متن الصحيح الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

107- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ البصريُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ) المحاربيِّ الكوفيِّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة ثمانِ عشْرةَ ومئةٍ، (عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام الأسديِّ القرشيِّ، اشترى نفسه من الله ستَّ مرَّاتٍ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئةٍ، (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن الزُّبَيْر الصَّحابيِّ، أوَّل مولودٍ وُلِدَ في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، وكان أطلسَ لا لحيةَ له، وتُوفِّيَ سنة اثنتين وسبعين، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ) بن العوَّام؛ بتشديد الواو، حواريِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العشرة المُبشَّرة [1] بالجنَّة، المُتوفَّى بوادي السِّباع بناحية البصرة سنة ستٍّ وثلاثين، بعد منصرفه من وقعة الجمل، وله في «البخاريِّ» تسعة [2] أحاديث: (إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ)؛ أي: كتحديث فلانٍ وفلانٍ، وسمَّى منهما في رواية ابن ماجه: عبد الله بن مسعود، (قَالَ)؛ أي: الزُّبَيْر: (أَمَا)؛ بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: حرف استفتاحٍ؛ ولذا كُسِرَت همزة «إنَّ» بعدها في قوله: (إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ) صلى الله عليه وسلم، زاد الإسماعيليُّ: ((منذ أسلمت))، والمُرَاد: المُفَارَقة العرفيَّة الصَّادقة بأغلب الأحوال [3] ، وإلَّا؛ فقد هاجر إلى الحبشة ولم يكن مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حال هجرته إلى المدينة، لكن أُجِيب عن هجرة الحبشة: بأنَّها كانت قبل ظهور شوكة الإسلام؛ أي: ما فارقته عند ظهور شوكته، (وَلَكِنْ)، وللأَصيليِّ [/ج1ص200/] وابن عساكر وأبي ذَرٍّ والحَمُّويي: ((ولكنِّي))، وفي روايةٍ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: ((ولكنَّني))؛ إذ يجوز في «إنَّ» وأخواتها إلحاق نون الوقاية بها وعدمه، (سَمِعْتُهُ) صلى الله عليه وسلم (يَقُولُ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَليَتَبَوَّأْ)؛ بكسر اللَّام على الأصل، وبسكونها على المشهور، و«مِنْ»: موصولٌ متضمِّنٌ معنى الشَّرط، والتَّالي صلته، و«فليتبوَّأْ» جوابه، أمرٌ مِنَ: التَّبوُّء؛ أي: فَلْيَتَّخِذْ (مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)؛ أي: فيها، والأمر هنا معناه الخبر؛ أي: أنَّ الله تعالى يبوِّئه مقعده من النَّار، أو أمرٌ على سبيل التَّهكُّم والتَّغليظ، أو أمر تهديدٍ، أو دعاءٌ على معنى: بوَّأه الله، وإنَّما خشيَ الزُّبَيْر من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر؛ لأنَّه وإن لم يأثم بالخطأ؛ لكن [4] قد يأثم بالإكثار؛ إذِ الإكثار مظنَّة الخطأ، والثِّقة إذا حدَّث بالخطأ، فَحُمِلَ عنه وهو لا يشعر أنَّه خطأٌ؛ يُعمَل به على الدَّوام للوثوق بنقله، فيكون سببًا للعمل بما لم يقله الشَّارع، فمن خشيَ من الإكثار الوقوع في الخطأ؛ لا يُؤمَن عليه الإثمُ إذا تعمَّد الإكثار، فمن ثمَّ توقَّف الزُّبير وغيره من الصَّحابة عن الإكثار من التَّحديث، وأمَّا من أكثر منهم؛ فمحمولٌ على أنَّهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتَّثبُّت، أو طالت أعمارهم فاحتِيج إلى ما عندهم، فسُئلوا فلم يُمْكِنْهُمُ الكتمانُ، قاله الحافظ ابن حجرٍ.

[1] في غير (د) و(س): «المُبشَّرين».
[2] في (ب) و(ص): (سبعة»، وهو خطأٌ.
[3] في (ب) و(س): «الأوقات».
[4] في (ب) و(س): «لكنَّه»





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

107-. حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن جامِعِ بنِ شَدَّادٍ، عن عامِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ، عن أَبِيهِ، قالَ:

قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَما يُحَدِّثُ فُلانٌ وَفُلانٌ!؟ قالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفارِقْهُ، وَلَكِنْ [1] سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

[1] في رواية الأصيلي وأبي ذر وحاشية رواية ابن عساكر: «ولكنِّي».





107- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ البصريُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ) المحاربيِّ الكوفيِّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة ثمانِ عشْرةَ ومئةٍ، (عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام الأسديِّ القرشيِّ، اشترى نفسه من الله ستَّ مرَّاتٍ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئةٍ، (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن الزُّبَيْر الصَّحابيِّ، أوَّل مولودٍ وُلِدَ في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، وكان أطلسَ لا لحيةَ له، وتُوفِّيَ سنة اثنتين وسبعين، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ) بن العوَّام؛ بتشديد الواو، حواريِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العشرة المُبشَّرة [1] بالجنَّة، المُتوفَّى بوادي السِّباع بناحية البصرة سنة ستٍّ وثلاثين، بعد منصرفه من وقعة الجمل، وله في «البخاريِّ» تسعة [2] أحاديث: (إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ)؛ أي: كتحديث فلانٍ وفلانٍ، وسمَّى منهما في رواية ابن ماجه: عبد الله بن مسعود، (قَالَ)؛ أي: الزُّبَيْر: (أَمَا)؛ بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: حرف استفتاحٍ؛ ولذا كُسِرَت همزة «إنَّ» بعدها في قوله: (إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ) صلى الله عليه وسلم، زاد الإسماعيليُّ: ((منذ أسلمت))، والمُرَاد: المُفَارَقة العرفيَّة الصَّادقة بأغلب الأحوال [3] ، وإلَّا؛ فقد هاجر إلى الحبشة ولم يكن مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حال هجرته إلى المدينة، لكن أُجِيب عن هجرة الحبشة: بأنَّها كانت قبل ظهور شوكة الإسلام؛ أي: ما فارقته عند ظهور شوكته، (وَلَكِنْ)، وللأَصيليِّ [/ج1ص200/] وابن عساكر وأبي ذَرٍّ والحَمُّويي: ((ولكنِّي))، وفي روايةٍ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: ((ولكنَّني))؛ إذ يجوز في «إنَّ» وأخواتها إلحاق نون الوقاية بها وعدمه، (سَمِعْتُهُ) صلى الله عليه وسلم (يَقُولُ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَليَتَبَوَّأْ)؛ بكسر اللَّام على الأصل، وبسكونها على المشهور، و«مِنْ»: موصولٌ متضمِّنٌ معنى الشَّرط، والتَّالي صلته، و«فليتبوَّأْ» جوابه، أمرٌ مِنَ: التَّبوُّء؛ أي: فَلْيَتَّخِذْ (مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)؛ أي: فيها، والأمر هنا معناه الخبر؛ أي: أنَّ الله تعالى يبوِّئه مقعده من النَّار، أو أمرٌ على سبيل التَّهكُّم والتَّغليظ، أو أمر تهديدٍ، أو دعاءٌ على معنى: بوَّأه الله، وإنَّما خشيَ الزُّبَيْر من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر؛ لأنَّه وإن لم يأثم بالخطأ؛ لكن [4] قد يأثم بالإكثار؛ إذِ الإكثار مظنَّة الخطأ، والثِّقة إذا حدَّث بالخطأ، فَحُمِلَ عنه وهو لا يشعر أنَّه خطأٌ؛ يُعمَل به على الدَّوام للوثوق بنقله، فيكون سببًا للعمل بما لم يقله الشَّارع، فمن خشيَ من الإكثار الوقوع في الخطأ؛ لا يُؤمَن عليه الإثمُ إذا تعمَّد الإكثار، فمن ثمَّ توقَّف الزُّبير وغيره من الصَّحابة عن الإكثار من التَّحديث، وأمَّا من أكثر منهم؛ فمحمولٌ على أنَّهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتَّثبُّت، أو طالت أعمارهم فاحتِيج إلى ما عندهم، فسُئلوا فلم يُمْكِنْهُمُ الكتمانُ، قاله الحافظ ابن حجرٍ.

