متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

105- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) أبو محمَّدٍ الحَجَبِيُّ؛ بفتح الحاء المُهمَلَة والجيم، وبالمُوحَّدَة، البصريُّ، الثِّقة الثَّبْت، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ)؛ أي: ابن زيدٍ البصريُّ، (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ، (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين، (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) عبد الرَّحمن، (عن) أبيه (أبيِ بَكْرَة) نُفَيْع، كذا في رواية الكُشْمِيهَنيِّ والمستملي، وهو الصَّواب، كما سبق في كتاب «العلم» [خ¦67] من طريقٍ أخرى، وهو الذي رواه سائر رواة [1] الفِرَبْرِيُّ، ووقع في نسخة أبي ذَرٍّ فيما قيَّده عن الحَمُّويي وأبي الهيثم عن الفِرَبْرِيُّ: ((عن محمَّد عن أبي بكرة))، فأسقط «ابن أبي بكرة»، كذا قاله أبو عليٍّ الغسَّانيُّ، والصَّواب: الأوَّل، قال أبو بكرة: حال كونه (ذُكِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم [2] ) بضمِّ الذَّال مبنيًّا للمفعول، وفي [3] نسخةٍ: مبنيًّا للفاعل، (قَالَ [4] )، وللأَصيليِّ أيضًا [5] : ((فقال))؛ أي: النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع؛ أي [6] : يوم، الحديث السَّابق في باب: «رُبَّ مُبلَّغٍ» من كتاب «العلم» [خ¦67] ، واقتصر منه [7] هنا على بيان التَّبليغ؛ إذ هو المقصود، فقال: (فَإِنَّ)؛ بفاء العطف على المحذوف كما تقرَّر، (دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، قَالَ مُحَمَّدٌ)؛ أي: ابن سيرين: (وَأَحْسِبُهُ)؛ أي: وأظن أنَّ ابن أبي بكرة (قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ)؛ بالنَّصب عطفًا على السَّابق، (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ)؛ أي: فإنَّ انتهاك دمائكم، وانتهاك أموالكم، وانتهاك أعراضكم عليكم حرامٌ؛ يعني: مال بعضكم حرامٌ على بعضٍ، لا أن مال [8] الشَّخص عليه حرام، كما دلَّ عليه [9] العقل، ويؤيِّده رواية: ((بينكم)) بدل «عليكم»، (كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا)؛ وهو يوم النَّحر، (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا): ذي الحجَّة، (أَلَا) بالتَّخفيف (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ)؛ بالنَّصب على المفعوليَّة، وكسر لام «لِيبلِّغِ» الثَّانية وغَيْنِها للسَّاكنين، (وَكَانَ مُحَمَّدٌ)؛ يعني: ابن سيرين (يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ ذَلِكَ)؛ أي: إخباره عليه الصلاة والسلام بأنَّه سيقع التَّبليغ فيما بعد، فيكون الأمر كذلك في قوله: «لِيبلِّغ» بمعنى الخبر؛ [/ج1ص199/]

لأنَّ التَّصديق إنَّما يكون للخبر لا للأمر، أو يكون إشارةً إلى تتمَّة الحديث، وهو [10] أنَّ الشَّاهد عسى أن يبلِّغ من هو أوعى له منه؛ يعني: وقع تبليغ الشَّاهد، أو إشارةً إلى ما بعده؛ وهو التَّبليغ الذي في ضمن «ألا هل بلَّغت»؛ يعني [11] : وقع تبليغ الرَّسول إلى الأمَّة، قاله البرماويُّ كالكرمانيِّ وغيره، وفي روايةٍ: ((قال ذلك))، بدل قوله: «كان ذلك» [12] ، (أَلَا): بالتَّخفيف أيضًا؛ أي: يا قوم؛ (هَلْ بَلَّغْتُ؟ مَرَّتَيْنِ [13] )؛ أي: قال: «هل بلَّغت؟» مرَّتين، لا أنَّه قال الجميع مرَّتين؛ إذ لم يثبت، فقوله: «كان [14] محمَّد...» إلى آخره اعتراضٌ، و«أَلَا هل بلَّغت» من كلامه صلى الله عليه وسلم.

[1] «سائر رواة»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[2] قوله: «النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم»، سقط من (م).
[3] «في»: سقط من (م).
[4] في (م): «قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم».
[5] «أيضًا»: مثبتٌ من (م).
[6] زيد في (ب): «في».
[7] «منه»: سقط من (د).
[8] «مال»: سقط من (د).
[9] في (ب) و(س): «يدلُّ له».
[10] في (م): «هي».
[11] في (ب) و(س): «بمعنى».
[12] قوله: «وفي روايةٍ: «قال ذلك»، بدل قوله: «كان ذلك»»، سقط من (ص).
[13] «مرَّتين»: سقط من (د).
[14] في (ب) و(س): «قال».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

105-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، قالَ: حدَّثنا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عن مُحَمَّدٍ، عن ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ [1] :

عن أَبِي بَكْرَةَ، ذَكَرَ [2] النَّبِيَُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ [3] : «فَإِنَّ دِماءَكُمْ وَأَمْوالَكُمْ _قالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قالَ: وَأَعْراضَكُمْ_ عَلَيْكُمْ حَرامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، ألا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغائبَ _وَكان مُحَمَّدٌ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كانَ ذلكَ [4] _أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» مَرَّتَيْنِ.

