متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

104- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنِي) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((حدَّثنا)) (اللَّيْثُ) ابن سعدٍ المصريُّ، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ)؛ بكسر العين، المقبريُّ [1] ، وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: ((سعيد بن أبي سعيدٍ))، ولغيرهم: ((هو ابن أبي سعيدٍ))، (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ)؛ بضمِّ [/ج1ص197/] المُعجَمَة، وفتح الرَّاء، آخره حاءٌ مُهمَلَةٌ، خويلد بن عمرو بن صخرٍ الخزاعيِّ الكعبيِّ الصَّحابيِّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وستِّين رضي الله عنه وله في «البخاريِّ» ثلاثة أحاديث، (أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ)؛ بفتح العَيْن في الأولى، وكسرها في الثَّانية، ابن العاصِ بن أميَّة، القرشيِّ الأمويِّ، المعروف بالأشدق، قال ابن حجرٍ: وليست له صحبةٌ، ولا كان من التَّابعين بإحسانٍ، (وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ)؛ بضمِّ المُوحَّدة، جمع: البَعث؛ بمعنى المبعوث، والجملة اسميَّةٌ وقعت حالًا، والمعنى: يرسل الجيوش (إِلَى مَكَّةَ) _زادها الله تعالى شرفًا، ومنَّ علينا بالمُجَاوَرَة بها على أحسن وجهٍ في عافيةٍ بلا محنةٍ [2] _ لقتال عبد الله بن الزُّبَيْر؛ لكونه امتنع من مُبايَعَة يزيد بن معاوية في سنة إحدى وستِّين من الهجرة، واعتصم بالحرم، بلَّغنا الله المُجاوَرَة به في عافيةٍ [3] بلا محنة، وكان عمرٌو والي يزيدَ على المدينة الشَّريفة: (ائْذَنْ لِي) يا (أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ)؛ بالجزم؛ لأنَّه جواب الأمر، (قَوْلًا) بالنَّصب مفعولٌ ثانٍ لـ: «أحدِّث»، (قَامَ بِهِ النَّبِيُّ) وفي رواية أبي الوقت: ((رسول الله)) [4] (صلى الله عليه وسلم الْغَدَ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (مِنْ [5] يَوْمِ الْفَتْحِ)؛ أي: ثاني يوم فتح مكَّة، في العشرين من رمضان، السَّنة الثَّامنة من الهجرة، (سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ)، أصله: أذنان لي، فسقطت النُّون؛ لإضافته لياء المتكلِّم، والجملة في محلِّ نصبٍ صفةٌ للقول؛ كجملة: «قام به النبي صلى الله عليه وسلم»، وهو ينفي أن يكون سَمِعَه من غيره، (وَوَعَاهُ قَلْبِي)؛ أي: حفظه وتحقَّق فهمه، وتثبَّت في تعقُّل معناه، (وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ)؛ بتاء التَّأنيث؛ «كسمعته أذناي»؛ لأنَّ كلَّ ما هو [6] في الإنسان من الأعضاء اثنان، كاليد والرِّجل [7] والعين والأذن؛ فهو مُؤنَّثٌ؛ بخلاف الأنف والرَّأس [8] ، والمعنى: أنَّه لم يكن اعتماده على الصَّوت من وراء حجابٍ، بل بالرُّؤية والمُشاهَدَة، وأتى بالتَّثنية؛ تأكيدًا، (حِينَ تَكَلَّمَ) صلى الله عليه وسلم (بِهِ)؛ أي: بالقول الذي أحدّثك، (حَمِدَ الله) تعالى بيانٌ لقوله: «تكلَّم به»، (وَأَثْنَى عَلَيْهِ): عطفٌ على سابقه من باب [9] : عطف العامِّ على الخاصِّ، (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا الله) عزَّ وجلَّ يوم خلق السَّماوات والأرض، (وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ) من قِبَلِ أنفسهم واصطلاحهم، بل حرَّمها الله تعالى بوحيه، فتحريمها ابتدائيٌّ من غير سببٍ يُعزَا لأحدٍ، فلا مدخل فيه لنبيٍّ ولا لغيره، ولا تنافيَ بين هذا وبين ما رُوِيَ: أنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام حرَّمها [10] [خ¦2129] ؛ إذِ المراد أنَّه بلَّغ تحريم الله وأظهره بعد أن رفع البيت وقت الطُّوفان، واندرست حرمتها، وإذا كان كذلك؛ (فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ) بكسر الرَّاء كالهمزة؛ إذ هي تابعةٌ لها في جميع أحوالها؛ أي: لا يحلُّ لرجلٍ (يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ): يوم [11] القيامة، إشارةٌ إلى المَبْدَأ والمَعَاد، والنِّساء شقائق الرِّجال [12] (أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا)؛ بكسر الفاء، وقد تُضَمُّ، وهما لغتان، قال في «العُبَاب»: سفكت الدَّم أسفِكه وأسفُكه سفكًا، وفي رواية المستملي والكُشْمِيهَنيِّ: ((فيها)) بدل «بها»، والباء بمعنى: «في»، و«أن» مصدريَّةٌ؛ أي: فلا يحلُّ سفك دمٍ فيها [13] ، والسَّفك: صبُّ الدَّم، والمُرَاد به: القتل، (وَ) أن (لَا يَعْضِدَ بِهَا)؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، وتسكين العَيْن المُهمَلَة، وكسر الضَّاد المُعجَمَة، آخره دالٌ مهملة مفتوحة؛ أي: يقطع بالْمِعْضَدِ؛ وهو آلة كالفأس، (شَجَرَةً)، أي: ذات ساقٍ، و«لا»: زيدَت لتأكيد معنى النَّفيِ؛ أي: لا يحلُّ له أن يَعْضِدَ، (فَإِنْ) ترخَّص (أَحَدٌ تَرَخَّصَ)؛ برفع «أحدٌ» بفعلٍ مُقدَّرٍ يفسِّره ما بعده، لا بالابتداء؛ لأنَّ «إنْ» من عوامل الفعل، وحُذِفَ الفعل وجوبًا؛ لئلا يجمع بين المفسِّر والمفسَّر، وأبرزته لضرورة البيان، والمعنى: إن قال أحدٌ: ترك القتال عزيمةٌ، والقتال رخصةٌ تتعاطى عند الحاجة، (لِقِتَالِ)؛ أي: لأجل قتال (رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا) مستدلًّا بذلك؛ (فَقُولُوا) له: ليس الأمر كذلك، (إِنَّ اللَه) تعالى (قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ) صلى الله عليه وسلم خصيصةً له، (وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي) الله في القتال فقط، (فِيهَا)؛ أي: مكَّة، وهمزة «أَذِنَ» مفتوحةٌ، ويجوز ضمُّها على البناء للمفعول، ولأبي ذَرٍّ كما في «الفرع» و«أصله» [14] إسقاط لفظة: ((فيها))؛ اختصارًا للعلم به، فقال: أذن لي (سَاعَةً)؛ أي: في ساعةٍ (مِنْ نَهَارٍ)؛ وهي من طلوع الشَّمس إلى العصر؛ كما في حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن [/ج1ص198/] جدِّه عند أحمد، فكانت مكَّة في حقِّه صلى الله عليه وسلم في تلك السَّاعة [15] بمنزلة الحِلِّ، (ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ)؛ أي: تحريمها المقابل للإباحة المفهومة من لفظ «الإذن» في اليوم المعهود؛ وهو يوم الفتح؛ إذ عود حرمتها كان في يوم صدور هذا القول لا في غيره، (كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ) الذي قبل يوم الفتح، (وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) الحاضر (الْغَائِبَ)؛ بالنَّصب مفعول «الشَّاهد»، ويجوز كسر لام «لِيبلِّغ» وتسكينها، فالتَّبليغ عن الرَّسول عليه الصلاة والسلام فرض كفايةٍ، (فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ) المذكور: (مَا قَالَ عَمْرٌو)؛ أي: ابن سعيدٍ المذكور في جوابك، فقال: (قَالَ) عمروٌ: (أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ أنَّ مكَّة) [16] ؛ يعني: صحَّ سماعك وحفظك، لكن ما فهمت المعنى؛ فإنَّ مكَّة (لَا تُعِيذُ)؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة، والذَّال المُعجَمَة؛ أي: لا تعصم (عَاصِيًا) من إقامة الحدِّ عليه، وفي رواية غير الأربعة [17] : ((إنَّ الحرم لا يُعيذ)) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة ((عاصيًا)) (وَلَا فَارًّا) بالفاء، والرَّاء المُشدَّدة (بِدَمٍ)؛ أي: مصاحبًا بدمٍ، ومتلبِّسًا به، وملتجئًا إلى الحرم بسبب خوفه من إقامة الحدِّ عليه، (وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ)؛ أي: بسبب خَرْبَةٍ؛ وهي بفتح المُعجَمَة وبعد الرَّاء السَّاكنة مُوحَّدةٌ، ووقع في رواية أبي ذَرٍّ عنِ [18] المستملي تفسيرها فقال: ((بِخَرْبَةٍ؛ يعني: السَّرقة))، وفي رواية الأَصيليِّ _كما قاله القاضي عياضٌ_: ((بخُربةٍ))؛ بضمِّ الخاء؛ أي: الفساد، وزاد البدر الدَّمامينيُّ: الكسر مع إسكان الرَّاء كذلك، وقال: على المشهور؛ أي: في الرَّاء، قال: و [19] أصلها سرقة الإبل، وتُطلَق على كلِّ خيانةٍ، انتهى. وقد حاد عمروٌ عن الجواب، وأتى بكلامٍ ظاهره حقٌّ لكن أراد به الباطل، فإنَّ أبا شُرَيْحٍ الصَّحابيَّ أنكر عليه بعثة [20] الخيل إلى مكَّة، واستباحة حرمتها بنصب الحرب عليها، فأجابه [21] : بأنَّه لا يمنع من إقامة القصاص، وهو الصَّحيح، إلَّا أنَّ ابن الزُّبَيْر لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيءٌ، بل هو أَوْلى بالخلافة من يزيد بن معاوية؛ لأنَّه بُويِع قبله، وهو صاحب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومباحث ذلك تأتي _إن شاء الله تعالى_ في «الحجِّ» [خ¦1832] .

