متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

90- وبالسَّند السَّابق [1] قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) _بفتح الكاف وبالمُثلَّثة_ العبْديُّ؛ بسكون المُوحَّدة، البصريُّ، المُوثَّق من أبي حاتمٍ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ: ((أخبرني)) (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ، (عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ)؛ هو إسماعيل البجليُّ الكوفيُّ الأحمسيُّ التَّابعيُّ الطَّحان، المُسمَّى بالميزان، (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ)؛ بالمُهمَلَة والزَّاي، الأحمسيِّ الكوفيِّ البجليِّ، (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (الأَنْصَارِيِّ) الخزرجيِّ البدريِّ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) هو حزم بن أبي كعبٍ، كذا قاله [2] ابن حجرٍ في «المقدِّمة»، ثم قال في الشَّرح في كتاب «الصَّلاة»: لم أقف على تسميته، ووهم من زعم أنَّه حزم بن أبي كعبٍ؛ لأنَّ قضيَّته [3] كانت مع معاذٍ لا مع أبيِّ بن كعبٍ: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ) في دارٍ لنا [4] هو معاذ بن جبلٍ، وفي روايةٍ: ((ممَّا يطيل))، فالأُولى: مِنَ التَّطويل، والأخرى من الإطالة، قال القاضي عياضٌ: ظاهره مشكلٌ؛ لأنَّ التَّطويل يقتضي الإدراك لا عدمه، ولعلَّه: «لَأَكاد أترك الصَّلاة»، فزيدت الألف بعد «لا»، وفُصِلَتِ التَّاء مِنَ الرَّاء فجعلت دالًا، وعُورِضَ: بعدم مساعدة الرِّواية لما ادَّعاه، وقِيلَ: معناه: أنَّه كان به ضعفٌ، فكان إذا طوَّل به الإمام في القيام؛ لا يبلغ الرُّكوع إلَّا وقد ازداد [5] ضعفه، فلا يكاد يتمُّ معه الصَّلاة، ودُفِعَ: بأنَّ المؤلِّف رواه عن الفريابيِّ بلفظ: «لأتأخَّر عن الصَّلاة»، وحينئذٍ فالمُرَاد: أنِّي لا أقرب من الصَّلاة في الجماعة، بل أتأخَّر عنها أحيانا من أجل التَّطويل، فعدم مقاربته [6] لإدراك الصَّلاة مع الإمام ناشئٌ عن تأخُّره عن حضورها ومُسبَّبٌ عنه، فعبَّر عن السَّبب بالمُسبَّب، وعلَّله بتطويل الإمام؛ وذلك لأنَّه إذا اعتِيد التَّطويل منه؛ تقاعد المأموم عن المُبادَرَة؛ ركونًا إلى حصول الإدراك بسبب التَّطويل، فيتأخَّر لذلك، وهو معنى الرِّواية الأخرى المرويَّة عن الفريابيِّ، فالتَّطويل سبب التَّأخُّر الذي هو سببٌ لذلك الشَّيء، ولا داعيَ إلى حمل الرِّواية الثَّابتة في الأمَّهات الصَّحيحة [7] على التَّصحيف، قاله البدر الدَّمامينيُّ، (فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا) بالنَّصب على التَّمييز (مِنْ يَوْمِئِذٍ)، وفي رواية ابن عساكر [8] : ((منه من يومئذٍ))، ولفظة «منه» صلةُ «أشدُّ»، والمُفضَّل [9] عليه وإن كانا واحدًا؛ وهو الرَّسول؛ لأنَّ الضمير راجعٌ إليه، لكن باعتبارين، فهو مُفضَّلٌ باعتبار «يومئذٍ»، ومُفضَّلٌ عليه باعتبار سائر الأيَّام، وسبب شدَّة غضبه صلى الله عليه وسلم: إمَّا: لمخالفة الموعظة؛ لاحتمال تقدُّم الإعلام بذلك، أو للتَّقصير في تعلُّم ما ينبغي تعلُّمه [10] ، أو لإرادة الاهتمام بما يلقيه على أصحابه؛ ليكونوا من سماعه على بالٍ؛ لئلَّا يعود من فعل [11] ذلك إلى مثله، (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: (يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ) عن الجماعات، وفي رواية أبي الوقت: ((إنَّ منكم منفِّرين))، ولم يخاطب المطوِّل على التَّعيين، بل عمَّم خوف الخجل عليه؛ لطفًا منه [12] وشفقةً على جميل عادته الكريمة صلوات الله وسلامه عليه، (فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ)؛ أي: من صلَّى متلبِّسًا [13] بهم إمامًا لهم؛ (فَلْيُخَفِّفْ) جواب «مَن» الشَّرطيَّة، (فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ) الذي ليس بصحيحٍ [14] ، (وَالضَّعِيفَ) الذي ليس بقويِّ الخلقة، كالنَّحيف والمُسِنِّ، (وَذَا)؛ بالنَّصب؛ أي: صاحب (الْحَاجَةِ)، وللقابسيِّ: ((وذو الحاجة))؛ بالرَّفع مبتدأٌ، حُذِفَ خبره، والجملة عطفٌ على الجملة المتقدِّمة؛ أي: وذو الحاجة كذلك، وإنَّما ذكر الثَّلاثة؛ لأنَّها تجمع الأنواع الموجبة للتَّخفيف؛ فإنَّ [15] المقتضي له إمَّا في نفسه أو لا، والأوَّل إمَّا بحسب ذاته؛ وهو الضَّعيف، أو بحسب العارض؛ وهو المريض [16] ، أوْ لا في نفسه؛ وهو ذو الحاجة.