[1] قوله: «عن ابن أبي بكرة» ثابت في رواية المستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا.
[2] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«ذُكِرَ».
[3] هكذا في روايةٍ للأصيلي أيضًا، وفي أخرىَ عنه: «فقال».
[4] في نسخة [ح] و [عط] : «قال ذلك».





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

105- قوله: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ): هذا هو حمَّاد بن زيد بن درهم الإمام، أبو إسماعيل الأزديُّ الأزرق، أحد الأعلام، أضرُّ، وكان يحفظ حديثه كالماء، عن أبي عمران الجونيِّ، وثابت، وأبي جمرة، وعنه: مسدَّد، وابن المدينيِّ، قال ابن مهديٍّ: (ما رأيت أحدًا لم يكن يكتب أحفظ مِنْهُ، وما رأيت بالبصرة أفقه مِنْهُ، ولم أر أعلم بالسُّنَّة مِنْهُ) ، عاش إحدى وثمانين سنة [1] ، توفِّي في رمضان سنة (179 هـ ) ، أخرج له الجماعة، ثقة كبير القدر.

قوله: (عَنْ أَيُّوبَ): هو ابن أبي تميمة السَّختيانيُّ، تقدَّم بعض ترجمته، وأنَّ اسم أبي تميمة كيسان.

قوله: (عَنْ مُحَمَّدٍ): هو ابن سيرين العالم المشهور، تقدَّم، وتقدَّم كم هم أولاد سيرين.

قوله: (عَنْ ابْنِ [2] أَبِي بَكْرَةَ): هذا هو عبد الرَّحمن بن أبي بكرة، وقد صرَّح به في هذا «الصَّحيح» في بعض الطرق، وصرَّح به مسلم أيضًا في «صحيحه» في غالب طرق الحديث، وكذا وضع هذا الحديث المزِّيُّ في «أطرافه» في ترجمة عبد الرَّحمن بن أبي بكرة عن أبيه.

وأولاد أبي بكرة ستَّةٌ: عبد الرَّحمن أخرج له الجماعة، ومسلم أخرج له مسلم، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وعبد العزيز أخرج له مسلم، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، وابن ماجه، ويزيد، وعبيد الله، وروَّاد [3] ، وكَيِّسة؛ بالتشديد [4] أخرج لها أبو داود.

قوله: (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ): هو نُفيع بن الحارث، تقدَّم، وتقدَّم [5] بعض ترجمته رضي الله عنه.

قوله: (ذَكَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (النَّبيَّ): منصوب؛ لأنَّه مفعول (ذكر) ، وفاعله هو عائد على (أبي بكرة) ؛ يعني: أنَّه رفع الحديث ولم يوقفه.

قوله: (قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ): (محمد): هذا [6] هو ابن سيرين؛ كما تقدَّم أعلاه.

قوله: (وَأَعْرَاضَكُمْ): هو جمع عِرْض، وقد تقدَّم الكلام عليه [7] فيما مضى.

قوله: (وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ): هو ابن سيرين، كما تقدَّم أعلاه.

[1] (سنة): ليس في (ج) .
[2] (ابن): ليس في (ب) .
[3] في النسخ: (داود) ، والمثبت من «تهذيب الكمال» (30/6) .
[4] (وكيسة بالتشديد): ليس في (ج) .
[5] (وتقدم): ليس في (ب) .
[6] (هذا): ليس في (ب) .
[7] (عليه): مثبت من (ج) .





105- (النَّبِيَّ): مفعولُ (ذَكَرَ)، وفاعلُه: (هو) عائدٌ على (أَبِي بَكْرَةَ).

و (أَعْرَاضَكُمْ): عطفٌ على (دِمَاءَكُمْ)، والجملةُ معترضةٌ بين اسمِ (إِنَّ) وخبرِها.


105- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) أبو محمَّدٍ الحَجَبِيُّ؛ بفتح الحاء المُهمَلَة والجيم، وبالمُوحَّدَة، البصريُّ، الثِّقة الثَّبْت، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ)؛ أي: ابن زيدٍ البصريُّ، (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ، (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين، (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) عبد الرَّحمن، (عن) أبيه (أبيِ بَكْرَة) نُفَيْع، كذا في رواية الكُشْمِيهَنيِّ والمستملي، وهو الصَّواب، كما سبق في كتاب «العلم» [خ¦67] من طريقٍ أخرى، وهو الذي رواه سائر رواة [1] الفِرَبْرِيُّ، ووقع في نسخة أبي ذَرٍّ فيما قيَّده عن الحَمُّويي وأبي الهيثم عن الفِرَبْرِيُّ: ((عن محمَّد عن أبي بكرة))، فأسقط «ابن أبي بكرة»، كذا قاله أبو عليٍّ الغسَّانيُّ، والصَّواب: الأوَّل، قال أبو بكرة: حال كونه (ذُكِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم [2] ) بضمِّ الذَّال مبنيًّا للمفعول، وفي [3] نسخةٍ: مبنيًّا للفاعل، (قَالَ [4] )، وللأَصيليِّ أيضًا [5] : ((فقال))؛ أي: النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع؛ أي [6] : يوم، الحديث السَّابق في باب: «رُبَّ مُبلَّغٍ» من كتاب «العلم» [خ¦67] ، واقتصر منه [7] هنا على بيان التَّبليغ؛ إذ هو المقصود، فقال: (فَإِنَّ)؛ بفاء العطف على المحذوف كما تقرَّر، (دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، قَالَ مُحَمَّدٌ)؛ أي: ابن سيرين: (وَأَحْسِبُهُ)؛ أي: وأظن أنَّ ابن أبي بكرة (قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ)؛ بالنَّصب عطفًا على السَّابق، (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ)؛ أي: فإنَّ انتهاك دمائكم، وانتهاك أموالكم، وانتهاك أعراضكم عليكم حرامٌ؛ يعني: مال بعضكم حرامٌ على بعضٍ، لا أن مال [8] الشَّخص عليه حرام، كما دلَّ عليه [9] العقل، ويؤيِّده رواية: ((بينكم)) بدل «عليكم»، (كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا)؛ وهو يوم النَّحر، (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا): ذي الحجَّة، (أَلَا) بالتَّخفيف (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ)؛ بالنَّصب على المفعوليَّة، وكسر لام «لِيبلِّغِ» الثَّانية وغَيْنِها للسَّاكنين، (وَكَانَ مُحَمَّدٌ)؛ يعني: ابن سيرين (يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ ذَلِكَ)؛ أي: إخباره عليه الصلاة والسلام بأنَّه سيقع التَّبليغ فيما بعد، فيكون الأمر كذلك في قوله: «لِيبلِّغ» بمعنى الخبر؛ [/ج1ص199/]

