إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أيها الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس فليخفف

90- وبالسَّند السَّابق [1] قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بفتح الكاف وبالمُثلَّثة، العبْديُّ؛ بسكون المُوحَّدة، البصريُّ، المُوثَّق من أبي حاتمٍ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ: ((أخبرني)) (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ) هو إسماعيل البجليُّ الكوفيُّ الأحمسيُّ التَّابعيُّ الطَّحان، المُسمَّى بالميزان (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) بالمُهمَلَة والزَّاي، الأحمسيِّ الكوفيِّ البجليِّ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (الأَنْصَارِيِّ) الخزرجيِّ البدريِّ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) هو حزم بن أبي كعبٍ، كذا قاله [2] ابن حجرٍ في «المقدِّمة»، ثم قال في الشَّرح في «كتاب الصَّلاة»: لم أقف على تسميته، ووهم من زعم أنَّه حزم بن أبي كعبٍ؛ لأنَّ قضيَّته [3] كانت مع معاذٍ لا مع أبيِّ بن كعبٍ: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ) في دارٍ لنا [4] هو معاذ بن جبلٍ، وفي روايةٍ: ((ممَّا يطيل)) فالأُولى: مِنَ التَّطويل، والأخرى من الإطالة، قال القاضي عياضٌ: ظاهره مشكلٌ؛ لأنَّ التَّطويل يقتضي الإدراك لا عدمه، ولعلَّه: «لَأَكاد أترك الصَّلاة» فزيدت الألف بعد «لا»، وفُصِلَتِ التَّاء مِنَ الرَّاء فجعلت دالًا، وعُورِضَ: بعدم مساعدة الرِّواية لما ادَّعاه، وقِيلَ: معناه أنَّه كان به ضعفٌ، فكان إذا طوَّل به الإمام في القيام لا يبلغ الرُّكوع إلَّا وقد ازداد [5] ضعفه، فلا يكاد يتمُّ معه الصَّلاة، ودُفِعَ: بأنَّ المؤلِّف رواه عن الفريابيِّ بلفظ: «لأتأخَّر عن الصَّلاة»، وحينئذٍ فالمُرَاد: إنِّي لا أقرب من الصَّلاة في الجماعة، بل أتأخَّر عنها أحيانًا من أجل التَّطويل، فعدم مقاربته [6] لإدراك الصَّلاة مع الإمام ناشئٌ عن تأخُّره عن حضورها ومُسبَّبٌ عنه، فعبَّر عن السَّبب بالمُسبَّب، وعلَّله بتطويل الإمام؛ وذلك لأنَّه إذا اعتِيد التَّطويل منه تقاعد المأموم عن المُبادَرَة ركونًا إلى حصول الإدراك بسبب التَّطويل، فيتأخَّر لذلك، وهو معنى الرِّواية الأخرى المرويَّة عن الفريابيِّ، فالتَّطويل سبب التَّأخُّر الذي هو سببٌ لذلك الشَّيء، ولا داعيَ إلى حمل الرِّواية الثَّابتة في الأمَّهات الصَّحيحة [7] على التَّصحيف، قاله البدر الدَّمامينيُّ (فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا) بالنَّصب على التَّمييز (مِنْ يَوْمِئِذٍ) وفي رواية ابن عساكر [8]: ((منه من يومئذٍ)) ولفظة «منه» صلةُ «أشدُّ»، والمُفضَّل [9] عليه وإن كانا واحدًا وهو الرَّسول؛ لأنَّ الضمير راجعٌ إليه، لكن باعتبارين، فهو مُفضَّلٌ باعتبار «يومئذٍ»، ومُفضَّلٌ عليه باعتبار سائر الأيَّام، وسبب شدَّة غضبه صلى الله عليه وسلم: إمَّا: لمخالفة الموعظة لاحتمال تقدُّم الإعلام بذلك، أو للتَّقصير في تعلُّم ما ينبغي تعلُّمه [10]، أو لإرادة الاهتمام بما يلقيه على أصحابه ليكونوا من سماعه على بالٍ؛ لئلَّا يعود من فعل [11] ذلك إلى مثله (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: (يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ) عن الجماعات، وفي رواية أبي الوقت: ((إنَّ منكم منفِّرين)) ولم يخاطب المطوِّل على التَّعيين، بل عمَّم خوف الخجل عليه لطفًا منه [12] وشفقةً على جميل عادته الكريمة صلوات الله وسلامه عليه (فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ) أي: من صلَّى متلبِّسًا [13] بهم إمامًا لهم (فَلْيُخَفِّفْ) جواب «مَن» الشَّرطيَّة (فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ) الذي ليس بصحيحٍ [14] (وَالضَّعِيفَ) الذي ليس بقويِّ الخلقة، كالنَّحيف والمُسِنِّ (وَذَا) بالنَّصب، أي: صاحب (الْحَاجَةِ) وللقابسيِّ: ((وذو الحاجة)) بالرَّفع مبتدأٌ، حُذِفَ خبره، والجملة عطفٌ على الجملة المتقدِّمة، أي: وذو الحاجة كذلك، وإنَّما ذكر الثَّلاثة لأنَّها تجمع الأنواع الموجبة للتَّخفيف؛ فإنَّ [15] المقتضي له إمَّا في نفسه أو لا، والأوَّل إمَّا بحسب ذاته وهو الضَّعيف، أو بحسب العارض وهو المريض [16]، أوْ لا في نفسه وهو ذو الحاجة.
ج1ص189


[1] في (ص) زيادة: «إلى المؤلِّف».
[2] في (ب) و(ص): «قال».
[3] في (ب) و(س): «قصته»، وهي هكذا في هدي الساري.
[4] «في دارٍ لنا»: سقط من (س).
[5] في (ص): «زاد».
[6] في (ص): «لعدم مقارنته»، وهو تحريفٌ.
[7] في (ص): «المصححة».
[8] «ابن عساكر»: سقط من (ب) و(ص).
[9] «والمفضَّل»: سقط من (س).
[10] في (ص) و(م): «تعليمه».
[11] في (ص): «نقل»، وهو تحريفٌ.
[12] في (ب) و(س): «به».
[13] في (م): «ملتبسًا».
[14] في (ص): «بضعيف»، وليس بصحيحٍ.
[15] في (ب) و(س): «لأنَّ».
[16] في (ص): «المرض».