متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

34- هذا (بابٌ)؛ بالتَّنوين، وفي «فرع اليونينيَّة» بغير تنوينٍ، مُضَافًا [1] لقوله: (كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ)؛ أي: كيفيَّة رفع العلم، وسقط لفظ: ((بابٌ)) للأَصيليِّ، (وَكَتَبَ)، وفي رواية ابن عساكر: ((قال _أي: البخاريُّ_ وكتب)) (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) أحد الخلفاء الرَّاشدين المهديِّين (إِلَى) نائبه في الإمرة والقضاء على المدينة (أَبِي بَكْرِ) بن [2] محمَّد بن عمرو (بْنِ حَزْمٍ)؛ بفتح المُهمَلَة، وسكون الزَّاي، الأنصاريِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين ومئةٍ في خلافة هشام بن عبد الملك، وهو [/ج1ص194/] ابن أربعٍ وثمانين سنةً، ونسبه المؤلِّف إلى جدِّ أبيه؛ لشهرته به، ولجدِّه عمرٍو صحبةٌ، ولأبيه محمَّدٍ رؤيةٌ، (انْظُرْ مَا كَانَ)؛ أي: اجمع الذي تجده، وفي رواية أبي ذرٍّ عن [3] الكُشْمِيهَنيِّ: ((انظر ما كان عندك))؛ أي: في بلدك، فـ: «كان» على الرِّواية الأولى: تامَّةٌ، وعلى الثَّانية: ناقصةٌ، و«عندك» الخبر، (مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ) بضمِّ الدَّال (وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ)؛ فإنَّ في كَتْبِه ضبطًا له وإبقاءً، وقد كان الاعتماد إذ ذاك إنَّما هو على الحفظ، فخاف عمر بن عبد العزيز في رأس المئة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء، فأمر بذلك، (وَلَا يُقْبَلْ)؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وسكون اللَّام، وفي بعض النُّسخ: بالرَّفع على أنَّ «لا» نافيةٌ، وفي «فرع اليونينيَّة» كهي [4] : ((تَقبلْ))؛ بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، على الخطاب مع الجزم (إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَليُفْشُوا الْعِلْمَ، وَليَجْلِسُوا) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة في [5] الأوَّل؛ مِنَ: الإفشاء، وفتحها في الثَّاني؛ مِنَ الجلوس، لا من الإجلاس، مع سكون اللَّام وكسرها معًا فيهما، وفي رواية غير [6] ابن عساكر: ((ولتفشوا ولتجلسوا)) بالمُثنَّاة الفوقيَّة فيهما (حَتَّى يُعَلَّمَ)؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وتشديد اللَّام المفتوحة، وللكُشْمِيهَنيِّ [7] : ((يَعْلَمَ))؛ بفتحها وتخفيف اللَّام مع تسكين العين من العلم (مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ)؛ بفتح أوَّله وكسر ثالثه؛ «كضرَب يضرِب»، وقد يُفتَح (حَتَّى يَكُونَ سِرًّا)؛ أي: خفيةً [8] ، كاتِّخاذه في الدُّور [9] المحجورة التي قد [10] لا يتأتَّى فيها نشر العلم؛ بخلاف المساجد والجوامع والمدارس ونحوها، وقد وقع هذا التَّعليق موصولًا عقبه في غير رواية الكُشْمِيهَنيِّ و [11] كريمة وابن عساكر ولفظة: ((حدَّثنا))، وفي رواية الأَصيليِّ: ((قال أبو عبد الله؛ أي: البخاريّ)): (حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ) أبو الحسن البصريُّ العطَّار، الأنصاريُّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة اثنتي عشْرة ومئتين [12] (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) القسمليُّ، المُتوفَّى سنة سبع وستِّين ومئةٍ، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) القرشيِّ المدنيِّ، مولى ابن [13] عمر رضي الله عنهما (بِذَلِكَ، يَعْنِي: حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ)، قال الحافظ ابن حجرٍ: محتملٌ أن يكون ما بعده ليس من كلام عمر أو من كلامه، ولم يدخل في هذه الرِّواية، والأوَّل أظهر، وبه صرَّح أبو نعيمٍ في «المُستخرَج»، ولم أجده [14] في مواضع كثيرةٍ إلَّا كذلك، وعلى هذا فبقيَّته من كلام المصنِّف أورده تلو كلام عمر، ثمَّ بيَّن أنَّ ذلك غاية ما انتهى إليه كلام عمر، انتهى.