لأنَّ التَّصديق إنَّما يكون للخبر لا للأمر، أو يكون إشارةً إلى تتمَّة الحديث، وهو [10] أنَّ الشَّاهد عسى أن يبلِّغ من هو أوعى له منه؛ يعني: وقع تبليغ الشَّاهد، أو إشارةً إلى ما بعده؛ وهو التَّبليغ الذي في ضمن «ألا هل بلَّغت»؛ يعني [11] : وقع تبليغ الرَّسول إلى الأمَّة، قاله البرماويُّ كالكرمانيِّ وغيره، وفي روايةٍ: ((قال ذلك))، بدل قوله: «كان ذلك» [12] ، (أَلَا): بالتَّخفيف أيضًا؛ أي: يا قوم؛ (هَلْ بَلَّغْتُ؟ مَرَّتَيْنِ [13] )؛ أي: قال: «هل بلَّغت؟» مرَّتين، لا أنَّه قال الجميع مرَّتين؛ إذ لم يثبت، فقوله: «كان [14] محمَّد...» إلى آخره اعتراضٌ، و«أَلَا هل بلَّغت» من كلامه صلى الله عليه وسلم.

[1] «سائر رواة»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[2] قوله: «النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم»، سقط من (م).
[3] «في»: سقط من (م).
[4] في (م): «قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم».
[5] «أيضًا»: مثبتٌ من (م).
[6] زيد في (ب): «في».
[7] «منه»: سقط من (د).
[8] «مال»: سقط من (د).
[9] في (ب) و(س): «يدلُّ له».
[10] في (م): «هي».
[11] في (ب) و(س): «بمعنى».
[12] قوله: «وفي روايةٍ: «قال ذلك»، بدل قوله: «كان ذلك»»، سقط من (ص).
[13] «مرَّتين»: سقط من (د).
[14] في (ب) و(س): «قال».





105- ( عَنْ مُحَمَّدٍ ) هو ابن سيرين.

( عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ): كذا للمُسْتملي، وفي رواية: «عن محمَّد بن أبي بكرة، عن أبيه»، وهو الصَّواب، لأنَّ ابن سيرين لم يسمع من أبي بكرة.

( أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ ): من كلامه صلَّى الله عليه وسلَّم، وما قبله اعتراض.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

105# حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، قال مُحَمَّدٌ: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ [1]، ذُكِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ _ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ _ وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ». وَكَانَ

@%ص173%

مُحَمَّدٌ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ ذَلِكَ «أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ» مَرَّتَيْنِ.

الشرح:

أما حديث ابن عباس فقد أسنده البخاري في «كتاب الحج» في «باب الخطبة أيام منى» عن علي بن عبد الله، عن يحيى بن سعيد، عن فضيل بن غزوان، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال: «أيها الناس! أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام»، وفي آخره: «اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت» قال ابن عباس: «فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته، فليبلغ الشاهد الغائب» وذكر باقي الحديث.

وأما حديث أبي شريح فأخرجه البخاري هنا عن عبد الله بن يوسف، وفي «الحج» عن قتيبة، وفي «المغازي» عن سعيد بن شرحبيل، ورواه م في «الحج» عن قتيبة، كلهم عن الليث به، وروياه بمعناه من حديث ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما.

وقد أخرجه ابن إسحاق، عن أبي شريح هذا، وقال في أوله: «لما كان الغد من يوم الفتح عَدَتْ خزاعةُ عَلَى رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً، فقال: «إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة»، وفيه: «لا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، ولم تَحْلُلْ لي إلا هذِه الساعة غضباً عَلَى أهلها ألا ثمَّ رجعت كحرمتها بالأمس»، وفيه: «يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم من القتل، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين»، وذكر الحديث.

وأخرجا من حديث أبي هريرة: «أن خزاعة قتلوا قتيلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه». وفي بعض طرقه: «بقتيل لهم في الجاهلية، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فركب راحلته، فخطب فقال: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم

@%ص174%

تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ألا وإنها أحلت لي ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتي هذِه، حرام لا يُخبَطُ شوكها، ولا يعضد شجرها، ولا يلتقط لقطتها إلا منشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يعطى _ يعني الدية _ وإما أن يقاد أهل القتيل»، وذكر الحديث.

