متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

99- وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى الأويسيُّ المدنيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ، أبو محمَّدٍ، التَّيميُّ القرشيُّ، (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو)؛ بفتح العين فيهما، مولى المطَّلب، المدنيِّ، المُتوفَّى في خلافة أبي جعفرٍ المنصور سنة ستٍّ وثلاثين ومئةٍ، (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبـرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة وفتحها، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ رضي الله عنه (أَنَّهُ) بفتح الهمزة (قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ) ولغير أبي ذَرٍّ وكريمة: ((قال: يا رسول الله))؛ بإسقاط: ((قيل))، كما في رواية الأَصيليِّ والقابسيِّ، فيما قاله العينيُّ وغيره، وهو الصَّواب، ولعلَّها كانت ((قلت))؛ كما عند المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦6570] ، فتصحَّفت بـ: «قيلَ»؛ لأنَّ السَّائل هو أبو هريرة نفسه، فدلَّ هذا على أنَّ رواية أبي ذَرٍّ وكريمة وهمٌ، (مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، و«مَنْ»: استفهاميَّةٌ مبتدأٌ، خبرُه: تاليه، (قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم): والله (لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَّا يَسْأَلنِي) بضمَّ اللَّام وفتحها على حدِّ قراءتَي: {وَحَسِبُوا ألَّا تَكُون [1] }؛ بالرَّفع والنَّصب؛ لوقوع «أنْ» بعد الظَّنِّ، واللَّام في «لقد» جواب القسم المحذوف كما قدَّرته، أو للتَّأكيد، (عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ) بالرَّفع فاعل «يسألني» (أَوَّلُ مِنْكَ)؛ برفع «أوَّل» صفةٌ لـ: «أحدٌ»، أو بدلٌ منه، وبالنَّصب، وهو الذي في «فرع اليونينيَّة» كهي، وصُحِّح عليه، وخرج على الظَّرفيَّة، وقال عياضٌ: على المفعول الثَّاني لـ: «ظننت»، قال في «المصابيح»: ولا يظهر له وجهٌ، وقال أبو البقاء: على الحال؛ أي: لا يسألني أحد سابقًا لك، ولا يضرُّ كونه نكرةً؛ لأنَّها في سياق النَّفيِ؛ كقولهم: ما كان أحدٌ مثلك؛ (لِمَا رَأَيْتُ)؛ أي: للَّذي رأيته (مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ)، أو لرؤيتي بعض حرصك، فـ: «من»: بيانيَّةٌ على الأوَّل، وتبعيضيَّةٌ على الثَّاني، (أَسْعَدُ النَّاسِ) الطَّائع والعاصي (بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ)؛ أي: في يوم القيامة، وسقط لفظ: ((يوم القيامة)) للحَمُّويي [2] ، (مَنْ قَالَ): في موضع رفعٍ خبرُ المبتدأ الذي هو «أسعدُ النَّاس [3] »، و«مَنْ»: موصولةٌ؛ أي: الذي قال: (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) مع قوله: «محمَّدٌ رسول الله» حال كونه (خَالِصًا) مِنَ الشِّرك، زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ وأبي الوقت: ((مخلصًا)) (مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ): شكٌّ من الرَّاوي، وقد يكتفي بالنُّطق بأحد الجزأين من كلمتي الشهادة؛ لأنَّه صار شعارًا لمجموعهما، فإن قلت: الإخلاص محلُّه القلب، فما فائدة قوله [4] : «من قلبه»؟ أُجِيب: بأنَّ الإتيان به؛ للتَّأكيد، ولو صدق بقلبه ولم يتلَّفظ؛ دخل في هذا الحكم، لكنَّا لا نحكم عليه بالدُّخول إلَّا إن تلفَّظ [5] ، فهو للحكم باستحقاق الشفاعة لا لنفس الاستحقاق، واستُشكِل: التَّعبير بـ: «أَفْعَل» التَّفضيل في قوله: «أسعد»؛ إذ مفهومه: أنَّ كلًّا من الكافر الذي لم ينطق بالشهادتين [6] والمنافق الذي نطق بلسانه دون قلبه أن يكون سعيدًا، وأُجِيب: بأنَّ «أَفْعَلَ» هنا ليست على بابها، بل بمعنى: سعيد النَّاس مَنْ نطق بالشَّهادتين، أو تكون «أفعل» على بابها، والتَّفضيل بحسب المراتب؛ أي: هو أسعد ممَّن لم [7] يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المُؤكَّد البالغ غايته، والدَّليل على إرادة تأكيده ذكر القلب؛ إذِ الإخلاص محلُّه القلب، ففائدته التَّأكيد _كما مرَّ_، وقال البدر الدَّمامينيُّ: حمله ابن بطَّالٍ _يعني قوله: «مخلصًا»_ على الإخلاص العامِّ الذي هو من لوازم التَّوحيد، وردَّه ابن المُنَيِّر: بأنَّ هذا لا يخلو عنه مؤمنٌ، فتتعطَّل صيغة «أَفْعَل»، وهو لم يسأله عمَّن يستأهل شفاعته، وإنما سأله عن أسعد النَّاس بها، فينبغي أن يُحمَل على إخلاصٍ خاصٍّ مُختَصٍّ ببعضٍ دون بعضٍ، ولا يخفى تفاوت رتبه، والحديث يأتي _إن شاء الله تعالى_ في «صفة الجنَّة والنَّار» من كتاب «الرِّقاق» [خ¦6570] ، والله أعلم [8] .

