متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

98- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ)؛ بالمُهملة والمُوحَّدة، الأزديُّ الأنصاريُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً)؛ أي: ابن أبي رباحٍ، أسلمَ [1] ، الكوفيَّ القرشيَّ الحبشيَّ، الأسود الأعور الأفطس الأشلَّ الأعرج، ثمَّ عمي بأخرةٍ، المرفوع بالعلم والعمل، حتَّى صار من الجلالة والثِّقة بمكانٍ، المُتوفَّى سنة خمس عشْرةَ ومئةٍ، أو سنة أربعَ عشْرةَ ومئةٍ، (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) عبد الله رضي الله عنهما، (قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ) وفي رواية أبي الوقت [2] : ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم، أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ)؛ يعني: أنَّ الراويَ تردَّد هل لفظ «أشهد» من قول ابن عبَّاسٍ، أو من قول عطاءٍ؟ وأخرجه أحمد ابن حنبل عن غندر عن شعبة جازمًا بلفظ: «أشهد عن [3] كلٍّ منهما»، وعبَّر بلفظ الشَّهادة؛ تأكيدًا لتحقُّقه ووثوقًا بوقوعه، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ) من بين صفوف الرِّجال إلى صفِّ النِّساء، (وَمَعَهُ بِلَالٌ)؛ أي: ابن [4] رَبَاحٍ؛ بفتح الرَّاء، وتخفيف المُوحَّدة، الحبشيُّ، واسم أمِّه: حمامة، ولغير الكُشْمِيهَنيِّ: ((معه بلالٌ))؛ بلا واوٍ على أنَّه حالٌ استغنى فيها عن الواو بالضَّمير؛ كقوله تعالى: {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [الأعراف: 24] ، (فَظَنَّ) صلى الله عليه وسلم (أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ) حين [5] أسمع الرِّجال، فـ: «أنَّ» مع اسمها وخبرها سدَّت مسدَّ مفعولي «ظنَّ»، وفي رواية غير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ [6] : ((أنَّه لم يُسمع)) بدون ذكر «النِّساء»، (فَوَعَظَهُنَّ) عليه الصلاة والسلام بقوله: «إنِّي رأيتكنَّ أكثر أهل النَّار؛ لأنكنَّ تكثرن اللَّعن وتكفرن العشير» [خ¦304] وهذا أصلٌ في حضور النِّساء مجالس الوعظ ونحوه بشرط أمن الفتنة، (وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) النَّفليَّة [7] لمَّا رآهنَّ أكثر أهل النَّار؛ لأنَّها ممحاةٌ لكثيرٍ من الذُّنوب المدخلة النَّار، أو لأنَّه [8] كان وقت حاجةٍ إلى المُواسَاة، والصَّدقة حينئذٍ كانت أفضل وجوه البرِّ، (فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُرْطَ)؛ بضمِّ القاف، وسكون الرَّاء، آخره مُهمَلَةٌ: الذي يُعلَّق بشحمة أذنها، (وَالْخَاتَمَ) بالنَّصب عطفًا على المفعول (وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ) ما يلقينه؛ ليصرفه عليه الصلاة والسلام في مصارفه؛ لأنَّه تحرم عليه الصَّدقة، وحُذِفَ المفعول؛ للعلم به، ورُفِعَ «بلالٌ» بالابتداء، وتاليه: خبرُه، والجملة حاليَّةٌ، (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ)، وفي رواية ابن عساكر: ((قال أبو عبد الله))؛ أي: البخاريّ ((وقال إسماعيل))؛ أي: ابن عليَّة، (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ، (عَنْ عَطَاءٍ)؛ أي: ابن أبي رباحٍ، (وَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وفي رواية ابن عساكر والأَصيليِّ وأبي الوقت: ((قال ابن عبَّاسٍ)): (أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)، فجزم بأنَّ لفظ «أشهد» من كلام ابن عبَّاسٍ فقط، وهذا من تعاليقه؛ لأنَّه لم يدرك إسماعيل ابن عُلَيَّة؛ لأنَّه مات في عام [/ج1ص193/] ولادة المؤلِّف سنة أربع وتسعين ومئةٍ، ووصله في كتاب «الزَّكاة» [خ¦1449] .