وفي بعض طرق حديث ابن عباس: «وإنه لم يحل القتل فيه» بدل «القتال».

قول أبي شريح: «ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ» فيه حسن التلطف في الإنكار، لا سيما مع الملوك فيما يخالف مقصودهم، لأن التلطف بهم أدعى لقبولهم، لا سيما من عرف منهم بارتكاب هواه، وأن الغلظة عليهم قد تكون سبباً لإثارة نفسه، ومعاندته، ووفاء من أبي شريح بما أخذ الله على العلماء من المشاق في تبليغ دينه ونشره حتى يظهر.

ذكر ابن إسحاق في آخره أنه قال له عمرو بن سعيد: «نحن أعلم بحرمتها منك، فقال له أبو شريح: إني كنتُ مشاهداً وكنتَ غائباً، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ شاهدنا لغائبنا، وقد أبلغتك فأنت وشأنك».

قال ابن بطال: كل من خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ العلم ممن كان في عصره فالتبليغ عليه متعين، وأما من بعدهم فالتبليغ عليهم فرض كفاية.

قلت: فيما قاله نظر، فقد ذكر أبو بكر بن العربي أن التبليغ عن النبي صلى الله عليه وسلم فرض كفاية، إذا قام به واحد سقط عن الباقين، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي والحكم لا يبوح به

@%ص175%

في الناس، ولكن يخبر به من حضره، ثم على لسان أولئك إلى من وراءهم، قوماً بعد قوم.

قال: فالتبليغ فرض كفاية، والإصغاء فرض عين، والوعي والحفظ يتركبان على معنى ما يسمع، فإن كان مما يخصه تعين عليه، وان كان يتعلق به وبغيره أو بغيره كان العمل فرض عين والتبليغ فرض كفاية، وذلك عند الحاجة إليه، ولا يلزمه أن يقوله ابتداء ولا بعضه، فقد كان قوم من الصحابة يكثرون الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحبسهم عمر حتى مات وهم في سجنه، هذا آخر كلامه.

قلت: ففي هذا ما يدل على أن التبليغ مطلقاً على الكفاية، وأنه لا يجب إلا عند الحاجة إليه، والله أعلم.

قوله: «سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ» هذا إشارة منه إلى أنه قد بالغ في حفظه من سائر الوجوه، ففي قوله: «سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ» نفيُ أن يكون سمعه من غيره كما جاء في حديث النعمان بن بشير: وأهوى النعمان بإصبعه إلى أذنيه.

وقوله: «وَوَعَاهُ قَلْبِي» تحقق الفهم والتثبت في تعقله، والهاء في قوله: «تَكَلَّمَ بِهِ» عائدة على قوله: «أُحَدِّثْكَ قَوْلاً».

قوله: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ» وقوله في الحديث الآخر: «إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض» وقوله تعالى: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها}، قال القاضي: المعنى أنها لم يحرمها الناس من قبل أنفسهم، كما حرمت الجاهلية أشياء.

وقال أبو العباس القرطبي: المعنى: حرمه الله ابتداء من غير سبب يعزى إلى أحد، لا [2] مدخل فيه لنبي ولا لعالم ولا لمجتهد.

وأكد صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: «وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ» ثم بين

@%ص176%

التحريم بقوله: «فَلاَ يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً» إلى آخره.

فإن قيل: قد يظهر في بادي الرأي أن ظاهره معارض لقوله: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة» الحديث، فالجواب: أن نسبة الحكم لإبراهيم على معنى التبليغ، فيحتمل أن تحريم إبراهيم لها بإعلام الله أنه حرمها، فتحريمه لها بتحريم الله، لا باجتهاده، أو وكل الله إليه تحريمها فكان عن أمر الله، فأضيف إلى الله مرة لذلك، ومرة إلى إبراهيم، أو أنه دعا لها فكان تحريم الله لها بدعوته.

قال الماوردي وغيره من العلماء: قيل إن مكة ما زالت محرمة من يوم خلق الله السماوات والأرض، وقيل: كانت حلالاً إلى زمن إبراهيم، والأول قول الأكثر، وهو أوفق للحديث.

وأجيب عن حديث إبراهيم بأن التحريم كان خفياً ثم أظهره إبراهيم.

وقال أصحاب القول الثاني: معنى الحديث: أن الله كتب في اللوح المحفوظ وغيره يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة بإذن الله.

قوله: «لا تحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر» استدل به بعضهم على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، والصحيح عند الأصوليين خلافه، وأجيب بأنه لا مفهوم له، وقد استعمل منطوقه بتحريم القتال على المؤمن فيها، وجاء ذكر المؤمن لكونه هو المنقاد لحكم الله سبحانه، المنزجر عن المحرمات.

وحرره المحققون فقالوا: هذا عند علماء البيان من خطاب التهييج كقوله تعالى: {فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} وشبهه، والمعنى: إن هذا المنهي عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر، بل ينافيه.

قوله: «أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً» استدل به أيضاً على تحريم القتال بمكة، وهو الذي يدل عليه السياق، وهو قوله: «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ

@%ص177%

 صلى الله عليه وسلم فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»، وقوله في بعض طرق الحديث: «وإنه لم تحل لقتال أحد قبلي»، والضمير في (إنه) ضمير الشأن.