[1] في (ص) زيادة: «إلى المؤلِّف».
[2] في (ب) و(ص): «قال».
[3] في (ب) و(س): «قصته»، وهي هكذا في هدي الساري.
[4] «في دارٍ لنا»: سقط من (س).
[5] في (ص): «زاد».
[6] في (ص): «لعدم مقارنته»، وهو تحريفٌ.
[7] في (ص): «المصححة».
[8] «ابن عساكر»: سقط من (ب) و(ص).
[9] «والمفضَّل»: سقط من (س).
[10] في (ص) و(م): «تعليمه».
[11] في (ص): «نقل»، وهو تحريفٌ.
[12] في (ب) و(س): «به».
[13] في (م): «ملتبسًا».
[14] في (ص): «بضعيف»، وليس بصحيحٍ.
[15] في (ب) و(س): «لأنَّ».
[16] في (ص): «المرض».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

90-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، قالَ: أخبَرَنا [1] سُفْيانُ، عن ابْنِ أَبِي خالِدٍ، عن قَيْسِ بنِ أَبِي حازِمٍ:

عن أَبِي مَسْعُودٍ الأَنصارِيِّ، قالَ: قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا أَكادُ أُدْرِكُ الصَّلاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ [2] بِنا فُلانٌ. فَما رأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ [3] يَوْمَئِذٍ، فقالَ: « أَيُّها النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ [4] ، فَمَنْ صَلَّىَ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ؛ فإِنَّ فِيهِمِ المَرِيضَ والضَّعِيفَ وَذا الحاجَةِ».

[1] في رواية أبي ذر: «أخبَرني».
[2] في رواية أبي ذر: «أخبَرني».
[3] في رواية ابن عساكر: «منه».
[4] في رواية السمعاني عن أبي الوقت: «إنَّ منكم مُنَفِّرِينَ».





90- ( مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ) بفتح الكاف وثاء مثلثة.

( لاَ أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلاَةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلاَنٌ ) كذا وقع في الأصول وهو لا ينتظم؛ فإن التطويل يقتضي الإدراك لا عدمه، وقد رواه الفريابي: «إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطول بنا فلان». وهو أظهر، ولعل الأول تغيير منه، ولعله: «لأكاد أترك الصلاة»، فزيدت بعد «لا» ألف وفصلت التاء من الراء فجعلت دالًا، قاله القاضي.

( وَذَا الْحَاجَةِ ) بالنصب، وروي بالرفع، فإن صحَّ فهو معطوف على موضع خبر ( إن ) قبل دخولها، أو على الضمير الذي هو في الخبر المقدَّر.


90# (ابْنُ كثِيرٍ) ضد قليل.

(ابْنِ أَبِي حَازِمٍ) بحاء مهملة فزاي [1] .

(لاَ أكادُ أُدْرِكُ الصَّلاَةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلاَنٌ) في «مسند أبي يعلى [2] » ما يدل على أنه أُبَيُّ بنُ كعبٍ، وسيأتي فيه كلام،

@%ج1ص94%

وهذا [3] اللفظ كذا وقع [4] في الأصول، وهو لا ينتظم؛ فإن التطويل يقتضي الإدراكَ، لا عدمَه.