[1] في (ص): «مضاف».
[2] «ابن»: سقط من (ب) و(ص).
[3] «أبي ذَرٍّ عن»: سقط من (د) و(س).
[4] «كهي»: سقط من (د).
[5] في (ص): «من».
[6] في غير (م): «عن»، وليس بصحيحٍ.
[7] في (م): «لأبي ذَرٍّ عن الكشميهنيِّ».
[8] في (ص): «خبيَّة».
[9] في (ب) و(س): «الدَّار».
[10] «قد»: سقط من (د) و(س).
[11] «الكُشْمِيهَنِيِّ و»: سقط من (م).
[12] في (م): «مئة»، وليس بصحيحٍ.
[13] «ابن»: سقط من (د) و(ص) و(م).
[14] في (م): «يجده».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(34) بابٌ [1] كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ

وَكَتَبَ [2] عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ إلىَ أَبِي بَكْرِ ابنِ حَزْمٍ: انْظُرْ ما كانَ [3] مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فاكْتُبْهُ؛ فإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهابَ العُلَماءِ.

وَلا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا [4] حتَّىَ يُعَلَّمَ [5] مَنْ لا يَعْلَمُ، فإِنَّ العِلْمَ لا يَهْلِكُ حتَّىَ يَكُونَ سِرًّا. [6]

[1] لفظة: «باب» ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«بابُ »، وهي ليست في رواية الأصيلي.
[2] في رواية ابن عساكر: «قال: وكتب».
[3] في رواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ زيادة: «عندكَ».
[4] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«وَلْيُفْشُوا... وَلْيَجْلِسُوا»، وصحَّح على «وَلْيَجْلِسُوا». وفي رواية ابن عساكر: «وَلْيُفْشُوا العِلْمَ، وَلْيَجْلِسُوا» بالياء.
[5] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «يَعْلَمَ».
[6] وقع هذا التعليق موصولًا عقبه في رواية الأصيلي وأبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ ورواية السمعاني عن أبي الوقت، ولفظه: «حدَّثنا [عند الأصيلي: قال أبو عبد الله: حدَّثنا] العَلاءُ بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ: حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِمٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ دِينارٍ، بِذَلِكَ، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ، إلىَ قَوْلِهِ: ذَهابَ العُلَماءِ» ا ه. وهذه الزيادة ليست في رواية ابن عساكر، وأثبتت هذه الزيادة في متن (ب، ص).





( وَلتُفْشُوا وَلتَجْلِسُوا ) بكسر اللام وإسكانها.

( فَإِنَّ الْعِلْمَ لاَ يَهْلِكُ ) بكسر اللام.


(34) [بَابُ كيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ]

(وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا [1] ) الأول بضم

@%ج1ص97%

ياء المضارعة من الإفشاء، والثاني بفتحها من الجلوس، ولامه مكسورة.

فيه: أن أخذَ الدُّروس في المساجد والجوامع والمدارس هو الشأن؛ لأنه حينئذٍ يكون جَهْرًا، وأما الدورُ، فهو فيها سر؛ لأنها محجورة.

وفيه: أن الفتوى تُستحق برؤية النَّاس _ وهم العلماء _ لأهلية [2] المنتصب لها، وتقديمهم [3] له.

(فَإِنَّ الْعِلْمَ لاَ يَهْلِكُ) بكسر اللام، مُضارع هلك.

