متن الصحيح الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

91- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو جعفرٍ المُسنَدِيُّ؛ بفتح النُّون، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ)، وفي رواية ابن عساكر: ((أبو عامرٍ [1] العقديُّ))، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((عبد الملك بن عمرٍو العَقَديُّ))، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ الْمَدِينِيُّ)؛ بالمُثنَّاة التَّحتيَّة قبل النُّون، وللأَصيليِّ: ((المدنيِّ)) بحذفها (عَنْ رَبِيعَةَ) الرَّأي (بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) شيخ إمام الأئمَّة مالكٍ بن أنسٍ، (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة (مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ)؛ بالنُّون، والمُوحَّدة، والمُهمَلَة، والمُثلَّثة، المدنيُّ، (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ [/ج1ص188/] الْجُهَنِيِّ)؛ بضمِّ الجيم، وفتح الهاء، وبالنُّون، نزيل الكوفة، المُتوفَّى بها أو المدينة أو مصر سنة ثمانٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» خمسةُ أحاديث، (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَهُ رَجُلٌ)؛ هو عميرٌ والد مالكٍ، وقِيلَ: بلالٌ المؤذِّن، وقِيلَ: الجارود، وقِيلَ: هو زيد بن خالد نفسه (عَنِ اللُّقَطَةِ)؛ بضمِّ اللَّام، وفتح القاف، وقد تُسكَّن؛ الشَّيء الملقوط؛ وهو ما ضاع بسقوطٍ أو غفلةٍ، فيجده شخصٌ، (فَقَالَ) له صلى الله عليه وسلم، ولكريمة: ((قال)): (اعْرِفْ) بكسر الرَّاء من المعرفة (وِكَاءَهَا) بكسر الواو ممدودًا؛ ما يُربَط به رأس الصُّرَّة والكيس ونحوهما، أو هو الخيط الذي يُشدُّ به الوعاء، (أو قال: وِعاءها)؛ بكسر الواو؛ أي: ظرفها، والشَّكُّ من زيد [2] بن خالدٍ، أو ممَّن دونه من الرُّواة، (وَعِفَاصَهَا)؛ بكسر العين المُهمَلَة، وبالفاء؛ وهو الوعاء أيضًا؛ لأنَّ العفص هو الثَّنيُ والعطف؛ لأنَّ الوعاء ينثني [3] على ما فيه وينعطف، والمُرَاد: الشَّيء الذي يكون فيه النَّفقة من خرقةٍ أو جلدةٍ ونحوهما، أو هو الجلد الذي يلبس رأس القارورة، وأمَّا الذي يدخل في فمها فهو الصِّمام؛ بالمُهمَلَة المكسورة، وإنَّما أمر بمعرفة ما ذكر؛ ليعرف صدق مُدَّعيها من كذبه، ولئلَّا يختلط بماله، (ثُمَّ عَرِّفْهَا) على سبيل الوجوب للنَّاس بذكر بعض صفاتها (سَنَةً)؛ أي: مدَّة سنةٍ [4] متَّصلةٍ يعرِّف أوَّلًا كلَّ يومٍ طرفيِ النَّهار، ثمَّ كلَّ يومٍ مرَّةً، ثمَّ كلَّ أسبوعٍ، ثمَّ كلَّ شهرٍ، ولا يجب فورٌ في التَّعريف، بل المُعتَبَر سنةً متى كان، وهل تكفي سنةٌ مُفرَّقةٌ؟ وجهان؛ ثانيهما وبه قطع العراقيُّون: نعم، قال النَّوويُّ: وهو الأصحُّ، (ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا) بكسر التَّاء الثَّانية، وتسكين العين عطفٌ على «ثمَّ عَرِّفْها»، (فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا)؛ أي: مالكها؛ (فَأَدِّهَا) جواب الشَّرط؛ أي: أعطها (إِلَيْهِ، قَالَ): يا رسول الله (فَضَالَّةُ الإِبِلِ) ما حكمها؟ أكذلك أم لا؟ وهو من باب إضافة الصِّفة إلى الموصوف، (فَغَضِبَ) عليه الصلاة والسلام (حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ) تثنيةُ وجنةٍ؛ بتثليث [5] الواو، و«أُجْنَةٌ»؛ بهمزةٍ مضمومة؛ وهي ما ارتفع عن الخدِّ، (أَوْ قَالَ: احْمَرَّ وَجْهُهُ)، وإنَّما غضب استقصارًا لعلم السَّائل وسوء فهمه؛ إذ إنَّه [6] لم يراعِ المعنى المذكور، ولم يتفطَّن له، فقاس الشَّيء على غير نظيره؛ لأنَّ اللُّقَطَة إنَّما هي الشَّيء الذي سقط من صاحبه، ولا يدري أين موضعه، وليس كذلك الإبل، فإنَّها مخالفةٌ لِلُّقَطَة اسمًا وصفة، (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: (وَمَا لَكَ وَلَهَا؟!) أي: ما تصنع بها؟ أي: لِمَ تأخذها ولِمَ تتناولها؟ وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر وفي نسخةٍ [7] : ((فما لك))، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((ما لك))؛ بغير واوٍ ولا فاءٍ، (مَعَهَا سِقَاؤُهَا)؛ بكسر السِّين، مبتدأٌ وخبرٌ مقدَّمٌ؛ أي: أجوافها، فإنَّها تشرب فتكتفي به [8] أيَّامًا، (وَحِذَاؤُهَا)؛ بكسر الحاء المُهمَلَة، والمدِّ، عطفٌ على «سقاؤها»؛ أي: خُفّها الذي تمشي عليه، (تَرِدُ الْمَاءَ): جملةٌ بيانيَّةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، أو محلُّها الرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هي ترد الماء (وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا)؛ أي: إذا كان الأمر كذلك؛ فدعها، فـ: «الفاء» في «فَذَرْهَا» جواب شرطٍ محذوفٍ، (حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا)؛ مالكها؛ إذ إنَّها غير فاقدةٍ أسباب العود إليه؛ لقوَّة سيرها، وكون [9] الحذاء والسِّقاء معها؛ لأنَّها ترد الماء ربعًا وخمسًا، وتمتنع من الذِّئاب وغيرها من صغار السِّباع، ومن التَّردِّي، وغير ذلك، (قَالَ): يا رسول الله (فَضَالَّةُ الْغَنَمِ) ما حكمها؟ أهي مثل ضالَّة الإبل أم لا؟ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: ليست كضالَّة الإبل، بل هي (لَكَ) إن أخذتها، (أَوْ لأَخِيكَ) من اللَّاقطين إن لم تأخذها، (أَوْ لِلذِّئْبِ) يأكلها، إن لم تأخذها أنت ولا غيرك، فهو إذاً في أخذها دون الإبل. نعم؛ إذا كانت الإبل في القرى والأمصار فتُلتَقَط؛ لأنَّها تكون حينئذٍ مُعرَّضةً للتَّلف، مطمحةً للأطماع، ومباحث ذلك تأتي _إن شاء الله تعالى_ في بابه بعون الله وحوله وقوَّته.