ورواة هذا الحديث الأربعة [22] ما بين مصريٍّ [23] ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع، والإفراد، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦1832] ، و«المغازي» [خ¦4295] ، ومسلمٌ في «الحجِّ»، والتِّرمذيُّ فيه، وفي «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ» و«العلم»، والله الموفِّق.

[1] «المقبريُّ»: سقط من (م).
[2] قوله: «ومنَّ علينا بالمُجَاوَرَة بها على أحسن وجهٍ في عافيةٍ بلا محنةٍ»، سقط من (م).
[3] «في عافيةٍ»: سقط من (د).
[4] قوله: «وفي رواية أبي الوقت: «رسول الله»»، سقط من (د).
[5] «من»: سقط من (ص).
[6] «هو»: سقط من (م).
[7] «والرِّجل»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[8] «والرَّأس»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[9] «باب»: سقط من (ص) و(م).
[10] زيد في (م): اسم الجلالة.
[11] «يوم»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[12] «والنِّساء شقائق الرِّجال»: مثبتٌ من (م).
[13] في (ص) و(م): «بها».
[14] «وأصله»: سقط من (ص).
[15] في (م): «الحالة».
[16] «أنَّ مكَّة»: ليس في (م).
[17] «غير الأربعة»: مثبتٌ من (م).
[18] «أبي ذَرٍّ عن»: سقط من (س).
[19] «قال و»: سقط من (د).
[20] في (ب) و(س): «بعث»، وفي (ص): «بعثه».
[21] في(ب) و(س): «فأجاب».
[22] «الأربعة»: مثبتٌ من (م).
[23] في (ص) و(م): «بصريٍّ»، وهو تحريفٌ.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

104-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: حدَّثني [1] اللَّيْثُ، قالَ: حدَّثني سَعِيدٌ [2] :

عن أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّهُ قالَ لِعَمْرِو بنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إلىَ مَكَّةَ: ائذَنْ لِي أَيُّها الأَمِيرُ؛ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قامَ بِهِ النَّبِيُّ [3] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنايَ، وَوَعاهُ قَلْبِي، وأَبْصَرَتْهُ عَيْنايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللَّهَ وأَثْنَىَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَها اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْها النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بها [4] دَمًا، وَلا يَعْضِدَ [5] بها شَجَرَةً، فإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ [/ج1ص32/] أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يأْذَنْ لَكُمْ، وإِنَّما أَذِنَ لِي فيها [6] ساعَةً مِنْ نَهارٍ، ثُمَّ عادَتْ حُرْمَتُها اليَوْمَ كَحُرْمَتِها بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغائبَ». فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: ما قالَ عَمْرٌو؟ قالَ: أَنا أَعْلَمُ مِنْكَ يا أَبا شُرَيْحٍ، لا يُعِيذُ [7] عاصِيًا، وَلا فارًّا بِدَمٍ، وَلا فارًّا بِخَرْبَةٍ [8] .

[1] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «حدَّثنا».
[2] في رواية ابن عساكر زيادة: «هو ابن أبي سعيد» وفي رواية الأصيلي ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «سعيد بن أبي سعيد».
[3] في رواية السمعاني عن أبي الوقت: «رسولُ الله»، وزاد في (و) نسبتها إلىَ رواية [ع] أيضًا.
[4] في رواية المستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «فيها». كتبت بالحمرة.
[5] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[6] لفظة: «فيها» ليست في رواية أبي ذر.
[7] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «لا تعيذ».
[8] في رواية المستملي وأبي ذر زيادة: «يعني السَّرِقة».





104- ( يَسْفِكَ ) بكسر الفاء على المشهور، وحكي الضم، وهما روايتان. [/ج1ص73/]

( بِهَا ) ويروى: «فيها».

( ويَعْضِد ) بكسر الضاد: يقطع.

( الخَرْبة ): بفتح الخاء المعجمة وإسكان الراء على المشهور، وبضم الخاء وكسرها أيضًا: السرقة، وأصلها سرقة الإبل، وتطلق على كل خيانة.


104# (وَهْوَ يبعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ) أي: حين أظهرَ عبدُ الله بنُ الزبير الخلافَ على يزيدَ في سنة إحدى وستين من الهجرة، وكان يزيدُ قد ولَّى عمرو بنَ سعيدٍ المدينةَ.

(يَسْفِكَ) يروى: بكسر الفاء وبضمها، وهما وجهان جائزان.

(بِهَا) الباء ظرفية، وقد روي: <فيها>.

(وَلاَ يَعْضِدَ) بكسر الضاد معجمة : يقطع.

(بِخَرْبَةٍ) بتثليث الخاء المعجمة وإسكان الراء على المشهور: السرقة، وأصلها: سرقة الإبل، وتطلق على كلِّ خيانة.


104- قوله: (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ): هو بضمِّ الشِّين المعجمة، وفي آخره حاء مهملة، واسمه خويلد بن عمرو، وقيل بالعكس، وقيل: كعب بن عمرو، وقيل: هانئ بن عمرو، حمل لواء قومه يوم الفتح، وكان من العقلاء، توفِّي سنة (76 هـ ) رضي الله عنه.

قوله: (لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ): (عمرو) هذا: هو ابن سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي [1] بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف أبو [2] أميَّة الأَمويُّ، الملقَّب بالأشدق، أحد رؤوس بني أميَّة وأشرافهم، أَرسَل عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ورَوى عن أبيه، وعن [3] عمر، وعثمان، وعائشة، وغيرهم، وعنه: بنوه أميَّة وموسى وسعيد، وغيرهم، وُلِّي المدينة لمعاوية ولابنه، ثمَّ تطلَّب الخلافة بعدُ، ترجمته معروفة، ذكره في «الميزان» تمييزًا، له في «مسلم»، و«التِّرمذيِّ»، و«النَّسائيِّ»، قُتِل سنة سبعين، وقيل غير ذلك.