[1] في (د) و(ج): ((وليفشوا العلم وليجلسوا)).
[2] في (ق): ((أهلية)).
[3] في (ج): ((أهلية المنصب وتقديمهم)).





قوله: (إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ): هذا هو أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الأنصاريُّ المدنيُّ، اسمه أَبُو بكر، وكنيته أبو محمَّد، وُلِّي القضاء والإمرة والموسم على المدينة لسليمان ولعمر بن عبد العزيز، أرسل عن جدِّه، ورَوى عن خالته عمرة بنت عبد الرَّحمن، وروايته عن أبي حبَّة البدريِّ في «البخاريِّ» و«مسلم» في الإسراء منقطعة، وبيانه: أنَّ أبا حبَّة قُتِل بأحد، وأبو بكر توفِّي عن أربع وثمانين، سنة عشرين ومئة.

وفي «المستدرك» حديث في (الفرائض) [1] من روايته عن عَبْد الله بن زيد الذي أُرِيَ النداء، قال الحاكم: (على شرط البخاريِّ ومسلم) ، وقد تقدَّم سنُّ أبي بكر ووفاته أعلاه.

وأمَّا عَبْد الله الذي أُري النداء؛ فتوفِّي سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان، وقد قال الحافظ الرشيد العطَّار: (إنَّه لَمْ يسمع من أحد من أصحاب النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم) ، وفي «تهذيب الذَّهبيِّ»: (أنَّه لَمْ يدرك صاحب الأذان) ، ورَوى عنه: ابناه عَبْد الله ومحمد، والزُّهريُّ، ويزيد بن الهادي [2] ، ويحيى بن سعيد الأنصاريُّ، وخلق، وكان من علماء زمانه، وثَّقه ابن معين وغيره، مناقبه معروفة، تقدَّمت [3] وفاته أعلاه، وقد روى له الجماعة.

قوله: (وَلَا يُقْبَلُ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، كذا هو في أصلنا، وعليه (صح) ، فعلى هذا؛ (حديث): مرفوع على الاستثناء المفرغ، وفي هامش أصلنا نسخة: (تَقبَل) ؛ مبنيٌّ للفاعل خطاب له، مجزوم على النَّهي، فعلى هذه؛ (حديث): منصوب؛ لأنَّه مفعول، وهذا ظاهر.

قوله: (وَلْيُفْشُوا العِلْمَ): هو بضمِّ أوَّل (يُفشوا) ؛ لأنَّه رباعيٌّ، واللَّام فيه لام الأمر، وكذا (وَلْيَجْلِسُوا): مجزوم بلام الأمر.

قوله: (حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لاَ يَعْلَمُ): هو بضمِّ أوَّل (يُعَلَّم) الأولى، وتشديد لامها، مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (يَعْلَم) الثَّانية: بفتح الياء، وإسكان العين، [كذا هو في أصلنا مضبوط فيهما بالقلم، ثمَّ راجعت ذلك؛ فوجدتها قد غُيِّرت، وعُمِلَت الأولى: (يَعْلم) ؛ بفتح الياء، وإسكان العين] [4] ؛ فاعلم ذلك.

قوله: (لاَ يَهْلِكُ): هو بكسر اللَّام، وهذا ظاهر.

قوله: (سِرًّا): هو ضدُّ الفاشي، وهذا ظاهر أيضًا.

[1] (في الفرائض): ليس في (ب) .
[2] في (ج): (الهاد) .
[3] في (ج): (وتقدمت) .
[4] ما بين معقوفين سقط من (ب) و (ج) .





(مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ): (كَانَ): إمَّا تامَّةٌ، أو ناقصةٌ، قاله الكرماني.