وقد رواه الفريابي: ((إني [5] لأتاخرُ عن الصلاة في الفجر؛ مما يطوِّلُ بنا فلانٌ))، وهو [6] أظهر، ولعل الأول تغيير منه، ولعله: لأكاد [7] أتركُ الصلاة، فزيدت بعد ((لا)) ألفٌ [8] ، وفُصلت التاء من الراء، فجُعلت دالًّا، حكى الزركشي ذلك كله نقلًا عن القاضي.

قلت: ما في الأصول صحيحٌ له وجهٌ ظاهر، وذلك لأن عدم مقاربته لإدراك الصلاة مع الإمام ناشئ عن تأخره [9] عن حضورها، ومسبَّبٌ عنه، فعبر عن السبب بالمسبب، وعلَّله بتطويل الإمام، وذلك لأنه [10] إذا اعتيد التَّطويل منه، تقاعد المأمومُ عن المبادرة؛ ركونًا إلى حصول الإدراك بسبب التطويل، فيتأخر لذلك، وهو معنى الرواية الأخرى، فالتطويلُ سببُ [11] التأخر الذي هو سبب في عدم مقاربة الإدراك، فجعل سببًا لعدم المقاربة؛ لأن سببَ الشيء سببٌ [12] لذلك الشيء، ولا داعي إلى حمل الرواية الثانية في الأمهات الصَّحيحة على التَّصحيف. والله الموفق.

(وَذَا الْحَاجَةِ) بالنصب، ووجهه [13] ظاهر، وروي بالرفع، فإن صَحَّتْ، فعلى أنه مبتدأ حُذف خبرُه، والجملةُ عطفٌ على الجملة المتقدمة، هكذا ينبغي أن [14] يُعرَب.

[1] في (ق): ((وزاي)).
[2] في (ج): ((ابن أبي يعلى)).
[3] في (ق): ((بهذا)).
[4] في (د): ((وقع كذا)).
[5] ((إني)): ليست في (ق).
[6] في (ق): ((فهذا)).
[7] في (ق) و(ج): ((لا أكاد)).
[8] في (د) و(ق): ((فزيدت بعد الألف)).
[9] في (ق): ((تأخيره)).
[10] في (ق): ((لا)).
[11] في (د) و(ج) و(ق): ((بسبب)).
[12] من قوله: ((في عدم مقاربة ... إلى قوله: ...سبب الشيء سبب)): ليس في (د) و(ج).
[13] في (ق): ((وله وجه)).
[14] في (ق): ((وأن)).





90- قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ): هو بفتح الكاف، وكسر المثلَّثة.

قوله: (أَخْبَرَنِي سُفْيَانُ): هذا الثَّوريُّ العالم المشهور، واسم والده سعيد، تقدَّم مرَّات.

قوله: (عَنِ ابْنِ [1] أَبِي خَالِدٍ): هو إسماعيل بن أبي خالد الكوفيُّ، عنِ ابن أبي أوفى، وأبي جحيفة، وقيس، وعنه: شعبة، وعبيد الله، وخلق، حافظ إمام، وكان طحَّانًا، توفي سنة (146 هـ ) ، أخرج له الجماعة، تابعيٌّ ثقة، رجل صالح، قاله العجليُّ.

قوله: (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ): تقدَّم أنَّه بالحاء والزاي، وتقدَّم الكلام عليه.

قوله: (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ): هو عقبة بن عمرو، تقدَّم.

قوله: (قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ لاَ أَكَادُ [2] أُدْرِكُ الصَّلاَةَ): هذا الرجل لا أعرفه.

قوله: (لاَ أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلاَةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلاَنٌ [3] ): كذا وقع في الأصول، وهو لا ينتظم، فإنَّ التطويل يقتضي الإدراك لا عدمه، وفي رواية الفريابيِّ: (إني لأتأخَّر عنِ الصَّلاة في الفجر ممَّا يطوِّل بنا فلان) ، وهو أظهر، ولعلَّ الأول [4] تغيير [5] مِنْهُ، ولعلَّه: لأكاد أترك، قال القاضي: (ولعلَّ الألف زيدت بعد «لا»، وفصلت التَّاء من الرَّاء، فجعلت دالًا) .

قوله: (فُلاَنٌ): قال ابن شيخنا البلقينيِّ في «مبهماته»: (لَمْ يُرَ [6] هذا مبيَّنًا [7] ؛ يعني: هذا الإمام المشار إليه هنا، لكن في «مسند أبي يعلى الموصليِّ» ما يدلُّ على أنَّ الإمامَ أُبيُّ بن كعب، وسنبسطه في بابه، وقد ذكر في حديث معاذ: «فانصرف رجل»، فذكر الخلاف فيه، وسأذكره في حديث إمامة معاذ) انتهى.