وظاهر هذه الأحاديث يدل أن حكم الله تعالى أن لا يقاتل من كان بمكة، ويؤمن من استجار بها، ولا يعرض له، وهو قول قتادة وغيره في تفسير قوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا}، أي من الغارات، وهو ظاهر قوله تعالى: {ألم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً}، وكانت عادة العرب احترام مكة.

قال الماوردي: من خصائص الحرم أن لا يحارب أهله، فإن بغوا على أهل العدل قال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم، ويضيق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة، وقال جمهور الفقهاء: يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم إلا بالقتال، لأن قتال أهل البغي من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها.

قال النواوي: هذا هو الصواب، وقد نص عليه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث في «الأم»، وأجاب الشافعي عن الأحاديث المذكورة بأن التحريم يعود إلى نصب القتال، وقتالهم بما يعم، كالمنجنيق وغيره، إذا لم يمكن إصلاح الحال بدونه، بخلاف ما إذا تحصن الكفار ببلد آخر فإنه يجوز قتالهم على كل وجه بكل شيء.

وقال القفال من أصحاب الشافعي في «شرح التلخيص» في أول كتاب النكاح: لا يجوز القتال بمكة، حتى لو تحصن جماعة من الكفار فيها لم يجز قتالهم.

قال النواوي: هذا الذي قاله القفال غلط نبهت عليه.

قلت: بل هو موافق للقول الأول الذي حكاه الماوردي، وظاهر الحديث يعضده فإن

@%ص178%

قوله: «فلا تحل لأحد» نكرة في سياق النفي فتعم، وقوله: «فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم»، والمأذون له صلى الله عليه وسلم مطلق القتال.

وقال شيخنا تقي الدين بعد ترجيحه هذا القول: «ولم يكن قتال النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة مما يعم حتى يحمل عليه الحديث، وسياق الحديث يدل على أن التحريم لإظهار حرمة البقعة، وذلك لا يخص بما يستأصل».

قلت: زعم من رجح الثاني بأن هذا الحديث منسوخ بقوله: {اقتلوا المشركين} وضعف هذا القول ظاهر.

واستدل به أبو حنيفة على أن الملتجئ إلى الحرم لا يقتل، لقوله: «لا يحل لأمرئ يومن بالله واليوم الآخر يسفك بها دماً»، وهو عام تدخل فيه هذه الصورة.

وحكى أبو الحسن بن بطال اختلاف العلماء فيمن أصاب حداً من قتل أو زنا أو سرقة، فقال: قال ابن عباس وعطاء والشعبي: إن أصابه في الحريم أقيم عليه الحد، وإن أصابه في غير الحرم لا يجالس، ولا يؤوى حتى يخرج فيقام عليه؛ لأن الله جعله آمناً لمن دخله دون غيره، فقال تبارك وتعالى: {ومن دخله كان آمناً}.

وقال آخرون: إذا أصابه في غير الحرم ثم لجأ إليه يخرج ويقام عليه الحد، ولم يحظروا مبايعته ولا مجالسته، وهو مذهب ابن الزبير والحسن ومجاهد.

وقال الآخرون: لا يمنع الحرم من إقامة الحد فيه، والملتجئ إليه يقام عليه الحد الذي وجب عليه قبل أن يلجأ إليه، وهو مذهب عمرو بن سعيد، كما ذكر في الحديث، ومذهب مالك وأبي يوسف.

واحتج لهذا القول بقصة ابن خطل أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم

@%ص179%

الفتح، وفيه: «جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، [فقال: اقتلوه] [3]».

وكان قد ارتد وقتل مسلماً، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم.

وحكى أبو العباس القرطبي أن أبا الفرج ابن الجوزي حكى الإجماع فيمن جنى في الحرم أنه يقاد منه، وفيمن جنى خارجه ثم لجأ إليه عن أبي حنيفة وأحمد أنه لا يقام عليه، ويلجأ إلى الخروج إلى الحل، ويمنع المعاملة حتى يضطر إلى الخروج، فيخرج فيقام عليه.

وأجاب هؤلاء عن حديث ابن خطل باحتمال أنه قتله في الساعة التي أبيحت له، وأجيب عن ذلك بأن الساعة للدخول حتى استولى عليها وأذعن أهلها، وقتل ابن خطل كان بعد استيلائه وغلبته وإذعان أهلها، وبعد قوله: «ومن دخل المسجد فهو آمن»، وقد دخل المسجد، وإنما قتله لأنه لم يدخل في أمانه، فإنه استثناه وأمر بقتله وإن وجد متعلقاً بأستار الكعبة [4].

وقيل كان ممن لم يلتزم الشرط وقاتل.

قوله: «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» إلى آخره، دليل على أن مكة فتحت عنوة، وهو مذهب الأكثرين، قال القاضي عياض: هو مذهب مالك وأبي حنيفة والأوزاعي، لكن من رآها عنوة يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم منَّ على أهلها وسوَّغهم أموالهم ودورهم ولم يقسمها ولم يجعلها فيئاً.

قال أبو عبيد: ولا يعلم مكة تشبهها شيء من البلاد.

وقال الشافعي وغيره: فتحت صلحاً، وتأولوا الحديث بأن القتال كان جائزاً له صلى الله عليه وسلم لو احتاج إليه.

ويضعف هذا التأويل قوله في الحديث: «فإن أحد ترخص بقتال رسول اللهصلى الله عليه وسلم» فإنه يدل على وجود القتال، وقوله: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، وكذلك

@%ص180%

غيره من الأمان المعلق على أشياء مخصوصة.