[1] زيد في (ص): «{فتنة}».
[2] قوله: «وسقط لفظ: «يوم القيامة» للحَمُّوي»، سقط من (د) و(س).
[3] (النَّاس): سقط من (د).
[4] «قوله»: سقط من (د).
[5] في (د): «أن يتلفَّظ».
[6] في (د) و(ص): «بالشَّهادة».
[7] «لم»: سقط من (ص).
[8] قوله: «من كتاب «الرِّقاق»، والله أعلم»، سقط من (د).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

99-. حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: حدَّثني سُلَيْمانُ، عن عَمْرِو بنِ أَبِي عَمْرٍو، عن سَعِيدِ بنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قالَ: قِيلَ [1] : يا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفاعَتِكَ يَوْمَ القِيامَةِ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ _يا أَبا هُرَيْرَةَ_ أَنْ لا يَسْأَلُني [2] عن هَذا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ [3] مِنْكَ؛ لِما رأيْتُ مِنْ حِرْصِكَ على الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفاعَتِي يَوْمَ القِيامَةِ [4] ، مَنْ قالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خالِصًا [5] مِنْ قَلْبِهِ» أَوْ: «نَفْسِهِ».

[1] لفظة: «قيل» ليست في رواية الأصيلي وابن عساكر.
[2] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«يَسْأَلَني»، وكتب فوقها «معًا».
[3] بالنصب، هكذا في اليونينية، قال عياض: على المفعول الثاني لظننت، ويصح الرفع صفةً لأحد أو بدلًا منه، وضبط بالوجهين في (ب، ص).
[4] صحَّح على اللفظتين «يوم» و«القيامة» في اليونينيَّة، ولفظ: «يوم القيامة» ثابتة في رواية المستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ (ب، ص).
[5] في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «مخلصًا». قارن بما في الإرشاد.





99- ( لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لاَ يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ ) بالرفع والنصب، والرفع على الصفة أو البدل من ( أحد )، والنصب على الظرفية، وقال أبو البقاء: على الحال، أي: لا يسألني أحد سابقًا لك، قال: وجاز نصب الحال عن النكرة؛ لأنها في سياق النفي فتكون عامة كقولهم: ما كان أحد مثلك، وقال القاضي عياض: على المفعول الثاني لـ( ظننت )، قال الشيخ أبو محمد السَّفاقُسِي: وروايتنا بالنصب. وقال الشيخ أبو محمد الحلبي: روايتنا بالرفع.


لا تتوفر معاينة

99- قوله: (حَدَّثَنِي [1] سُلَيْمَانُ): هو ابن بلال أبو محمَّد، مولى أبي بكر، عن زيد بن أسلم، وعبد الله بن دينار، وعنه: ابنه أيُّوب، والقعنبيُّ، ولُوين، ثقة إمام، وثَّقه أحمد، وابن معين، وجماعة، توفِّي سنة (172 هـ ) ، أخرج له الجماعة.

