في الأحاديث تصريح من علي رضي الله عنه بإبطال ما يزعمه الرافضة والشيعة ويخترعونه من قولهم: إن علياً أوصى إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأمور كثيرة من أسرار العلم، وقواعد الشريعة، وعلم الغيب ما لم يطلع عليه غيره، وأنه صلى الله عليه وسلم خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم.

قال العلماء: وهذه كلها دعاوى باطلة

@%ص214%

واختراعات فاسدة، لا أصل لها.

وفي الحديث دليل لمالك والشافعي والجمهور في أن المسلم لا يقتل بالكافر قصاصاً، وروي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، وقال به جماعة من التابعين، وهو مذهب الأوزاعي أيضاً والليث والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور، إلا أن مالكاً والليث قالا: إن قتله غيلةً قتل به، والغيلة أن يقتله على ماله كما يصنع قاطع الطريق لا يقتله لثائرة ولا عداوة.

وذهب أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى إلى أنه يقتل المسلم بالذمي، ولا يقتل بالمستأمن والمعاهد، وهو قول سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي، واحتجوا بما رواه الدارقطني عن الحسن بن أحمد، عن سعيد بن محمد الرهاوي، عن عمار بن مطر، عن إبراهيم بن محمد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَتَلَ مسلماً بمعاهد، ثم قال: أنا أكرمُ مَنْ وَفى بذمَّته» .

قال الدارقطني: لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك، والصواب إرساله، وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف إذا أرسله؟ هذا آخر كلامه.

وقال مالك ويحيى بن سعيد وابن معين: هو كذاب، يعني إبراهيم بن أبي يحيى.

وقال أحمد والبخاري: ترك الناس حديثه.

وابن البيلماني اسمه: عبد الرحمن، وقد ضعفوه. وقال أحمد: من حكم بحديثه فهو عندي مخطىء، وإن حكم به حاكم نقض.

وقال ابن المنذر: أجمع أهل الحديث على ترك المتصل من حديثه، فكيف بالمنقطع؟

واحتجوا أيضاً بالإجماع على أن المسلم تقطع يده إذا سرق من مال ذمي، واستدلوا أيضاً بقوله عليه السلام في الحديث الأول: «ألا لا يقتل مسلم بكافر ولا

@%ص215%

ذو عهد في عهده، أي بكافر، وجعلوه من باب عطف الخاص على العام، وأنه يقتضي تخصيص العام؛ لأن الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوي له والأعلى، وهو الذمي، فلا يبقى أحد لا يقتل به المعاهد إلا الحربي، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه.

والجواب من وجوه:

الأول: أن الواو ليست للعطف؛ بل للاستئناف، وما بعد ذلك جملة مستأنفة، فلا حاجة إلى الإضمار فإنه بخلاف الأصل، فلا يقدر فيه بكافر.

الثاني: سلمنا أنه من باب عطف المفرد والتقدير: بكافر، لكن المشاركة بواو العطف وقعت في أصل النفي لا في جميع الوجوه، كما إذا قال القائل: مررت بزيد منطلقاً وعمرو.

قال الشهاب القرافي: المنقول عن أهل اللغة والنحو أن ذلك لا يقتضي أنه مر بالمعطوف منطلقاً؛ بل الاشتراك في مطلق المرور.

الثالث: أن المعنى: لا يقتل ذو عهد في عهده خاصة إزالة لتوهم مشابهة الذمي، فإنه لا يقتل ولا ولده الذي لم يعاهد، لأن الذمة تنعقد له ولأولاده وهلم جراً، قال الله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه}.

وأما الجواب عن القياس المذكور: فإنه قياس في مقابلة النص، وهو قوله: «لا يقتل مسلم بكافر» فلا أثر له.


لا تتوفر معاينة

111- وبه قال: ((حدثنا ابن سلَام)) : محمد أبو عبد الله البيكندي، وهو بتخفيف اللام، وقد تشدد، وفي رواية: (محمد بن سلام) ((قال: أخبرنا وكيع)) : بن الجراح بن مليح الكوفي المفتي على مذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، قال حماد بن زيد: إنَّه أرجح من سفيان، المتوفى يوم عاشوراء سنة تسع وتسعين ومئة عن إحدى وسبعين سنة، ((عن سفيان)) : ابن عُيينة _بضم العين_ أو الثوري، وجزم بالأول في «عمدة القاري»، وجزم بالثاني ابن حجر؛ لشهرة وكيع بالرواية عنه، وردَّ بأن وكيعًا مشهور بالرواية عن السفيانين كليهما، ونص في «الأطراف» على أنَّه ابن عيينة؛ فليحفظ.