[1] في (ص) و(م): «سليمان»، وفي (ب) و(س): «سلمان»، وليس بصحيحٍ.
[2] زيد في (ص): «وابن عساكر»، وهو خطأ.
[3] في (ص): «على».
[4] زيد في (ب) و(د) و(ص): «أبي»، وهو خطأ.
[5] في (ص): «يعني».
[6] «غير أبوي ذَرٍّ والوقت والأصيليِّ»: سقط من (س).
[7] في (ص): «القليلة».
[8] في (ص): «وأنه».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

98-. حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن أَيُّوبَ، قالَ: سمعتُ عَطاءً، قالَ:

سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قالَ: أَشْهَدُ على النَّبِيِّ [1] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _أَوْ قالَ عَطاءٌ: أَشْهَدُ على ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ وَمَعَهُ [2] بِلالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ [3] ، فَوَعَظَهُنَّ [4] وأمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ والخاتَمَ، وَبِلالٌ ياخُذُ في طَرَفِ ثَوْبِهِ.

وقالَ [5] إِسْماعِيلُ عن أَيُّوبَ عن عَطاءٍ، وقالَ: عن ابْنِ عَبَّاسٍ [6] : أَشْهَدُ على النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

[1] في رواية السمعاني عن أبي الوقت: «رسولِ الله».
[2] الواو ثابتة في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا (ن)، ونقلها في (ب، ص) عن الفتح.
[3] هكذا في رواية الأصيلي ورواية السمعاني عن أبي الوقت أيضًا (و)، وفي رواية أبي ذر و [ح] و [عط] زيادة: «النساءَ». وجعل في (ب، ص) رواية الأصيلي والسمعاني عن أبي الوقت موافقة لهم.
[4] هكذا في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ [وعليها اقتصر في (و)] والأصيلي ورواية السمعاني عن أبي الوقت أيضًا (ن، ق).
[5] في رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله: وقال».
[6] في رواية ابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت ورواية [عط] : «قال ابن عباس». وزاد في (ن) نسبتها إلىَ رواية أبي ذر أيضًا، وزاد في (و، ب، ص) نسبتها إلىَ رواية الأصيلي بدل أبي ذر.





لا تتوفر معاينة

98# (فَوَعَظَهُنَّ) هذا أصل في حضور النساء المواعيد، ومجالسَ الخير؛ بشرطِ السلامة من الفتنة.

(وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) فيه تضعيفُ القول بأن الرجل يَحْجُرُ على امرأتهِ في الصَّدقة بعض الحَجْر، قاله ابن المنيِّر أيضًا.


98- قوله: (عَنْ أَيُّوبَ): هو ابن أبي تميمة السختيانيذُ، العالم المشهور، تقدَّم.

قوله: (عَطَاء): هو عطاء بن أبي رَباح -بفتح الرَّاء وبموحَّدة- أبو محمَّد المكِّيُّ الفقيه، أحد الأعلام، وسيِّد التَّابعين، عن عائشة، وأبي هريرة، وخلق، وعنه: الأوزاعيُّ، وابن جريج، وأبو حنيفة، واللَّيث، وأمم، توفِّي سنة (114 هـ ) ، وقيل: سنة (115 هـ ) وله ثمانون سنة، أخرج له الجماعة، وهو حجَّة إمام، له ترجمة في «الميزان».

قوله: (القُرْطَ): هو -بضم القاف، وإسكان الرَّاء، وبالطاء المهملة- ما عُلِّق في شحمة الأذن من ذهب كان أو غيره، والجمع قِرَطة وقِراط -كَرُمْحٍ وَرِمَاح- وأقراط.