قوله: (الْمَقْبرِيِّ [2] ): تقدَّم أنَّه بضمِّ الموحَّدة، وفتحها، وكسرها [3] ، ولماذا نُسِب.

قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم أنَّه عبد الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ من ثلاثين قولًا.

قوله: (أن لا يَسْأَلنِي [4] ): هو بفتح اللَّام [وضمِّها، وكذا هو مضبوط بالقلم في أصلنا، وضمُّها على أنَّها مخفَّفة من الثقيلة.

قوله: (أَوَّلَ مِنْكَ): هو بفتح اللَّام] [5] ، كذا هو مضبوط في أصلنا، وبخط الدِّمياطيِّ: (أوَّلُ) ؛ بالرفع بالقلم، وعليه في أصلنا: (صح) ، والضَّم [6] على الصِّفة أو البدل من (أحد) ، ونصبه على الظرف، ورأيت عن أبي [7] البقاء في إعرابه الحديث: نصب (أول) هنا على الحال؛ لأنَّه في معنى: لا يسألني أحد سابقًا لك، وجاز نصبه على الحال على النكرة؛ لأنَّها في سياق النَّفي، فتكون عامَّة) انتهى.

وعن القاضي: على أنَّه مفعول ثانٍ لـ (ظننت) .

[1] (حدثني): ليس في (ب) .
[2] (المقبري): ليس في (ب) .
[3] (وكسرها): ليس في (ب) .
[4] في (ب): (تسألني) .
[5] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[6] في (ج): (فالضم) .
[7] (أبي): ليس في (ب) .





99- (لَقَدْ ظَنَنْتُ): اللَّامُ: جوابُ قسمٍ محذوفٍ.

(يَسْأَلنِي): يجوزُ في اللَّامِ الرَّفعُ والنَّصبُ؛ لأنَّ كلمةَ (أَنْ) إذا وقعتْ بعدَ الظَّنِّ؛ يجوزُ في مَدْخُولِها الوجهانِ.

(أَوَّل): منصوبٌ؛ لأنَّه في حكمِ الظَّرْفِ، ووقعتْ حالًا.

وقال[/ص27/] أبو البقاء: (نُصِبَ «أَوَّلَ» هنا على الحال؛ لأنَّه في معنى: لا يسألني أحدٌ سابقًا لك، وجازَ نصبُه على الحالِ على النَّكرةِ؛ لأنَّها في سياقِ النَّفيِ فتكونُ عامَّةً) انتهى.

وقال ابن السُّبكي في «الطبقات الكبرى»: («أَوَّلُ»: أفعلُ تفضيلٍ، وهي مضمومةٌ على أنَّها صفةٌ لـ«أَحَدٌ»، وقد رددتُ على مَن يفتحُها).

وقال عِياضٌ: (إنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ«ظَنَنْتُ»).

ويجوزُ الرَّفعُ بأنَّهُ صفةُ (أَحَدٌ) أو بدلٌ من (أَحَدٌ).

قال ابن الملقِّن: (والرِّوايةُ بالرَّفعِ، وذكرَ بعضُهم أنَّه رُوِيَ أيضًا بالنَّصب).

فائدة: قال أبو محمَّد الحلبي: (الرَّفعُ روايتُنا)، وقال السَّفاقُسِيُّ: (النَّصبُ روايتُنا).

(لِمَا رَأَيْتُ): (مَا) موصولةٌ، والعائدُ محذوفٌ، [و] (مِنْ): بيانيَّةٌ؛ [أي: للَّذي رأيتُه مِن حرصك] .

أو [مَا] مصدريَّةٌ، و (مِنْ) تبعيضيَّة [1] مفعولٌ لـ (رَأَيْتُ) ؛ أي: لرؤيتي بعضَ حرصك.

(مِنْ قَلْبِهِ): يَحتمل تعلُّقه بـ (خَالِصًا)، أو بحالٍ مِنْ ضميرِ (قَالَ)، وهذا أرجحُ؛ أي: ناشئًا مِنْ قلبِه، ومحلُّ الإعرابِ حينئذٍ للمتعلَّق، لا لنفسِ الجارِّ والمجرور.