[1] في غير (د) و(س): «المُبشَّرين».
[2] في (ب) و(ص): (سبعة»، وهو خطأٌ.
[3] في (ب) و(س): «الأوقات».
[4] في (ب) و(س): «لكنَّه»





لا تتوفر معاينة

107- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ): هذا هو هشام بن عبد الملك الطيالسيُّ، الحافظ، عن هشام الدستوائيِّ، وشعبة، وعنه: البخاريُّ، وأبو داود، وابن الضَّريس، قال أحمد: (هو اليوم شيخ الإسلام) ، وقال أَبُو زرعة: (كان إمامًا في زمانه) ، وقال أَبُو حاتم: (إمام فقيه حافظ، ما رأيت في يده كتابًا قطُّ) ، مات سنة (227 هـ ) ، وله (94) سنة، أخرج له الجماعة، ذكره صاحب «الميزان» تمييزًا.

قوله: (كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ؟): أخرج ابن ماجه الحديث في (السُّنَّة) ، وفيه: (كما أسمع ابن مسعود وفلانًا وفلانًا [1] ) ، فهذا عيَّن واحدًا ممَّن ذكر.

[قوله: (أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ): هذا فيه مجاز؛ لأنَّه هاجر إلى الحبشة ولم يكن معه عليه الصَّلاة والسَّلام في الهجرة إلى المدينة [2] ، ولا معه في الطَّائف، ولكن لمَّا كان الغالب عدم مفارقته له؛ قال ذلك] [3] .

قوله: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ): لفظ: (فليتبوَّأ): أمر ومعناه الخبر، وقيل: دعاء عليه.

هذا حديث جليل، متواتر مقطوع به، ولا يوجد له مشابه في طرقه وكثرتها، قال البزَّار: (رواه مرفوعًا نحو من أربعين صحابيًّا) ، وقال ابن الصَّلاح: (إنَّه حديث بلغ عدد التواتر، رواه الجمُّ الكثير من الصَّحابة، قيل: إنَّهم يبلغون [4] ثمانين نفسًا، ولم يزل في [5] اشتهار، وكثرة طرق في هذه الأزمان) ، وحَكى أَبُو بكر الصيرفيُّ في «شرح الرسالة»: أنَّه رواه أكثر من ستِّين صحابيًّا [6] ، وجمع الحافظ أَبُو الحجَّاج يوسف بن خليل الدمشقيُّ طرقه في جزء ضخم، بلغ رواته فوق سبعين صحابيًّا، قاله شيخنا الشَّارح، وقال شيخنا العراقيُّ: (مئة واثنين) انتهى، وذُكِر في جملة رواته العشرةُ إلَّا عبد الرَّحمن بن عوف، وبلغ بهم الطَّبرانيُّ وابن منده: سبعة وثمانين؛ منهم: العشرةُ، ويجتمع من كلام ابن منده في «مستخرجه» وكلام ابن خليل: نحو المئة، وقال بعضهم: رواه مئتان من الصَّحابة، [وهذا حكاه النَّوويُّ في شرح مقدِّمة «مسلم»، قال شيخنا العراقيُّ: (وأخبرني بعض الحفَّاظ: أنَّه رواه مئتان من الصَّحابة] [7] ، وأنا أستبعد وقوع ذلك) انتهى [8]

وعن ابن دحية في كلامه على رجب بعد أنَّ قال: (رُوِي من نحو تسعين صحابيًّا، وقد أُخرِج من نحو أربع مئة طريق) انتهى [9] ، قال بعضهم: ولا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة سواه، وليس كما ذكر، فقد اجتمع ذلك في رفع اليدين والمسح على الخفَّين.

وقد ذكرت من روى حديث: «من كذب عليَّ» على حروف المعجم في المسوَّدة التي لهذا الكتاب [10] ، والله أعلم.

وقد قال شيخنا العراقيُّ بعد أنَّ ذكرهم: (فهؤلاء خمسة وسبعون، يصحُّ من حديث نحو من عشرين، اتَّفق الشَّيخان على إخراج أحاديث أربعةٍ منهم، وانفرد البخاريُّ بثلاثة، ومسلم بواحد) ، وإنَّما يصحُّ من حديث خمسةٍ من العشرة، والباقي أسانيدها ضعيفة، قال: (ولا يمكن التواتر في شيء من طرق هذا الحديث؛ لأنَّه يتعذَّر وجود ذلك في الطرفين والوسط، بل بعض طرقه الصَّحيحة إِنَّمَا هي أفراد عن بعض رواتها) .