((عن مُطَرِّف)) ؛ بضم الميم، وفتح الطاء، وكسر الراء المشددة، آخره فاء: ابن طَريف _بطاء مهملة مفتوحة_، أبو بكر الكوفي الحارثي، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومئة، ((عن الشَّعْبي)) : عامر؛ بفتح المعجمة وسكون المهملة، ((عن أبي جُحَيْفة)) ؛ بضم الجيم، وفتح المهملة، وسكون التحتية، واسمه وهب بن عبد الله السُّوائي _بضم السين المهملة، وتخفيف الواو وبالمد_، الكوفي، وكان علي رضي الله عنه يكرمه ويحبه، وجعله على بيت المال، وهو من صغار الصحابة، المتوفى سنة اثنين وسبعين، ((قال: قلت لعلي)) : الصديق الأصغر، زاد الأصيلي: (ابن أبي طالب رضي الله عنه) .

((هل)) : للاستفهام ((عندكم)) : الخطاب لعلي إما للتعظيم، أو لإرادته مع سائر أهل البيت النبوي، أو للالتفات من خطاب المفرد إلى خطاب الجمع ((كتاب)) ؛ بالرفع مبتدأ، وخبره: (عندكم) مقدمًا؛ أي: مكتوب أخذتموه عن النبي الأعظم عليه السلام مما أوحي إليه، ويدل لهذا ما عند المؤلف في (الجهاد) : (هل عندكم شيء من الوحي) ، وإنما سأله أبو جحيفة؛ لأنَّ الشيعة كانوا يزعمون أن النبي عليه السلام خص أهل البيت، لا سيما علي بأسرار من علم الوحي لم يذكرها لغيره.

((قال)) علي: ((لا)) كتاب عندنا ((إلا كتاب الله)) ؛ بالرفع بدل من المستثنى منه، وهو استثناء متصل؛ لأنَّ المفهوم من الكتاب كتاب أيضًا؛ لأنَّه من جنسه، وما زعمه ابن حجر من أنه منقطع؛ رده في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((أو فهم)) ؛ بالرفع عطفًا على (كتاب) ، ولو كان الاستثناء منقطعًا كما زعمه؛ لكان قوله: (أو فهم) منصوبًا، والرواية بالرفع؛ فليحفظ، والفهم: جودة الذهن بمعنى العلم ((أعطيَه)) ؛ بفتح التحتية على صيغة المجهول، أسند إلى قوله: ((رجل)) : مفعول أول نائب عن الفاعل، والضمير المنصوب مفعول ثان ((مسلم)) ؛ بالرفع صفة لـ (رجل) من فحوى الكلام ويدركه من بواطن المعاني التي هي غير الظاهر من نصه، كوجوه الأقيسة والمفاهيم وسائر الاستنباطات، وما قاله ابن المنير رده في «عمدة القاري».

ويدل لهذا قوله: ((أو ما)) : عطف على (كتاب الله) ، و (ما) : موصولة مبتدأ بمعنى الذي، وقوله: ((في هذه الصحيفة)) : خبره؛ وهي الورقة المكتوبة، وكانت معلقة بقبضة سيفه إما احتياطًا أو استحضارًا، وإما لكونه منفردًا بسماع ذلك، وفي «النسائي»: (فأخرج كتابًا من قراب سيفه) ، واقتران الصحيفة بالسيف الإشعار بأن مصالح الدين ليست بالسيف وحده؛ بل بالقتل تارة، وبالدية أخرى، وبالعفو تارة أخرى.