[1] العبارة في النسختين: (من: بيانية، أو مصدرية ومن وعلى تبعيضية...).





99- وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى الأويسيُّ المدنيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ، أبو محمَّدٍ، التَّيميُّ القرشيُّ، (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو)؛ بفتح العين فيهما، مولى المطَّلب، المدنيِّ، المُتوفَّى في خلافة أبي جعفرٍ المنصور سنة ستٍّ وثلاثين ومئةٍ، (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبـرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة وفتحها، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ رضي الله عنه (أَنَّهُ) بفتح الهمزة (قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ) ولغير أبي ذَرٍّ وكريمة: ((قال: يا رسول الله))؛ بإسقاط: ((قيل))، كما في رواية الأَصيليِّ والقابسيِّ، فيما قاله العينيُّ وغيره، وهو الصَّواب، ولعلَّها كانت ((قلت))؛ كما عند المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦6570] ، فتصحَّفت بـ: «قيلَ»؛ لأنَّ السَّائل هو أبو هريرة نفسه، فدلَّ هذا على أنَّ رواية أبي ذَرٍّ وكريمة وهمٌ، (مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، و«مَنْ»: استفهاميَّةٌ مبتدأٌ، خبرُه: تاليه، (قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم): والله (لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَّا يَسْأَلنِي) بضمَّ اللَّام وفتحها على حدِّ قراءتَي: {وَحَسِبُوا ألَّا تَكُون [1] }؛ بالرَّفع والنَّصب؛ لوقوع «أنْ» بعد الظَّنِّ، واللَّام في «لقد» جواب القسم المحذوف كما قدَّرته، أو للتَّأكيد، (عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ) بالرَّفع فاعل «يسألني» (أَوَّلُ مِنْكَ)؛ برفع «أوَّل» صفةٌ لـ: «أحدٌ»، أو بدلٌ منه، وبالنَّصب، وهو الذي في «فرع اليونينيَّة» كهي، وصُحِّح عليه، وخرج على الظَّرفيَّة، وقال عياضٌ: على المفعول الثَّاني لـ: «ظننت»، قال في «المصابيح»: ولا يظهر له وجهٌ، وقال أبو البقاء: على الحال؛ أي: لا يسألني أحد سابقًا لك، ولا يضرُّ كونه نكرةً؛ لأنَّها في سياق النَّفيِ؛ كقولهم: ما كان أحدٌ مثلك؛ (لِمَا رَأَيْتُ)؛ أي: للَّذي رأيته (مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ)، أو لرؤيتي بعض حرصك، فـ: «من»: بيانيَّةٌ على الأوَّل، وتبعيضيَّةٌ على الثَّاني، (أَسْعَدُ النَّاسِ) الطَّائع والعاصي (بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ)؛ أي: في يوم القيامة، وسقط لفظ: ((يوم القيامة)) للحَمُّويي [2] ، (مَنْ قَالَ): في موضع رفعٍ خبرُ المبتدأ الذي هو «أسعدُ النَّاس [3] »، و«مَنْ»: موصولةٌ؛ أي: الذي قال: (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) مع قوله: «محمَّدٌ رسول الله» حال كونه (خَالِصًا) مِنَ الشِّرك، زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ وأبي الوقت: ((مخلصًا)) (مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ): شكٌّ من الرَّاوي، وقد يكتفي بالنُّطق بأحد الجزأين من كلمتي الشهادة؛ لأنَّه صار شعارًا لمجموعهما، فإن قلت: الإخلاص محلُّه القلب، فما فائدة قوله [4] : «من قلبه»؟ أُجِيب: بأنَّ الإتيان به؛ للتَّأكيد، ولو صدق بقلبه ولم يتلَّفظ؛ دخل في هذا الحكم، لكنَّا لا نحكم عليه بالدُّخول إلَّا إن تلفَّظ [5] ، فهو للحكم باستحقاق الشفاعة لا لنفس الاستحقاق، واستُشكِل: التَّعبير بـ: «أَفْعَل» التَّفضيل في قوله: «أسعد»؛ إذ مفهومه: أنَّ كلًّا من الكافر الذي لم ينطق بالشهادتين [6] والمنافق الذي نطق بلسانه دون قلبه أن يكون سعيدًا، وأُجِيب: بأنَّ «أَفْعَلَ» هنا ليست على بابها، بل بمعنى: سعيد النَّاس مَنْ نطق بالشَّهادتين، أو تكون «أفعل» على بابها، والتَّفضيل بحسب المراتب؛ أي: هو أسعد ممَّن لم [7] يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المُؤكَّد البالغ غايته، والدَّليل على إرادة تأكيده ذكر القلب؛ إذِ الإخلاص محلُّه القلب، ففائدته التَّأكيد _كما مرَّ_، وقال البدر الدَّمامينيُّ: حمله ابن بطَّالٍ _يعني قوله: «مخلصًا»_ على الإخلاص العامِّ الذي هو من لوازم التَّوحيد، وردَّه ابن المُنَيِّر: بأنَّ هذا لا يخلو عنه مؤمنٌ، فتتعطَّل صيغة «أَفْعَل»، وهو لم يسأله عمَّن يستأهل شفاعته، وإنما سأله عن أسعد النَّاس بها، فينبغي أن يُحمَل على إخلاصٍ خاصٍّ مُختَصٍّ ببعضٍ دون بعضٍ، ولا يخفى تفاوت رتبه، والحديث يأتي _إن شاء الله تعالى_ في «صفة الجنَّة والنَّار» من كتاب «الرِّقاق» [خ¦6570] ، والله أعلم [8] .