تنبيه: اعلم أنَّ ما وقع هنا وقع في «مسلم» أيضًا، وهو الصَّحيح المعروف؛ أنَّ أبا شريح قال لعمرو بن سعيد، ووقع في «سيرة ابن إسحاق» من طريق زياد البكائيِّ قال: حدَّثني سعيد بن أبي سعيد المقبريُّ عن أبي شريح الخزاعيِّ قال: (لمَّا قدم عمرو بن الزُّبير إلى مكَّة لقتال أخيه عَبْد الله بن الزُّبير؛ جئته، فقلت له: يا [4] هذا؛ إنَّا كنَّا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين افتتح مكَّة، فلمَّا كان الغد من يوم الفتح...) ؛ الحديث، والصَّواب ما في «الصَّحيح»، والوهم فيه من دون ابن إسحاق، وقد رواه يونس بن بكير عنه على الصَّواب.

وقال شيخنا الشَّارح ما لفظه: (ووقع في «سيرة ابن إسحاق»: حدَّثنا سعيد بن أبي سعيد عن أبي شريح قال: «لمَّا قدم عمرو بن الزُّبير مكَّة؛ قام إليه أبو شريح»؛ فذكره) ، قال: (وكذا ذكر الواقديُّ عن رياح بن مسلم، عن أبيه قال: «بُعِثَ إلى عَبْد الله بن الزُّبير عمرو أخوه، فقام أبو شريح، فقال له...»؛ الحديث، ولا التفات إلى ردِّ السُّهيليِّ له: بأنَّه وهم من ابن هشام، فهذا ابن إسحاق هو الذي ذكره، وسنده صحيح، وقد أوضحت شرحه في «شرح العمدة»؛ فليراجع منه) انتهى.

وقد راجعت كلام السُّهيليِّ؛ فوجدته كما قاله شيخنا، ولكن عقَّب السُّهيليُّ هذا التَّنبيه بأن قال: (ذكر هذا التَّنبيه على ابن هشام أبو عمر في كتاب «الأجوبة عنِ المسائل المستغربة») انتهى.

فخلص منه السُّهيليُّ، لكن كان ينبغي له أن يتعقَّبه ولا يمشِّيه، والله أعلم.

قوله: (أُحَدِّثْكَ): [هو بجزم الثَّاء مِنْهُ، جواب الأمر.

قوله: (الْغَدَ) [5] ] [6] : هو منصوب على الظرف، وهذا والذي قبله ظاهران.

قوله: (مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ): اعلم أنَّ الفتح كان في رمضان [يوم الجمعة لتسعَ عشرةَ خلت مِنْهُ، وفي «مسلم» في (الصوم): (فصبَّح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مكَّة لثلاثَ عشرةَ خلت من رمضان)] [7] ، ثمَّ ذكر عن أبي سعيد قال: (غزونا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لستَّ عشرةَ مضت من رمضان) ، وفي رواية: (لثمانِ عشرة خلت) ، وفي رواية: (ثنتي عشرة) ، وفي رواية: (لسبع عشرة أو تسع عشرة) .

قال النَّوويُّ: (والمشهور في كتب المغازي: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خرج في غزوة الفتح من المدينة لعشر خلون من رمضان، ودخلها لتسع عشرة خلت مِنْهُ، ووجه الجمع بين هذه الرِّوايات...) ، ثمَّ أخلى بياضًا؛ ليجمع، ولم يجمع.

وفي «سيرة مغلطاي الصُّغرى» في (الفتح): (وطاف النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالبيت يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان) انتهى [8]

وقال ابن قيِّم الجوزيَّة: (إنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام خرج من المدينة إلى مكَّة في أواخر رمضان بعد مضي ثماني عشرة ليلة منه) ، ثمَّ ساق مستنده.

غريبة: وقع في هذا «الصَّحيح» في (باب غزوة الفتح في رمضان) من كلام ابن عبَّاس: (وذلك على رأس ثماني سنين ونصف من مَقدَمِه المدينة) ، وفيه نظر؛ لما تقدَّم من أنَّه سنة ثمان، ولا أعلم فيه خلافًا، ولو كان كما ذكر؛ لكان الفتح في السَّنة التَّاسعة، ولا أعلم به قائلًا إلَّا ما ذكرت عنه، وسواء قلنا: إنَّ أول التَّأريخ ربيع الأوَّل شهر المقدم، أو المحرَّم أوَّل سنة المقدم، أو على القول الغريب الذي سأذكره من أنهم أسقطوا بقيَّة سنة المقدم، وأرَّخوا من ثاني سنة، والله أعلم.

تنبيه آخر: المشهور أنَّ فتح مكَّة كان يوم الجمعة، وفي «سيرة مغلطاي» ما لفظه: (وذكر يعقوب عنِ ابن عبَّاس: ولد عليه الصَّلاة والسَّلام يوم الاثنين، وخرج من مكَّة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وفتح [9] مكَّة يوم الاثنين...) إلى آخره.

قوله: (إِنَّ مَكَّةَ): سمِّيت بذلك؛ لقلة مائها، أو لأنَّها تمكُّ الذنوب، ومن أسمائها: بكَّة؛ بالباء، وهي لغة فيها؛ لأنَّها تبُكُّ أعناق الجبابرة؛ أي: تدقُّها، والبكُّ: الدَّقُّ، أو لازدحام الناس بها يبكُّ بعضهم بعضًا؛ أي: يدفعه في زَحمة الطواف، وقال آخرون: إنَّ مكَّة غير بكَّة، فقيل: الأولى: الحرم كلُّه، والثَّانية: المسجد خاصَّة، وقيل: الأولى: البلد، والثَّانية: البيت، قيل: وموضع الطواف أيضًا.

فائدة [10] : لمكَّة عدًّة أسماء ذكرها شيخي مجد الدين الفيروزأباذي فيما قرأته عليه بالقاهرة -ولم ألقه إلَّا بها- في كتابه [11] «تحبير الموشين في التَّعبير بالسِّين والشِّين»، ولفظه: (ومن أسماء مكَّة: العروض، والمعاد، وأمُّ رُحْمٍ [/ج1ص58/] -بالرَّاء المهملة-، وأمُّ راحم، وأمُّ الرُحْم، وأمُّ زُحْم -وهذه بالزاي-، وأمُّ صُبْح، وأمُّ القُرَى، والبلد، والبلدة، والبلد الأمين، والبلد الحرام، والرِّتاج [12] ، والناسة، والنسناسة [13] ، وطيبة، والقادس، والمقدَّسة، وقرية النمل، ونقرة الغراب، وقرية الحُمْس، وصَلاحِ _ كقطامِ-، وصلاحٌ _ منوَّنة-، والحاطمة [14] ، وكُوثَى، وسَبُوحة، والسلام، والعذراء، ونادرة، والوادي، والحرم، والنَجْر، والقرية، وبكَّة، ومكَّة، والعَرْشُ، والعُرْشُ، والعريش، والعِروش، والحُرمة، والحِرمة- بالضَّمِّ والكسر-، وهذه السِّتة عنِ ابن عُدَيس ذكرها في كتابه «الباهر») انتهى.

ومن أسمائها: الرَّأس، ذكره [15] السُّهيليُّ في أوائل «روضه»، وذكر المحبُّ الطَّبَرِيُّ لها أسماء؛ منها: (المعظَّمة) ، وذكر عنِ النَّوويِّ: (القادسة) انتهى.

وفي «شرح المنهاج» لشيخنا الشَّارح: (البيت، والبيت الحرام، والمأموم، والرَّأس، والثنيَّة) ، وذكر أسماء أخرى تقدَّمت في «التَّحبير»، والله أعلم.

قوله: (حَرَّمَهَا اللهُ): إن قلت: ما الجمع بين هذا وبين قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنَّ إبراهيم حرَّم مكَّة»؟

فالجواب: أنَّهم ذكروا في تحريم إبراهيم مكَّة احتمالين؛ أحدهما: أنَّه حرَّمها بأمر الله تعالى له بذلك لا باجتهاده، فلهذا أضاف التَّحريم إليه تارة، وإلى الله تارة، والثَّاني: أنَّه دعا لها، فحرَّمها الله تعالى بدعوته، فأضيف التَّحريم إليه بذلك.

