متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

100- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) بضمِّ الهمزة، والسِّين المُهمَلَة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: كلامه حال كونه (يَقُولُ)؛ أي: في حجَّة الوداع، كما عند أحمد والطَّبرانيِّ من حديث أبي أمامة: (إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ) من بين النَّاس (انْتِزَاعًا) بالنَّصب مفعولٌ مُطلَقٌ، (يَنْتَزِعُهُ)، وفي رواية: ((ينزعه)) (مِنَ الْعِبَادِ)؛ بأن يرفعه إلى السَّماء أو يمحوَه من صدورهم، (وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ) أرواح [1] (الْعُلَمَاءِ) وموت حَمَلَته، وإنَّما عبَّر بالمُظْهَر في قوله: «يقبض العلم» موضع المُضمَر؛ لزيادة تعظيم المُظْهَر؛ كما في قوله تعالى: {الله الصَّمَدُ} [الإخلاص: 2] بعد قوله: {الله أَحَدٌ}، (حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ)؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وكسر القاف؛ مِنَ: الإبقاء، وفيه ضميرٌ يرجع إلى الله تعالى؛ أي: حتَّى إذا لم يُبْقِ الله تعالى (عَالِمًا) بالنَّصب على المفعوليَّة [كذا في رواية الأَصيليِّ، ولغيره] [2] : ((يَبْقَ))؛ بفتح حرف المضارعة والقاف، مِنَ: البقاء الثُّلاثيِّ، و((عالمٌ))؛ بالرَّفع على الفاعليَّة، ولـ: «مسلمٍ»: «حتَّى إذا لم يترك عالمًا»؛ (اتَّخَذَ النَّاسُ) بالرَّفع على الفاعليَّة (رُؤُوسًا)؛ بضمِّ الرَّاء والهمزة والتَّنوين، جمع رأسٍ، ولأبي ذرٍّ أيضًا _كما في «الفتح»_: ((رؤَساءَ))؛ بفتح الهمزة، وفي آخره همزةٌ أخرى مفتوحةٌ، جمع رئيسٍ (جُهَّالًا)؛ بالضَّمِّ والتَّشديد والنَّصب، صفةٌ للسَّابقة [3] ، (فَسُئِلُوا)؛ بضمِّ السِّين؛ أي: فسألهمُ السَّائل، (فَأَفْتَوْا) له (بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا)؛ أي: مِنَ الضَّلال؛ أي: في أنفسهم، (وَأَضَلُّوا)؛ مِنَ: الإضلال؛ أي: أضلَّوا السَّائلين، فإن قلت: الواقع بعد «حتَّى» هنا جملةٌ شرطيَّةٌ، فكيف وقعت غايةً؟ أُجِيب: بأنَّ [/ج1ص195/] التَّقدير: ولكن يُقبَض العلم بقبض العلماء، إلى أن يتَّخذ النَّاس رؤساءَ جُهَّالًا وقت انقراض أهل العلم، فالغاية في الحقيقة هي ما ينسبك من الجواب مُرتَّبًا على فعل الشَّرط. انتهى. واستدلَّ به الجمهور على جواز خلوِّ الزَّمان عن مجتهدٍ؛ خلافًا للحنابلة.

(قَالَ الْفِرَبْرِيُّ) أبو عبد الله محمَّد بن يوسف بن مطرٍ: (حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ)؛ بالمُوحَّدة والمُهمَلَة آخره، وفي روايةٍ بإسقاط: ((قال الفِرَبْرِيُّ)) [4] ، (قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ، أحد مشايخ المؤلِّف، (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ)؛ بفتح الجيم، ابن عبد الحميد الضَّبيُّ، (عَنْ هِشَامٍ)؛ هو ابن عروة بن الزُّبير بن العوَّام، (نَحْوَهُ)؛ أي: نحو حديث مالكٍ السَّابق، وهذه [5] من زيادات [6] الرَّاوي عنِ [7] البخاريِّ في بعض الأسانيد، ولفظ رواية قتيبة هذه أخرجها مسلمٌ عنه، وسقط من قوله: ((قال الفربري...)) إلى آخره لابن عساكر وأبي الوقت والأَصيليِّ.