وقد زاد بعضهم في عدد هذا الحديث حتَّى جاوز المئة، ولكنَّه ليس هذا المتن، وإنَّما هي أحاديث في مطلق الكذب عليه؛ [/ج1ص60/] كحديث: «من حدَّث عني بحديث وهو يرى أنَّه كذب؛ فهو أحد الكاذبين»، ونحو ذلك، فحذفتها ولم أعدَّها في طرق الحديث، ثمَّ رأيته بعدُ في «شرح مسلم» للنوويِّ، ولعلَّ هذا محمول على الأحاديث الواردة في مطلق الكذب، لا هذا المتن بعينه، والله أعلم.

ثمَّ اعلم أنِّي رأيت في كلام ابن عبد البَرِّ، وكذا في كلام أبي محمَّد ابن حزم، وكذا في كلام ابن تيمية أبي العبَّاس، (وكذا في كلام ابن القيِّم شمس الدين) [11] أحاديث كثيرة جدًّا، وصفوها بالتواتر، وما أظنُّهم أرادوا بذلك الذي ذكره الأصوليُّون، وإنَّما أرادوا الصحَّة والشهرة المستفيضة، وممَّا رأيت أنَّه ادَّعى فيه التواتر من الأحاديث [ابنُ عبد البَرِّ في «الاستيعاب» في ترجمة عمار بن ياسر قال: (وتواترت الآثار عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: «تقتل عمارًا الفئةُ الباغية») انتهى.

وممَّا رأيته ادُّعي فيه التواتر] [12] : حنين الجذع، قال القاضي عياض في «الشفا»: (إنَّه متواتر) .

وفي «التَّذكرة» للقرطبيِّ عنِ الآبُريِّ قال: (قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عنِ المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ يعني: المهديَّ، وأنَّه من أهل البيت... إلى آخر كلامه.

وَحديث: «من كذب عليَّ متعمِّدًا»، ذكره ابن الصَّلاح.

وَحديث مسح الخفِّ، جعله ابن عبد البَرِّ متواترًا.

وأحاديث الحوض، قال القاضي عياض: (إنَّ حديثه متواتر بالنقل) .

وأحاديث الشَّفاعة، ذكر ذلك القاضي عياض: (أنَّه بلغ مجموعها التواتر) .

وَحديث النَّهي عنِ الصَّلاة في معاطن الإبل، [قال ابن حزم في «المحلَّى»: (إنَّه نُقِل تواترٌ يوجب العلم) .

وأحاديث النَّهي عنِ اتخاذ القبور مساجد، قال ابن حزم: (متواترة توجب يقين العلم) .

ومن ذلك الأحاديث الواردة في قول المصلِّي: (ربَّنا لك الحمد ملء السماوات...) إلى: (بعدُ) ، قال ابن حزم: (متواترة) .

وَحديث اهتزاز [13] العرش لموت سعد بن معاذ، قال ابن عبد البَرِّ في «الاستيعاب» في ترجمة سعد: (إنَّه متواتر) .

وَحديث رفع اليدين في الصَّلاة للإحرام والركوع [14] والرفع مِنْهُ] [15] ، قال ابن حزم: (إنَّها متواترة) .

وَحديث انشقاق القمر، قال شيخنا الشَّارح: (يبلغ بها حدَّ التواتر) ، ذكر ذلك في تخريج أحاديث «مختصر ابن الحاجب في الأصول».

وذكر أيضًا شيخنا الشَّارح عنِ الحاكم: (أنَّه تواترت الأخبار: أنَّ إدريس في الرَّابعة، وتواترت الأخبار: أنَّ هارون في الخامسة، وتواترت الأخبار: أنَّ موسى في السَّادسة، وإبراهيم في السَّابعة) انتهى، وهذا كلُّه [16] في حديث واحد؛ وهو حديث الإسراء ورؤية الأنبياء المذكورين فيه.

وقال الحاكم أيضًا في «المستدرك»: (وقد تواترت الأسانيد بصحَّة خطبة عمر رضي الله عنه بذلك) ؛ يعني: بقوله: (لا تغالوا بصدُقات النساء) ، وهذا من الآثار من كلام عمر رضي الله عنه.

[وادَّعى ابن بطَّال في «شرح البخاريِّ» تواتر حديث النَّهي عنِ الصَّلاة بعد الصبح وبعد العصر؛ أي: بعد فعلهما، كما نقله شيخنا عنه] [17] .