[1] «أبو عامرٍ»: سقط من (س).
[2] في (ص): «الراوي».
[3] في غير (م): «يُثنى».
[4] في (ص): «أسبوع أي»، وليس بصحيحٍ.
[5] في (ص): «مثلَّث»، وفي (م): «مثلَّثة».
[6] في (ص): «وإنَّما».
[7] في غير (م): «وفي رواية الحَمُّوي والمستملي»، وليس بصحيحٍ.
[8] في (ب) و(ص): «بها).
[9] في (ب) و(س): «بكون).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

91-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حدَّثنا أَبُو عامِرٍ [1] ، قالَ: حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ بِلالٍ المَدِينِيُّ [2] ، عن رَبِيعَةَ بنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عن يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ:

عن زَيْدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأَلَهُ رَجُلٌ عن اللُّقَطَةِ [3] ، فقالَ: «اعْرِفْ وِكاءَها _أَوْ قالَ: وِعاءَها_ وَعِفاصَها، ثُمَّ عَرِّفْها سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بها، فإِنْ جاءَ رَبُّها فأَدِّها إِلَيْهِ». قالَ: فَضالَّةُ الإِبِلِ؟ فَغَضِبَ حتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتاهُ _أَوْ قالَ: احْمَرَّ وَجْهُهُ_ فقالَ: «وَما لَكَ [4] وَلَها؟! مَعَها سِقاؤُها وَحِذاؤُها، تَرِدُ الماءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْها حتَّىَ يَلْقاها رَبُّها». قالَ: فَضالَّةُ الغَنَمِ؟ قالَ: «لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ».

[1] في رواية ابن عساكر زيادة: «العَقَديُّ»، وفي رواية أبي ذر زيادة: «عبد الملك بن عَمرو العَقَدي».
[2] في رواية الأصيلي: «المدني».
[3] بفتح القاف، وفي رواية [عط] : «اللُّقْطَةِ» بسكون القاف.
[4] هكذا في رواية أبي ذر أيضًا، وفي رواية السمعاني عن أبي الوقت وحاشية رواية ابن عساكر: «فما لَكَ»، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر: «ما لَكَ».





91- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو جعفرٍ المُسنَدِيُّ؛ بفتح النُّون، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ)، وفي رواية ابن عساكر: ((أبو عامرٍ [1] العقديُّ))، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((عبد الملك بن عمرٍو العَقَديُّ))، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ الْمَدِينِيُّ)؛ بالمُثنَّاة التَّحتيَّة قبل النُّون، وللأَصيليِّ: ((المدنيِّ)) بحذفها (عَنْ رَبِيعَةَ) الرَّأي (بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) شيخ إمام الأئمَّة مالكٍ بن أنسٍ، (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة (مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ)؛ بالنُّون، والمُوحَّدة، والمُهمَلَة، والمُثلَّثة، المدنيُّ، (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ [/ج1ص188/] الْجُهَنِيِّ)؛ بضمِّ الجيم، وفتح الهاء، وبالنُّون، نزيل الكوفة، المُتوفَّى بها أو المدينة أو مصر سنة ثمانٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» خمسةُ أحاديث، (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَهُ رَجُلٌ)؛ هو عميرٌ والد مالكٍ، وقِيلَ: بلالٌ المؤذِّن، وقِيلَ: الجارود، وقِيلَ: هو زيد بن خالد نفسه (عَنِ اللُّقَطَةِ)؛ بضمِّ اللَّام، وفتح القاف، وقد تُسكَّن؛ الشَّيء الملقوط؛ وهو ما ضاع بسقوطٍ أو غفلةٍ، فيجده شخصٌ، (فَقَالَ) له صلى الله عليه وسلم، ولكريمة: ((قال)): (اعْرِفْ) بكسر الرَّاء من المعرفة (وِكَاءَهَا) بكسر الواو ممدودًا؛ ما يُربَط به رأس الصُّرَّة والكيس ونحوهما، أو هو الخيط الذي يُشدُّ به الوعاء، (أو قال: وِعاءها)؛ بكسر الواو؛ أي: ظرفها، والشَّكُّ من زيد [2] بن خالدٍ، أو ممَّن دونه من الرُّواة، (وَعِفَاصَهَا)؛ بكسر العين المُهمَلَة، وبالفاء؛ وهو الوعاء أيضًا؛ لأنَّ العفص هو الثَّنيُ والعطف؛ لأنَّ الوعاء ينثني [3] على ما فيه وينعطف، والمُرَاد: الشَّيء الذي يكون فيه النَّفقة من خرقةٍ أو جلدةٍ ونحوهما، أو هو الجلد الذي يلبس رأس القارورة، وأمَّا الذي يدخل في فمها فهو الصِّمام؛ بالمُهمَلَة المكسورة، وإنَّما أمر بمعرفة ما ذكر؛ ليعرف صدق مُدَّعيها من كذبه، ولئلَّا يختلط بماله، (ثُمَّ عَرِّفْهَا) على سبيل الوجوب للنَّاس بذكر بعض صفاتها (سَنَةً)؛ أي: مدَّة سنةٍ [4] متَّصلةٍ يعرِّف أوَّلًا كلَّ يومٍ طرفيِ النَّهار، ثمَّ كلَّ يومٍ مرَّةً، ثمَّ كلَّ أسبوعٍ، ثمَّ كلَّ شهرٍ، ولا يجب فورٌ في التَّعريف، بل المُعتَبَر سنةً متى كان، وهل تكفي سنةٌ مُفرَّقةٌ؟ وجهان؛ ثانيهما وبه قطع العراقيُّون: نعم، قال النَّوويُّ: وهو الأصحُّ، (ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا) بكسر التَّاء الثَّانية، وتسكين العين عطفٌ على «ثمَّ عَرِّفْها»، (فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا)؛ أي: مالكها؛ (فَأَدِّهَا) جواب الشَّرط؛ أي: أعطها (إِلَيْهِ، قَالَ): يا رسول الله (فَضَالَّةُ الإِبِلِ) ما حكمها؟ أكذلك أم لا؟ وهو من باب إضافة الصِّفة إلى الموصوف، (فَغَضِبَ) عليه الصلاة والسلام (حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ) تثنيةُ وجنةٍ؛ بتثليث [5] الواو، و«أُجْنَةٌ»؛ بهمزةٍ مضمومة؛ وهي ما ارتفع عن الخدِّ، (أَوْ قَالَ: احْمَرَّ وَجْهُهُ)، وإنَّما غضب استقصارًا لعلم السَّائل وسوء فهمه؛ إذ إنَّه [6] لم يراعِ المعنى المذكور، ولم يتفطَّن له، فقاس الشَّيء على غير نظيره؛ لأنَّ اللُّقَطَة إنَّما هي الشَّيء الذي سقط من صاحبه، ولا يدري أين موضعه، وليس كذلك الإبل، فإنَّها مخالفةٌ لِلُّقَطَة اسمًا وصفة، (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: (وَمَا لَكَ وَلَهَا؟!) أي: ما تصنع بها؟ أي: لِمَ تأخذها ولِمَ تتناولها؟ وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر وفي نسخةٍ [7] : ((فما لك))، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((ما لك))؛ بغير واوٍ ولا فاءٍ، (مَعَهَا سِقَاؤُهَا)؛ بكسر السِّين، مبتدأٌ وخبرٌ مقدَّمٌ؛ أي: أجوافها، فإنَّها تشرب فتكتفي به [8] أيَّامًا، (وَحِذَاؤُهَا)؛ بكسر الحاء المُهمَلَة، والمدِّ، عطفٌ على «سقاؤها»؛ أي: خُفّها الذي تمشي عليه، (تَرِدُ الْمَاءَ): جملةٌ بيانيَّةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، أو محلُّها الرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هي ترد الماء (وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا)؛ أي: إذا كان الأمر كذلك؛ فدعها، فـ: «الفاء» في «فَذَرْهَا» جواب شرطٍ محذوفٍ، (حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا)؛ مالكها؛ إذ إنَّها غير فاقدةٍ أسباب العود إليه؛ لقوَّة سيرها، وكون [9] الحذاء والسِّقاء معها؛ لأنَّها ترد الماء ربعًا وخمسًا، وتمتنع من الذِّئاب وغيرها من صغار السِّباع، ومن التَّردِّي، وغير ذلك، (قَالَ): يا رسول الله (فَضَالَّةُ الْغَنَمِ) ما حكمها؟ أهي مثل ضالَّة الإبل أم لا؟ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: ليست كضالَّة الإبل، بل هي (لَكَ) إن أخذتها، (أَوْ لأَخِيكَ) من اللَّاقطين إن لم تأخذها، (أَوْ لِلذِّئْبِ) يأكلها، إن لم تأخذها أنت ولا غيرك، فهو إذاً في أخذها دون الإبل. نعم؛ إذا كانت الإبل في القرى والأمصار فتُلتَقَط؛ لأنَّها تكون حينئذٍ مُعرَّضةً للتَّلف، مطمحةً للأطماع، ومباحث ذلك تأتي _إن شاء الله تعالى_ في بابه بعون الله وحوله وقوَّته.