[1] (ابن): ليس في (ج) .
[2] (أكاد): ليس في (ج) .
[3] (مما يطول بنا فلان): ليس في (ب) و (ج) .
[4] زيد في (ب): (نقله) .
[5] في (ب): (تفنين) .
[6] في (ج): (نر) .
[7] في (ب): (مبينًا) .





90- (أَشَدَّ غَضَبًا): نُصِبَ (غَضَبًا) على التَّمييز، وفي بعضها: (مِنْهُ مِنْ يَومِئِذٍ) [1] .

فإِنْ قلتَ: الضميرُ راجعٌ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فيلزمُ أَنْ يكونَ المفضَّلُ والمفضَّلُ عليه شيئًا واحدًا.

قلتُ: جازَ ذلك باعتبارينِ، فهو مفضَّلٌ باعتبارِ يومئذٍ، مفضَّلٌ عليه باعتبارِ سائرِ الأيَّامِ.

(وَذَا الْحَاجَةِ): بالنَّصبِ، ورُوِيَ بالرَّفعِ، فإِنْ صحَّ؛ فهو معطوفٌ على موضع خبرِ (إِنَّ) قبل دخولها [2] ، أو على الضَّمير الَّذي هو في الخبر المقدَّم.

[1] في هامش اليونينية: (منه) ورمز لابن عساكر، ثم قال: (قضيَّةُ ما في الفرع: أنَّ «مِنْهُ» بدلُ «مِنْ»، لكن في «القسطلاني» و«الكرماني» و«البرماوي» [2/6] : وفي روايةٍ: «مِنْهُ مِنْ يَومِئِذٍ»)، وكذا هنا، وفي «عمدة القاري» (2/106)، وعبارة القسطلاني في «الإرشاد» (1/189): (وفي رواية ابن عساكر: «مِنْهُ مِنْ يَومِئِذٍ»)، والذي ذكره الكرماني في «الكواكب الدراري» (2/79): (وفي بعضها: «منه يومئذٍ») على البدلية، وسيأتي هكذا برقم (702) و(704) و(6110) و(7159).
[2] كذا في النسختين: (موضع خبر «إن»...)، وهي عين عبارة الزركشي في «التنقيح» (1/68)، والبرماوي في «اللامع الصبيح» (2/7)، وهو خطأ، والصواب ما قاله الحافظ في «الفتح» (1/224)، والعيني في «عمدة القاري» (1/107): (وجهُه: أنْ يكون معطوفًا على محلِّ اسمِ «إنَّ»، وهو رفعٌ، مع الخلاف فيه)، وقول العيني: (مع الخلاف فيه) يريد به الخلافَ الذي ذكره النحويون في علَّة الرفعِ في الاسمِ المعطوفِ بعد أن تستكملَ (إنَّ) اسمَها وخبرَها، قال ابنُ مالك في «ألفيته»:

~ وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًا عَلَى مَنْصُوبِ (إِنَّ) بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلَا
فيجوزُ في الاسمِ الواقعِ بعدَ اسمِ (إنَّ) وخبرِها النصبُ عطفًا على اسم (إنَّ)، وهو ظاهرٌ، ويجوزُ الرفعُ، واختلف فيه؛ فالمشهور: أنَّه معطوف على محل اسم (إنَّ)؛ فإنَّه في الأصل مرفوعٌ لكونه مبتدأً، وذهب قومٌ إلى أنَّه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ، وهو الصحيحُ، وهو الوجهُ الثاني الذي ذكره العيني حيث قال: (ويجوزُ أن يكونَ المبتدأُ محذوفَ الخبر، وتكونَ الجملةُ معطوفةً على الجملة الأولى، والتقدير: وذو الحاجة كذلك)، واعتمده الدماميني في «مصابيح الجامع» (1/224)، والقسطلاني في «إرشاد الساري» (1/189) حيث قالا: («ذو» مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه، والجملةُ عطفٌ على الجملة المتقدِّمةِ)، هذا وأضاف الحافظ وجهًا آخر فقال: (أو هو استئنافٌ)، وتعقَّبه العيني فقال: (وقال بعضُهم: أو هو استئنافٌ، قلتُ: لا يصحُّ أنْ يكون استئنافًا؛ لأنَّه في الحقيقة جوابُ سؤالٍ، وليس هذا محلَّه)، ولعل مراد الحافظ بقوله: (استئناف) الوجه الصحيح الذي اعتمده الدماميني والقسطلاني، وانظر «شرح ابن عقيل» (1/375-76).