وقد رأيت ادِّعاء التواتر في أحاديث كثيرة -في غير كلام الأربعة الذين ذكرتهم أوَّلًا كما ذكر الحاكم في «المستدرك» قال ما لفظه: (تواترت الأخبار: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولد مختونًا مسرورًا) ، وقد تعقَّبه في ذلك الحافظ الذَّهبيُّ في «تلخيصه للمستدرك»، فقال: (ما أعلم صحَّة ذلك، فكيف متواترًا؟) انتهى، وقد ذكرت مسألة: هل ولد عليه السَّلام مختونًا أم لا؟ مطوَّلة في تعليقي على «سيرة ابن سيِّد الناس»؛ فانظر ذلك إن أردته- لا يحضرني الآن، ولكن ذكرت لك منها ما أستحضره الآن، والله أعلم.

[1] في النسخ: (وفلان وفلان) ، وكتب فوقهما في (أ): (كذا) ، والمثبت من «سنن ابن ماجه» (36) .
[2] (إلى المدينة): ليس في (ب) .
[3] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[4] في (ج): (يبلغوا) .
[5] (في): ليس في (ب) .
[6] في (ب): (حافظًا) .
[7] ما بين معقوفين ليس في (ج) ، وزيد في (ب): (انتهى) .
[8] (انتهى): ليس في (ب) .
[9] (انتهى): ليس في (ب) .
[10] زيد في (ج): (انتهى) .
[11] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[12] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[13] في (ج): (اهتز) .
[14] (والركوع): مثبت من (ج) .
[15] ما بين معقوفين سقط في (ب) .
[16] زيد في (ج): (في كله) .
[17] ما بين معقوفين سقط من (ج) .





107- ( جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ ) بفتح الشين المعجمة وتشديد الدال.

( فَلْيَتَبَوَّأْ ) لفظه أمر، ومعناه الخبر، أي: تبوأ، وقيل: دعاء عليه، ثم أخرِج مخرج الذمِّ.


107- ( كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ ): سُمِّي منهما في رواية ابن ماجه: ابن مسعود.

( أَمَا ): بالفتح و التَّخفيف: حرف تنبيه.

( إِنِّي ): بكسر الهمزة.

( لَمْ أُفَارِقْهُ ) زاد الإسماعيليُّ: «منذ أسلمت».

( فَلْيَتَبَوَّأْ ) أي: فليتَّخذ لنفسه منزلًا، أمر بمعنى الخبر، ولأحمد: «يبني له بيت في النَّار». [/ج1ص270/]


107- وبه قال: ((حدثنا أبو الوليد)) : هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري ((قال: حدثنا شعبة)) : بن الحجاج، ((عن جامع بن شداد)) : المحاربي أبو صخر الكوفي، المتوفى سنة ثماني عشرة ومئة، (عن عامر بن عبد الله بن الزبير) : بن العوَّام الأسدي القرشي أبو الحارث المدني، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئة، ((عن أبيه)) : عبد الله بن الزبير بن العوَّام أبو بكر، الصحابي بن الصحابي، أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، ولدته أمه أسماء بنت الصديق الأكبر بقباء، وأتت به النبي الأعظم عليه السلام فوضعه في حجره، ودعا بثمرة فمضغها ثم تفل في فيه وحنَّكه، فكان أول شيء دخل في جوفه ريق النبي الأعظم عليه السلام، ثم دعا [1] له، وكان أطلس لا لحية له، بويع بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية سنة أربع وستين، واجتمع على طاعته أهل الحجاز، واليمن، والعراق، وخراسان [2] ما عدا الشام، وجدد عمارة الكعبة، وجعل لها بابين وحج بالناس ثماني حجج، وبقي في الخلافة إلى [أن] حصره الحجاج بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة اثنين وسبعين، ولم يزل يحاصره [3] إلى أن أصابته رمية الحجر، فمات وصلبَ جثته وحمل رأسه إلى خراسان [4] رضي الله عنه.

أنَّه ((قال: قلت للزُّبير)) ؛ بضم الزاي: بن العوَّام _بتشديد الواو_، القرشي أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى وحواري النبي الأعظم عليه السلام، وكان يوم الجمل قد ترك القتال وانصرف عنه فلحقه جماعة من الغزاة فقتلوه بوادي السباع بناحية البصرة، ودفن سنة ست وثلاثين، ثم حول إلى البصرة، وقبره[/ص66/] مشهور بها، وكان له أربع نسوة، ودفع الثلث فأصاب كل امرأة منهن ألف ألف ومئتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومئة ألف.