[1] «أبو عامرٍ»: سقط من (س).
[2] في (ص): «الراوي».
[3] في غير (م): «يُثنى».
[4] في (ص): «أسبوع أي»، وليس بصحيحٍ.
[5] في (ص): «مثلَّث»، وفي (م): «مثلَّثة».
[6] في (ص): «وإنَّما».
[7] في غير (م): «وفي رواية الحَمُّوي والمستملي»، وليس بصحيحٍ.
[8] في (ب) و(ص): «بها).
[9] في (ب) و(س): «بكون).





91- (فَضَالَّةُ الْإِبِلِ): مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ؛ أي: ما حكمُها؟ كذلك هو أم لا؟ وهو مِن بابِ إضافةِ الصِّفةِ إلى الموصوفِ.


91- [قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ): هذا هو المسنديُّ [1] ، وللبخاريِّ أربعة أشياخ كلٍّ منهم اسمه: عَبْد الله بن محمَّد، والمزِّيُّ لَمْ يعيِّن هذا الرجل، والله أعلم] [2] .

قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَديُّ): (أَبُو عامر): هذا اسمه عبد الملك بن عمرو العَقَديُّ -بفتح العين [3] والقاف، وبالدَّال المهملتين-؛ نسبة إلى قبيلة من بجيلة من اليمن، تقدَّم.

قوله في حديث زيد بن خالدٍ: (سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ): هذا الرجل السَّائل هو بلال المؤذِّن رضي الله عنه، كذا قاله ابن بشكوال، وساق شاهده من «أبي داود»، وقال ابن شيخنا البلقينيِّ: (يحتمل أنْ يكون عميرًا والد مالك) ، وسنبسطه، وفي «أسد الغابة» في ترجمة بشر بن العلاء العبديِّ، ويلقَّب بالجارود، قال: (روى يزيد بن عَبْد الله بن الشِّخير، عن أبي مسلم الجَذَميِّ [4] ، عنِ الجارود قال: قلت -أو قال رجل-: يا رسول الله؛ اللقطة نجدها، قال: «أنشدها ولا تكتم ولا تغيِّب، فإن وجدت ربَّها؛ فادفعها إليه، وإلَّا؛ فهو مال الله يؤتيه من يشاء») ، ووقع في «الطَّبرانيِّ الأوسط» فيمن اسمه موسى بن سهل، فذكر سندًا إلى زيد بن خالد الجهنيِّ: (أنَّه سأل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن ضالَّة الغنم...) ؛ الحديث، في إسناده: ابن لهيعة، وهو ضعيف، لكن على مقتضاه يكون المبهم زيد بن خالد [5] الراوي، انتهى.