[1] «أرواح»: سقط من (م).
[2] في (م): «ولأبي ذَرٍّ».
[3] في (ب) و(س): «لسابقة».
[4] قوله: «وفي روايةٍ بإسقاط: «قال الفِرَبْرِيُّ»»، سقط من (م).
[5] في (م): «هذا».
[6] في (م): «زيادة».
[7] في (م): «على».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

100-. حدَّثنا إِسْماعِيلُ بنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قالَ: [/ج1ص31/] حدَّثني مالِكٌ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ:

عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ، قالَ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزاعًا يَنْتَزِعُهُ [1] مِنَ العِبادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَماءِ، حتَّىَ إذا لَمْ يُبْقِ عالِمًا [2] ، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا».

قالَ الفِرَبْرِيُّ: حدَّثنا عَبَّاسٌ، قالَ: حدَّثنا قُتَيْبَةُ: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن هِشامٍ؛ نَحْوَهُ [3] .

[1] في رواية [عط] : «يَنْزِعُهُ».
[2] في رواية أبي ذر و [عط] : «لم يَبْقَ عالِمٌ».
[3] من قوله: «قال الفربري» إلىَ قوله: «نحوه» ليس في رواية ابن عساكر والأصيلي و [عط] ولا في رواية السمعاني عن أبي الوقت.





100- ( رُؤوسًا ) قال النووي: ضبطناه في البخاري بضم الهمزة وبالتنوين جمع رأس، وفي مسلم بوجهين: هذا، وبفتح الهمزة على جمع رئيس.

( حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا ) بضم أوله وكسر آخره، وروي: «يَبقَ عالمٌ». [/ج1ص72/]


100# [(رُؤُوسًا) بضم الهمزة وبالتنوين، جمع رأس]، وفي مسلم بوجهين: هذا، و [الثاني]: رؤساء، بالمد [1] ، جمع رئيس، [وكلاهما صحيح، والأول أشهر] [2] ، كذا قال النووي.

فإن قلت: الواقع بعد حتى في الحديث جملة شرطية، فكيف وقعت غاية؟

قلت: التقدير: ولكن يُقبض العلمُ بقَبْض العلماء إلى أن يتخذ الناس رؤساء جهالًا وقتَ [3] انقراض أهل العلم، فالغاية [4] في الحقيقة هو ما يَنْسَبِكُ [5] من الجواب مرتبًا على فعلِ الشرط.

[1] ((بالمد)): ليست في (م) و(د).
[2] ما بين معكوفات زدته من «شرح مسلم» لتمام المعنى.
[3] في (ق): ((ومتى)).
[4] من قوله: ((ولكن يقبض العلم ... إلى قوله: ...العلم فالغاية)): ليس في (ج).
[5] في (ق): ((شك)).





100- قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ): كذا في أصلنا بغير ياء، وقد تقدَّم [الكلام] عليه، وكلام [1] ابن الصَّلاح والنَّوويِّ فيما مضى؛ فانظره إن أردته.

قوله: (رُؤُوسًا): قال النَّوويُّ: (في «البخاريِّ»: بضمِّ الهمزة والتنوين، جمع رأس، وفي «مسلم» بوجهين؛ الثَّاني: أنَّه [2] بفتح الهمزة، جمع رئيس) ، والله أعلم.

[1] في (ج): (كلام) .
[2] (إنه): ليس في (ج) .





100- (انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ): حالٌ مِنَ (الْعِلْمَ)، و (انْتِزَاعًا): مفعولٌ مطلقٌ قُدِّمَ على فِعْلِه، أو هو مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ مقدَّرٍ يفسِّرُه ما بعدَه، وقيل: مفعولٌ مطلقٌ عن معنى (يَقْبِضُ) ؛ نحو: (رجع القهقرى)، و (يَنْتَزِعُهُ): صفةٌ مُبيِّنَةٌ لـ (الانتزاع).

و (الْعِلْمَ) [الثاني] : مِنْ بابِ وضعِ الظَّاهرِ موضِعَ [1] المُضمَرِ.