فائدة: اختلف في وقت تحريم مكَّة؛ فقيل: إنَّها ما زالت محرَّمة من يوم خلق الله السماوات والأرض، وشاهده في «الصَّحيح»: «إنَّ هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض»، وقيل: ما زالت حلالًا كغيرها إلى زمن إبراهيم، ثمَّ ثبت لها التَّحريم من زمنه، وهذا القول موافق لحديث: «إنَّ إبراهيم حرَّم مكَّة»، والقول الأوَّل للحديث الذي ذكرته، وبه قال الأكثرون.

وأجابوا عن حديث تحريم إبراهيم مكَّة: بأنَّ تحريمها كان ثابتًا من يوم خلق الله السماوات والأرض، ثمَّ خفي تحريمها، واستمرَّ خفاؤه إلى زمن إبراهيم، فأظهره وأشاعه، لا أنَّه ابتدأه.

ومن قال بالثَّاني؛ أجاب عنِ الحديث الأوَّل: بأنَّ الله كتب في اللوح المحفوظ أو في غيره يوم خلق السماوات والأرض: أنَّ إبراهيم سيحرِّم مكَّة بأمر الله.

قوله: (أَنْ يَسْفِكَ): هو بكسر الفاء وضمِّها، لغتان.

قوله: (وَلاَ يَعْضِدَ): بكسر الضَّاد؛ أي: يقطع، يقال: عضدت الشَّجر أعضِده _ بالكسر؛ أي: قطعته بالمِعْضد، فهو معضود، وعَضَد؛ بالتَّحريك.

قوله: (لِقِتَالِ): اللَّام بمعنى الباء.

قوله: (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ): قال أبو عبيد في (كتاب الأموال): (هي من أوَّل النهار إلى العصر) ، (ونُقِل لي عن بعض الفضلاء: أنَّها كذلك في «مسند أحمد») [16] .

قوله: (لأَبِي شُرَيْحٍ): تقدَّم قريبًا أنَّه بالشِّين المعجمة [17] ، وفي آخره حاء مهملة، وتقدَّم بعض ترجمته رَضِيَ الله عنه، والاختلاف في اسمه واسم أبيه.

قوله: (بِخَرْبَةٍ): هي بخاء معجمة مفتوحة، ثمَّ راء ساكنة، ثمَّ موحَّدة مفتوحة، ثمَّ تاء، قال ابن قُرقُول: بضمِّ الخاء -يعني: المعجمة- ضبطه الأصيليُّ، وضبطه غيره: بالفتح، وكذا قيَّدناه في «مسلم» بلا خلاف، وصوَّب بعضهم: الفتح، وفي (الحجِّ) من «البخاريِّ»: «الخربة: البليَّة»، ومثله في رواية الهمدانيِّ، وفي رواية المستملي يعني: (السرقة) ، وفي روايته في (المغازي): (البَليَّة) ، وقال الخليل: (الخُربة؛ بالضَّمِّ: الفساد في الدين، وهو من الخارب، وهو اللصُّ المفسد في الأرض، ولا يكاد يستعمل إلَّا في سارق الإبل) ، وقال غيره: الخَربة؛ بالفتح: السرقة، وقيل: العيث، وأمَّا الخِرابة -بخاء معجمة-؛ فهي سرقة الإبل خاصَّة، وبالحاء المهملة في كلِّ شيء.

وقال في «النهاية» بعد أنَّ فسَّر الخُربة: (وقد روى التِّرمذيُّ: «بخِربة»، فيجوز أن يكون بكسر الخاء؛ وهو الشَّيء الذي يستحيا مِنْهُ، أو من الهوان والفضيحة، ويجوز أن يكون بالفتح؛ وهي الفَعلة الواحدة منهما) انتهى.

قوله: (فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ [18] عَمْرٌو؟...) إلى آخره: كلام عمرٍو الأشدق لَمْ يسنده إلى راويه، وقد شنَّع الحافظ أبو محمَّد بن حزم في «محلَّاه» في (الجنايات) ، فقال: (لا كرامة للطيم الشَّيطان الشُّرْطيِّ [19] الفاسق، يريد أنَّ يكون أعلم من صاحب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم! قال: وهذا الفاسق هو العاصي لله ولرسوله ومن ولَّاه أو قلَّده، وما حامل الخربة في الدنيا والآخرة إلَّا هو ومن أمَّره وأيَّده، ثمَّ ضعَّف قوله، قاله [20] شيخنا الشَّارح.

[1] (بن سعيد بن العاصي): ليس في (ج) .
[2] في (ب): (ابن) .
[3] (أبيه، وعن): ليس في (ب) .
[4] في (ج): (ما) .
[5] في (ج): (أبعد) .
[6] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[7] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[8] (انتهى): ليس في (ج) .
[9] في (ج): (وافتتح) .
[10] زيد في هامش (أ): (مطلب في أسماء مكة) .
[11] في (ج): (كتاب) .
[12] في (ج): (والمرتاج) .
[13] في (ج): (والنساسة) .
[14] في (ب): (والخاطمة) .
[15] في (ج): (ذكرها) .
[16] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[17] (المعجمة): ليس في (ب) .
[18] زيد في النسخ: (لك) ، وليست في «اليونينيَّة» و (ق) .
[19] (الشرطي): ليس في (ب) .
[20] (قاله): ليس في (ج) .





104- (أيُّها): الأصلُ: يا أيُّها؛ فحُذِفَ حرفُ النِّداء.

(قَامَ): صفةٌ لـ (القول)، والمقولُ هو: (حَمِدَ اللهَ...) إلى آخره.

(الْغَدَ): منصوبٌ على الظرف.

(حَمِدَ اللهَ): بيانٌ لقولِه: (تَكَلَّمَ بِهِ).

(حِيْنَ): ظرفٌ لـ (قَامَ).

(فَإِنْ [1] أَحَدٌ) هو فاعلُ فِعْلٍ محذوفٍ [2] ؛ كقوله تعالى: {وإنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} [التوبة: 6] .

(لِقِتَالِ): اللَّام بمعنى الباء.

[1] في النسختين: (وإن...) بالواو.
[2] تقديره: (إن ترخَّص أحد ترخَّص...).





104- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنِي) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((حدَّثنا)) (اللَّيْثُ) ابن سعدٍ المصريُّ، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ)؛ بكسر العين، المقبريُّ [1] ، وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: ((سعيد بن أبي سعيدٍ))، ولغيرهم: ((هو ابن أبي سعيدٍ))، (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ)؛ بضمِّ [/ج1ص197/] المُعجَمَة، وفتح الرَّاء، آخره حاءٌ مُهمَلَةٌ، خويلد بن عمرو بن صخرٍ الخزاعيِّ الكعبيِّ الصَّحابيِّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وستِّين رضي الله عنه وله في «البخاريِّ» ثلاثة أحاديث، (أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ)؛ بفتح العَيْن في الأولى، وكسرها في الثَّانية، ابن العاصِ بن أميَّة، القرشيِّ الأمويِّ، المعروف بالأشدق، قال ابن حجرٍ: وليست له صحبةٌ، ولا كان من التَّابعين بإحسانٍ، (وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ)؛ بضمِّ المُوحَّدة، جمع: البَعث؛ بمعنى المبعوث، والجملة اسميَّةٌ وقعت حالًا، والمعنى: يرسل الجيوش (إِلَى مَكَّةَ) _زادها الله تعالى شرفًا، ومنَّ علينا بالمُجَاوَرَة بها على أحسن وجهٍ في عافيةٍ بلا محنةٍ [2] _ لقتال عبد الله بن الزُّبَيْر؛ لكونه امتنع من مُبايَعَة يزيد بن معاوية في سنة إحدى وستِّين من الهجرة، واعتصم بالحرم، بلَّغنا الله المُجاوَرَة به في عافيةٍ [3] بلا محنة، وكان عمرٌو والي يزيدَ على المدينة الشَّريفة: (ائْذَنْ لِي) يا (أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ)؛ بالجزم؛ لأنَّه جواب الأمر، (قَوْلًا) بالنَّصب مفعولٌ ثانٍ لـ: «أحدِّث»، (قَامَ بِهِ النَّبِيُّ) وفي رواية أبي الوقت: ((رسول الله)) [4] (صلى الله عليه وسلم الْغَدَ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (مِنْ [5] يَوْمِ الْفَتْحِ)؛ أي: ثاني يوم فتح مكَّة، في العشرين من رمضان، السَّنة الثَّامنة من الهجرة، (سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ)، أصله: أذنان لي، فسقطت النُّون؛ لإضافته لياء المتكلِّم، والجملة في محلِّ نصبٍ صفةٌ للقول؛ كجملة: «قام به النبي صلى الله عليه وسلم»، وهو ينفي أن يكون سَمِعَه من غيره، (وَوَعَاهُ قَلْبِي)؛ أي: حفظه وتحقَّق فهمه، وتثبَّت في تعقُّل معناه، (وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ)؛ بتاء التَّأنيث؛ «كسمعته أذناي»؛ لأنَّ كلَّ ما هو [6] في الإنسان من الأعضاء اثنان، كاليد والرِّجل [7] والعين والأذن؛ فهو مُؤنَّثٌ؛ بخلاف الأنف والرَّأس [8] ، والمعنى: أنَّه لم يكن اعتماده على الصَّوت من وراء حجابٍ، بل بالرُّؤية والمُشاهَدَة، وأتى بالتَّثنية؛ تأكيدًا، (حِينَ تَكَلَّمَ) صلى الله عليه وسلم (بِهِ)؛ أي: بالقول الذي أحدّثك، (حَمِدَ الله) تعالى بيانٌ لقوله: «تكلَّم به»، (وَأَثْنَى عَلَيْهِ): عطفٌ على سابقه من باب [9] : عطف العامِّ على الخاصِّ، (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا الله) عزَّ وجلَّ يوم خلق السَّماوات والأرض، (وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ) من قِبَلِ أنفسهم واصطلاحهم، بل حرَّمها الله تعالى بوحيه، فتحريمها ابتدائيٌّ من غير سببٍ يُعزَا لأحدٍ، فلا مدخل فيه لنبيٍّ ولا لغيره، ولا تنافيَ بين هذا وبين ما رُوِيَ: أنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام حرَّمها [10] [خ¦2129] ؛ إذِ المراد أنَّه بلَّغ تحريم الله وأظهره بعد أن رفع البيت وقت الطُّوفان، واندرست حرمتها، وإذا كان كذلك؛ (فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ) بكسر الرَّاء كالهمزة؛ إذ هي تابعةٌ لها في جميع أحوالها؛ أي: لا يحلُّ لرجلٍ (يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ): يوم [11] القيامة، إشارةٌ إلى المَبْدَأ والمَعَاد، والنِّساء شقائق الرِّجال [12] (أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا)؛ بكسر الفاء، وقد تُضَمُّ، وهما لغتان، قال في «العُبَاب»: سفكت الدَّم أسفِكه وأسفُكه سفكًا، وفي رواية المستملي والكُشْمِيهَنيِّ: ((فيها)) بدل «بها»، والباء بمعنى: «في»، و«أن» مصدريَّةٌ؛ أي: فلا يحلُّ سفك دمٍ فيها [13] ، والسَّفك: صبُّ الدَّم، والمُرَاد به: القتل، (وَ) أن (لَا يَعْضِدَ بِهَا)؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، وتسكين العَيْن المُهمَلَة، وكسر الضَّاد المُعجَمَة، آخره دالٌ مهملة مفتوحة؛ أي: يقطع بالْمِعْضَدِ؛ وهو آلة كالفأس، (شَجَرَةً)، أي: ذات ساقٍ، و«لا»: زيدَت لتأكيد معنى النَّفيِ؛ أي: لا يحلُّ له أن يَعْضِدَ، (فَإِنْ) ترخَّص (أَحَدٌ تَرَخَّصَ)؛ برفع «أحدٌ» بفعلٍ مُقدَّرٍ يفسِّره ما بعده، لا بالابتداء؛ لأنَّ «إنْ» من عوامل الفعل، وحُذِفَ الفعل وجوبًا؛ لئلا يجمع بين المفسِّر والمفسَّر، وأبرزته لضرورة البيان، والمعنى: إن قال أحدٌ: ترك القتال عزيمةٌ، والقتال رخصةٌ تتعاطى عند الحاجة، (لِقِتَالِ)؛ أي: لأجل قتال (رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا) مستدلًّا بذلك؛ (فَقُولُوا) له: ليس الأمر كذلك، (إِنَّ اللَه) تعالى (قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ) صلى الله عليه وسلم خصيصةً له، (وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي) الله في القتال فقط، (فِيهَا)؛ أي: مكَّة، وهمزة «أَذِنَ» مفتوحةٌ، ويجوز ضمُّها على البناء للمفعول، ولأبي ذَرٍّ كما في «الفرع» و«أصله» [14] إسقاط لفظة: ((فيها))؛ اختصارًا للعلم به، فقال: أذن لي (سَاعَةً)؛ أي: في ساعةٍ (مِنْ نَهَارٍ)؛ وهي من طلوع الشَّمس إلى العصر؛ كما في حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن [/ج1ص198/] جدِّه عند أحمد، فكانت مكَّة في حقِّه صلى الله عليه وسلم في تلك السَّاعة [15] بمنزلة الحِلِّ، (ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ)؛ أي: تحريمها المقابل للإباحة المفهومة من لفظ «الإذن» في اليوم المعهود؛ وهو يوم الفتح؛ إذ عود حرمتها كان في يوم صدور هذا القول لا في غيره، (كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ) الذي قبل يوم الفتح، (وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) الحاضر (الْغَائِبَ)؛ بالنَّصب مفعول «الشَّاهد»، ويجوز كسر لام «لِيبلِّغ» وتسكينها، فالتَّبليغ عن الرَّسول عليه الصلاة والسلام فرض كفايةٍ، (فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ) المذكور: (مَا قَالَ عَمْرٌو)؛ أي: ابن سعيدٍ المذكور في جوابك، فقال: (قَالَ) عمروٌ: (أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ أنَّ مكَّة) [16] ؛ يعني: صحَّ سماعك وحفظك، لكن ما فهمت المعنى؛ فإنَّ مكَّة (لَا تُعِيذُ)؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة، والذَّال المُعجَمَة؛ أي: لا تعصم (عَاصِيًا) من إقامة الحدِّ عليه، وفي رواية غير الأربعة [17] : ((إنَّ الحرم لا يُعيذ)) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة ((عاصيًا)) (وَلَا فَارًّا) بالفاء، والرَّاء المُشدَّدة (بِدَمٍ)؛ أي: مصاحبًا بدمٍ، ومتلبِّسًا به، وملتجئًا إلى الحرم بسبب خوفه من إقامة الحدِّ عليه، (وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ)؛ أي: بسبب خَرْبَةٍ؛ وهي بفتح المُعجَمَة وبعد الرَّاء السَّاكنة مُوحَّدةٌ، ووقع في رواية أبي ذَرٍّ عنِ [18] المستملي تفسيرها فقال: ((بِخَرْبَةٍ؛ يعني: السَّرقة))، وفي رواية الأَصيليِّ _كما قاله القاضي عياضٌ_: ((بخُربةٍ))؛ بضمِّ الخاء؛ أي: الفساد، وزاد البدر الدَّمامينيُّ: الكسر مع إسكان الرَّاء كذلك، وقال: على المشهور؛ أي: في الرَّاء، قال: و [19] أصلها سرقة الإبل، وتُطلَق على كلِّ خيانةٍ، انتهى. وقد حاد عمروٌ عن الجواب، وأتى بكلامٍ ظاهره حقٌّ لكن أراد به الباطل، فإنَّ أبا شُرَيْحٍ الصَّحابيَّ أنكر عليه بعثة [20] الخيل إلى مكَّة، واستباحة حرمتها بنصب الحرب عليها، فأجابه [21] : بأنَّه لا يمنع من إقامة القصاص، وهو الصَّحيح، إلَّا أنَّ ابن الزُّبَيْر لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيءٌ، بل هو أَوْلى بالخلافة من يزيد بن معاوية؛ لأنَّه بُويِع قبله، وهو صاحب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومباحث ذلك تأتي _إن شاء الله تعالى_ في «الحجِّ» [خ¦1832] .