قوله: (عَنِ اللُّقَطَةِ): فيها [6] لغاتٌ جمعها الأستاذ ابن مالك في بيت، فقال:

~لُقاطةٌ ولُقْطةٌ ولُقَطة ولَقَطٌ ما لاقط قد لقطَه

قوله: (وِكَاءَهَا): هو بكسر الواو، وبالمدِّ؛ الخيط الذي تشدُّ به الصُّرَّة وغيرها، وسيأتي ما في ذلك بُعَيده.

قوله: (وَعِفَاصَهَا): هو بكسر العين، ثمَّ بالفاء المخفَّفة وبعد الألف صاد مهملتين [7] ؛ وهو الوعاء، وقال شيخنا الشَّارح في (باب حكم المفقود) ما لفظه: (والعفاص: الخرقة، والوكاء: الخيط، قاله ابن القاسم، وعكس ذلك أشهب، فقال: العفاص: الخيط، والوكاء: الظرف) انتهى.

قوله: (رَبُّهَا): أي: مالكها.

قوله: (وَجْنَتَاهُ): الوَجْنة -مثلَّثة الواو، وبالجيم الساكنة: ما علا لحم الخدَّين، وفيه لغة رابعة وهي: أُجْنة؛ بضمِّ الهمزة، وسكون الجيم، حكاهنَّ الجوهريُّ.

قوله: (سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا): السِّقاء والحِذاء؛ بكسر أوَّلهما، وبالمدِّ، والحِذاء: الخفُّ، واستعار عليه الصَّلاة والسَّلام ذلك لها؛ تشبيهًا لها بالمسافر الذي معه الحذاء والسقاء، فإنَّه يقوِّي على قطع المفاوز، وذلك لأنَّها تشرب وتملأ أكراشها لما يكفيها الأيام.

[1] في (ب): (البيكندي) .
[2] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[3] في (أ) و (ب): (العقدي) .
[4] في (ج): (الحرمي) .
[5] زيد في (ج): (الجهني) .
[6] زيد في (ج): (ست) .
[7] في (ب): (مهملة) .





91- ( سَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ ) قال الأزهري: أجمع الرواة على تحريك القاف، وذكر غيره الإسكان، وهو القياس.

( الوِكاء والعِفاص ) بكسر أولهما؛ فالوِكاء: ما يربط به، والعِفاصُ: الوعاء. [/ج1ص68/]

( السِّقاء والحِذاء ) بكسر أولهما والمد وإعجام ذال الحذاء؛ فالسقاء: الجوف، والحذاء: الخف.

ووجه غضبه [صلَّى الله عليه وسلَّم] [1] لما رأى استقصار علم السائل حيث لم يتنبَّه للمعنى الذي أشار إليه فقاس الشيء على غير نظيره، فإن اللقطة اسم لما يسقط عن صاحبه ولا يتطرق إليه، والإبل بخلاف ذلك، وجعل الغنم بالعكس وألحقها باللقطة لضعفها.

[1] زيادة من ( ظ ).





91- ( سَأَلَهُ رَجُلٌ ): هو عُمَير والدُ مالكٍ.

( اللُّقَطَةِ ): بضمِّ اللَّام وفتح القاف.

( وِكَاءَهَا ): بكسر أوَّله وأوائلِ: ( عِفاصها ) و ( حِذاءها ) و ( سِقاءها )، والوكاء: ما يربط به، والعِفاص: الوعاء، والسِّقاء: الجوف، لأنَّها تشرب وتكتفي به أيَّامًا، [/ج1ص256/] والحذاء: بإهمال الحاء وإعجام الذَّال: الخفُّ.


91- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن محمد)) أبو جعفر المسنَدي؛ بفتح النون ((قال: حدثنا أبو عامر)) عبد الملك بن عمرو العقدي، كما في رواية ((قال: حدثنا سليمان بن بلال المديني)) وفي رواية: (المدني) ، فالأوَّل: منسوب إلى مدينة المنصور، والثاني: إلى مدينة الرسول، ويقال: (مدائني) إلى مدائن كسرى، ((عن ربيعة)) المشهور بالرأي؛ بالتشديد والتخفيف، منسوب إلى الرأي ((بن أبي عبد الرحمن)) شيخ مالك الإمام، ((عن يزيد)) من الزيادة ((مولى المنبعث)) ؛ بالنون، والموحدة، والمهملة، والمثلثة، المدني، ((عن زيد بن خالد الجُهَني)) ؛ بضم الجيم وفتح الهاء وبالنون، نزيل الكوفة المتوفَّى بها، أو المدينة، أو مصر، سنة ثمان وسبعين عن خمس وثمانين، والظاهر الأول، منسوب إلى جهينة، وكنيته: أبو طلحة، أو أبو عبد الرحمن، أو أبو زرعة، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح: ((أنَّ النبيَّ)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم سأله رجل)) هو عُمير والد مالك، كذا في «عمدة القاري»، وقيل: بلال المؤذِّن، وقيل غيرهما، وهو بعيد، ((عن اللُّقَطة)) ؛ بضم اللام وفتح القاف وقد تسكن: الشيء الملقوط، ((فقال له)) عليه السلام، ولكريمة: (قال) : ((اعرف)) ؛ بكسر الهمزة: من المعرفة ((وِكاءَها)) بالنصب مفعول (اعرف) ؛ بكسر الواو ممدودًا: ما يُشَدُّ به رأس الصرَّة والكيس، أو الخيط الذي يُشَدُّ به الوعاء، ((أو قال: وِعاءَها)) ؛ بكسر الواو: الظرف، والشك إمَّا مِن زيد أو ممَّن دونه من الرواة، ((وعِفاصَها)) ؛ بكسر العين المهملة وبالفاء؛ الوعاء الذي يكون فيه النفقة من جلد أو خِرقة أو نحوهما، وهذا دليل على أنَّ لقطةَ الحلِّ والحرم سواءٌ، وهو مذهب الإمام الأعظم والجمهور، خلافًا للشافعي، وإنَّما أمره بذلك؛ ليعرف صدق مدعيها أو كذبه،[/ص58/] وهذا يفيد الأمر بالتقاط اللقطة.

قال في «فتاوي الولوالجي»: اختُلف في رفعها؛ فقال بعضهم: رفعُها أفضل من تركها، وقال بعضهم: يحِلُّ رفعُها وتركها أفضل، وفي «شرح الحافظ الطحاوي»: إذا وجد لقطة؛ فالأفضل له أن يرفعها إذا كان يأمن على نفسه، وإذا لم يأمن على نفسه؛ لا يرفعها، ولو رفعها ووضعها في مكانه وهلكت؛ فلا ضمان عليه في ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم.

وقال بعض مشايخنا: هذا إذا لم يبرح من ذلك المكان، فإن ذهب عن مكانه، ثم أعادها ووضعها فيه فهلكت؛ فإنَّه يضمن، وقال بعضهم: يضمن مطلقًا، وهو خلاف ظاهر الرواية، وفي «شرح الأقطع»: يستحب أخذ اللقطة ولا يجب، وفي «الخلاصة»: إن خاف ضياعها؛ يفترض الرفع، وإن لم يخف؛ يباح رفعُها، أجمع العلماء عليه، والأفضل الرفع في ظاهر المذهب عن الإمام الأعظم، انتهى.

وعند مالك: قيل: يكره أخذها، وقيل: هو الأفضل، وعند الشافعي: قيل: يستحب الأخذ، وقيل: يجب، وقيل: إن خاف عليها؛ وجب، وإن أمن؛ استُحب، وعن أحمد: يُندب تركها.

((ثم عَرِّفها)) للناس بذكر بعض صفاتها في المحافل ((سَنَةً)) منصوبٌ بنزع الخافض؛ أي: مدة سنة، وفي حديث أُبيٍّ ثلاث سنين، وفي بعض طرقه بالشك في سنة أو ثلاث، ويُحمل إمَّا بطرح الشك والزيادة، أو هي قصتان؛ الأولى للأعراب، والثانية لأُبيٍّ، وهذا يختلف بقِلَّة الشيء الملقوط وكَثرته، قال أصحابنا: يعرِّفها إلى أن يغلب على ظنِّه أنَّ ربَّها لا يطلبُها، وهو الصحيح؛ لأنَّ ذلك يختلف بقِلة المال وكَثرته، وروى الإمام محمد عن الإمام الأعظم: أنَّه إن كانت أقل من عشرة دراهم؛ عرَّفها أيامًا، وإن كانت عشرة فصاعدًا؛ عرَّفها حولًا؛ أي: سنةً، وهو قول مالك والشافعي، وروى الإمام الحسن عن الإمام الأعظم: أنَّها إن كانت مئتي درهم فصاعدًا؛ عرَّفها حولًا، وفيما فوق العشرة إلى مئتين شهرًا، وفي العشرة جمعة، وفي ثلاثة دراهم ثلاثة أيام، وفي درهم يومًا.