90- وبالسَّند السَّابق [1] قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) _بفتح الكاف وبالمُثلَّثة_ العبْديُّ؛ بسكون المُوحَّدة، البصريُّ، المُوثَّق من أبي حاتمٍ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ: ((أخبرني)) (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ، (عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ)؛ هو إسماعيل البجليُّ الكوفيُّ الأحمسيُّ التَّابعيُّ الطَّحان، المُسمَّى بالميزان، (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ)؛ بالمُهمَلَة والزَّاي، الأحمسيِّ الكوفيِّ البجليِّ، (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (الأَنْصَارِيِّ) الخزرجيِّ البدريِّ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) هو حزم بن أبي كعبٍ، كذا قاله [2] ابن حجرٍ في «المقدِّمة»، ثم قال في الشَّرح في كتاب «الصَّلاة»: لم أقف على تسميته، ووهم من زعم أنَّه حزم بن أبي كعبٍ؛ لأنَّ قضيَّته [3] كانت مع معاذٍ لا مع أبيِّ بن كعبٍ: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ) في دارٍ لنا [4] هو معاذ بن جبلٍ، وفي روايةٍ: ((ممَّا يطيل))، فالأُولى: مِنَ التَّطويل، والأخرى من الإطالة، قال القاضي عياضٌ: ظاهره مشكلٌ؛ لأنَّ التَّطويل يقتضي الإدراك لا عدمه، ولعلَّه: «لَأَكاد أترك الصَّلاة»، فزيدت الألف بعد «لا»، وفُصِلَتِ التَّاء مِنَ الرَّاء فجعلت دالًا، وعُورِضَ: بعدم مساعدة الرِّواية لما ادَّعاه، وقِيلَ: معناه: أنَّه كان به ضعفٌ، فكان إذا طوَّل به الإمام في القيام؛ لا يبلغ الرُّكوع إلَّا وقد ازداد [5] ضعفه، فلا يكاد يتمُّ معه الصَّلاة، ودُفِعَ: بأنَّ المؤلِّف رواه عن الفريابيِّ بلفظ: «لأتأخَّر عن الصَّلاة»، وحينئذٍ فالمُرَاد: أنِّي لا أقرب من الصَّلاة في الجماعة، بل أتأخَّر عنها أحيانا من أجل التَّطويل، فعدم مقاربته [6] لإدراك الصَّلاة مع الإمام ناشئٌ عن تأخُّره عن حضورها ومُسبَّبٌ عنه، فعبَّر عن السَّبب بالمُسبَّب، وعلَّله بتطويل الإمام؛ وذلك لأنَّه إذا اعتِيد التَّطويل منه؛ تقاعد المأموم عن المُبادَرَة؛ ركونًا إلى حصول الإدراك بسبب التَّطويل، فيتأخَّر لذلك، وهو معنى الرِّواية الأخرى المرويَّة عن الفريابيِّ، فالتَّطويل سبب التَّأخُّر الذي هو سببٌ لذلك الشَّيء، ولا داعيَ إلى حمل الرِّواية الثَّابتة في الأمَّهات الصَّحيحة [7] على التَّصحيف، قاله البدر الدَّمامينيُّ، (فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا) بالنَّصب على التَّمييز (مِنْ يَوْمِئِذٍ)، وفي رواية ابن عساكر [8] : ((منه من يومئذٍ))، ولفظة «منه» صلةُ «أشدُّ»، والمُفضَّل [9] عليه وإن كانا واحدًا؛ وهو الرَّسول؛ لأنَّ الضمير راجعٌ إليه، لكن باعتبارين، فهو مُفضَّلٌ باعتبار «يومئذٍ»، ومُفضَّلٌ عليه باعتبار سائر الأيَّام، وسبب شدَّة غضبه صلى الله عليه وسلم: إمَّا: لمخالفة الموعظة؛ لاحتمال تقدُّم الإعلام بذلك، أو للتَّقصير في تعلُّم ما ينبغي تعلُّمه [10] ، أو لإرادة الاهتمام بما يلقيه على أصحابه؛ ليكونوا من سماعه على بالٍ؛ لئلَّا يعود من فعل [11] ذلك إلى مثله، (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: (يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ) عن الجماعات، وفي رواية أبي الوقت: ((إنَّ منكم منفِّرين))، ولم يخاطب المطوِّل على التَّعيين، بل عمَّم خوف الخجل عليه؛ لطفًا منه [12] وشفقةً على جميل عادته الكريمة صلوات الله وسلامه عليه، (فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ)؛ أي: من صلَّى متلبِّسًا [13] بهم إمامًا لهم؛ (فَلْيُخَفِّفْ) جواب «مَن» الشَّرطيَّة، (فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ) الذي ليس بصحيحٍ [14] ، (وَالضَّعِيفَ) الذي ليس بقويِّ الخلقة، كالنَّحيف والمُسِنِّ، (وَذَا)؛ بالنَّصب؛ أي: صاحب (الْحَاجَةِ)، وللقابسيِّ: ((وذو الحاجة))؛ بالرَّفع مبتدأٌ، حُذِفَ خبره، والجملة عطفٌ على الجملة المتقدِّمة؛ أي: وذو الحاجة كذلك، وإنَّما ذكر الثَّلاثة؛ لأنَّها تجمع الأنواع الموجبة للتَّخفيف؛ فإنَّ [15] المقتضي له إمَّا في نفسه أو لا، والأوَّل إمَّا بحسب ذاته؛ وهو الضَّعيف، أو بحسب العارض؛ وهو المريض [16] ، أوْ لا في نفسه؛ وهو ذو الحاجة.