قوله: «يَسْفِكَ بِهَا دَماً» قال النواوي: هو بكسر الفاء على المشهور، وقد حكي الضم أيضاً، ومعنى السفك: إراقة الدم.

قوله: «وَلاَ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً» العضد: القطع، يقال: عضدت الشجرة بالفتح في الماضي، يعضدها بالكسر في المضارع، إذا قطعها بالمعضد، وهو سيف يمتهن في الشجر، فهو معضود، والمعنى: لا تقطع أغصانها.

قال المازري: يقال: عضد واستعضد.

قال الطبري: معنى لا يعضد لا يفسد ويقطع، وأصله من عضد الرجلُ الرجلَ إذا أصاب عضده.

لكنه يقال منه: عضَدَه يعضُده بالضم في المضارع، وكذلك يقال فيه إذا أعانه، بخلاف العضد بمعنى القطع كما تقدم.

وجاء هنا: «لاَ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً» وفي رواية: «لا يعضد شوكه»، وفي رواية: «ولا يخبط شوكها»، قال النواوي: اتفق العلماء على تحريم قطع أشجارها التي لا يستنبتها الآدميون في العادة، وعلى تحريم خلاها، واختلفوا فيما ينبته الآدميون، وكذلك اختلفوا في ضمان الشجرة إذا قلعها، فقال مالك: يأثم ولا فدية عليه، وقال الشافعي: الواجب في الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة، وكذا جاء عن ابن عباس وابن الزبير، وبه قال أحمد.

وقال أبو حنيفة: الواجب في الجميع القيمة.

ويجوز عند الشافعي ومن وافقه رعي البهائم في كلأ الحرم، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز.

والخَلَى والعشب اسم للرطب، والحشيش اسم لليابس، والكلأ يطلق عليهما.

وقوله: «لا يعضد شوكه» و«لا يخبط شوكه» والخبط: ضربه بالعصا ليسقط ورقه، دليل على تحريم قطع الشوك

@%ص181%

المؤذي وغيره، وقد أخذ به بعضهم عملاً بعموم الحديث.

وقال بعضهم: لا يحرم الشوك لأذاه تشبيهاً بالفواسق الخمس، وخصوا الحديث بالقياس.

قال الخطابي: أكثر العلماء على إباحة الشوك، ويشبه أن يكون المحظور منه ما ترعاه الإبل، وهو ما رق منه دون الصلب الذي لا ترعاه، فيكون ذلك كالحطب وغيره.

وأما جواب عمرو بن سعيد لأبي شريح بقوله: «أنا أعلم منك» إلى آخره فقد قال ابن بطال: ما قاله ليس بجواب؛ لأنه لم يختلف معه في أن من أصاب حداً في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم هل يقام عليه؟ وإنما أنكر عليه أبو شريح بعثه الخيل إلى مكة واستباحته حرمتها بنصب الحرب عليها، فحاد عمرو عن الجواب، واحتج أبو شريح بعموم الحديث، وذهب إلى أن مثله لا يجوز أن تستباح بفتنة ولا أن ينصب الحرب عليها بقتال بعدما حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قلت: بل هو جواب على اعتقاد عمرو في ابن الزبير، والله أعلم.

قول عمرو لأبي شريح: «أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ» وأبو شريح صحابي، وعمرو تابعي، فإن العلماء اختلفوا في الصحابي إذا روى الحديث ورفعه هل يكون تأويله للحديث أولى ممن يأتي بعده؟

فقيل: تأويله أولى لأنه أعلم بتأويله ومخرجه.

وقيل: لا يؤخذ بتأويله إذا لم يصب التأويل.

قلت: هذا كلام من الشيخ مجمل، يحتاج إلى بيان، وقد ذكر أصحاب الأصول فيه مسائل وأمثلة يحصل بها البيان.

قال الإمام المازري في «شرح كتاب البرهان»: «مخالفة الراوي لما رواه على أقسام: مخالفة بالكلية، ومخالفة ظاهرة على وجه التخصيص، وتأويل لمحتمل أو مجمل، وكل هذه الأقسام فيه الخلاف.

قال إمام الحرمين: مذهب الشافعي اتباع روايته

@%ص182%

لا عمله، ومذهب أبي حنيفة اتباع عمله لا روايته، فإذا كان الحديث عاماً فهل يخص بعمل راويه؟ وكذا إذا كان لفظ الحديث مجملاً فصرفه الراوي إلى أحد محتملاته، هل يصار إلى مذهبه؟ ففي ذلك خلاف.

وقال ابن الخطيب: ظاهر مذهب الشافعي أنه إن كان تأويل الراوي يخالف ظاهر الحديث رجع إلى الحديث، وإن كان أحد محتملاته الظاهرة رجع إليه.

ومثله إمام الحرمين بقوله عليه السلام: «الذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء» حمله عمر رضي الله عنه على التقابض في المجلس، وحديث ابن عمر: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» حمله ابن عمر على فرقة الأبدان.

وذكر الحنفية حديث أبي هريرة في ولوغ الكلب سبعاً، فإن مذهب أبي هريرة جواز الاقتصار على الثلاث، وأن السبع مندوبة.