قوله: (وَالْخَاتَمَ): تقدَّم ما [1] فيه من اللُّغات وهي: كسر التَّاء وفتحها، وَخَاتَام، وَخَيْتَام، وخِتام، وختم.

قوله: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ): قال المزِّيُّ في «أطرافه»: (قال خلف: رواه عن مؤمَّل عن إسماعيل...) إلى أنْ قال: (إسماعيل بن إبراهيم عن أيُّوب) انتهى.

أمَّا [2] مؤمَّل المذكور عن خلف؛ فإنَّه ابن هشام اليشكريُّ البصريُّ؛ لأنَّ البخاريَّ لَمْ يخرج لأحد [3] اسمه مؤمَّل سواه في «الصَّحيح»، وقد أخرج لشخص اسمه مؤمَّل بن وهب المخزوميُّ -وهو من التَّابعين، ولم يأخذ عنه نفسه- في كتاب «الأدب المفرد».

وأمَّا إسماعيل بن إبراهيم؛ فكذلك نسبه مسلم في (العيدين) في «صحيحه»، والذي ظهر لي أنَّه ابن عُليَّة، والله أعلم.

[وتعليق إسماعيل هذا أخرجه مسلم في (الصَّلاة) عن يعقوب بن إبراهيم الدورقيِّ، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيُّوب به] [4] .

[1] (ما): مثبت من (ج) .
[2] في (ج): (وأمَّا) ، وضرب على الواو في (أ) .
[3] (لأحد): ليس في (ب) .
[4] ما بين معقوفين ليس في (ج) .





98- (وَمَعَهُ بِلَالٌ) ـ في بعضِ النُّسخِ بغيرِ واوٍ ـ: جملةٌ اسميَّةٌ وقعتْ حالًا، وذلك جائزٌ بغيرِ ضعْفٍ، قال الله تعالى: {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36، الأعراف: 24] .

(فَظَنَّ [1] أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ): حلَّتْ (أَنَّ) واسمُها وخبرُها محلَّ مفعولَي (ظَنَّ).

[1] قوله: (فظن) مثبت من (ب).





98- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ)؛ بالمُهملة والمُوحَّدة، الأزديُّ الأنصاريُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً)؛ أي: ابن أبي رباحٍ، أسلمَ [1] ، الكوفيَّ القرشيَّ الحبشيَّ، الأسود الأعور الأفطس الأشلَّ الأعرج، ثمَّ عمي بأخرةٍ، المرفوع بالعلم والعمل، حتَّى صار من الجلالة والثِّقة بمكانٍ، المُتوفَّى سنة خمس عشْرةَ ومئةٍ، أو سنة أربعَ عشْرةَ ومئةٍ، (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) عبد الله رضي الله عنهما، (قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ) وفي رواية أبي الوقت [2] : ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم، أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ)؛ يعني: أنَّ الراويَ تردَّد هل لفظ «أشهد» من قول ابن عبَّاسٍ، أو من قول عطاءٍ؟ وأخرجه أحمد ابن حنبل عن غندر عن شعبة جازمًا بلفظ: «أشهد عن [3] كلٍّ منهما»، وعبَّر بلفظ الشَّهادة؛ تأكيدًا لتحقُّقه ووثوقًا بوقوعه، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ) من بين صفوف الرِّجال إلى صفِّ النِّساء، (وَمَعَهُ بِلَالٌ)؛ أي: ابن [4] رَبَاحٍ؛ بفتح الرَّاء، وتخفيف المُوحَّدة، الحبشيُّ، واسم أمِّه: حمامة، ولغير الكُشْمِيهَنيِّ: ((معه بلالٌ))؛ بلا واوٍ على أنَّه حالٌ استغنى فيها عن الواو بالضَّمير؛ كقوله تعالى: {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [الأعراف: 24] ، (فَظَنَّ) صلى الله عليه وسلم (أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ) حين [5] أسمع الرِّجال، فـ: «أنَّ» مع اسمها وخبرها سدَّت مسدَّ مفعولي «ظنَّ»، وفي رواية غير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ [6] : ((أنَّه لم يُسمع)) بدون ذكر «النِّساء»، (فَوَعَظَهُنَّ) عليه الصلاة والسلام بقوله: «إنِّي رأيتكنَّ أكثر أهل النَّار؛ لأنكنَّ تكثرن اللَّعن وتكفرن العشير» [خ¦304] وهذا أصلٌ في حضور النِّساء مجالس الوعظ ونحوه بشرط أمن الفتنة، (وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) النَّفليَّة [7] لمَّا رآهنَّ أكثر أهل النَّار؛ لأنَّها ممحاةٌ لكثيرٍ من الذُّنوب المدخلة النَّار، أو لأنَّه [8] كان وقت حاجةٍ إلى المُواسَاة، والصَّدقة حينئذٍ كانت أفضل وجوه البرِّ، (فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُرْطَ)؛ بضمِّ القاف، وسكون الرَّاء، آخره مُهمَلَةٌ: الذي يُعلَّق بشحمة أذنها، (وَالْخَاتَمَ) بالنَّصب عطفًا على المفعول (وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ) ما يلقينه؛ ليصرفه عليه الصلاة والسلام في مصارفه؛ لأنَّه تحرم عليه الصَّدقة، وحُذِفَ المفعول؛ للعلم به، ورُفِعَ «بلالٌ» بالابتداء، وتاليه: خبرُه، والجملة حاليَّةٌ، (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ)، وفي رواية ابن عساكر: ((قال أبو عبد الله))؛ أي: البخاريّ ((وقال إسماعيل))؛ أي: ابن عليَّة، (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ، (عَنْ عَطَاءٍ)؛ أي: ابن أبي رباحٍ، (وَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وفي رواية ابن عساكر والأَصيليِّ وأبي الوقت: ((قال ابن عبَّاسٍ)): (أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)، فجزم بأنَّ لفظ «أشهد» من كلام ابن عبَّاسٍ فقط، وهذا من تعاليقه؛ لأنَّه لم يدرك إسماعيل ابن عُلَيَّة؛ لأنَّه مات في عام [/ج1ص193/] ولادة المؤلِّف سنة أربع وتسعين ومئةٍ، ووصله في كتاب «الزَّكاة» [خ¦1449] .

[1] في (ص) و(م): «سليمان»، وفي (ب) و(س): «سلمان»، وليس بصحيحٍ.
[2] زيد في (ص): «وابن عساكر»، وهو خطأ.
[3] في (ص): «على».
[4] زيد في (ب) و(د) و(ص): «أبي»، وهو خطأ.
[5] في (ص): «يعني».
[6] «غير أبوي ذَرٍّ والوقت والأصيليِّ»: سقط من (س).
[7] في (ص): «القليلة».
[8] في (ص): «وأنه».





98- ( الْقُرْطَ ): بضمِّ القاف وإسكان الرَّاء بعدها طاء مهملة: الحلقة التي تكون في شحمة الأذن.

( وَالْخَاتَمَ ): بكسر التَّاء وفتحها.

( وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ ): هو ابن عُلَيَّة.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

98# ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم _ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم _

@%ص152%

«خَرَجَ وَمَعَهُ بِلاَلٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ النساء، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ وَالخَاتَمَ، وَبِلاَلٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ».

وَقَالَ: إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ: وَقَالَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

قال خلف: ورواه مؤمل عن إسماعيل عن أيوب.

وأخرجه مسلم في «العيدين» عن أبي بكر وابن أبي عمر، عن سفيان، عن أيوب، وعن ابن رافع عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، كلاهما عن عطاء.

ورواه البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله في العيد، وفيه زيادات، منها: «فجعلت المرأة تلقي خُرصها وسِخابها».

وفي مسلم: «فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم».

وفي بعضها: «قلت لعطاء: زكاة الفطر؟ قال: لا، ولكن صدقة يتصدقن بها حينئذ».