34- هذا (بابٌ)؛ بالتَّنوين، وفي «فرع اليونينيَّة» بغير تنوينٍ، مُضَافًا [1] لقوله: (كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ)؛ أي: كيفيَّة رفع العلم، وسقط لفظ: ((بابٌ)) للأَصيليِّ، (وَكَتَبَ)، وفي رواية ابن عساكر: ((قال _أي: البخاريُّ_ وكتب)) (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) أحد الخلفاء الرَّاشدين المهديِّين (إِلَى) نائبه في الإمرة والقضاء على المدينة (أَبِي بَكْرِ) بن [2] محمَّد بن عمرو (بْنِ حَزْمٍ)؛ بفتح المُهمَلَة، وسكون الزَّاي، الأنصاريِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين ومئةٍ في خلافة هشام بن عبد الملك، وهو [/ج1ص194/] ابن أربعٍ وثمانين سنةً، ونسبه المؤلِّف إلى جدِّ أبيه؛ لشهرته به، ولجدِّه عمرٍو صحبةٌ، ولأبيه محمَّدٍ رؤيةٌ، (انْظُرْ مَا كَانَ)؛ أي: اجمع الذي تجده، وفي رواية أبي ذرٍّ عن [3] الكُشْمِيهَنيِّ: ((انظر ما كان عندك))؛ أي: في بلدك، فـ: «كان» على الرِّواية الأولى: تامَّةٌ، وعلى الثَّانية: ناقصةٌ، و«عندك» الخبر، (مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ) بضمِّ الدَّال (وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ)؛ فإنَّ في كَتْبِه ضبطًا له وإبقاءً، وقد كان الاعتماد إذ ذاك إنَّما هو على الحفظ، فخاف عمر بن عبد العزيز في رأس المئة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء، فأمر بذلك، (وَلَا يُقْبَلْ)؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وسكون اللَّام، وفي بعض النُّسخ: بالرَّفع على أنَّ «لا» نافيةٌ، وفي «فرع اليونينيَّة» كهي [4] : ((تَقبلْ))؛ بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، على الخطاب مع الجزم (إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَليُفْشُوا الْعِلْمَ، وَليَجْلِسُوا) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة في [5] الأوَّل؛ مِنَ: الإفشاء، وفتحها في الثَّاني؛ مِنَ الجلوس، لا من الإجلاس، مع سكون اللَّام وكسرها معًا فيهما، وفي رواية غير [6] ابن عساكر: ((ولتفشوا ولتجلسوا)) بالمُثنَّاة الفوقيَّة فيهما (حَتَّى يُعَلَّمَ)؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وتشديد اللَّام المفتوحة، وللكُشْمِيهَنيِّ [7] : ((يَعْلَمَ))؛ بفتحها وتخفيف اللَّام مع تسكين العين من العلم (مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ)؛ بفتح أوَّله وكسر ثالثه؛ «كضرَب يضرِب»، وقد يُفتَح (حَتَّى يَكُونَ سِرًّا)؛ أي: خفيةً [8] ، كاتِّخاذه في الدُّور [9] المحجورة التي قد [10] لا يتأتَّى فيها نشر العلم؛ بخلاف المساجد والجوامع والمدارس ونحوها، وقد وقع هذا التَّعليق موصولًا عقبه في غير رواية الكُشْمِيهَنيِّ و [11] كريمة وابن عساكر ولفظة: ((حدَّثنا))، وفي رواية الأَصيليِّ: ((قال أبو عبد الله؛ أي: البخاريّ)): (حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ) أبو الحسن البصريُّ العطَّار، الأنصاريُّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة اثنتي عشْرة ومئتين [12] (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) القسمليُّ، المُتوفَّى سنة سبع وستِّين ومئةٍ، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) القرشيِّ المدنيِّ، مولى ابن [13] عمر رضي الله عنهما (بِذَلِكَ، يَعْنِي: حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ)، قال الحافظ ابن حجرٍ: محتملٌ أن يكون ما بعده ليس من كلام عمر أو من كلامه، ولم يدخل في هذه الرِّواية، والأوَّل أظهر، وبه صرَّح أبو نعيمٍ في «المُستخرَج»، ولم أجده [14] في مواضع كثيرةٍ إلَّا كذلك، وعلى هذا فبقيَّته من كلام المصنِّف أورده تلو كلام عمر، ثمَّ بيَّن أنَّ ذلك غاية ما انتهى إليه كلام عمر، انتهى.