قال المازري وغيره: ينبغي أن يعد حديث أبي هريرة من باب المخالفة التي هي بمعنى النسخ، لا بمعنى التخصيص، فإن الاقتصار على الثلاث مخالفة للعدد المحدود وهو السبع، وينبغي أن يكون مثله حديث عائشة وقول أبي القعيس لها: «أتحتجبين مني وأنا عمك؟ قلت: كيف ذلك؟ فقال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي، قالت: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدق أفلح، ائذني له»، فروته وأفتت بخلافه، فكان يدخل عليها من أرضعه أخواتها وبنات أختها، ولا يدخل عليها من أرضعه نساء إخوتها. ولم تحرم بلبن الفحل هي وابن عمر وابن الزبير والنخعي وابن المسيب والقاسم وأبو سلمة وأهل الظاهر، واحتجوا بأن عائشة روته ولم تعمل به، ولم يعمل به ولم يأخذ به مالك والكوفيون والشافعي، ولا التفتوا إلى تأويلها، وأخذوا بحديثها وافتوا بتحريم لبن الفحل.

وحديث ابن عباس في بريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم

@%ص183%

خيرها بعد أن اشترتها عائشة وأعتقتها، وابن عباس يفتي أن بيعها طلاق، وما رواه مخالف لفتياه، لأنه لو كان بيعها طلاقاً لم يخير وهي مطلقة.

وروت عائشة قالت: «فرضت الصلاة ركعتين، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر» وكانت عائشة تتم، فترك الكوفيون والقاضي إسماعيل قولها وأخذوا بحديثها، وقالوا: قصر الصلاة في السفر فريضة، ورواه أشهب عن مالك، وروى عنه أبو مصعب أنه سنة، وذهب جماعة والشافعي إلى التخيير بين القصر والإتمام.

قوله: «وَلاَ فَارّاً بِخَرْبَةٍ» وفسره بالسرقة، قال القاضي عياض: هذه رواية المستملي، وفي البخاري في «المغازي» تفسيرها بالبلية.

ورواه جميع رواة البخاري غير الأصيلي: «بِخَرْبَةٍ» بفتح الخاء المعجمة، وهو الذي جاء في مسلم، ورواه الأصيلي: «بِخُرْبَةٍ» ويصح على أن المراد الفعلة الواحدة، وقال الخليل: الخربة بالضم: الفساد في الدين، مأخوذ من الخارب، وهو اللص، ولا يكاد يستعمل إلا في سارق الإبل، وقال غيره: الخَربة بالفتح: السرقة والعيب، هذا آخر كلام القاضي.

وقال الخطابي: الخَربة هنا السرقة، والخرابة: سرقة الإبل خاصة، كما قال الخليل، وأنشدوا: والخارب اللص يحبُّ الخاربا.

قال غيره: وأما الحرابة بالحاء المهملة فيقال في كل شيء، يقال في الأول: خرَب فلان _ بالمعجمة وفتح الراء _ إبلَ فلان، يخرب خرابة، مثل: كتب يكتب كتابة.

وفيه: أبو شريح الخزاعي الكعبي، قيل: اسمه خويلد، قال أبو عمر بن عبد البر: وقيل اسمه عمرو بن خالد، وقيل: كعب بن عمرو، قال: والأصح عند أهل الحديث أن اسمه خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن زمَّان بن عدي بن عمرو بن ربيعة، الخزاعي العدوي الكعبي.

أسلم قبل فتح مكة، وكان يحمل يومئذ أحد ألوية بني كعب بن خزاعة الثلاثة يوم فتح مكة.

أخرج البخاري في «العلم»

@%ص184%

وغيره عن سعيد المقبري عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

رُويَ له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديث، وهو: «والله لا يؤمن ثلاثاً من لا يأمن جاره بوائقه»، والمتفق عليهما: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» الحديث، وهذا الحديث.

قال الواقدي: «وكان أبو شريح من عقلاء أهل المدينة».

وكان يقول: «إذا رأيتموني أبلغ من أنكحته أو نكحت إليه السلطان فاعلموا أني مجنون فاكووني، وإذا رأيتموني أمنع جاري أن يضع خشبة في حائطي فاعلموا أني مجنون فاكووني، ومن وجد لأبي شريح سمناً أو لبناً أو جداية فهو له حل [5]».

قال عمرو بن علي: توفي سنة ثمان وستين، وقال البخاري في «باب لا يعضد شجر الحرم»: أبو شريح العدوي، روى له الجماعة.

والحديث الثاني وهو حديث أبي بكرة تقدم الكلام عليه في «باب: رب مبلغ أوعى من سامع».

وأما سنده: فقد وقع في البخاري فيه اضطراب من الرواة عن الفربري، قال أبو علي الغساني: وقع في نسخة أبي ذر الهروي فيما قيده عن الحَمُّويي، وأبي الهيثم عن الفربري عن محمد بن أبي بكرة، فأسقط ابن أبي بكرة، ورواه سائر رواة الفربري بإثبات ابن أبي بكرة بين محمد وأبي بكرة، ووقع الخلل فيه أيضاً في «كتاب بدء الخلق» و«المغازي».

وقال أبو الحسن القابسي: في نسخة أبي زيد: «أيوب عن محمد بن أبي بكرة»، وفي نسخة الأصيلي: «محمد عن أبي بكرة [6]» على الصواب.

وذكر أبو الحسن الدارقطني في كتاب «العلل»: أن إسماعيل ابن عُليَّة وعبد الوارث روياه، عن أيوب، عن محمد، عن أبي بكرة، لم يذكر بينهما أحداً.