((إنِّي لأسمعك تحدث)) ؛ أي: لأسمع تحديثك، وحذف مفعوله، وفي رواية إسقاط: (إنِّي) ، ((عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث)) : الكاف للتشبيه، و (ما) : مصدرية؛ أي: كتحديث ((فلان وفلان)) : سمَّى منهما في رواية ابن ماجه: عبد الله بن مسعود، ((قال)) ؛ أي: الزبير: ((أَمَا)) ؛ بفتح الهمزة وتخفيف الميم، حرف تنبيه ((إِنِّي)) ؛ بكسر الهمزة ((لم أفارقه)) عليه السلام، جملة من الفعل والفاعل والمفعول، محلها الرفع خبر: (إنَّ) ، زاد في رواية: (منذ أسلمت) ، وأراد به عدم المفارقة الصرفية؛ أي: ما فارقته سفرًا وحضرًا، وهجرته إلى الحبشة كانت قبل ظهور شوكة الإسلام؛ أي: ما فارقته عند ظهوره، أو المراد في أكثر الأحوال.

((ولكني)) : وفي رواية: (لكنني) ؛ بنونين، ويجوز في (أن) وأخواتها إلحاق نون الوقاية بها وعدم الإلحاق، وهي للاستدراك، وشرطه التوسط بين كلامين متغايرين، وهما هنا لازم عدم المفارقة السماع، ولازم السماع التحديث عادة، ولازم الحديث الذي ذكره في الجواب عدم التحديث، والمناسب لـ (سمعت) (قال) ؛ ليوافقا ماضيًا لكن عدل [5] إلى المضارع؛ استحضارًا لصورة القول للحاضرين والحكاية عنها كأنه يريهم أنه قائل به الآن.

((سمعته)) عليه السلام ((يقول: من)) : موصولة تتضمن معنى الشرط، وقوله: ((كَذب)) ؛ بفتح الكاف وتخفيف الذال ((عليَّ)) ؛ بفتح التحتية، أو لي صلة الموصول، وقوله: ((فليتبوأ)) : جواب الشرط، فلذا دخلته الفاء بكسر اللام هو الأصل، وبالسكون هو المشهور، وهو أمر من التبوُّء؛ وهو اتخاذ المباءة [6] ؛ أي: المنزل؛ أي: فليتخذ.

((مقعدَه)) ؛ بالنصب مفعول لـ (يتبوأ) ((من)) : هي بمعنى (في) ؛ كما في قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] ؛ أي: في ((النار)) : والأمر هنا معناه الخبر، يريد: أن الله يبوِّئه مقعده من النار، وقيل: الأمر بالتبوء تهكم وتغليظ، وقيل: الأمر على حقيقته؛ أي: من كذب فليأمر نفسه بالتبوء، والظاهر والأولى أن يكون الأمر أمر تهديد، أو يكون دعاء على معنى بوأه الله مكانًا في النار.

واختلف في الكذب؛ فقيل: معناه الخصوص؛ أي: الكذب في الدين، كأن ينسب إليه تحريم حلال أو تحليل حرام، وقيل: كان ذلك في رجل بعينه كذب عليه عليه السلام، واحتجاج الزبير ينفي التخصيص، فهو عام في كل كذب في الدين والدنيا، ومن قصد الكذب على النبي الأعظم عليه السلام ولم يكن في الواقع كذبًا؛ فإنَّه يأثم بسبب قصده للكذب لا بسبب الكذب؛ لأنَّ قصد المعصية معصية، وإنما توقف الزبير في الرواية والإكثار منها؛ لأجل خوفه الغلط والنسيان، والغالط والناسي وإن كان لا إثم عليه فقد ينسب إلى تفريط؛ لتساهله، وأمَّا من أكثر منهم؛ فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت وإطالة أعمارهم فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان.

والحديث بعمومه يتناول العامد، والساهي، والناسي في إطلاق اسم الكذب عليهم، غير أن الإجماع انعقد على أن الناسي لا إثم عليه، كذا قرره الشيخ الإمام بدر الدين العيني في «عمدة القاري» قدس سره.

[1] في الأصل: (دعى).
[2] في الأصل: (وخرسان) .
[3] في الأصل: (يحاصله) .
[4] في الأصل: (خرسان) .
[5] في الأصل: (عدم) .
[6] في الأصل: (المناءة) .