ورواة هذا الحديث الأربعة [22] ما بين مصريٍّ [23] ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع، والإفراد، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦1832] ، و«المغازي» [خ¦4295] ، ومسلمٌ في «الحجِّ»، والتِّرمذيُّ فيه، وفي «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ» و«العلم»، والله الموفِّق.

[1] «المقبريُّ»: سقط من (م).
[2] قوله: «ومنَّ علينا بالمُجَاوَرَة بها على أحسن وجهٍ في عافيةٍ بلا محنةٍ»، سقط من (م).
[3] «في عافيةٍ»: سقط من (د).
[4] قوله: «وفي رواية أبي الوقت: «رسول الله»»، سقط من (د).
[5] «من»: سقط من (ص).
[6] «هو»: سقط من (م).
[7] «والرِّجل»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[8] «والرَّأس»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[9] «باب»: سقط من (ص) و(م).
[10] زيد في (م): اسم الجلالة.
[11] «يوم»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[12] «والنِّساء شقائق الرِّجال»: مثبتٌ من (م).
[13] في (ص) و(م): «بها».
[14] «وأصله»: سقط من (ص).
[15] في (م): «الحالة».
[16] «أنَّ مكَّة»: ليس في (م).
[17] «غير الأربعة»: مثبتٌ من (م).
[18] «أبي ذَرٍّ عن»: سقط من (س).
[19] «قال و»: سقط من (د).
[20] في (ب) و(س): «بعث»، وفي (ص): «بعثه».
[21] في(ب) و(س): «فأجاب».
[22] «الأربعة»: مثبتٌ من (م).
[23] في (ص) و(م): «بصريٍّ»، وهو تحريفٌ.





104- ( لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ): هو ابن القاضي الأمويُّ، ليس صحابيًّا ولا من التَّابعين بإحسان.

( يَبْعَثُ الْبُعُوثَ ) أي: يرسل الجيوش لقتال عبد الله بن الزُّبير لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية، واعتصم بالحرم، وكان عمرو والي يزيد على المدينة.

( ائْذَنْ لِي... إلى آخره )، فيه حسن تلطُّفٍ في الإنكار على أمراء الجور ليكون أدعى لقبولهم.

( أُحَدِّثْكَ ) بالجزم: جواب الأمر.

( الْغَدَ ): بالنَّصب.

( وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ) بالرَّفع، أي: أنَّ تحريمها كان بوحي من الله لا باصطلاح من النَّاس.

( يَسْفِكَ ): بكسر الفاء: صبُّ الدَّم، والمراد به: القتل.

( بِهَا )، للمُسْتملي: «فيها».

( يَعْضِدَ ): بكسر الضَّاد المعجمة والنَّصب، أي: يقطع بالمِعْضَد، وهو آلة كالفأس.

( أَذِنَ لِي ) أي: الله، ويُروَى بضمِّ الهمزة.

( سَاعَةً ) أي: مقدارًا من الزَّمان، والمراد به: يوم الفتح، وفي «مسند أحمد»: أنَّ ذلك كان من طلوع الشَّمس إلى العصر.

( لاَ يُعِيذُ ): بضمِّ أوَّله، وآخره معجمة، أي: لا يُجير.

( فَارًّا ): بالفاء والرَّاء المشدَّدة: هاربًا.

( بِخَرْبَةٍ ): بفتح المعجمة وسكون الرَّاء ثمَّ موحَّدة، زاد المُسْتملي: «يعني السَّرقة». [/ج1ص268/]

قال ابن بطَّال: هي بالفتح: السَّرقة، وبالضَّمِّ: الفساد.

زاد أحمد: «قال أبو شريح: فقلت لعمرو: قد كنتُ شاهدًا وكنتَ غائبًا، وقد أمرنا أن يبلِّغ شاهدنا غائبنا، وقد بلَّغتك».


30/104# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: حدَّثني اللَّيْثُ بن سعد، قالَ: حدَّثني سَعِيدٌ [1] :

عن أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّهُ قالَ لِعَمْرِو بنِ سَعِيدٍ [2] وَهْوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إلىَ مَكَّةَ: ائذَنْ لِي أَيُّها الأَمِيرُ؛ أُحَدِّثْكَ قَوْلاً قامَ [3] بذلك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنايَ وأَبْصَرَتْهُ عَيْنايَ وَوَعاهُ قَلْبِي [4] حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللهَ وأَثْنَىَ عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَها اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْها النَّاسُ [5] ، فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ مؤمن [6] بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بها دَماً، وَلا يَعْضِدَ بها شَجَرَةً، فإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتالِ رَسُولِ اللهِ فيها، فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يأْذَنْ لَكُمْ، وإِنَّما أَذِنَ لِي فيها ساعَةً مِنْ نَهارٍ، ثُمَّ عادَتْ حُرْمَتُها اليَوْمَ كَحُرْمَتِها بِالأَمْسِ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغايبَ». قال: فقالَ عَمْرٌو لأبي شُريحٍ [7] : أَنا أَعْلَمُ مِنْكَ، لا يُعِيذُ الحرمُ [8] عاصِياً [9] وَلا فارّاً بِدَمٍ وَلا فارّاً بِخَرْبَةٍ.

قوله: (لا يعضد بها شجرة) معناه: لا يقطع، والعَضْد: القطع، وقد رأى [10] العلماء في الشجرة يُقطع منها الفدية، فروي عن ابن الزبير أنَّه جعل في الشجرة الصغيرة شاةً، وفي

@%ص46%

الشجرة الكبيرة بقرةً، وهو قول عطاء [11] ، وإليه ذهب الشافعيُّ [12] .

وقوله: (أن يسفك بها دَماً) فإنَّ ظاهرَه تحريمُ الدماء كلِّها، كان ذلك حقّاً أو لم يكن، ويؤكِّد [13] ذلك قوله: «وإنَّما أُذن لي فيها [14] ساعةً من نهار، ثمَّ عادت حُرمتها اليومَ كحرمتها [15] بالأمس»، ولا يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم قد أباحَ دَماً حَرَاماً عليه في ذلك اليوم ولا في غيره من الأيَّام، أو غيرها من الأماكن.

وإلى هذا ذهب قومٌ من أهل العلم، فقالوا: إذا فَرَّ الجاني إلى الحرم لم يُقتصَّ منه ما دام مقيماً به، فإذا خرج اقتصَّ منه.

وقال آخرون: كلُّ ما جَنَاهُ في الحرم اقتصَّ منه في الحرم، وما جناه خارجَ الحرم لم يُقتصَّ منه داخل الحرم.

وأمَّا قول عَمرو: (ولا فارّاً بخرْبَة) فإنَّ معنى الخَرْبة: السرقة ها هنا [16] ، والخرابُ عندهم سرقة الإبل خاصَّة، يقال: رجل خاربٌ. ويُسمُّون اللُّصوص: خُرَّاباً، قال الشاعر:

~والخاربُ اللِّصُّ يُحِبُّ الخَارِبَا [17]

~وقد تجري الخَربَة في أكثر الكلام [18] مُجرَى التُّهَمَة [19] .

[1] (حدثني سعيد) سقط من (ط).
[2] في (ط) (عمرو بن سعد).
[3] في (ط): (من لا قام) تحريفاً
[4] (ووعاه) قلبي سقط من (ط).
[5] (ولم يحرمها الناس) سقط من (ط).
[6] في (ط): (يؤمن).
[7] (لأبي شريح) سقط من (ط) وفي الأصل: (شريحة) والمثبت من النسخ الفروع.
[8] في النسخ الفروع: (يعني الحرم).
[9] في الأصل: (غاصباً).
[10] في (ف): (وقدر).
[11] انظر قوله في مصنف عبد الرزاق 5/1243.
[12] انظر المغني لابن قدامة رقم 2415.
[13] في (ط) (ويولد) تصحيفاً.
[14] (فيها) سقط من (ط).
[15] في (ط): (لحرمتها).
[16] (هاهنا) سقط من (ط).
[17] الرجز بلا نسبة في الكامل للمبرد 3/143، وغريب الحديث للخطابي 2/266 وعمدة الحفاظ 2/790 (خرب).
[18] في (ف): (في الأكثر من الكلام).
[19] قوله (خرابا... التهمة) سقط من (ط) إلَّا لفظة (الخاربا).