وفي حديث جابر قال: «تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم»، وفيه: «فقالت امرأة: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتلعن العشير، قال: فجعلن يتصدقن من أقرطهن وخواتيمهن».

قوله: «فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ النساء» دليل على أن على الإمام افتقاد رعيته، وتعليمهم ووعظهم، الرجال والنساء في ذلك سواء.

قال النواوي: «وفيه دليل على أن صدقة التطوع لا تفتقر إلى إيجاب وقبول؛ بل يكفي فيها المعاطاة؛ لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهن ولا من بلال ولا من غيره، وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي رحمه الله، خلافاً لأكثر العراقيين من أصحابنا، حيث قالوا: يفتقر إلى الإيجاب والقبول».

وفيه: دليل على جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف ذلك على الثلث من مالها، هذا مذهب الشافعي والجمهور، وقال مالك: لا تجوز الزيادة على الثلث من مالها إلا برضا زوجها.

ودليل الأول من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسألهن هل استأذنَّ أزواجهن في ذلك أم لا؟ وهل هو خارج عن الثلث أم لا؟ ولو اختلف

@%ص153%

الحكم بذلك لسأل.

قال القاضي عياض احتجاجاً لمذهبه مذهبِ مالك: «الغالب حضورُ أزواجهم [1]، وإذا كان ذلك فتركهم الإنكار رضاً منهم لفعلهن.

قال النواوي في الجواب: هذا ضعيف لأنهن كن معتزلات لا يعلم الرجالُ المتصدقةَ منهن من غيرها، ولا قدر ما يتصدقنَ به، ولو علموا فسكوتهم ليس إذناً.

قلت: مما يستدل به لهم ما أخرجه أبو داود من حديث موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن داود بن أبي هند وحبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجوز لامرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها».

ومن حديث أبي كامل، عن خالد يعني ابن الحارث، ثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لامرأة عطية إلا بإذن زوجها».

وأخرجه النسائي وابن ماجه، وقال البيهقي: الطريق إلى عمرو بن شعيب صحيح، فمن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب لزمه إثباته.

قال الشافعي: هذا الحديث سمعناه وليس بثابت فيلزمنا أن نقول به، والقرآن يدل على خلافه، ثم السنة، ثم الأثر، ثم المعقول.

قيل: يريد بالقرآن: {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون}، وقوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً}، وقال تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به}، وقال تعالى: {من بعد وصية يوصين بها أو دين}، {وابتلوا اليتامى} الآية، ولم يفرق.

فدلت هذه الآيات على نفوذ تصرفها في مالها دون إذن زوجها، وروى البخاري في «الصحيح» عن كُرَيب أن ميمونة بنت الحارث أخبرته أنها أعتقت وليدة لها ولم تستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت: أشعرت يا رسول الله أني قد أعتقت وليدتي فلانة، قال: «أو قد فعلت؟» قلت: نعم، قال: «أما إنه لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك».

@%ص154%

وقد أمرهن النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة في العيد وأطلق، وقال لزوجة الزبير: «ارضخي ولا توعي فيوعي الله عليك» أخرجاه.

وقال: «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة».

واختلعت مولاة لصفية بنت أبي عبيد من زوجها بكل شيء لها فلم ينكر ذلك عبد الله بن عمر.

وأجاب الشافعي رحمه الله في «مختصر البويطي» وغيره عن الحديثين المذكورين على تقدير الصحة بأنه يمكن أن يحمل الحديث على الأَوْلى والأدب والاختيار، كما يقال: ليس لها أن تصوم وزوجها حاضر إلا بإذنه، فإن فعلت فصومها جائز، ومثله إن خرجت بغير إذنه فباعت فهو جائز، قال: وقد أعتقت ميمونة فلم يَعِبِ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليها.

وأجاب غيره بأن الأحاديث الواردة الدالة على جواز تصرف المرأة أصح مع الآيات، فتقدم على حديث عمرو بن شعيب.