[1] زيد في (ص): «{فتنة}».
[2] قوله: «وسقط لفظ: «يوم القيامة» للحَمُّوي»، سقط من (د) و(س).
[3] (النَّاس): سقط من (د).
[4] «قوله»: سقط من (د).
[5] في (د): «أن يتلفَّظ».
[6] في (د) و(ص): «بالشَّهادة».
[7] «لم»: سقط من (ص).
[8] قوله: «من كتاب «الرِّقاق»، والله أعلم»، سقط من (د).





99- ( قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ) سقطت ( قيل ) لغير أبي ذرٍّ وكريمة، وهو الصَّواب؛ لأنَّ أبا هريرة هو السَّائل.

( أوَّل ) بالرَّفع صفة ( أحد ) أو بدل منه، وبالنَّصب مفعول ثان لظننت، أو ظرف، أو حال، أي: سابقًا لك.

( خَالِصًا ): احترازًا من المنافق.

( مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ ): شكٌّ من الرَّاوي. [/ج1ص262/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

99



- وبه قال: ((حدثنا عبد العزيز بن عبد الله)) بن يحيى بن عمرو القرشي العامري الأويسي المديني ((قال: حدثني)) بالإفراد ((سليمان)) بن بلال أبو محمد التيمي القرشي المدني، ((عن عَمرو بن أبي عَمرو)) ؛ بفتح العين فيهما، ميسرة مولى المطلب المخزومي القرشي المدني، المتوفى في خلافة المنصور سنة ست وثلاثين ومئة، ((عن سعيد بن أبي سعيد المقبَُري)) ؛ بضم الموحدة وفتحها، ((عن أبي هريرة)) عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه: ((أنه)) ؛ بفتح الهمزة ((قال)) جملة محلها الرفع خبر (أن) : ((قيل: يا رسول الله)) كذا في رواية أبي ذر وكريمة، وليس في رواية الباقين لفظة (قيل) ، وإنما هو: (أنه قال يا رسول الله) قال عياض: و (قيل) : وهم، والصواب سقوطها كما عند الأصيلي والقابسي؛ لأنَّ السائل هو أبو هريرة نفسه، واعتمده الشيخ الإمام بدر الدين العيني وأيَّده بما عند المؤلف في (الرقاق) : (أنه قال: قلت: يا رسول الله) ، فهذا يدل على أن لفظة (قلت) تصحفت بـ (قيل) ، وفي رواية: (أنه سأل) ، وفي أخرى: (أن أبا هريرة قال: يا رسول الله) : ((من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟)) بنصب (يوم) على الظرفية، و (من) استفهامية مبتدأ، وما بعده خبره؛ أي: الذين يدخلون الجنة بغير حساب أو برفع الدرجات فيها، فالاشتراك إنَّما هو في مطلق السعادة بالشفاعة، وأن أسعدهم بها المؤمن المخلص، فالتفضيل بحسب المراتب، ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد)) (اللام) فيه جواب قسم محذوف؛ أي: والله، والأولى أن تكون لام التأكيد ((ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألَُني)) ؛ بضم اللام وفتحها على حد قوله: {وَحَسِبُوا أَلَّاتَكُونَ} [المائدة: 71] ؛ بالرفع والنصب