لا تتوفر معاينة

104# ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، دثَنِي سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ: _ وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ _ ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلاَ يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً، وَلاَ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ».

فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، لاَ يُعِيذُ عَاصِياً وَلاَ فَارّاً بِدَمٍ وَلاَ فَارّاً بِخَرْبَةٍ، يعني السرقة.

وجاء فيه في «كتاب الحج» في «باب: لا يعضد شجر الحرم»: «ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك، إن الحرم لا تعيذ» وذكر الحديث.


لا تتوفر معاينة

104- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) التنيسي ((قال: حدثني)) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع ((الليث)) : ابن سعد المصري ((قال: حدثني)) بالإفراد ((سعِيد)) ؛ بكسر العين: المقبري، وفي رواية: (سعيد بن أبي سعيد) ، وفي أخرى: (هو ابن أبي سعيد) ، ((عن أبي شُرَيح)) بضم المعجمة، وفتح الراء، وبالمهملة، اسمه خويلد بن عمرو بن صخر على الأصح-كما في «عمدة القاري»- الخزاعي العدوي الكعبي، المتوفى سنة ثمان وستين، الصحابي رضي الله عنه: ((أنَّه قال لعَمرو بن سعِيد)) ؛ بفتح العين في الأول، وكسرها في الثاني: ابن العاصي بن أمية القرشي الأموي، المعروف بالأشدق، قتله عبد الملك بن مروان بعد أن أمَّنه سنة سبعين من الهجرة، قال في «عمدة القاري»: (وليست له صحبة ولا كان من التابعين بإحسان، ووالده مختلف في صحبته) انتهى ((وهو يبعث البُعوث)) ؛ بضم الموحدة، جمع البعث؛ بمعنى المبعوث، والجملة اسمية وقعت حالًا؛ والمعنى: يرسل الجيوش ((إلى مكة)) ؛ لقتال عبد الله بن الزبير، وذلك أنَّه لمَّا توفي معاوية؛ وجه يزيد إلى عبد الله بن الزبير يستدعي منه بيعته، فخرج من مكة ممتنعًا من بيعته، فغضب يزيد وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم يأخذ ببيعة عبد الله، فبايعه، وأرسل إلى يزيد ببيعته، فقال: لا أقبل حتى يؤتى به موثَّقًا في وثاق، فأتى ابن الزبير إلى الحرم، وقال: إنِّي عائذ بالبيت، فأبى يزيد وكتب إلى عمرو بن سعيد أن يوجه إليه جندًا، فبعث إليه هذه البعوث.

قال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: وابن الزبير عند علماء السنة أولى بالخلافة من يزيد وعبد الملك؛ لأنَّه بويع لابن الزبير قبل هؤلاء، وهو صاحب النبيِّ الأعظم عليه السلام، ونقل ذلك عن مالك، وكان امتناعه سنة إحدى وستين من الهجرة.

((ائذن لي)) أمر من (أذن يأذن) ، وأصله: اأْذن، قلبت الهمزة الثانية ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، يا ((أيها الأمير)) حذف منه حرف النداء ((أحدثْك)) ؛ بالجزم؛ لأنَّه جواب الأمر ((قولًا)) ؛ بالنصب مفعول ثان لـ (أحدث) ((قام به النبيُّ)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم)) : جملة محلها النصب صفة (قولًا) ((الغدَ)) ؛ بالنصب على الظرفية؛وهو اليوم الثاني ((من يوم الفتح)) ؛ يعني: فتح مكة، وكان في عشرين من رمضان في السنة الثامنة من الهجرة ((سمعته أذناي)) : فاعله، وأصله: أذنان لي، فلما أضيف إلى ياء المتكلم؛ سقطت نون التثنية، والجملة محلها النصب صفة أخرى لـ (القول) ، ((ووعاه قلبي)) ؛ أي: حفظه وتحقق فهمه، وتثبت في تعقُّل معناه، وفي قوله: (سمعته أذناي) : إشارة منه إلى مبالغته في حفظه ونفي عن أن يكون سمعه من غيره، كما جاء في حديث النعمان بن بشير: (وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه) ، ((وأبصرته عيناي)) : أصله: عينان لي، فلما أضيف إلى ياء المتكلم؛ سقطت نون التثنية، وهذا زيادة في تحقُّق السماع والفهم عنه بالقرب منه والرؤية، وأنَّ سماعه ليس اعتمادًا على الصوت بل بالرؤية، وكل ما في الإنسان من الأعضاء اثنان؛ كالأذن والعين؛ فهو مؤنث، بخلاف الأنف ونحوه، كما في «عمدة القاري» ((حين تكلَّم)) النبيُّ الأعظم عليه السلام، و (حين) : منصوب على الظرفية، وهو ظرف لـ (قام) و (سمعت) و (وعاه) و (أبصرت) ((به)) أي: بالقول الذي أحدثك؛ ((حمد الله)) تعالى: جملة وقعت بيانًا لـ (تكلم) ، ((وأثنى عليه)) عطف على (حمد) من عطف العام على الخاصِّ، ((ثم قال)) عليه السلام: ((إنَّ مكة حرمها الله)) عزَّ وجلَّ: جملة محلها الرفع خبر (إنَّ) ؛ أي: من يوم خلق الله السماوات والأرض، ولا تنافي بين هذا وبين ما روي: أنَّ إبراهيم عليه[/ص64/] السلام حرمها؛ لأنَّ المراد أنه بلَّغ تحريم الله وأظهره بعد أن رفع البيت وقت الطوفان واندرست حرمتها، وتمامه في «عمدة القاري»، ((ولم يحرمها الناس)) من قبل أنفسهم، فتحريمها ابتدائي من غير سبب يعزى لأحد لا مدخل فيه لا لنبي ولا لغيره، بل بوحي منه تعالى، ثم بيَّن التحريم بقوله: ((فلا يحل لامرئ)) : الفاء في جواب شرط محذوف؛ أي: إذا كان كذلك؛ فلا يحل لامرِئ؛ بكسر الراء والهمزة؛ لأنَّ عينه دائمًا تابعة للامه في الحركة.

((يؤمن بالله واليوم الآخر)) : يوم القيامة؛ لأنَّ من آمن بالله؛ لزمته طاعته، ومن آمن باليوم الآخر؛ لزمه القيام بما وجب عليه واجتناب ما نهي عنه ((أن يسفِك)) ؛ بكسر الفاء وضمها، و (أن) مصدرية، وهو فاعل (لا يحل) ؛ والتقدير: فلا يحل سفك دم ((بها)) ؛ أي: بمكة، والباء بمعنى (في) ؛ أي: فيها، كما في رواية، وقوله: ((دمًا)) : مفعول (يسفِك) ، والسفك: صب الدم، والمراد به القتل، وهذا دليل واضح لإمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم على أن الملتجئ إلى الحرم لا يقتل؛ لأنَّه عام يدخل فيه هذه الصورة، ولو أنشأ القتل في الحرم؛ يقتل فيه، ولو قتل في البيت؛ لا يقتل فيه، هذا مذهبنا، وبه قال أحمد، وعطاء، والشعبي، وابن عباس، وغيرهم، فيُضيَّق [1] عليه حتى يخرج منه.

وقال مالك والشافعي فيمن جنى خارجه ثم لجأ إليه: أنه يقام عليه فيه، ونقل ابن حزم عن جماعة من الصحابة المنع، ثم قال: ولا مخالف لهم من الصحابة، ثم نقل عن جماعة من التابعين موافقتهم، ثم شنع على مالك والشافعي، فقال: قد خالفا في هذا هؤلاء الصحابة، والكتاب، والسنة.

((و)) أن ((لا يَعْضِدَ)) ؛ بفتح التحتية، وإسكان العين المهملة، وكسر الضاد المعجمة، آخره دال مفتوحة؛ وهو القطع، والمِعضد؛ بكسر الميم: الآلة؛ كالسيف والفأس؛ أي: لا يقطع، ((بها)) ؛ أي: فيها، كما في رواية، أي: في مكة، فهو منصوب عطفًا على (أن يسفِك) ، و (لا) زيدت لتأكيد معنى النفي؛ فمعناه: لا يحل أن يعضد بها، ((شجرةً)) ؛ بالنصب مفعول (يعضد) ؛ أي: من جنس من له ساق من النبات، وفي رواية: (لا يعضد شوكه) ، وفي أخرى: (لا يخيط شوكها) .