قلت: يمكن أن يقال في بعض الأحاديث الصحيحة أنها واقعة حال، فيمكن حملها على أنها كان قدر الثلث في تلك الصور، وأما الآيات فأكثرها مع الأزواج، ولا نزاع فيه.

قوله: «تُلقِي القُرْطَ وَالخَاتَمَ» قال ابن دريد: القرط هو كل ما علق في شحمة الأذن، فهو قرط، كان من ذهب أو غيره.

والخاتم: فيه أربع لغات، فتح التاء، وكسرها، وخاتام، وخيتام.

والخرص: بضم الخاء المعجمة الحلقة الصغيرة من الحلي، قال القاضي عياض: هي حلقة تكون في الأذن.

وفي «البارع»: هو القرط تكون فيه حبة واحدة في حلقة واحدة.

والفتخ: قال البخاري عن عبد الرزاق: هي خواتيم عظام.

وقال غيره: هي خواتيم تلبس في الرجل، الواحدة: فَتَخة.

وقال الأصمعي: هي خواتيم لا فصوص لها.

وفي الجمهرة: الفتخة حلْقة من ذهب أو فضة لا فص لها، وربما اتُّخِذَ لها فصٌّ كالخاتم.

والسخاب: قلادة من طيب أو مسك، قاله البخاري.

وقال ابن الأنباري: هي خيط ينظم فيه خرزات ويلبسه الصبيان والجواري.

وقيل:

@%ص155%

قلادة من قرنفل وسك، ليس فيها من الجوهر شيء.

وأما قوله في بعض الروايات: «أقرطتهن» فقد قال القاضي: «قال بعضهم الصواب [2]: قِرَطتهن؛ لأن القُرط يجمع عَلَى قرطة مثل خرج وخرجة، وعلى أقراط وقراط وقروط».

قال: «ولا يبعد أن يكون جمع الجمع، يعني جمع قراط، لاسيما وقد صح في لفظ الحديث».

السند:

فيه: عطاء بن أبي رباح، وابن أبي رباح: أسلم، المكي، أبو محمد القرشي، مولى ابن خثيم القرشي الفهري، وابن خثيم عامل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على مكة.

ولد عطاء في آخر خلافة عثمان، وروي عنه أنه قال: «أعقل قتل عثمان».

ويقال: إنه من مولدي الجند من مخاليف اليمن، ونشأ بمكة.

أخرج البخاري في «العلم» و«الصلاة» وغير موضع عن عمرو بن دينار، والزهري، وقتادة، وأيوب، وابن جريج، وغيرهم عنه، عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وعبيد بن عمير، وأبي صالح الزيات، وعروة بن الزبير.

وقال غير البخاري: سمع بقية العبادلة، وعائشة، وروى عنه الليث حديثاً واحداً.

كان من كبار التابعين، من أئمة أهل مكة ومفتيهم المشهورين، يقال: قدم ابن عمر مكة فجعلوا يسألونه، فقال ابن عمر: تجمعون لي المسائل وفيكم ابن أبي رباح؟

وقال محمد بن علي: «ما بقي أحد من الناس أعلم بالحج من عطاء».

وقال ابن أبي عروبة: «إذا اجتمع أربعة لم أبال من خالفهم، الحسن وسعيد بن المسيب، وإبراهيم، وعطاء، هؤلاء أئمة الأمصار».

وعن ربيعة قال: «فاق عطاء أهل مكة في الفتوى».

وقال سلمة بن كهيل: «ما رأيت من يطلب بعلمه ما عند الله غير عطاء، وطاووس، ومجاهد».

واتفق على إمامته وجلالته وعلمه وتوثيقه، وهو أحد شيوخ البخاري في سلسلة الفقه المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الشافعي من جملة شيوخه مسلم بن خالد الزنجي المكي، مفتي أهل مكة، أخذ عنه الفقه، وتفقه مسلم على عبد الملك

@%ص156%

بن عبد العزيز بن جريج، وتفقه ابن جريج على عطاء بن أبي رباح، وتفقه عطاء على أبي العباس عبد الله بن عباس، وأخذ ابن عباس الفقه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وحج عطاء سبعين حجة، وقال الشافعي: «ليس أحد في التابعين أكثر اتباعاً للحديث من عطاء».