وقال بعضُهم: (انْتِزَاعًا) ـ مصدرُ (يَنْتَزِعُهُ) قُدِّمَ على (يَنْتَزِعُهُ) ـ: حالٌ من الضميرِ في (يَقْبِضُ)، أو نصبٌ مفعولٌ له؛ أي: لا يُقبضُ للانتزاع، أو على أنَّه حالٌ من المفعول؛ أي: في حال كونِ العلمِ منتَزَعًا، و (يَنْتَزِعُهُ) جوابٌ عمَّا يُقال: ممَّن يُنتَزَعُ العلمُ؟ والضميرُ البارزُ في (يَنْتَزِعُهُ) يعودُ إلى (الْعِلْمَ)، (وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ): مِن بابِ إقامةِ المظهرِ مُقامَ المضمَرِ؛ لازدياد تمكينِ المظهَرِ؛ كقولِ الشاعر: [من البسيط]

~ إِنْ تَسْأَلُوا الْحَقَّ نُعْطِي الْحَقَّ سَائِلَهُ .. .........................

دون (نعطيه)، وقوله تعالى: {اللهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 2] ، دون (هو الصمد).

والضميرُ في (إِذَا لَمْ يَتْرُكْ): للهِ تعالى؛ أي: حتى إذا لم يتركِ اللهُ عالمًا في الدنيا، وفي (حَتَّى) [دلالةُ] التدريجِ [2] ، وفي (إِذَا) إشعارٌ بأنَّ المذكورَ معها واقعٌ لا محالةَ؛ إذِ الأصلُ فيها القطعُ بوقوعِ الشرطِ، ثمَّ قال: (اتَّخَذَ) بلفظِ الماضي دونَ (يتخذ) ؛ لكونِه في حالِ المقطوعِ به؛ لأنَّه ضروري الوقوع نظرًا إلى إخبارِ المخبر الصادق.

[ (فَأَفْتَوْا): الفتوى مِنَ (الفتى) ؛ وهو الشابُّ القويُّ، وسُمِّيتِ الفتوى] ؛ لأنَّ المُفتي يُقَوِّي السائلَ في جوابِ الحادثةِ [3] .

(حَتَّى): ابتدائيَّةٌ دخلتْ على الجملة.

(إِذَا): ظرفيَّةٌ، والعاملُ فيها (اتَّخَذَ)، ويَحتمل أن تكونَ شرطيَّةً.

فإنْ قلتَ: (إِذَا) للاستقبال، و (لَمْ) لقلب المضارعِ ماضيًا، فكيف يجتمعان؟

قلتُ: (لَمْ) جعلَ البقاءَ ماضيًا، و (إِذَا) جعلَ نفيَ البقاءِ مستقبلًا، أو يُقال: تعارضا وتساقطا فيبقى على أصله؛ وهو المضارع، أو تعادلا فيفيدُ الاستمرار.

وإنْ [4] قلتَ: إذا كانت شرطيَّةً؛ يلزمُ مِنِ انتفاءِ الشَّرطِ انتفاءُ المشروطِ، ومِنْ وجودِ المشروطِ وجودُ الشرطِ، لكنَّه ليس كذلك؛ لجوازِ حصولِ الاتِّخاذِ مع وجودِ العالِم.

قلتُ: ذلك في الشُّروطِ العقليَّةِ، أمَّا في غيرها؛ فلا نسلِّمُ اطِّرادَ القاعدةِ.

قال البِرْماويُّ: (قلتُ: وهو عجيبٌ، فإنَّ الشَّرطَ اللُّغويَّ ـ وهو تعليقُ شيءٍ بشيءٍ ـ يَجعلُ المعلَّقَ عليه سببًا، فينتفي المشروطُ عند انتفاءِ الشرط).

وقال الكرمانيُّ: (ثمَّ ذلك الاستلزامُ إنَّما هو في موضعٍ لم يكن للشَّرط بَدَلٌ، فقد يكون لمشروطٍ واحدٍ شروطٌ متعاقبةٌ؛ كصحَّةِ الصَّلاة بدون الوضوء عند التَّيمم) انتهى.

قال البِرْماويُّ: (قلتُ: ليس هذا من الشَّرط اللُّغوي الَّذي يُصيِّرُ الشَّرطَ سببًا للمشروط).

قال الكرمانيُّ: (أو المرادُ بـ«النَّاس» جميعُهم؛ فلا يصحُّ أنَّ الكلَّ اتخذوا رؤوسًا جُهالًا إلَّا عند نفيِ العالِم مطلقًا، وذلك ظاهرٌ).