((قال)) أبو جحيفة: ((قلت: وما)) : وفي رواية: (فما) ، وكلاهما للعطف استفهام مبتدأ؛ أي: أي شيء ((في هذه الصحيفة)) : خبر المبتدأ ((قال)) الصديق الأصغر: ((العقل)) ؛ بالرفع مبتدأ حذف خبره؛ أي: فيها العقل، والمضاف فيه محذوف أيضًا؛ أي: حكم العقل؛ أي: الدية، وإنما سميت به؛ لأنَّهم كانوا يعطون فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال؛ وهو الحبل، والمراد أحكامها، ومقاديرها، وأصنافها، وأسنانها، كما في «عمدة القاري».

وفي رواية «الصحيحين» من طريق يزيد التيمي: فإذا فيها: «المدينة حرام...»؛ الحديث، ولمسلم عن أبي الطفيل: فأخرج صحيفة مكتوب فيها: «لعن الله من ذبح لغير الله...»؛ الحديث، وللنسائي من طريق الأشتر: فإذا فيها: «المؤمنون يتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم...»؛ الحديث، ولأحمد من طريق ابن شهاب: فإذا فيها: (فرائض الصدقة) ، والجمع بين هذه الأحاديث أنَّ الصحيفة كانت واحدة وكان جميع ذلك مكتوبًا فيها فنقل كل من[/ص68/] الرواة ما حفظه.

((وفكاكُ)) ؛ بالرفع عطف على (العقل) ، وهو بفتح الفاء وكسرها؛ هو ما يفتك ويخلص به ((الأسير)) : فعيل بمعنى المأسور من أسره؛ إذا شده بالأسارى؛ وهو القِد؛ بكسر القاف وبالمهملة، ويقال: القيد، والمراد حكمه والتَّرغيب في تخليصه، وأنَّه من أنواع البر فينبغي الاهتمام به.

((ولا يقتلُ)) ؛ بضم اللام ((مسلم بكافر)) : وفي رواية: (وأن لا يقتل) ؛ بزيادة (أن) الناصبة، وهي مصدرية في محل رفع على الابتداء، والخبر محذوف؛ تقديره: وفيها أن لا يقتل؛ أي: وفيها عدم قتل مسلم بكافر؛ يعني: حرمة قصاص المسلم بالكافر، وعلى الرواية الأولى بحذف (أن) ، فإنَّه جملة فعلية معطوفة على جملة اسمية؛ أعني: قوله: (العقل) ؛ لأنَّ تقديره: وفيها العقل؛ والتقدير: وفيها العقل وفيها حرمة قصاص المسلم بالكافر، فهو عطف جملة على جملة.

استدل بظاهر الحديث مالك، والشافعي، وأحمد على أن المسلم لا يقتل بالكافر قصاصًا، وبه قال الأوزاعي، والليث، والثوري، وقال إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل والإمام أبو يوسف في رواية، والإمام محمد، والإمام زفر، والإمام الحسن بن زياد: يقتل المسلم بالكافر، وبه قال النخعي، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى، وعثمان البتِّي، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز.

وقالوا: ولا يقتل بالمستأمن والمعاهد لهم عمومات قول الله عز وجل: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] ، وقوله جل ذكره: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ} [البقرة: 178] ، وقوله سبحانه وتعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء: 33] ، فإنَّ هذه الآيات تدل صريحًا على أن المسلم يقتل بالكافر؛ لأنَّ ذلك عام في شريعة من قبلنا وفي شريعتنا؛ لأنَّ الله تعالى قد قصه علينا وقرره النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم من غير إنكار ولا تخصيص، فلزمنا العمل به.

والمراد بالسلطان: القصاص في العمد، والدية في الخطأ، واتفق الإمام الأعظم، وأصحابه، والثوري، وابن أبي ليلى على أن الحر يقتل بالعبد، كما يقتل العبد به، وهو قول داود، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن مسعود رضي الله عنهما،وبه قال سعيد بن المسيب، والنخعي، وقتادة، والحكم؛ لما رواه الحسن بن سمرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل عبده؛ قتلناه»، أخرجه أبو داود والنسائي، وهو حجة على منع ذلك، ولا دليل لهم في قوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا...}؛ الآية؛ لأنَّ المراد بالسلطان: القصاص، كما مر؛ فافهم.