وقيل: كانت الحلْقة في الفتيا بمكة بعد ابن عباس في المسجد الحرام لعطاء بن أبي رباح.

وعن أحمد ابن حنبل قال: «العلم خزائن يقسم الله لمن أحب، لو كان يخص بالعلم أحداً كان بيت النبي صلى الله عليه وسلم أولى، كان عطاء بن أبي رباح حبشياً، ويزيد بن أبي حبيب نوبياً أسود، والحسن مولى، وابن سيرين مولى».

وسأل عبد الملك بن مروان الزهري: من خلفت يسود أهل مكة؟ قال: عطاء، قال: وبمَ سادهم؟ قال: بالديانة، والرواية»، وذكر مثله عن طاووس في أهل اليمن، وعن يزيد بن أبي حبيب في أهل مصر، وعن مكحول في الشام، وعن الضحاك بن مزاحم في خراسان، وميمون بن مهران في أهل الجزيرة، والحسن في أهل البصرة، وكل هؤلاء موالٍ، وذكر في الكوفة إبراهيم، وهو من العرب.

وجاء سليمان بن عبد الملك إلى عطاء بن أبي رباح هو وابناه، فجلسوا إليه وهو يصلي، فلما صلى انفتل إليهم فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حول قفاه إليهم، ثم قال سليمان لابنيه: قوما فقاما، فقال: يا بني لا تنيا في طلب العلم، فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود.

وعن مهدي بن ميمون عن معاذ بن سعيد الأعور قال: كنا عند عطاء، فحدث رجل بحديث، فاعترض له آخر في حديثه، فقال عطاء: سبحان الله! ما هذه الأخلاق! ما هذه الطباع! والله إن الرجل ليحدث بالحديث

@%ص157%

لأنا أعلم به منه، ولعسى أن يكون سمعه مني، فأنصت له وأريه كأني لم أسمعه قبل ذلك.

قال عمرو بن عاصم: فحدثت بهذا الحديث عبد الله بن المبارك فقال: لا أنزع نعلي حتى أذهب إلى مهدي فأسمعه منه.

وقال ابن سعد: «سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاءٌ أسودَ أعورَ أفطسَ أشلَّ أعرجَ، ثم عمي بعد ذلك».

وعن إبراهيم الحربي قال: «كان عطاء عبداً أسود لامرأة من أهل مكة، وكان أنفه كأنه باقلا».

توفي رحمه الله سنة خمس عشرة _ وقيل: أربع عشرة _ ومئة، وهو ابن ثمان وثمانين، روى له الجماعة.

ومن غرائبه أنه قال: إذا أراد الإنسان سفراً فله القصر قبل خروجه من البلد، ووافقه طائفة من أصحاب ابن مسعود، وخالفه الجمهور.

ومن غرائبه أيضاً: ما حكاه ابن منذر وغيره أنه قال: إذا كان العيد يوم الجمعة وجبت صلاة العيد ولا تجب جمعة ولا غيرها، ولا صلاة بعد العيد إلى العصر.

[1] كذا في الأصل، وفي «إكمال المعلم»: «أزواجهن».
[2] في الأصل: «قال القاضي: صوابه بعضهم الصواب».