قلتُ: (هذا أصلحُ مِنَ الجوابين قبلَه، والأحسنُ في الجوابِ أن يُقال: إنَّ ذلك جرى مَجرى الغالبِ، فلا يُعمَلُ بمفهومِه).

( [فَضَلُّوا] ): إنْ قلتَ: الضَّلالُ متقدِّمٌ على الإفتاءِ، فما معنى الفاء؟

قلتُ: المجموعُ المركَّبُ مِنَ الضَّلالِ والإضلالِ هو متعقِّبٌ على الإفتاءِ وإن كان الجزءُ الأوَّلُ مقدَّمًا عليه، أو الضَّلالُ الَّذي بعد الإفتاءِ غيرُ الضَّلالِ الَّذي قبلَه.

ووجهُ [5] التَّوفيقِ بين هذا الحديثِ وحديثِ: «لَنْ تَزَالَ هَذِهِ الْأُمَّةُ [قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ] » [6] : أن يُقال: هذا بعدَ إتيانِ أمرِ اللهِ إنْ لم يفسَّرْ (أمر الله) بالقيامة، أو إنَّما هو في بعضِ المواضع، ففي غيرِ بيتِ المقدسِ [مثلًا إنْ فسَّرْناه به؛ فيكونُ محمولًا على التخصيصِ؛ جمعًا بين الأدلَّة] .

[1] في (أ): (بموضع).
[2] في (أ): (للتدريج)، والمعنى: أن (حتى) تدل على أنَّ قبض العلماء واقعٌ بالتدريج، انظر «عمدة القاري» (2/131).
[3] قوله: (وقال بعضهم: انتزاعًا) إلى هنا سقط من (ب).
[4] في النسختين: (إن) بغير واو.
[5] في (أ): (وجه)، والمثبت من (ب).
[6] «صحيح البخاري» (71).





100- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) بضمِّ الهمزة، والسِّين المُهمَلَة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: كلامه حال كونه (يَقُولُ)؛ أي: في حجَّة الوداع، كما عند أحمد والطَّبرانيِّ من حديث أبي أمامة: (إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ) من بين النَّاس (انْتِزَاعًا) بالنَّصب مفعولٌ مُطلَقٌ، (يَنْتَزِعُهُ)، وفي رواية: ((ينزعه)) (مِنَ الْعِبَادِ)؛ بأن يرفعه إلى السَّماء أو يمحوَه من صدورهم، (وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ) أرواح [1] (الْعُلَمَاءِ) وموت حَمَلَته، وإنَّما عبَّر بالمُظْهَر في قوله: «يقبض العلم» موضع المُضمَر؛ لزيادة تعظيم المُظْهَر؛ كما في قوله تعالى: {الله الصَّمَدُ} [الإخلاص: 2] بعد قوله: {الله أَحَدٌ}، (حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ)؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وكسر القاف؛ مِنَ: الإبقاء، وفيه ضميرٌ يرجع إلى الله تعالى؛ أي: حتَّى إذا لم يُبْقِ الله تعالى (عَالِمًا) بالنَّصب على المفعوليَّة [كذا في رواية الأَصيليِّ، ولغيره] [2] : ((يَبْقَ))؛ بفتح حرف المضارعة والقاف، مِنَ: البقاء الثُّلاثيِّ، و((عالمٌ))؛ بالرَّفع على الفاعليَّة، ولـ: «مسلمٍ»: «حتَّى إذا لم يترك عالمًا»؛ (اتَّخَذَ النَّاسُ) بالرَّفع على الفاعليَّة (رُؤُوسًا)؛ بضمِّ الرَّاء والهمزة والتَّنوين، جمع رأسٍ، ولأبي ذرٍّ أيضًا _كما في «الفتح»_: ((رؤَساءَ))؛ بفتح الهمزة، وفي آخره همزةٌ أخرى مفتوحةٌ، جمع رئيسٍ (جُهَّالًا)؛ بالضَّمِّ والتَّشديد والنَّصب، صفةٌ للسَّابقة [3] ، (فَسُئِلُوا)؛ بضمِّ السِّين؛ أي: فسألهمُ السَّائل، (فَأَفْتَوْا) له (بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا)؛ أي: مِنَ الضَّلال؛ أي: في أنفسهم، (وَأَضَلُّوا)؛ مِنَ: الإضلال؛ أي: أضلَّوا السَّائلين، فإن قلت: الواقع بعد «حتَّى» هنا جملةٌ شرطيَّةٌ، فكيف وقعت غايةً؟ أُجِيب: بأنَّ [/ج1ص195/] التَّقدير: ولكن يُقبَض العلم بقبض العلماء، إلى أن يتَّخذ النَّاس رؤساءَ جُهَّالًا وقت انقراض أهل العلم، فالغاية في الحقيقة هي ما ينسبك من الجواب مُرتَّبًا على فعل الشَّرط. انتهى. واستدلَّ به الجمهور على جواز خلوِّ الزَّمان عن مجتهدٍ؛ خلافًا للحنابلة.