وكذا رواه يونس عن عبيد عن محمد بن سيرين، عن أبي بكرة، ورواه قرة بن خالد عن محمد بن سيرين

@%ص185%

قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة ورجل آخر أفضل من عيني من عبد الرحمن [7]، وسماه أبو عامر العقدي حميد بن عبد الرحمن الحميري، هذا آخر كلام الدارقطني.

قال الغساني: واتصال هذا الإسناد وصوابه أن يكون: عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، وعن محمد بن سيرين أيضاً، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي بكرة.

وفي السند:

عبد الله بن عبد الوهاب أبو محمد الحجبي البصري، سمع أنس بن مالك.

أخرج البخاري في «العلم» وغيره، عن مالك وحماد بن زيد، وحاتم بن إسماعيل، وخالد بن الحارث، وعبد العزيز بن أبي حازم، ويزيد بن زريع، وعبد الوهاب الثقفي.

قال يحيى بن معين: «ثقة»، وقال أبو حاتم: «صدوق ثقة».

توفي سنة ثمان وعشرين ومئتين، انفرد البخاري بالإخراج عنه، وروى النسائي عن رجل عنه، ولم يخرج له مسلم وأبو داود والنسائي شيئاً.

[1] كذا جاء في الأصل، وفي مطبوع البخاري: «قال مُحَمَّد: عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ» وقد وقع اختلاف بين رواة البخاري في هذا الموضع كما سيأتي في كلام المؤلف بيانه.
[2] كذا في الأصل، وفي «إرشاد الساري» (1/199): «فلا».
[3] ما بين معقوفتين ليس في الأصل.
[4] كتب بهامش الأصل بلون مغاير: «ابن خطل اسمه هلال بن عبد الله بن عبد مناف بن أسعد بن جابر بن كثير بن تيم الأدرم بن غالب، وخطل لقب له، قال ابن إسحاق: وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلماً فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقاً وبعث معه رجلاً من الأنصار، ومعه مولى له يخدمه، وكان مسلماً، فنزل منزلاً وأمر مولاه أن يذبح له، ويصنع له طعاماً، فنام فاستيقظ ولم يصنع له، فقتله ثم ارتد، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه أشياء، كل واحد منها تقتضي قتله، فقتله سعيد بن حريث وهو متعلق بأستار الكعبة، وقد احتج بقتله بعض أصحاب مالك على قتل من سب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال عياض: هذا ضعيف لوجود الموجبات لقتله».
[5] كتب في هامش الأصل زيادة: «فيأكله وليشربه»، ولم أجد هذه الزيادة عند من ذكر القصة.
[6] تكرر في الأصل هنا: «عن أبي بكرة عن أبي بكرة».
[7] كذا في الأصل، ولعل صوابها: «أفضل في عيني من عبد الرحمن»، أو: «أفضل من عيني عبد الرحمن»، وعبارة العيني في «عمدة القاري» (2/145): «ورجل آخر أفضل من عبد الرحمن».





لا تتوفر معاينة

105- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب)) : أبو محمد الحَجَبي _بفتح الحاء المهملة والجيم المعجمة آخره باء موحدة_ البصري، المتوفى سنة ثمان وعشرين ومئتين، قال: ((حدثنا حَمَّاد)) ؛ بفتح الحاء وتشديد الميم: ابن زيد البصري، ((عن أيوب)) : السختياني، ((عن محمد)) : بن سيرين، ((عن ابن أبي بَكرة)) ؛ بفتح الموحدة: عبد الرحمن، ((عن)) أبيه ((أبي بَكرة)) : نُفيع؛ بضم النون، قال أبو بَكرة حال كونه ((ذُكر النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ بضم الذال المعجمة مبنيًا للمفعول، وروي: للفاعل، وليس هذا من الذكر بعد النسيان.

((قال)) : وللأصيلي: (فقال) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام في حجة الوداع؛ أي: يوم الحديث السابق في باب (رُبَّ[/ص65/] مبلغ أوعى من سامع) ، واقتصر منه هنا على التبليغ؛ لأنَّه المقصود، فقال: ((فإنَّ)) : الفاء عاطفة على محذوف من الحديث السابق ((دماءكم وأموالكم، قال محمد)) ؛ أي: ابن سيرين أحد الرواة: ((وأحسبه)) ؛ أي: وأظن ابن أبي بكرة ((قال: وأعراضَكم)) ؛ بالنصب عطفًا على (أموالكم) ، وهو جمع عِرْض؛ بكسر العين وسكون الراء، محل المدح والذم ((عليكم حرام)) ؛ أي: فإن سفك دمائكم بغير حق، وأخذ أموالكم بغير حق، وثلب أعراضكم بغير حق عليكم حرام، وفي رواية: (بينكم حرام) .

((كحرمة يومكم هذا)) : وهو يوم النحر، ((في شهركم هذا)) : وهو ذو الحجة، ((أَلا)) ؛ بالتخفيف ((ليبلِغِ)) ؛ بكسر الغين، أمر ((الشاهدُ)) ؛ أي: الحاضر منكم ((الغائبَ)) ؛ بالنصب على المفعولية، وكسر لام لـ (يبلغ) الثانية؛ للساكنين، ((وكان محمد)) ؛ يعني: ابن سيرين ((يقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك)) ؛ أي: وقع ذلك التبليغ المأمور به من الشاهد إلى الغائب، ((أَلا)) ؛ بتخفيف اللام؛ أي: يا قوم ((هل بلَّغت، مرتين)) ؛ أي: قال هل بلغت مرتين، لا أنه قال الجميع مرتين؛ لأنَّه لم يثبت.