لا تتوفر معاينة

98- وبه قال: ((حدثنا سليمان بن حرب)) الأزدي البصري ((قال: حدثنا شعبة)) هو ابن الحجَّاج، ((عن أيوب)) السختياني ((قال: سمعت عطاء)) ؛ أي: ابن أبي رباح سلمان المكي القرشي الحبشي، الحاج سبعين حجة، القائل: (إن وافق يوم عيد يوم جمعة؛ يصلى العيد فقط، ولا ظهر ولا جمعة في ذلك اليوم) ، المتوفى سنة خمس أو أربع عشرة ومئة عن ثمانين سنة ((قال: سمعت)) عبد الله ((ابن عباس)) رضي الله عنهما ((قال: أشهد على النبيِّ)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم، أو قال عطاء: أشهد على ابن عباس)) يعني: أنَّ الراوي تردَّد في لفظ (أشهد) هل هو من قول ابن عباس أو من قول عطاء؟ وأخرجه أحمد جازمًا بلفظ (أشهد) عن كلِّ منهما، وعبر بلفظ الشهادة؛ تأكيدًا لتحققه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج)) جملة محلها الرفع خبر (أن) ؛ أي: من بين صفوف الرجال إلى صف النساء ((ومعه بلال)) جملة اسمية وقعت حالًا، وفي رواية: بإسقاط الواو؛ كقوله تعالى: {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] ، وبلال هو ابن أبي رَبَاح؛ بفتح الراء وتخفيف الموحدة، الحبشي القرشي، واشتهر باسم أمه حمامة؛ بفتح المهملة، ((فظن)) عليه السلام ((أنه لم يسمع النساء)) حين أسمع الرجال، وسقط في رواية لفظة (النساء) ، و (أن) مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي (ظن) ، ((فوعظهنَّ)) بقوله: «إني رأيتكنَّ أكثر أهل النار؛ لأنكنَّ تكثرن اللَّعن وتكفرن العشير»، فيه: دليل على جواز حضورهنَّ المساجد ومجالس الوعظ، لكن بشرط أمن الفتنة وعدم المفسدة، ((وأمرهنَّ بالصدقة)) (أل) للعهد الخارجي، وهي صدقة التطوُّع، وإنما أمرهنَّ؛ لما رآهنَّ أكثر أهل النار على ما جاء في «الصحيح»: «تصدقن يا معشر النساء إنِّي رأيتكنَّ أكثر أهل النار»، [/ص61/] أو لأنَّه وقت حاجة والصدقة كانت يومئذٍ أفضل وجوه البر، ((فجعلت)) من أفعال المقاربة؛ مثل كاد، وقوله: ((المرأة)) ؛ بالرفع: اسمها، وقوله: ((تلقي)) خبرها بغير (أن) متأوَّل باسم الفاعل ((القُرْط)) ؛ بالنصب مفعول (تلقي) من الإلقاء؛ بضم القاف، وإسكان الراء، آخره مهملة: ما يعلق بشحمة الأذن ((والخاتمَ)) ؛ بالنصب عطفًا على المفعول ((وبلال)) مبتدأ ((يأخذ في طرف)) وفي رواية: (أطراف) ((ثوبه)) خبره، والجملة حالية، والمفعول محذوف؛ أي: ما يلقينه؛ ليصرفه عليه السلام مصارفه؛ لأنَّه يحرم عليه الصدقة.

((وقال إسماعيل)) وفي رواية: (قال أبو عبد الله _أي: المؤلف_: وقال إسماعيل) هو ابن عليَّة، ((عن أيوب)) السختياني، ((عن عطاء)) ؛ أي: ابن أبي رباح، ((وقال: عن ابن عباس)) وفي رواية: (قال ابن عباس) : ((أشهد على النبيِّ)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) فجزم بأن لفظ (أشهد) من كلام ابن عباس فقط، وهذا من تعاليقه؛ لأنَّه لم يدرك إسماعيل ابن علية؛ لأنَّه مات في عام ولادة المؤلف سنة أربع وتسعين ومئة، ووصله المؤلف في (الزكاة) ، وفيه: دليل على أن الصدقة تنجي من النار، وجواز الصدقة من المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف ذلك على ثلث مالها، وهو مذهب إمامنا الإمام الأعظم، وقال مالك: لا يجوز الزيادة على الثلث إلَّا برضا الزوج، وتمامه في «عمدة القاري».