إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا

100- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) بضمِّ الهمزة والسِّين المُهمَلَة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) أي: كلامه حال كونه (يَقُولُ) أي: في حجَّة الوداع، كما عند أحمد والطَّبرانيِّ من حديث أبي أمامة: (إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ) من بين النَّاس (انْتِزَاعًا) بالنَّصب مفعولٌ مُطلَقٌ (يَنْتَزِعُهُ) وفي رواية: ((ينزعه)) (مِنَ الْعِبَادِ) بأن يرفعه إلى السَّماء أو يمحوَه من صدورهم (وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ) أرواح [1] (الْعُلَمَاءِ) وموت حَمَلَته، وإنَّما عبَّر بالمُظْهَر في قوله: «يقبض العلم» موضع المُضمَر لزيادة تعظيم المُظْهَر كما في قوله تعالى: {اللهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 2] بعد قوله: {اللهُ أَحَدٌ} (حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر القاف؛ مِنَ الإبقاء، وفيه ضميرٌ يرجع إلى الله تعالى، أي: حتَّى إذا لم يُبْقِ الله تعالى (عَالِمًا) بالنَّصب على المفعوليَّة كذا في رواية الأَصيليِّ، ولغيره [2]: ((يَبْقَ)) بفتح حرف المضارعة والقاف، مِنَ البقاء الثُّلاثيِّ، و((عالمٌ)) بالرَّفع على الفاعليَّة، ولـ «مسلمٍ»: «حتَّى إذا لم يترك عالمًا» (اتَّخَذَ النَّاسُ) بالرَّفع على الفاعليَّة (رُؤُوسًا) بضمِّ الرَّاء والهمزة والتَّنوين، جمع رأسٍ، ولأبي ذرٍّ أيضًا _كما في «الفتح»_: ((رؤَساءَ)) بفتح الهمزة وفي آخره همزةٌ أخرى مفتوحةٌ، جمع رئيسٍ (جُهَّالًا) بالضَّمِّ والتَّشديد والنَّصب صفةٌ للسَّابقة [3] (فَسُئِلُوا) بضمِّ السِّين، أي: فسألهمُ السَّائل (فَأَفْتَوْا) له (بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا) أي: مِنَ الضَّلال، أي: في أنفسهم (وَأَضَلُّوا) مِنَ: الإضلال، أي: أضلَّوا السَّائلين، فإن قلت: الواقع بعد «حتَّى» هنا جملةٌ شرطيَّةٌ، فكيف وقعت غايةً؟ أُجِيب: بأنَّ
ج1ص196
التَّقدير: ولكن يُقبَض العلم بقبض العلماء، إلى أن يتَّخذ النَّاس رؤساءَ جُهَّالًا وقت انقراض أهل العلم، فالغاية في الحقيقة هي ما ينسبك من الجواب مُرتَّبًا على فعل الشَّرط. انتهى. واستدلَّ به الجمهور على جواز خلوِّ الزَّمان عن مجتهدٍ خلافًا للحنابلة.
(قَالَ الْفرَبْرِيِّ) أبو عبد الله محمَّد بن يوسف بن مطرٍ: (حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ) بالمُوحَّدة والمُهمَلَة آخره، وفي روايةٍ بإسقاط ((قال الفرَبْرِيِّ)) [4] (قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ، أحد مشايخ المؤلِّف (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد الضَّبيُّ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة بن الزُّبير بن العوَّام (نَحْوَهُ) أي: نحو حديث مالكٍ السَّابق، وهذه [5] من زيادات [6] الرَّاوي عنِ [7] البخاريِّ في بعض الأسانيد، ولفظ رواية قتيبة هذه أخرجها مسلمٌ عنه، وسقط من قوله «قال الفرَبْرِيِّ...» إلى آخره لابن عساكر وأبي الوقت والأَصيليِّ.
ج1ص197


[1] «أرواح»: سقط من (م).
[2] في (م): «ولأبي ذَرٍّ».
[3] في (ب) و(س): «لسابقة».
[4] قوله: «وفي روايةٍ بإسقاط: قال الفرَبْرِيِّ» سقط من (م).
[5] في (م): «هذا».
[6] في (م): «زيادة».
[7] في (م): «على».