(قَالَ الْفِرَبْرِيُّ) أبو عبد الله محمَّد بن يوسف بن مطرٍ: (حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ)؛ بالمُوحَّدة والمُهمَلَة آخره، وفي روايةٍ بإسقاط: ((قال الفِرَبْرِيُّ)) [4] ، (قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ، أحد مشايخ المؤلِّف، (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ)؛ بفتح الجيم، ابن عبد الحميد الضَّبيُّ، (عَنْ هِشَامٍ)؛ هو ابن عروة بن الزُّبير بن العوَّام، (نَحْوَهُ)؛ أي: نحو حديث مالكٍ السَّابق، وهذه [5] من زيادات [6] الرَّاوي عنِ [7] البخاريِّ في بعض الأسانيد، ولفظ رواية قتيبة هذه أخرجها مسلمٌ عنه، وسقط من قوله: ((قال الفربري...)) إلى آخره لابن عساكر وأبي الوقت والأَصيليِّ.

[1] «أرواح»: سقط من (م).
[2] في (م): «ولأبي ذَرٍّ».
[3] في (ب) و(س): «لسابقة».
[4] قوله: «وفي روايةٍ بإسقاط: «قال الفِرَبْرِيُّ»»، سقط من (م).
[5] في (م): «هذا».
[6] في (م): «زيادة».
[7] في (م): «على».





100- ( حَدَّثَنِي مَالِكٌ ) قال الدَّارقطنيُّ: لم يروه في «الموطَّأ» إلَّا معن بن عيسى، زاد ابن عبد البرِّ وسليمان بن داود.

( سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوْلُ: ) زاد أحمد والطَّبرانيُّ: «في حجَّة الوداع».

( لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا ) أي: محوًا من الصُّدور، قال ابن المُنَيِّر: مع أنَّه جائز في القدرة؛ إلَّا أنَّ هذا الحديث دلَّ على عدم وقوعه.

قلت: وفيه إشارة إلى كرامة العلماء على الله، حيث لا ينزع منهم ما وهبهم.

( لَمْ يبْق عَالِمٌ ) للأَصِيلي: «يُبقِ _بضمِّ أوَّله _ عَالِمًا» بالنَّصب، ولمسلم: « [لم] [1] يترك عالمًا».

( رُؤُوسًا ): بضمِّ الهمزة والتَّنوين، جمع رأس، ولأبي ذرٍّ بفتحها وفي آخره همزة أخرى مفتوحة جمع رئيس.

( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) في الاعتصام: «برأيهم». [خ:7307]

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

100# حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».

قَالَ الفِرَبْرِيُّ: ثَنَا عياش [1]، ثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ.

قوله: «ثَنَا العَلاَءُ» إلى «العُلَمَاءِ»، وقوله: «قَالَ الفِرَبْرِيُّ» إلى «نَحْوَهُ» سقط عند الكشميهني.

وحديث ابن عمرو أخرجه البخاري عن إسماعيل عن مالك، وفي «الاعتصام» عن سعيد بن تليد عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن شريح وغيره، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، كلاهما عن عروة.