[1] في (ص): «مضاف».
[2] «ابن»: سقط من (ب) و(ص).
[3] «أبي ذَرٍّ عن»: سقط من (د) و(س).
[4] «كهي»: سقط من (د).
[5] في (ص): «من».
[6] في غير (م): «عن»، وليس بصحيحٍ.
[7] في (م): «لأبي ذَرٍّ عن الكشميهنيِّ».
[8] في (ص): «خبيَّة».
[9] في (ب) و(س): «الدَّار».
[10] «قد»: سقط من (د) و(س).
[11] «الكُشْمِيهَنِيِّ و»: سقط من (م).
[12] في (م): «مئة»، وليس بصحيحٍ.
[13] «ابن»: سقط من (د) و(ص) و(م).
[14] في (م): «يجده».





( مَا كَانَ ) زاد الكُشْمِيهنيُّ: «عندك» أي: في بلدك.

( فَاكْتُبْهُ ) يُستفاد منه: ابتداء تدوين الحديث النَّبويِّ، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ، فلمَّا خاف عمر بن عبد العزيز، وكانوا على رأس المائة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء رأى أنَّ في تدوينه ضبطًا له وإبقاء.

قلت: ويمكن أن يكون ذلك من جملة وجوه كونِه جَدَّدَ الدِّين على رأس المائة، وكذلك الشَّافعيُّ على رأس المائة الثَّانية؛ لأنَّه دوَّن من العلم ما لم يُسبق إليه، وكذلك ابن سريج على رأس المائة الثَّالثة، فإنَّ له [/ج1ص263/]أربعمائة مصنَّف، ويكون هذا هو السِّرُّ في تعيين الأئمة هؤلاء دون من كان في عصرهم من كبار الأئمة المجتهدين.

( وَلاَ يُقْبَلْ... إلى آخره ) قيل: هو من كلام البخاريِّ، وقيل: من تتمَّة كلام عمر، وهو بضمِّ الياء التَّحتيَّة.

( حَتَّى يُعَلَّمَ ): بضمِّ أوَّله وتشديد اللَّام، وللكُشْمِيهنيِّ بالفتح والتَّخفيف.

( يَهْلِكُ ): بكسر اللَّام.

( حَدَّثَنَا الْعَلاَءُ ): لم يقع وصل هذا التَّعليق عند الكُشْمِيهنيِّ ولا كريمة ولا ابن عساكر.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

(34) بَابٌ: كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ

وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ

@%ص162%

إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلاَ تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لاَ يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لاَ يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرّاً.

حَدَّثَنَا العَلاَءُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ، ثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ بِذَلِكَ، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ العُلَمَاءِ.


لا تتوفر معاينة

هذا ((بابٌ)) بالتنوين، وتركه مضافًا لقوله: ((كيف يقبض العلم؟!)) أخرج مخرج التعجب، والقبض نقيض البسط، والمراد منه: الرفع؛ أي: كيفية رفع العلم، و (كيف) استفهامية وهو الغالب فيها، وتكون شرطًا فتقتضي فعلين.