وإن كانت ثمرة ونحوها؛ يتصدَّق بها مكانها، وإن كان محتاجًا؛ أكلها مكانها، وفي «الهداية»: إذا كانت اللقطة شيئًا يعلم أنَّ صاحبَها لا يطلبُها؛ كالنواة وقشور الرُّمَّان؛ يكون إلقاؤُه مباحًا، فيجوز الانتفاع به من غير تعريف، لكنَّه باق على ملك مالكه؛ لأنَّ التمليك من المجهول لا يصحُّ، وفي «الواقعات»: المختار في قشور الرُّمَّان والنواة أنَّه يملكها، وفي الصيد: لا يملكه.

وإن جمع سنبلًا بعد الحصاد؛ فهو له لإجماع الناس على ذلك، وإن سلخ شاة ميتة؛ فهو له ولصاحبها أن يأخذه منه، وكذا الحكم في صوفها.

فإن وصف اللقطة وبيَّنها مالكها؛ قال أئمتنا: حلَّ للملتقط أن يدفعها إليه من غير أن يُجبر عليه في القضاء، وقال مالك والشافعي: يُجبر على دفعها؛ لما في «مسلم»: «فإن جاء صاحبها فعرَّف عِفاصها وعددها؛ فأَعْطِها إيَّاه».

قلنا: هذا مدَّعٍ وعليه البيِّنة؛ لقوله عليه السلام: «البيَّنة على المدَّعي»، والعلامة لا تدُلُّ على المِلك ولا على اليد؛ لأنَّ الإنسان قد يقف على مال غيره ويخفى عليه مال نفسه، فلا عبرة بهذا، والحديث محمول على الجواز لا الوجوب؛ توفيقًا بين الأخبار؛ لأنَّ الأمر قد يراد به الإباحة، وبه نقول.

((ثم استمتِعْ بها)) ؛ بكسر التاء الثانية وتسكين العين؛ أي: إن كان فقيرًا، وإن كان غنيًّا؛ يتصدَّق بها على فقير أجنبي أو قريب منه، هذا قول إمامنا الإمام الأعظم، وبه قال سعيد بن المسيِّب والثوري، ورُوي ذلك عن عليٍّ وابن عباس؛ لقوله عليه السلام: «فليتصدَّق به»،ومحلُّ الصدقة الفقراء، وقال مالك: يستحب أن يتصدق بها، وأباح الشافعي للغني الواجد؛ لحديث أُبَيِّ بن كعب وبظاهر حديث الباب، قلنا: بأنَّ هذا وأمثاله حكايةُ حال، فيجوز أنَّه عليه السلام عَرَفَ فقرَه إمَّا لديون عليه، أو قِلَّة مالِه، أو يكون إذنًا منه عليه السلام بالانتفاع، وهو جائز من الإمام على سبيل القرض، أو أنَّه عَرَفَ أنَّه كان في مال كافر حربيٍّ، ((فإن جاء ربها)) ؛ أي: مالكُها، ولا يُطلق الرَّبُّ على غير الله إلَّا مضافًا مقيَّدًا؛ ((فأَدِّها)) جواب الشرط؛ أي: أعْطِها ((إليه)) وهذا حُجَّةٌ على الكرابيسي من الشافعيَّة؛ حيث قال: لا يلزمُه ردُّها بعد التعريف ولا ردُّ بدلها، وهو قول داود ومالك في الشاة.

والحديث دليل ظاهر على أنَّ صاحب اللُّقَطة إذا جاء؛ فهو أحقُّ بها من مُلتقطها إذا أَثبت أنَّه صاحبُها، فإنْ وجدها قد أكلها الملتقط بعد التعريف وأراد أن يُضَمِّنَه قيمتَها؛ كان له ذلك، وإن كان قد تصدَّق بها؛ فصاحبُها مُخَيَّرٌ بين التضمين وبين أن يتركَ على أجرها، رُوي ذلك عن عمر، وعليٍّ، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وقول إمامنا الأعظم، وطاووس، وعِكرمة، وسفيان الثوري، والحسن ابن حيٍّ؛ فليحفظ.