ورواه مسلم في كتاب «العلم» عن قتيبة، عن جرير، وعن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، وعن يحيى بن يحيى، عن عباد بن عباد، وأبي معاوية، وعن أبي بكر وزهير عن وكيع، وعن أبي كُرَيب عن عبد الله بن إدريس وأبي أسامة، وعبد الله بن نُمَير، وعبدة بن سليمان، وعن ابن أبي عمر عن ابن عيينة، وعن محمد بن حاتم، عن يحيى القطان، وعن أبي بكر بن نافع، عن عمر بن علي المقدمي، وعن عبد بن حميد، عن يزيد بن هارون، عن شعبة، كلهم عن هشام، وعن حرملة عن ابن وهب، عن أبي شريح، عن أبي الأسود، كلاهما عن عروة عن عبد الله بن عمرو به.

@%ص163%

وقال البخاري في بعض طرقه: «فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون»، وفي بعض طرق الحديث: «لكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم».

قلت: أخبرنا محمد بن عبد المنعم بقراءتي عليه، أخبرنا عبد العزيز بن باقا البغدادي إجازة، أخبرنا يحيى بن ثابت سماعاً، أخبرنا ثابت بن بندار، أخبرنا الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البَرْقاني، أخبرنا الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي، حدثنا العلاء بن عبد الجبار، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار، قال: «كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم» فذكره إلى قوله: «وذهاب العلماء».

والمعنى في كتاب عمر بن عبد العزيز: الحض على اتباع السنن، وضبطها، إذ هي الحجة عند الاختلاف والتنازع، وإذا عدمت السنن ساغ لأهل العلم الاجتهاد والنظر بالقياس على الأصول، وأنه ينبغي للعلماء نشر العلم وإشاعته.

قوله عليه السلام: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً» يريد به أن الله لا ينتزع العلم من العباد بعد أن تفضل به عليهم، فلا يسترجع ما وهب لهم من العلم المؤدي إلى معرفته وبث شريعته، وإنما يكون انتزاعه بتضييعهم العلم، فلا يوجد من يخلف من مضى، فأنذر عليه السلام بقبض الخير كله.

قال الداوودي: هذا الحديث خرج مخرج العموم، والمراد به الخصوص، لقوله عليه السلام: «لا تزال الطائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله وهم [ظاهرون] [2]».

قلت: قد تقدم الكلام على هذا الحديث مع ذكر وجوه من الجمع بين الأحاديث، فلينظر هناك.

قوله: «اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً» قال النواوي: ضبطناه في البخاري بضم الهمزة والتنوين، جمع رأس، وبفتح الهمزة ممدود، قال: والأول أشهر.

وأما تقريب [3] الفربري فما ظهر وجه إثباته به [4]، لأن العادة في مثله أن لا يذكره إلا لقرب إسناد أو زيادة ظاهرة، وليس هنا زيادة تظهر ولا قرب، فإن بين الفربري وهشام من جهة البخاري ثلاثة، ومن جهة عباس ثلاثة، فلا تظهر الفائدة [5].

السند:

فيه: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن لواذن بن عمرو بن عبد عوف بن مالك بن النجار، الأنصاري المدني، قال الخطيب البغدادي: يقال: إن اسمه أبو بكر

@%ص164%

وكنيته أبو محمد، ومثله أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أحد الفقهاء السبعة، كنيته أبو عبد الرحمن، قال الخطيب: لا نظير لهما.

وقد قيل في أبي بكر بن محمد أنه لا كنية له غير أبي بكر اسمه.

وقال أبو عمر بن عبد البر: قيل إن اسم أبي بكر بن عبد الرحمن هذا المغيرة، ولا يصح.

قلت: يريد الخطيب لا نظير لهما ممن اسمه أبو بكر، وله كنية، وأما من اشتهر بكنيته ولم يعرف اسمه فكثير، ذكر ابن عبد البر جماعة كثيرة منهم.

ولي القضاء والإمرة والموسم لسليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، روى ابن وهب عن مالك قال: «لم يكن عندنا أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان ولاه عمر بن عبد العزيز إمارة المدينة، وكتب إليه أن يكتب له العلم من عند عمرة بنت عبد الرحمن والقاسم بن محمد ولم يكن أميراً على المدينة أنصاري غيره، وكان قبل قاضياً.