((وكتب)) زاد في رواية: (قال _أي: المؤلف_: وكتب) ((عمر بن عبد العزيز)) أحد الخلفاء الراشدين ((إلى)) نائبه في الإمرة والقضاء على المدينة ((أبي بكر)) بن محمد بن عمرو ((ابن حَزْم)) ؛ بفتح المهملة وإسكان الزاي، الأنصاري المدني، المتوفى سنة اثنتين ومئة، في خلافة هشام بن عبد الملك، عن أربع وثمانين سنة، ونسبه المؤلف لجده؛ لشهرته به، ولجدِّه عمرو صحبة، ولأبيه محمد رؤية: ((انظر ما كان)) ؛ أي: اجمع الذي تجده، وفي رواية: (انظر ما كان عندك) ؛ أي: في بلدك، فـ (كان) على الأولى تامة، وعلى الثانية ناقصة، و (عندك) : الخبر ((من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإنِّي خفت دُروس)) ؛ بضم الدال ((العلم)) ؛ أي: تركه، ((وذهاب العلماء)) بالموت، وفيه: إشارة إلى أن تدوين الحديث النبوي ابتدأ في أيام عمر بن عبد العزيز، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر -وكان على رأس المئة الأولى- ذهاب العلم بموت العلماء؛ رأى أن في تدوينه ضبطًا له وإبقاء، فأمر بذلك، ((ولا يُقبلْ)) ؛ بضم التحتية وإسكان اللام، وفي رواية: بالرفع على أنَّ (لا) نافية، وفي أخرى: بمثناة فوقية على الخطاب مع الجزم ((إلا حديث النبيِّ)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: بعد القرآن العظيم، ((وليُفشوا)) ؛ بضم التحتية على صيغة الأمر، من الإفشاء؛ وهو الإشاعة، ويجوز تسكين اللام كما في روايةٍ ((العلمَ)) ؛ بالنصب مفعوله، ((وليَجلسوا)) ؛ بفتح التحتية، من الجلوس لا من الإجلاس، مع سكون اللام وكسرها معًا فيهما، وفي رواية: (واجلسوا) ؛ بصيغة الأمر، وفي أخرى: (ولتفشوا ولتجلسوا) ؛ بالمثناة الفوقية فيهما ((حتى يُعلَّم)) ؛ بضم التحتية وتشديد اللام على صيغة المجهول من التعليم، وفي رواية: (حتى يَعلَم) ؛ بفتح التحتية واللام، من العلم ((من لا يَعلم)) ؛ بصيغة المعلوم من العلم، و (من) : موصولة محلها رفع فاعله، وبصيغة المجهول من التعليم، فتكون (من) : مفعولًا ناب عن الفاعل؛ ((فإنَّ العلم لا يَهلِك)) ؛ بفتح أوله وكسر اللام؛ أي: لا يضيع، وفتح اللام لغة ((حتى يكون سرًّا)) ؛ أي: خفية، وأراد به كتمان العلم، ووقع هذا التعليق موصولًا عقبه هنا، ولفظه: (حدثنا) ، وفي رواية: (قال أبو عبد الله) ؛ أي: المؤلف: (حدثنا العلاء بن عبد الجبار) : أبو الحسن البصري العطار الأنصاري، المتوفى سنة اثنتي عشرة ومئتين (قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي) ، المتوفى سنة سبع وستين ومئة [1] ، (عن عبد الله بن دينار) : القرشي المدني، مولى ابن عمر رضي الله عنهما (بذلك) ؛ يعني: حديث عمر بن عبد العزيز إلى قوله: (ذهاب العلماء) .

قال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: يحتمل أن يكون من كلام عمر، ولكنه لم يدخل في هذه الرواية، ويحتمل [/ص62/] ألَّا يكون من كلامه، وهو الأظهر، وبه صرح أبو نعيم في «المستخرج»، فإذا كان كذلك؛ يكون من كلام المؤلف، أورده عقيب كلام عمر بعد انتهائه، انتهى، ثم قال: وإنما أخَّر إسناد عمر عن كلامه وعادته تقديم الإسناد؛ لأنَّه قد ظفر بإسناده بعد وضع هذا الكلام، فألحقه بالأخير، على أنَّا قلنا: إنَّ هذا الإسناد ليس بموجود عند جماعة، أو للفرق بين إسناد الأثر وإسناد الخبر؛ فافهم.

[1] في الأصل: (ومئتين)، وليس بصحيح.