وقول النبي الأعظم عليه السلام: «العمد قود»، وما رواه الدارقطني عن ابن عمر: أن رسول الله عليه السلام أتي برجل من المسلمين قد قتل معاهدًا من أهل الذمة، فأمر به فقتل، وقال: «أنا أولى من وفَّى بذمته»، واعترض بأن الدارقطني قال: لم يسنده إلَّا إبراهيم بن يحيى، وهو متروك، والصواب إرساله، وبأن المقتول كان عمرو بن أمية الضمري، وأنه عاش بعد النبي عليه السلام.

وأجيب: بأن الحديث رواه مالك في «الموطأ»، واحتج به محمد، والمرسل حجة عندنا، وأمَّا المقتول؛ فيحتمل أنهما اثنان، قتل أحدهما، وعاش الآخر بعد النبي عليه السلام.

والمراد من قوله: (ولا يقتل مسلم بكافر) : الكافر: الحربي؛ لأنَّ الحديث لم يكن مفردًا لكنه كان موصولًا بغيره، وهو الذي رواه قيس بن عباد والأشتر، فإن في روايتهما: (لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده) ، وهذا لا يدل على ما قالوه؛ لأنَّ ذا العهد كافر، فدل على أن الكافر الذي منع النبي عليه السلام أن يقتل به مؤمن في الحديث المذكور هو الكافر الحربي الذي لا عهد له، وهذا لا خلاف فيه لأحد أن المؤمن لا يقتل بالكافر الحربي.

ويدل لذلك أن أصل الحديث كان في خطبته عليه السلام يوم فتح مكة، وكان رجل من خزاعة قتل رجلًا من هذيل في الجاهلية، فقال عليه السلام: «ألا كل دم كان لفي الجاهلية؛ فهو موضوع تحت قدميَّ هاتين، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده»، وعهد الذمة كان بعد فتح مكة، كما قاله أهل المغازي فكأنَّ قوله يوم الفتح: «لا يقتل مؤمن بكافر»؛ منصرفًا إلى الكفار والمعاهدين؛ لأنَّه لم يكن هناك ذمي ينصرف إليه الكلام، ويدل لذلك: (ولا ذو عهد في عهده»، نعطف (ذو العهد) وهو الذمي على (المسلم) ؛ وتقديره: لا يقتل مسلم ولا ذو عهد بكافر حربي؛ لأنَّ الذمي إذا قتل ذميًا؛ يقتل به.

فعلم بهذا أن المراد به الحربي؛ إذ هو لا يقتل به مسلم ولا ذمي، ووقع الإجماع على أن المسلم تقطع يده إذا سرق من مال الذمي فكذا يقتل إذا قتله، وأن قوله: (ولا ذو عهد في عهده) من باب عطف الخاص على العام، وأنه يقتضي تخصيص العام؛ لأنَّ الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوي له، والأعلى وهو الذمي، فلا يبقى أحد يقتل به المعاهد إلَّا الحربي، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه.

واعترض بأن الواو ليست للعطف، بل للاستئناف، وما بعده جملة مستأنفة، وردَّ بأن الأصل في الواو العطف، ودعوى الاستئناف تحتاج إلى دليل ولا دليل، وأن ذو العهد مفرد وقد عطف على الجملة فيأخذ الحكم منها؛ لأنَّ المعطوف الناقص يأخذ الحكم من المعطوف عليه التام، وأنَّ المعنى يأبى ذلك فإنَّ المراد بسوق الكلام الأول نفي القتل قصاصًا لا نفي القتل مطلقًا، فكذا الثاني تحقيقًا للعطف؛ لأنَّه لا يجوز ذلك في المفرد، لا يقال: معناه: لا يقتل مسلم بكافر ولا بذي عهد؛ أي: لا يقتل بكافر حربي ولا بذي عهد؛ لأنَّا نقول: لو أريد ذلك المعنى؛ كان لحنًا، إذ لا يجوز عطف المرفوع على المجرور فلا يجوز نسبة الرسول عليه السلام إليه؛ لأنَّه أفصح العرب، ولا يقال: روي: (ذي عهد) ؛ بالجر في بعض طرقه، فيكون معطوفًا على الكافر؛ لأنَّا نقول: إن صح ذلك؛ فهو جر بالمجاورة لا بالعطف، ومثله جائز؛ كقوله عز وجل: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] ؛ بالجر للمجاورة، فحملناه عليه توفيقًا بين الروايتين، والله تعالى أعلم، وتمامه في «عمدة القاري».