قال ابن سعد: أنا معن بن عيسى، عن مالك، عن ربيعة أنه رأى أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يقضي في المسجد ومعه حرسيان مستنداً إلى الاسطوانة عند المنبر.

قال الواقدي: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة ولى أبا بكر أمرة المدينة، فاستقضى أبو بكر ابن عمه على القضاء، وكان أبو بكر هو الذي يصلي بالناس ويتولى أمرهم، وكان أبو بكر يخضب بالحناء والكتم، ويتختم في يمينه.

توفي سنة عشرين ومئة في خلافة هشام بن عبد الملك، ابن أربع وثمانين سنة، روى له الجماعة إلا الترمذي.

سئل يحيى بن معين عن حديث عثمان بن حكيم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: مرسل.

أخرج البخاري في «الاستسقاء»، و«الجنائز»، و«الأنبياء»، وغير موضع عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وابنه عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، وعمر بن عبد العزيز، وعمرة بنت عبد الرحمن خالته.

وروى عنه عند غيره عبد الله بن سعيد بن أبي هند، وإسحاق بن يحيى وغيرهما.

وفيه: العلاء بن عبد الجبار، أبو الحسن البصري العطار الأنصاري مولاهم، سكن مكة.

أخرج البخاري من رواية أبي إسحاق وأبي الهيثم في «العلم» عنه، عن عبد العزيز بن مسلم

@%ص165%

عن عبد الله بن دينار بذلك، يعني موقوفاً على عمر بن عبد العزيز، وهو هذا الأثر، لم يخرج عنده غيره.

قال أبو حاتم: «صالح الحديث»، وقال العجلي: «ثقة».

توفي سنة اثنتي عشرة ومئتين، وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه، ولم يخرج له مسلم شيئاً.

وفيه: عبد العزيز بن مسلم، أو زيد القَسْمَلِي مولاهم، أخو المغيرة بن مسلم، الخراساني المروزي، نسبه إلى القَسَاملة، وقيل لهم ذلك لأنهم من ولد قَسملة، واسمه: معاوية بن عمرو بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان، ولهم محلة بالبصرة معروفة بالقسامل.

وقيل: نزل فيهم فنسب إليهم.

أخرج البخاري في «التفسير» و«الذبائح» و«كتاب المرضى» وغير موضع عن مسلم بن إسماعيل عنه، عن عبد الله بن دينار، وحصين والأعمش.

وأخرج له هذا الأثر عن العلاء عنه.

قال يحيى بن معين وأبو حاتم: «ثقة».

وقال يحيى بن إسحاق: «ثنا عبد العزيز بن مسلم وكان من الأبدال».

قال عمرو بن علي: «مات سنة سبع وستين ومئة».

روى له الجماعة إلا ابن ماجه.

[1] كذا في الأصل، وفي المطبوع من البخاري: «عباس».
[2] بياض في الأصل.
[3] كذا في الأصل، ويقصد متابعة الفربري.
[4] كذا في الأصل، لعل الصواب: «له».
[5] هذه الفقرة كتبت بهامش الأصل وأشير إليها بلحق.





لا تتوفر معاينة

100- وبه قال: ((حدثنا إسماعيل بن أبي أُويس)) بضم الهمزة والسين المهملة ((قال: حدثني)) بالإفراد ((مالك)) الإمام، ((عن هشام بن عروة، عن أبيه)) عروة، ((عن عبد الله بن عمرو بن العاصي)) رضي الله عنهما: أنَّه ((قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم)) أي: كلامه حال كونه ((يقول)) : عبَّر بالمضارع حكاية لحال الماضي، وذلك في حجة الوداع كما عند أحمد والطبراني: ((إنَّ الله لا يقبض العلم)) : جملة محلها الرفع خبر (إنَّ) ؛ أي: من الناس ((انتزاعًا)) ؛ بالنصب على الحال أو المفعولية المطلقة ((ينتزعه)) -وفي رواية: (ينزعه) [1] - بزيادة مثناة فوقية بين النون والزاي ((من العباد)) بأن يمحوه من صدورهم أو يرفعه إلى السماء، والمحو من الصدور جائز في القدرة، إلا أن هذا الحديث دل على عدم وقوعه، ((ولكن يقبض العلم بقبض)) أرواح ((العلماء)) وموت حملته، وهذا من قبيل إقامة الظاهر موضع المضمر؛ لزيادة التعظيم كما في قوله: {اللهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 2] بعد قوله: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، وكان مقتضى الظاهر: أن يقال: هو الصمد، ولكن يقبضه، ((حتى)) ابتدائية ((إذا لم يُبقِ)) ؛ بضم التحتية وكسر القاف: من الإبقاء، وفيه ضمير يرجع إلى الله تعالى؛ أي: حتى إذا لم يُبقِ الله تعالى ((عالمًا)) ؛ بالنصب على المفعولية، وفي رواية: (يَبق) ؛ بفتح التحتية، من البقاء، و (عالمٌ) ؛ بالرفع على الفاعلية، وفي رواية مسلم: (حتى إذا لم يترك عالمًا) .