[1] في (ص) زيادة: «إلى المؤلِّف».
[2] في (ب) و(ص): «قال».
[3] في (ب) و(س): «قصته»، وهي هكذا في هدي الساري.
[4] «في دارٍ لنا»: سقط من (س).
[5] في (ص): «زاد».
[6] في (ص): «لعدم مقارنته»، وهو تحريفٌ.
[7] في (ص): «المصححة».
[8] «ابن عساكر»: سقط من (ب) و(ص).
[9] «والمفضَّل»: سقط من (س).
[10] في (ص) و(م): «تعليمه».
[11] في (ص): «نقل»، وهو تحريفٌ.
[12] في (ب) و(س): «به».
[13] في (م): «ملتبسًا».
[14] في (ص): «بضعيف»، وليس بصحيحٍ.
[15] في (ب) و(س): «لأنَّ».
[16] في (ص): «المرض».





90- ( سُفْيَانُ ): هو الثَّوريُّ.

( قَالَ رَجُلٌ ) قيل: هو حزمُ بنُ أَبِي كعبٍ.

( لاَ أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلاَةَ ) أوضح منه رواية: «إنِّي لأتأخَّر عن الصَّلاة»، ومعنى هذه: لا أكاد أدرك الجماعة لتأخيري عنها من أجل التَّطويل.

( وَذَا الْحَاجَةِ ) في رواية القابسيِّ: «ذو» عطفًا على محلِّ اسم ( إن ) قبل دخولها، وهو الاستئناف.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

90# حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أخبرني سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلاَةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلاَنٌ، قال: فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَباً مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ

@%ص129%

صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الحَاجَةِ».

وقال فيه في «كتاب الصلاة»: «إني لأتأخر عن صلاة الغداة»، وفيه: «إن منكم منفرين، فأيّكم ما صلى بالناس فليُجوِّز»، وقال: «الكبير» بدل: «المريض».

وفي حديث أبي هريرة: «فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض وذا الحاجة».

روينا فيه من غير طريق البخاري: «إني لأدع المسجد أن فلاناً يطيل بنا القراءة».

قال عياض: وقع في البخاري: «إني لا أكاد أدرك الصلاة مما يطيل بنا فلان» وفيه إشكال، وقد رواه الفريابي: «إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطول بنا فلان»، فلعل هذا تفسير منه، ولعله: «إني لأكاد أترك الصلاة»، وزيدت الألف بعد لا.

قلت: قد صوب أبو الزناد ما في البخاري، وقال: معناه أنه كان رجلاً ضعيفاً أو مريضاً، فكان إذا طول به الإمام في القيام لا يبلغ الركوع أو السجود إلا وقد ازداد ضعفاً عن اتباعه، فلا يكاد يركع معه ولا يسجد.

قلت: يرجح قول القاضي ما جاء من قوله في غير البخاري: «إني لأدع الصلاة» والأحاديث تفسر بعضها بعضاً.

هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن محمد بن كثير، وفي «الصلاة» في «باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود» عن محمد بن يوسف، كلاهما عن سفيان، عن أحمد بن يونس، عن زهير، وفي «الأدب» عن مسدد، عن يحيى، وفي «الأحكام» في «باب هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان»، عن محمد بن مقاتل، عن عبد الله.