ففيه: دليل على حرمة قطع شجر الحرم، قال أئمتنا الأعلام: ومن قطع حشيش الحرم أو شجره غير مملوك ولا من جنس ما ينبته الناس مملوكًا أو غير مملوك؛ ضمن قيمته، قيد بغير المملوك؛ لأنَّه إذا كان مملوكًا؛ فعليه قيمتان: قيمة للمالك، وقيمة للشرع، وبعض أصلها في الحرم ككلها، نعم؛ يعتبر أغصانها في حق صيد عليها، فلو كان رأسه في الحل وقوائمه في الحرم فضربه في رأسه؛ ضمن، وبعكسه لا يضمن، كذا في «الدر المنتقى» عن «الشرنبلالية» عن «البرهان»، إلَّا إذا جف وانكسر؛ فلا يضمن؛ لعدم النماء، وكذا يحرم رعي حشيشه عند الإمام الأعظم والإمام محمد.

وقال أبو يوسف: لا يحرم؛ لضرورة الزائرين، ويحرم قطعه إلا الإذخر معروف، ولا بأس بكمأة الحرم؛ لأنَّها ليست بنبات، بل هي شيء مودوع في الأرض، فهي كحجره، كذا في «الدر» عن «المحيط»، هذا مذهب الإمام الأعظم.

وقال مالك: يجوز قطع شجره، ولا يأثم، ولا فدية عليه، وقال الشافعي: الواجب في الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة، ويجوز عند الشافعي رعي البهائم في كلاء الحرم، وبه قال أحمد.

((فإن)) ترخص ((أحدٌ)) ؛ بالرفع بفعل محذوف مقدر يفسره قوله: ((ترخص)) : وإنما حذف؛ لئلا يجمع بين المفسر والمفسر ((لقتال)) : اللام للتعليل؛ أي: لأجل قتال ((رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها)) ؛ أي: في مكة؛ والمعنى: إن قال أحد بأن ترك القتال عزيمة والقتال رخصة؛ تتعاطى عند الحاجة، مستدلًا بقتاله عليه السلام فيها.

((فقولوا)) له: ليس الأمر كذلك، وفي هذا دليل لإمامنا الإمام الأعظم: على أن مكة فتحت عنوة، وهو مذهب الجمهور، وبه قال مالك والأوزاعي، وأنه عليه السلام منَّ على أهلها وسوغهم أموالهم ودورهم، ولم يقسمها ولا جعلها فيئًا، وقال الشافعي وأحمد: فتحت صلحًا [2] ، والحديث حجة عليهما ((إنَّ الله)) تعالى ((قد أذن)) : خبر (إنَّ) ((لرسوله)) عليه السلام؛ خصوصية له ((ولم يأذن لكم)) : عطف على ما قبله، ((وإنما أذن)) : روي بصيغة المجهول والمعلوم؛ أي: أذن الله ((لي)) في القتال فقط ((فيها)) ؛ أي: في مكة ((ساعةً)) ؛ بالنصب على الظرفية؛ أي: في ساعة ((من نهار)) : وهي من طلوع الشمس إلى العصر، كما في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عند أحمد، فأحلت له عليه السلام في تلك الساعة إراقة الدم دون الصيد، وقطع الشجر، وسائر ما حَرَّم الناس، كذا في «عمدة القاري».

((ثم عادت حرمتُها)) ؛ بالرفع فاعله ((اليومَ)) ؛ بالنصب على الظرفية؛ أي: الحكم الذي في مقابلة الإباحة، وهو الحرمة المستفاد من لفظ الإذن في اليوم المعهود وهو يوم الفتح، فإنَّ عود حرمتها كان في يوم صدور هذا القول لا في غيره ((كحرمتها بالأمس)) : اليوم الذي قبل يوم الفتح، ((وليبلِغ)) ؛ بكسر اللام وتسكينها ((الشاهدُ)) ؛ بالرفع فاعله؛ أي: الحاضر ((الغائبَ)) ؛ بالنصب مفعوله، فالتبليغ عن النبي الأعظم عليه السلام فرض كفاية، إذا قام به البعض؛ سقط عن الكل، والإصغاء فرض عين، والوعي والحفظ يتركبان على ما يستمع، فإن كان ما يخصه؛ تعين عليه، وإن كان يتعلق به أو بغيره؛ كان العمل فرض عين.

((فقيل لأبي شُريح)) المذكور: ((ما قال عمرو؟)) ؛ أي: ابن سعيد المذكور في جوابك، فقال: ((قال)) عمرو: ((أنا أعلم منك يا أبا شُريح إنَّ مكة)) ؛ يعني: صح سماعك وحفظك، لكن لم تفهم المعنى، فإن مكة ((لا تُعيذ)) ؛ بضم الفوقية من الإعاذة؛ أي: لا تعصم ((عاصيًا)) من إقامة الحدود عليه، وفي رواية: (إنَّ الحرم لا يُعيذ) ؛ بالتحتية المضمومة، عاصيًا ((ولا فارًّا)) ؛ بالفاء و تشديد الراء (بدم) : الباء للمصاحبة؛ أي: مصاحبًا ومتلبسًا به؛ أي: ملتجئًا إلى الحرم بسبب خوفه من إقامة الحد عليه، والفرار: الهروب، ((ولا فارًّا)) ؛ بالفاء والراء المشددة أيضًا ((بخَرْبة)) ؛ بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة؛ وهي السرقة، كما في رواية المستملي، حيث قال: (ولا فارًا بخربة) ؛ يعني: السرقة، وفي رواية: (بخُربة) ؛ بضم المعجمة؛ أي: الفساد، وأصل الخربة: سرقة الإبل، وتطلق على كل خيانة، والباء للسببية؛ أي: بسبب الخربة، وما قاله عمرو ليس بجواب؛ لأنَّه لم يختلف معه في أن من أصاب حدًا في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم هل يقام عليه.

وإنما أنكر عليه أبو شُريح بعثه الخيل إلى مكة واستباحته حرمتها بنصب الحرب عليهما، فحاد عمرو عن الجواب، واحتج أبو شريح بعموم الحديث، وذهب إلى أن مثله لا يجوز أن يستباح نفسه، ولا ينصب الحرب عليهما بقتال بعدما حرمها النبي الأعظم عليه السلام.

واختلف العلماء في الصحابي إذا روى الحديث، هل يكون أولى بتأويله مما يأتي بعده أم لا؛ فقيل: تأويل الصحابي أولى؛ لأنَّه الراوي، وقيل: لا يلزم تأويله إذا لم يصب التأويل، ومذهب إمامنا الإمام الأعظم اتباع عمله لا روايته، فإن كان الحديث عامًا فعمل بخصوصه، أو مشتركًا فعمل بأحد معنييه؛ لا يمنع العمل به؛ لأنَّه تأويل؛ كحديث ابن عمر: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا»، يحتمل التفريق بالأقوال والأبدان، فحمله ابن عمر على الأبدان ولم يأخذ به، والامتناع عن العمل به كالعمل بخلافه؛ كحديث ابن عمر في رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، قال مجاهد: صحبت ابن عمر عشر سنين فلم أره فعله، فدل على نسخه، وحديث أبي هريرة في ولوغ الكلب سبعًا، فحمله أبو هريرة على الثلاث؛ لثبوت نسخه عنده، فالحمل عليه تحسين الظن في حق الصحابي، ومذهب الشافعي اتباع رواية الصحابي لا عمله؛ كحديث ابن عمر وأبي هريرة، فإنه أخذ بالرواية وترك عملهم، ولا ريب أن الصحابي الراوي للحديث أولى بتأويله، وأعلم بمخرجه وسببه وناسخه وغير ذلك، والله تعالى أعلم.

وفي الحديث: جواز القياس، وخص [3] النبي الأعظم عليه السلام بخصائص، وجواز النسخ وغير ذلك، كما في «عمدة القاري».

[1] في الأصل (فيضق).
[2] في الأصل: (صحلها) .
[3] في الأصل: (وخصائص) .