لوقوع (أن) بعد الظن ((عن هذا الحديث أحدٌ)) ؛ بالرفع فاعل (يسألني) ((أولُ منك)) ؛ برفع (أولُ) على أنه صفة لـ (أحد) أو بدل منه، وبالنصب على الظرفية، وقال القاضي: على المفعول الثاني لـ (ظننت) ، قال في «المصابيح»: ولا وجه له، وقال الشيخ أبو البقاء: على الحال؛ أي: لا يسألني أحد سابقًا لك، ولا يضر كونه نكرة؛ لأنَّها في سياق النفي فتكون عامة، وتمامه في «عمدة القاري»؛ ((لِما رأيت)) ؛ بكسر اللام؛ أي: الذي رأيته ((من حرصكَ)) ؛ بفتح الكاف ((على الحديث)) متعلق بالحرص، و (ما) موصولة، والعائد محذوف، و (من) بيانية؛ أي: للذي رأيته من حرصك، أو تكون (ما) مصدرية، و (من) تبعيضية ويكون مفعول (رأيت) ؛ أي: لرؤيتي بعض حرصك ((أسعد الناس)) التقييد به لا ينفي السعادة عن الجن والملك؛ لأنَّ مفهوم اللقب ليس بحجة عند الجمهور ((بشفاعتي يوم القيامة)) مبتدأ مضاف، والجار والمجرور متعلق بـ (أسعد) ، و (يوم) منصوب على الظرف، وقوله: ((من قال)) محله رفع خبر المبتدأ، و (من) موصولة؛ أي: الذي قال: ((لا إله إلا الله)) ؛ أي: مع محمد رسول الله، فالمراد: الكلمة بتمامها، والإيمان: التصديق القلبي على الأصح، وقول الكلمة لإجراء الأحكام عليه، فلو صدق بالقلب ولم يقل الكلمة؛ يكون سعيدًا بشفاعته إذا لم يكن مع التصديق مناف، فالمعتبر في الشرع: القول اللساني، والمعتبر عند الله: القول النفساني ((خالصًا)) وفي رواية: (مخلصًا) من الإخلاص: وهو في الإيمان ترك الشرك، وفي الطاعة ترك الرياء ((من قلبه أو نفسه)) الشك من أبي هريرة قاله الكرماني، وقال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: التعيين غير لازم؛ لأنَّه يحتمل أن يكون من أحد الرواة ممن هم دونه؛ فليحفظ.

فإن قلت: الإخلاص محلُّه القلب فما فائدة قوله: (من قلبه) ؟ أجيب: بأنَّه ذكر؛ للتأكيد، وفي الحديث: دليل على أن الشفاعة مختصة بأهل الإخلاص، وورد أنَّها لأهل الكبائر، فالمراد: أنها أقسام؛ لأنَّها تكون للإراحة من هول الموقف وإدخال قوم الجنة بغير حساب، وفي قوم استوجبوا النار، فيشفع بهم، فلا يدخلوها، وفي قوم دخلوا النار، فيشفع بهم، فيخرجون منها، وتكون لزيادة الدرجات في الجنة، ومذهب أهل السنة: جواز الشفاعة ووجوبها بصريح الآيات والأخبار المتواترة لمذنبي [1] المؤمنين، وأنكرها المعتزلة والخوارج؛ لقوله تعالى: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] ، قلنا: هي واردة في الكفار، وأما الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة؛ فأثبتها المعتزلة وسيأتي تمامه، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (لمذنبين) ، وليس بصحيح.