وأخرجه مسلم في «الصلاة» عن يحيى بن يحيى، عن هشيم، وعن أبي بكر عن هشيم، ووكيع، وعن ابن نُمَير عن أبيه، وعن ابن أبي عمر عن ابن عيينة.

كلهم عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس به.

قوله: «فَمَنْ أم الناس فَلْيُخَفِّفْ» [1] فإن قيل: يعارض ما ورد من إطالته عليه السلام في بعض الصلوات أمره بالتخفيف بقوله: «إن منكم منفرين فأيكم

@%ص130%

أم الناس فليوجز» الحديث.

فالجواب ما قاله المازري وغيره: أن ما ورد من إطالته عليه السلام محمولة على أنه كان ذلك في بعض الأوقات ليبين جواز الإطالة، أو على أنه عَلِمَ من حال من وراءه في تلك الصلوات أنه لا يشق عليهم، وأوحي إليه أنه لا يدخل عليه من تشق عليه الإطالة.

قال بعضهم: جاء في رواية أبي الحسن في هذا الحديث: «وذو الحاجة» مرفوعاً، وهو إن صح معطوف على موضع (إنَّ) قبل دخولها، أو على المضمر الذي في الخبر المقدر.

السند:

فيه: محمد بن كثير أبو عبد الله العبدي البصري، أخو سليمان بن كثير، وسليمان أكبر منه بخمسين سنة.

أخرج البخاري في «العلم»، و«تفسير سورة النور»، و«البيوع» عنه، عن الثوري والأعمش، وأخرج غيره عنه عن شعبة وإسرائيل، وروى عنه علي بن المديني، والذهلي، وأبو حاتم الرازي، وأبو داود، وروى مسلم والترمذي والنسائي عن رجل عنه.

قال يحيى بن معين: «لا تكتبوا عنه، لم يكن بالثقة».

وقال أبو حاتم: «صدوق».

توفي سنة ثلاث وعشرين ومئتين.

قلت: روى له مسلم حديثا ًواحداً في «الرؤيا» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لأصحابه: «من رأى منكم رؤيا» الحديث، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عنه، عن أخيه سليمان.

وفيه: أبو مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أَسِيرة _ بفتح الهمزة وكسر السين، وقيل بضمها وفتح السين، وقيل بياء آخر الحروف مع فتح السين والياء مضمومة أيضاً _ بن عَسِيرة _ بفتح العين وكسر السين _ ابن عطية بن جِدارة _ بالجيم قيَّده الدارقطني، وبالخاء المعجمة قيَّده أبو عمر _ ابن عوف بن الخزرج، البدري، قيل: سمي به لنزوله بدراً وسكناه بها.

وقد عده البخاري في الجامع ممن شهد بدراً، وكذلك موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وهو قول ابن إسحاق والحكم، وقال سعد بن إبراهيم وغيره: لم يشهد بدراً، قال ابن الأثير: هذا

@%ص131%

قول أكثر [أهل] [2] السير.

روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة حديث وحديثان، اتفق البخاري ومسلم على تسعة منها، وانفرد البخاري بحديث، وهو: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت»، وانفرد مسلم بسبعة.

أخرج البخاري في «ذكر المدينة»، و«الدعوات»، وغير موضع عن عبد الله بن يزيد، وقيس بن أبي حازم، وبشير بن أبي مسعود، وربعي بن حراش، وغيرهم، عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال يحيى القطان: «توفي أيام علي رضي الله عنه».

وقال الهيثم بن عدي: «توفي آخر خلافته».

وقيل مات بالمدينة سنة إحدى وثلاثين، روى له الجماعة.

[1] كذا في الأصل، واللفظ الذي أثبت قبل في الحديث: «فمن صلى بالناس فليخفف».
[2] ما بين معقوفتين ليس في الأصل، أثبته من «أسد الغابة» (6/280).