((قال)) : يا رسول الله؛ ((فضالَّةُ الإبل؟)) مبتدأٌ مضاف خبرُه محذوف؛ أي: ما حكمُها؟ أكذلك أم لا؟ فهو من إضافة الصفة للموصوف، والضالَّةُ لا يقع إلَّا على الحيوان، يقال: ضلَّ الإنسان والبعير، وأمَّا الأمتعة ما سوى الحيوان؛ فيقال له: لُقَطَة، ((فغضب)) عليه السلام ((حتى احمرَّت وجنتاه)) تثنية وَُِجْنَة؛ وهي ما ارتفع من الخَدِّ؛ بفتح الواو، وكسرها، وضمها، وأُجنة؛ بضمِّ الهمزة، ((أو قال: احمرَّ وجهُه)) شكٌّ من الراوي، وإنَّما غضب؛ لسوء فهم السائل؛ حيث قاسَ الشيءَ على غيرِ نظيره؛ لأنَّ اللُّقَطة شيءٌ سقط من صاحبه، وأمَّا الإبل؛ فمخالِفةٌ للُّقَطَة اسمًا وصفةً، ((فقال)) عليه السلام: ((ومالَكَ ولها؟)) وفي رواية: بإسقاط الواو، وفي أخرى: (فمالَكَ ولها؟) بـ (الفاء) عِوضًا عن (الواو) ؛ أي: ما تصنع بها؛ أي: لِمَ تأخذُها ولم تتناولها؟ وإنَّها مستقلة بأسباب تعيُّشها، ففيه نهيٌ عن أخذها ((معها سِقاؤها)) ؛ بكسر السين المهملة؛ مبتدأ، وخبرُه مقدَّم؛ أي: أجوافها؛ فإنَّها تشرب فتكتفي بها أيامًا، والمراد: اللبن والماء ((وحِذاؤُها)) ؛ بكسر الحاء المهملة والمدِّ؛ أي: خِفُّها التي تمشي عليه؛ ((ترد الماء)) جملة بيانيَّة لا محلَّ لها من الإعراب، أو محلُّها الرفع خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: هي ترد الماء، ((وترعى الشجر؛ فذرها)) ؛ أي: دعها، فـ (الفاء) جواب شرط محذوف؛ أي: إذا كان الأمر كذلك؛ فدعها ((حتى يلقاها ربُّها)) : مالكُها، استدلَّ به مالك، والشافعي، وأحمد على أنَّه لا يجوز التقاط الإبل إذا استغنت بقوتها عن حفظها، وقال الإمام الأعظم: يجوزُ التقاط البهيمة مطلقًا من أيِّ جنسٍ كان؛ لأنَّها مالٌ يُتَوَهَّم ضياعُه، والحديث محمول على أنَّه كان في ديارهم؛ لأنَّه كان لا يُخاف عليها من شيء، ونحن نقول في مثله: يتركها، وهذا لأنَّ بعض البلاد الدوابُّ يسيِّبها أهلها في البراري حتى يحتاجوا إليها، فيمسكوها وقت الحاجة، ولا فائدة في التقاطها حينئذٍ، ويدُلُّ على ما قلناه: ما رواه مالك في «الموطأ» عن ابن شهاب قال: كان ضوالُّ الإبل في زمن عمر إبلًا مؤبلةً تَناتَج [1] لا يمسها أحد، حتى إذا كان عثمان؛ أمر بمعرفتها، ثم تباع، فإذا جاء صاحبها؛ أُعطي ثمنَها؛ فليحفظ.

((قال)) : يا رسول الله؛ ((فضالَّة الغنم)) : اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور والإناث وعليهما جميعًا، مبتدأ مضاف، وخبره محذوف؛ أي: ما حكمُها؟ أهي مثل ضالَّة الإبل أم لا؟ ((قال)) عليه السلام: ليست كضالَّة الإبل؛ بل هي ((لك)) إن أخذتَها، ففيه حذف، ((أو لأخيك)) من اللاقطين إن لم تأخذْها، أو المراد من الأخ: صاحبُها؛ أي: أو هي لأخيك الذي هو صاحبها إن ظهر، ((أو للذئب)) ؛ بالهمز، وقد تخفَّف بقلبها مثناة، والأنثى: ذئبة؛ أي: فيأكلها إن لم تأخذْها، فيكون محلُّ (لكَ) رفعٌ؛ لأنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، وكذا (لأخيك) و (للذئب) ، وفيه إشارة إلى الإذن بأخذها، فاستدل به المازريُّ لعدم الغرامة؛ لأنَّ قوله: (هي لك) ظاهرُه التمليك، والمالك لا يغرم، وأجيب للإمام الأعظم والإمام الشافعي: بأنَّ اللام للاختصاص؛ أي: إنَّك تختص بها، ويجوز لك أكلُها وأخذُها، وليس فيه تعرُّض للغرم ولا لعدمه؛ بل بدليل آخر؛ وهو قوله: فإنْ جاء ربُّها يومًا؛ فأدِّها إليه؛ فليحفظ، وفي الحديث إبطال قول مدَّعي علم الغيب.

[1] في الأصل (تنتاج)، ولعل المثبت هو الصواب.