فإن قلت: (إذا) للاستقبال، و (لم) لقلب المضارع ماضيًا، فكيف يجتمعان؟!

قلت: لما تعارضا؛ تساقطا فبقي على أصله، وهو المضارع، أو تعادلا، فيفيد الاستمرار.

((اتخذ الناسُ)) ؛ بالرفع على الفاعلية ((رُؤُوسًا)) ؛ بضم الراء والهمزة، والتنوين، جمع: رأس، ولأبي ذر كما في «عمدة القاري»: (رُؤَسَاء) ؛ بفتح الهمزة، وفي آخره همزة آخر مفتوحة، جمع: رئيس، والأول: أشهر؛ فليحفظ ((جُهَّالًا)) ؛ بضم الجيم وتشديد الهاء، جمع: جاهل؛ بالنصب صفة لـ (رؤوسًا) ، ((فسُئلوا)) ؛ بضم السين المهملة، والضمير مفعول ناب عن الفاعل؛ أي: فسألهم السائلون، ((فأفتوا)) لهم ((بغير علم)) وعند المؤلف في (الاعتصام) : (فأفتوا برأيهم) ((فضلُّوا)) من الضلال؛ أي: في أنفسهم، ((وأضلُّوا)) من الإضلال؛ أي: أضلُّوا السائلين.

فإن قلت: الإضلال ظاهر، وأما الضلال؛ فإنما يلزم أن لو عُمل بما أُفتيَ وقد لا يعمل به؟

قلت: إن إضلاله للغير ضلال له، عمل بما أفتى به أو لم يعمل، والمراد بالجهل: القدر المشترك بين المركب؛ وهو عدم العلم بالشيء مع اعتقاد العلم به، وبين البسيط؛ وهو عدم العلم بالشيء لا مع اعتقاد العلم به المتناول لهما، وهو عامٌّ يتناول القضاة والنوَّاب؛ لأنَّ الحكم بالشيء مستلزم للفتوى به.

((قال الفَِرَبْري)) ؛ بكسر الفاء وفتحها، مع فتح الراء وإسكان الموحدة، نسبة إلى فربر: قرية من قرى بخارى على طرق جيحون، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر، المتوفى سنة عشرين وثلاثمئة، عن تسع وثمانين سنة، فسمع من المؤلف مرتين: مرة بفربر، وأخرى ببخارى، وسمع من قتيبة، فشارك المؤلف في الرواية عنه: ((حدثنا عباس)) ؛ بالموحدة والمهملة، وفي رواية: بإسقاط (قال: الفربري) : ((قال: حدثنا قتيبة)) : ابن سعيد أحد مشايخ المؤلف: ((قال: حدثنا جَرير)) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد الضبي، أبو عبد الله الرازي الكوفي، ((عن هشام)) : ابن عروة بن الزبير بن العوام ((نحوه)) ؛ أي: نحو حديث مالك، ورواية الفربري هذه أخرجها مسلم عن قتيبة، عن جرير، عن هشام به، واستدل به بجواز خلوِّ الزمان عن المجتهد، وهو مذهب الجمهور خلافًا للحنابلة، وأن الرئاسة الحقيقية هو الفتوى، وهذا الحديث خرج مخرج العموم، والمراد به الخصوص؛ لقول النبيِّ الأعظم عليه السلام: «لا تزال طائفة من أُمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله»، وتمامه في «عمدة القاري».

[1] في الأصل: (بنزعه).