لا تتوفر معاينة

90- وبه قال: ((حدثنا محمد بن كَثير)) ؛ بفتح الكاف وبالمثلثة، العبْدي؛ بسكون الموحدة، البصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومئتين ((قال: أخبرنا)) ولأبي ذر: (أخبرني) ((سفيان)) هو الثوري، ((عن ابن أبي خالد)) : هو إسماعيل البجلي الكوفي الأحمسي التابعي الطحان، ((عن قيس بن أبي حازم)) ؛ بالمهملة والزاي: أبو عبد الله الأحمسي الكوفي البجلي المخضرم، ((عن أبي مسعود)) عقبة بن عمرو ((الأنصاري)) الخزرجي البدري أنَّه ((قال: قال رجل)) قيل: هو حزم بن أبي كعب: ((يا رسول الله؛ لا أكاد أدرك الصلاة)) قال ابن الحاجب: إذا دخل النفي على (كاد) ؛ فهو كالأفعال على الأصح، ((مما يطول بنا)) (مِن) للتعليل، و (ما) : مصدريَّة، وفي رواية: (ممَّا يطول لنا) ، وفي أخرى: (ممَّا يطيل) ، فالأُولى من التطويل، وهذه من الإطالة ((فلان)) فاعله، كناية عن اسم سمَّى به المحدث عنه، ويقال لغير الآدمي: الفلان، بالتعريف، وهو معاذ بن جبل رضي الله عنه، وفي رواية المؤلف عن الفِريابي: (لأتأخَّر عن الصلاة) ، وجاء عند المؤلف أيضًا: (إنِّي لأدع الصلاة) ، فهاتان الروايتان يُنبئان أنَّ المعنى: أنِّي أتأخَّر عن الصلاة مع الجماعة، ولا أكاد أُدركها لأجل تطويل فلان، ((فما رأيت النبيَّ)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم في موعظة أشدَّ غضبًا)) بالنصب على التمييز ((من يومئذٍ)) وفي رواية: (منه من يومئذٍ) ، ولفظ (من) صلة (أشد) ، والضمير راجع إليه عليه السلام، فيلزم أن يكون المفضَّل والمفضَّل عليه شيئًا واحدًا، أُجيب: إنَّما جاز ذلك باعتبارين؛ فهو مفضَّل باعتبار يومئذٍ، ومفضَّل عليه باعتبار سائر الأيام، كذا في «عمدة القاري».

((فقال)) عليه السلام: ((يا أيها الناس؛ إنَّكم منفِّرون)) عن الجماعات، وفي رواية بإسقاط حرف النداء، وفي أخرى: (إنَّ منكم منفِّرين) ، وإنَّما خاطب الكلَّ ولم يُعيِّن المطوِّل؛ كرمًا ولطفًا به حتى لا يحصُل له الخجل، وكانت هذه عادته عليه السلام، ((فمَن صلَّى بالناس)) ؛ أي: ملتبسًا بهم إمامًا لهم؛ ((فليخفف)) جواب (مَن) الشرطيَّة، بأن يقتصر على الفاتحة وسورة من قصار المفصَّل، وهذا أدنى التخفيف، ويزيد على ذلك برضا القوم، ((فإنَّ فيهم المريض)) (الفاء) للتعليل، و (المريض) منصوب؛ لأنَّه اسم (إنَّ) وما بعده عطف عليه، وخبرها قوله: (فيهم) مقدَّمًا؛ وهو الذي ليس بصحيح، ((والضعيف)) ؛ أي: النحيف أو المسنُّ ((وذا)) بالنصب؛ أي: صاحب ((الحاجة)) وفي رواية: (وذو الحاجة) بالرفع: مبتدأٌ خبرُه محذوف، والجملة عطف على الجملة المتقدِّمة، أي: وذو الحاجة كذلك، وإنَّما غضب عليه السلام؛ لأنَّه كره التطويل في الصلاة من أجل أنَّ فيهم المريض ونحوه، فأراد الرِّفق والتيسير بأُمَّتِه، ولم يكن نهُيهه عن التطويل لحرمته؛ لأنَّه كان يصلِّي في مسجده ويقرأ بالطِّوال كـ (يوسف) ، وكان يقصر فيقرأ بالفجر المعوذتين لما سمع بكاء الصبي ونحوه.

فالمراد الإرشاد بأن يكون الإمام حكيمًا ينظر في القوم، فإن كان مرادُهم التخفيف؛ خفَّف، وإن كان مرادُهم التطويل؛ طوَّل، وإنَّما اقتصر على هذه الثلاثة؛ لأنَّه متناول لجميع الأنواع المقتضية للتخفيف؛ لأنَّه المقتضى له إما في نفسه أو لا، والأوَّل إمَّا بحسب ذاته وهو الضعيف، أو بحسب العارض وهو المريض، أو لا في نفسه؛ وهو ذو الحاجة.

وفي الحديث جواز التأخير عن صلاة الجماعة الأولى، وذكر الإنسان بفلان، والغضب لأمر منكر، والإنكار على مَن ارتكب منهيًّا، والتعزير على إطالة الصلاة إذا لم يرض القوم.